القامشلي مدينة العنف الآتي؟

شعبان عبود - القامشلي

 

في التاسعة صباحاً وبعد ايام قليلة على حوادث العنف التي عاشتها المدينة، وصلت القامشلي مع مجموعة من الناشطين السوريين في قضايا حقوق الانسان والمجتمع المدني. لم يكن فيها ما يدل على انها عاشت احداثاً مروّعة سوى وجود مفرزة أمنية وبضعة عناصر يحملون الاسلحة الخفيفة يقفون على باب مرآب الانطلاق، اضافة الى سيارة عسكرية روسية الصنع من نوع "غاز 66" وضع على عربتها رشاش من نوع "دوشكا" وقد تحلق حوله بضعة عساكر يحملون بدورهم بنادقهم ومخازن الرصاص الفردية. كان واضحاً ان سبب وجود هؤلاء هو حماية مركز انطلاق السيارات الآتية والمنطلقة.

اضافة الى هذا التواجد الامني لوحظ وجود سيارات امنية على بعض مفارق الطرق والساحات كتلك التي تقع في مدخل المدينة حيث ينتصب تمثال باسل الاسد ممتطياً جواده، وعدا ذلك قلما يلاحظ الغريب القادم الى المدينة اي مظاهر عسكرية.

ورغم ان الاكراد في المدينة يشكلون الغالبية فيها اليوم، فإن الزائر قلما يلاحظ وجود مظاهر تختلف عن بقية المدن السورية. فعلى المدخل ترتفع صور الرئيس الراحل حافظ الاسد والرئيس بشار الاسد مثلما ترتفع اعلام حزب البعث والعلم السوري ويمكن ملاحظة الشعارات نفسها مكتوبة على الجدران وكلها تحيي الحزب ومقولاته القومية اضافة الى بعض مقتطفات من احاديث الرئيس. كلها يمكن ملاحظتها مكتوبة بالطلاء على جدران المباني الحكومية والمدارس وغيرها، حتى الفندق الذي نزلنا فيه (صحارى) يقع في شارع "زكي الأرسوزي" أحد المفكرين المؤسسين لحزب البعث العربي الاشتراكي!

في جميع اللقاءات مع مسؤولي الاحزاب الكردية السورية المتواجدين في المدينة، كان هناك إصرار على اعادة مصححة لرواية ما حصل في ملعب القامشلي، وكان هناك تأكيد على ان من بدأ هم مشجعو "نادي الفتوة" الديري، وان محافظ المدينة "شخصياً" وقادة الشرطة يتحملون مسؤولية ما حصل. ولم يكن ما خرج من الاكراد من تعابير وشعارات ورفع اعلام وإسقاط اخرى وتمزيقها، اضافة الى الشعارات التي دعت لإسقاط الرئيس بشار الاسد وحيّت "أبو آزاد" او "ابو الحرية" جورج بوش سوى رد فعل. كذلك يأتي رفع علم كردستان ومقولات مثل "الانتفاضة" و"تحرير القسم الغربي من كردستان..." و"قطعان البدو العرب التي نزلت الى المدينة". كل ذلك كان سببه بحسب القيادات الكردية "مجرد رد فعل" أتى من أناس غوغاء هم في غالبيتهم شباب في مقتبل العمر، ومن متطرفين خارج سوريا، أطلق أحدهم عليهم صفة "مثقفي الفضائيات الذين لا يعرفون حقاً ما هي أوجاع الشارع الكردي ومطالبه".

يقول اسماعيل عمر أحد قيادي حزب "يكيتي": "ليس الموضوع ملعباً رياضياً، هناك سياسة شوفينية أوعزت بإطلاق النار، كان يمكن ان تحل المشكلة بخراطيم المياه... كذلك فإن تصوير نائب الرئيس عبد الحليم خدام الموضوع على أنه حدث جنائي دون التفكير في جذور المسألة الكردية يساهم في تعقيد المشكلة".

ويضيف خير الدين مراد: "لنا قضية قومية، يحق لنا ما يحق لغيرنا، نريد من النظام ان يبدي حسن نية، لغة التخوين والمحاسبة التي يتحدث بهامسؤولو النظام ستؤدي الى وضع خطير، وفي جميع الاحوال نحن في القيادات الكردية من هدّأ الاوضاع وليس السلطة... في الوقت الذي كان فيه الاعلام الرسمي يتحدث عن عناصر مندسة وخارجية، نحن نقول لا يوجد عناصر خارجية، ما حصل هبّة جماهيرية أتت نتيجة الاحتقان الطويل. ونحن من هدّأ الامور...".

ويقول فيصل يوسف من الحزب الديموقراطي التقدمي "خرج اخيراً من السجن بعض المعتقلين على خلفية ما حصل، السلطات لا تريد أن تعطي إيحاء بأنها أخرجتهم نتيجة حوارنا معها، لأنها لا تريد أن تعطي إيحاء بوجود ضغط عليها من قبل الاحزاب الكردية، لأنها بالاصل لا تريدنا أن نتمتع بصدقية امام شارعنا، وهذا بدوره يضعفنا، ويجعلنا بلا تأثير... وهذا ليس من مصلحة أحد".

على الجانب العربي، يبدو المشهد قبلياً وعشائرياً اكثر مما هو سياسي، واذا كان الاكراد يتحدثون اليوم عن "كردستان" ويرفعون شعارات مجد الرئيس الاميركي، وتتوسل الحرية منه طالما تم اعتباره أباها (أبو آزاد)، فإن العشائر العربية مثل "طيّء" و"الجبور" و"شمور" وغيرها يرون في ذلك "خيانة" وتصرفات لا تليق بمواطنين عاشوا معهم كل هذا الوقت. يقول الشيخ محمد الفارس رئيس عشيرة طيّء: "أنا كعربي لا أهدد بالعلم الاميركي، أنا مسلم اقول "وأطيعوا أولي الامر منكم" لذلك فإن لف تمثال الرئيس حافظ الاسد بالعلم الكردستاني تشبيهاً بما فعله الاميركيون بتمثال صدام حسين، وربط تمثال ابنه باسل بالجنازير في محاولة لجره واقتلاعه، لا نفهمه الا على أنه أمر مقزز ويهدد وحدتنا وتآخينا الذي اجتمعنا عليه هنا طويلاً، عرباً وأكراداً ومسيحيين لكن باسمي وباسم العشائر نمد يدنا للمصالحة بصدق ونتعاون على حل الرواسب التي ما زالت في النفوس".

لكن عربياً آخر من قبيلة اخرى يعمل محامياً كان قد حضر الحوار، يقول غاضباً، "قبل سقوط صدام كان الاكراد مدللو السلطة، كنا متهمين، لأننا عرب، كنا ننعت بالصداميين، طوال 30 سنة نعتنا بالصداميين، وكان هناك مكاتب (سفارات هنا للبارزاني وطالباني، رغم كل ذلك حافظنا على الوحدة الوطنية ولم نفعل شيئاً، يجب على الاكراد أن يعطوا تفسيراً لما حصل، هؤلاء الذين رفعوا اعلاماً اميركية، وكردية، وتحدثوا عن تحرير القسم الغربي من كردستان، هذه الارض عربية، وستبقى...".

اضافة الى الاكراد والعرب يعتبر المسيحيون من اصول سريانية كلدانية وآشورية أحد أهم مكونات النسيج الاجتماعي والسياسي في المدينة، لا بل يعتبرون أنفسهم "أقدم الجميع وأول من سكن المنطقة" في الوقت الذي يعتبرون أنفسهم "أضعف" مكونات هذا النسيج وأكثرهم "غبناً". وفي الوقت الذي يطرح فيه كل من العرب والاكراد مقولات قومية عربية واخرى كردية تتحدث عن عروبة المنطقة وكرديتها، يرى هؤلاء ان ذلك "تشويه للحقائق التاريخية، لكنهم بخلاف الفريقين، يطرحون بديلاً أكثر عقلانية من العروبة والكردية، هو "الهوية السورية ودول المواطنة"، ويعنون بذلك أنهم لا يريدونها "لا عربية ولا كردية" فلا هم وجدوا أنفسهم في دولة البعث العروبية القومية ولا يرضون ان يكونوا مجرد مواطنين في "كردستان" الآتية، لا بل ثمة مشكلة مع "كردستان" هذه والاكراد عموماً، لأنهم، اي الاكراد، "لاجئون جدد أتوا بالامس القريب من دول مجاورة" في اشارة الى هروبهم من تركيا والعراق ايام حصول المجازر الاولى وحكم صدام حسين في الثانية.

يقول يوسف سلمان من المنظمة الآشورية: الخطاب الكردي المتطرف هو رد على خطاب عربي متطرف، نريد خطاباً وطنياً جديداً وقيماً وثوابت جديدة، ما حصل يجب أن نتعلم منه، كدنا نصبح على حافة حرب أهلية".

ويقول آخر: "على الحواجز الامنية التي وضعت اخيراً، عندما أُسأل ما هويتك؟ كردي؟ عربي؟ مسيحي؟ اشعر بالقلق، هذا يصيبني بالصميم...".

يقول الكاتب الكردي والناشط في لجان إحياء المجتمع المدني مشعل التمو آسفاً على ما جرى: "حتى الستينات كانت القامشلي مدينة غير بعيدة عن الحضارة بكل ما تعنيه الكلمة، كنت ترى هنا النساء يرتدين آخر ما تنتجه دور الازياء الاوروبية، وكان هناك العديد من دور السينما، اشهرها "دار حداد"، والكثير من المسارح، كان كل ذلك حتى الستينات... اليوم لا شيء. لا يوجد شيء، فقط هو الاحتقان ضد الآخر، اقصد العرب والاكراد والجميع...".

كان هذا الكاتب يسترجع ذكريات من ماض بعيد، افتقدته كل المدن السورية، ويحذر من زمن مقبل، ربما يشبه ما حدث في ملعب القامشلي، لكن اكبر وأكثر مأسوية وأطول زمناً.