أحــــــداث القــــــامشلي و"النمــــــــوذج اللبنــــــــاني":

أحداث القامشلي و"النموذج اللبناني":  استئصـال ادوات الخــارج وانصــاف اصحــاب الحقــوق

عبدالله خالد

 

-1-

اعترف مسبقاً أنني فوجئت بما حصل في القامشلي رغم متابعتي الدقيقة لما يجري في سوريا. ومبعث المفاجأة ان النسيج الوطني في سوريا متماسك ومتلاحم بشكل يصعب اختراقه بسهولة. كما أنه لا توجد مشكلة كردية في سوريا بل الاكراد أنفسهم يعترفون بأن الرعاية التي توافرت لهم لم تقتصر عليهم فقط بل تعدتهم الى آلاف الاكراد الذين أجبرتهم ظروفهم على مغادرة العراق او تركيا خلال الاحداث الدامية التي حصلت هناك.

وعلى صعيد النسيج الوطني السوري فإن الرئيس الراحل حافظ الاسد حرص بعد قيامه بالحركة التصحيحية عام 1970 على توسيع المشاركة الشعبية وتحصين الوحدة الوطنية وتعزيز العمل العربي المشترك بحيث عرفت الاتنيات والطوائف والمذاهب التي يتضمنها النسيج السوري فسحة واسعة من المساواة وتكافؤ الفرص سمحت لابنائها بالوصول الى ابرز المراكز في الدولة والمجتمع علماً ان الاكراد أنفسهم قد وصلوا الى مناصب رفيعة كرئاسة الجمهورية والوزارة ومجلس النواب وغيرها، كما أنهم موجودون اليوم في القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية والقيادتين القومية والقطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي وفي الوزارة ومجلس الشعب والجيش وغيرها من مؤسسات الدولة والمجتمع.

إن هذا التماسك الوطني هو حقيقة ملموسة تؤكد اهمية التنوع في اطار الوحدة كمدخل لتوفير مستقبل افضل يعم جميع فئات المجتمع في سوريا. وهذا هو سبب المفاجأة التي تحدثت عنها في البداية من تحول خلاف في ملعب رياضي في القامشلي يحدث كل يوم وفي كل انحاء العالم ويمكن تطويقه بسرعة الى اعمال عنف وشغب طاولت مؤسسات الدولة. وكان من الممكن - لو اقتصر الشغب على مكان المباراة الرياضية - ان يفسر الامر على أنه "فشة خلق" سرعان ما تزول. ولكن ما حدث هو عكس ذلك تماماً بدليل اتساعه الى إحراق مؤسسات رسمية وصوامع الحبوب بهدف تجويع الشعب السوري ليتوسع بعد ذلك الى العامودة ورأس العين والحسكة وديريك وكوباني وحلب ودمشق ولترتفع شعارات تندد بالاحتلال السوري وتطالب بالانفصال وترفع العلم الكردي كبديل من العلم السوري وتمزق صور الرئيس الاسد وترفع صور البارزاني بدلاً منها وتحيي الرئيس بوش "أبو الحريات".

إن مثل هذه الاعمال لا يمكن ان تقوم بها الا حفنة من الذين امتهنوا التخريب من خارج الحدود السورية مدفوعين من قبل من يريد ان يمارس الضغط على سوريا لحرفها عن ثوابتها الوطنية والقومية. لقد ازداد النسيج الوطني السوري تماسكاً بعد هذه الاحداث ليشمل قوى المعارضة السورية التي ترفض ان تكون اداة ضغط لمصلحة إضعاف سوريا رغم التحفظات التي تحملها على النظام فيها.

إن أحداث القامشلي وما تلاها كان المطلوب منها ان تشكل فرصة لممارسة مزيد من الضغط الاميركي على سوريا بدليل مسارعة الادارة الاميركية الى إظهار معارضتها للقمع السوري للمحاولات السلمية للتعبير عن الرأي من جانب الاكراد مثبتة بذلك أنها لا تملك معايير مزدوجة فقط وانما قصر نظر ايضاً بدليل عدم رؤيتها لكل اعمال الشغب التي طاولت المؤسسات والثروات السورية.

ورغم مشاعر الغضب التي ولدتها احداث القامشلي الا اننا لا يمكن ان نقع في فخ المخطط الاميركي - الصهيوني الذي يريد إحداث شرخ في العلاقة التاريخية بين العرب والاكراد خصوصاً ان اكــراد ســوريا العقلاء قد عبروا بوضوح عن شــجبهم لما جـــرى ورفضــهم التحول الى ادوات لتنفيذ المخططات المعادية.

ما اريد ان أؤكده هنا هو اننا سنظل ننظر الى اي ظاهرة شاذة على أنها ظاهرة مرضية تستوجب استئصال المرض وليس المريض بمعنى انه لا يجوز اطلاقاً ان تنعكس اخطاء قلة باعت نفسها على الكثرة التي أثبتت رفضها الانجرار وراء الفتنة وسنظل ننظر بعين العطف الى المطالب العادلة للاكراد ونشجع درسها ومعالجتها ووضع الحلول الناجحة لها.

واذا كنا لا نجد في الحل الامني - على أهميته - الحل الامثل الا أنه لا بد من القيام بعملية فرز جادة تسمح بالمحافظة على الابرياء من ابناء شعبنا وتعطي الفرصة لمن ضلل للعودة الى جادة الصواب مع التأكيد على معاقبة من تثبت ادانته. إن ما نأمله هو ان تكون احداث القامشلي الفرصة المناسبة لتشكيل لجنة تحقيق تدرس واقع الاكراد في سوريا بشكل موضوعي وتتمخض عن اجراءات جديدة تنصف اصحاب الحقوق وتستأصل من صفوفهم كل من جعل نفسه اداة رخيصة في خدمة المخططات المعادية لتبقى سوريا كما كانت دائماً ملاذاً للمضطهدين والمعذبين خصوصاً ان النسيج الوطني في سوريا اشبه ما يكون بقطــعة فسـيفساء يجمّلها التنوع ويغنيها التعدد في اطار وحدة وطنية تتمسك بثوابت يحرص الجميع على الحفاظ عليها.

وقد تشكل المواقف الواعية التي اتخذتها كل فصائل النسيج الوطني السوري من احداث القامشلي فرصة مناسبة لبدء حوار جاد ومسؤول حول منطلقات الاصلاح والتطوير والتحديث التي تضع الاساس الراسخ لديموقراطية تعزز المشاركة الشعبية وتحقق التماسك الوطني وتعزز الثقة والتواصل بين فئات المجتمع الواحد (...).

إن المرحلة التي تمر بها المنطقة تتطلب أوسع تضامن شعبي لمواجهة المشاريع المطروحة التي تريد ان تفرض على المنطقة نمط عيش يتوافق مع المصالح الاميركية ويضمن الهيمنة الصهيونية على فلسطين وكامل التراب العربي الامر الذي يستوجب العمل على تحقيق عقد عربي جديد قد تكون احدى بوادره البدء بمصالحة تاريخية بين الانظمة وشعوبها بدلاً من الارتهان المهين للمشاريع المشبوهة.

-2-

وكما كانت احداث القامشلي مفاجئة فقد شكلت ايضاً فرصة لاجراء مراجعة نقدية لكل الاحداث المشابهة التي جرت في أكثر من قطر عربي كإفراز طبيعي لما أنتجته طبخة سايكس - بيكو التي قسمت بلاد الشام دويلات تؤمن مصالحها على حساب الشعب الواحد في المنطقة العربية.

ولعلنا ما زلنا نذكر أن مؤتمر فرساي للصلح كان يشهد في كواليسه نقاشاً حاداً حول مشروعي سايكس - بيكو ووايزمان. واذا كنا ما زلنا نعيش المأساة التي أفرزها مشروع سايكس - بيكو فعلينا ان نعترف ان مشروع وايزمان كان اكثر سوءاً لأنه كان يريد تقسيم المنطقة على اساس عرقي واتني وطائفي ومذهبي ويزرع التناقضات بينها لضمان تشريع الوجود الصهيوني في المنطقة وكان يتضمن انشاء دويلة كردية ايضاً. وهذا ما جعل بعض الاكراد منذ ذلك التاريخ ينسجون علاقات سرية مع اليهود فرضتها وحدة المصالح.

صحيح ان مشروع سايكس - بيكو قد انتــصر ولـكن روح مشروع وايزمان هي التي هــيمنت لتنفخ روحاً قطرية خصوصاً ان النـظام الـعربي الرســـمي قد أنشئ في مطبخ بريطاني لتكريس التجزئة وخلق صراعات حدود تسمح بتمييع الهوية القومية او تجعلها في أحسن الاحــوال مجرد شعار فارغ من أي مضمون.

ولعل من ابرز افرازات سايكس - بيكو السلبية تشجيع المحاولات الرامية الى اقامة الوطن القومي المسيحي في لبنان الذي استمر يراود مخيلة البعض والذي كان الحديث عن أمن المجتمع المسيحي خلال الحرب العبثية المجنونة الاخيرة أحد تجلياته.

إن استقراء التاريخ يوضح لنا إن السلطان عبد الحميد رفض كل الاغراءات التي قدمت له لتشجيع الهجرة اليهودية الى فلسطين بحجة إنه لا يريد ان يعيد تجربة ما حدث في جبل لبنان.

إن مغامرة الوطن القومي المسيحي التي استهوت البعض في لبنان والتي تم تشجيعها من قبل أكثر من طرف خارجي قد أدخلت المسيحيين ومعهم لبنان في دوامة من الفتن ما زلنا نعيش نتائجها الى اليوم، والتي ما زالت قلة تراهن على امكان حصولها نتيجة تغيير ما في موازين القوى رغم الموقف الحكيم والشجاع لقداسة البابا الذي دعا في الارشاد الرسولي الى تجذر المسيحيين في أرضهم وتفاعلهم مع محيطهم ليتمكنوا من التأثر والتأثير فيه. يضاف الى ذلك موقف غبطة البطريرك صفير الذي يلقى كل تقدير واحترام من قبل الجميع مسلمين ومسيحيين.

لقد دفع لبنان آلاف القتلى والجرحى ثمن مغامرة عبثية نتيجة قبول بعض ابنائه ان يكونوا ادوات لتنفيذ مخطط لا ناقة لهم فيه ولا جمل بل إن من دفعهم الى هذه المغامرة قد تخلى عنهم بعد أن تم تدمير الحجر وتهجير البشر وخربت البلاد وعادت مئات السنين الى الوراء.

ونحمد الله ان اتفاق الطائف قد أوقف الفتنة وأوقف معها سفك الدماء بعد أن اصبحت العلاقة اللبنانية - السورية صمام الامان لمسيرة السلم الاهلي مع التأكيد على اهمية تحصينها وتطويرها لما فيه مصلحة الشعب الواحد في الدولتين السيدتين المستقلتين.

كما أنعش الاحتلال الاميركي للعراق الآمال الكردية بإقامة وطن كردي فقبلوا ان يكونوا حصان طروادة يروجون للديموقراطية الاميركية ويعتبرون الاحتلال تحريراً ويشيدون بمآثر بوش.

وقد دفعتنا أحداث القامشلي للعودة الى بعض الادبيات الكردية فهالنا ما في بعضها من شعارات انفصالية تحمل الكثير من الاستفزاز للعرب ومن النعوت المخزية التي تتجاهل مئات السنين من الاخاء العربي - الكردي وتبشر بسقوط دمشق بعد بغداد وتتحدث عن ضرورة تحرير جزء من كردستان من الاحتلال السوري الامر الذي لا يترك اي مجال للشك في أن بعض الاكراد كانوا ينتظرون الفرصة المناسبة لبدء تحركهم متوهمين ان الظروف الدولية تخدمهم وان "بطل الحريات" بوش سيساندهم للتخفيف من المأزق الذي يعيش فيه العراق.

لقد شعرنا كمواطنين عرب تعاطفوا دوماً مع المطالب الكردية المحقة بالغصة حين وجدنا ان الانفتاح على مطالبهم يقابل بالحقد والتقوقع والدعوة الى الانفصال. وتألمنا لأن مرحلة جديدة من المعاناة ستبدأ وان وقودها هذه المرة سيكون الدم الكردي والدم العربي الذي سيهدر بشكل مجاني لخدمة اهداف اميركية - صهيونية واضحة.

إن السؤال الذي يضج في الاعماق اليوم هو الآتي: هل يمكن ان يكون الذين ظهروا في القامشلي وبروكسل وجنيف أحفاد القائد الكبير صلاح الدين الذي حرر بيت المقدس وصنع مجد الأمة؟ اين انت يا صلاح الدين لتردع هؤلاء المغامرين وتخبرهم بأن مصلحتهم الوحيدة تكمن في الحرص على وحدة نسيج الأمة والتمسك بالإخاء العربي - الكردي بدلاً من التحول الى ادوات رخيصة في مخطط استعماري هدفه الضغط على سوريا لاضعافها ومنعها من القيام بدورها الوطني والقومي؟

ترى ألم يقرأ هؤلاء التاريخ ليكتشفوا مصير كل من تعاون مع اميركا ووضع نفسه في خدمتها لتتخلى عنه بعد ان يحقق لها اغراضها؟

إن ما يعزينا هو ان من تورطوا في أحداث القامشلي يشكلون اقلية ضئيلة في الصفوف الكردية وان غالبيتهم قد جاءت من خارج الحدود. ولذلك فإن محاصرتهم واستئصالهم تستوجب تلبية المطالب العادلة لاخواننا الاكراد باعتبارهم جزءاً من النسيج الوطني السوري حفاظاً على وحدته وضماناً لمستقبله.