أحداث القامشلي: مسؤولية النظام وأوهام التطرف القومي

اكرم البني

 

من تبسيط الامور اعتبار ما جرى من صدامات دامية في مدينة القامشلي شمال شرق سوريا يومي الجمعة والسبت (12-13) من هذا الشهر، وامتد الى مناطق ومدن اخرى في محافظتي الحسكة وحلب والعاصمة دمشق، فعلا خارجياً لعملاء مندسين يضمرون شراً لزعزعة استقرار البلاد وأمنها.

كما من الخطأ والخطر في آن واحد إخفاء الأسباب الداخلية لهذا الحدث والتي تُفاقم التوتر والاحتقان السياسي والاجتماعي في البلاد عموماً وبين العرب والاكراد على وجه الخصوص، ومنها ما يتعلق بحالة القلق والاحباط التي يعيشها المواطن السوري، ومنها ما يتعلق بتنامي شعور الكرد بالغبن والظلم مع استمرار سياسات التمييز وتجاهل مطالبهم المشروعة وهم يراقبون إخوانهم في العراق ينالون حقوقهم السياسية والثقافية كاملة.

واذا غضضنا النظر عن الطرف البادىء وتفاصيل المواجهات المؤلمة، يغدو مفهوماً ان تندلع الشرارة الاولى من شمال شرق سوريا حيث محافظة الحسكة أهم معقل للكرد وحيث تتميز محافظة دير الزور بتعاطفها القوي سياسياً وعشائرياً مع النظام العراقي وبإحساس بالغدر والخيانة جراء سياسات الاحزاب الكردية العراقية مما انعكس سخطاً وغضباً على الكرد أينما كانوا!

عودة الى الوراء...

يصل عدد الكرد السوريين الى ما يقارب المليوني نسمة ينتشرون في معظم المدن والمناطق السورية ويتركزون بكثافة لافتة في معظم مدن محافظة الحسكة وقراها، كالقامشلي وعامودا والمالكية ورأس العين، وفي حيي الشيخ مقصود والاشرفية في مدينة حلب ومناطق إعزاز وعفرين وعين العرب وجرابلس من ريفها. وفي حيّي ركن الدين ووادي المشاريع في مدينة دمشق.

ويعتبر الكرد تاريخياً "على كثرتهم" جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي السوري، شاركوا في مختلف أنشطة الحياة بصورة طبيعية ودون تمييز، وتبوأ بعضهم مناصب قيادية وسياسية مهمة، فمنهم من قاد المعارك ضد الاحتلال الفرنسي كابرهيم هنانو، ومنهم من وصل الى مناصب عليا سياسية وعسكرية بما في ذلك رئاسة الجمهورية كفوزي السلو وحسني الزعيم. لكن بدأت تتضح في سوريا معالم "مشكلة قومية كردية" بفعل تعاقب سياسات غير ديموقراطية استمدت نسغها من أيديولوجيا مشبعة بالتعصب القومي، تتجاهل التنوع والاختلاف واحترام حقوق الانسان ومصالح القوميات الاخرى، مما وضع حجر الاساس لنمو شروخ عميقة في اللحمة الوطنية، زادها عمقاً انتعاش المشاعر القومية لأكراد سوريا مع تواتر الحراك الكردي الخارجي في العراق أو تركيا وانجرار بعض تنظيماتهم الى "لعبة" الصراع الاقليمية والعالمية، مما أشاع مناخاً من الشك والريبة وعزز الاندفاعات الشوفينية العربية ضدهم، وشجع بعض غلاة التطرف القومي على ابتكار أساليب متنوعة لاضطهاد الاكراد وسلبهم حقوقهم كمواطنين تميهداً لتغييب دورهم كأقلية قومية في التكوين الاجتماعي السوري.

فكان أول إجراء تمييزي، لا يزال الاكراد السوريون يعانون منه الأمرّين، مشروع الاحصاء الاستثنائي لعام 1962 الذي حرم اكثر من سبعين الف كردي من الجنسية السورية، ليبلغ عددهم اليوم ما يقارب المئتين وخمسين الفا، دون احترام لحقوقهم كبشر ولمستقبل أسرهم وأطفالهم. ومن يومها عرف المجتمع السوري ظاهرة جديدة اسمها "المكتومون" او "البدون" وهم المجردون من الجنسية الذين فقدوا حق المساواة أسوة بغيرهم من المواطنين في الهوية والتملك والتعليم والتقاضي والعمل والصحة... الخ، وباتوا أجانب، غرباء عن مجتمع عاشوا بين ظهرانيه مئات السنين.

ثم جاء مشروع الحزام العربي هادفاً الى تفريغ الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا في محافظة الحسكة او الجزيرة بعمق 10 الى 15 كلم من سكانه الاكراد الأصليين، وتوطين أسر عربية بدلا منهم لقطع أواصر الارتباط الجغرافي بينهم وبين أقربائهم وامتداداهم القومية خارج الحدود السورية.

واغتنمت السلطات فرصة بناء سد الفرات ومشروع اعادة توزيع الاراضي الزراعية لتستولي على أراضي الفلاحين الاكراد وتقيم مزارع نموذجية مزودة بالمياه والمدارس والحماية الامنية وتمليكها لفلاحين عرب غمرت مياه السد قراهم، وبالفعل تم توطين اكثر من أربعة آلاف أسرة عربية في الشريط الحدودي وتوزيع أكثر من 700 الف دونم من الاراضي المصادرة عليهم. ورافق ما سبق سياسة ممنهجة تهدف الى طمس الهوية الكردية وصهر الكرد "كأفراد" في بوتقة القومية العربية، تجلت في استمرار قمع الحركة السياسية الكردية واعتقال نشطائها وحرمان الاكراد من التحدث بلغتهم الخاصة ومنع الموسيقى والاغاني الكردية وتغيير الاسماء التاريخية الكردية لمئات القرى والبلدات والتلال والمواقع واستبدالها بأسماء عربية.

النظام السوري، مسؤولية مزدوجة...

تتحمل السلطات السورية مسؤولية مزدوجة تجاه ما جرى، مرة بإصرارها على تجاهل خصوصية الوضع الكردي وإهمال مطالبه وحقوقه المشروعة مما انعكس إحباطا سياسياً واحتقاناً اجتماعياً في صفوفهم، ومرة باللجوء الى الخيار الامني والعسكري لمعالجة التوترات الاخيرة.

وليس غريباً أن يهمَل وضع الكرد ولا يحظى بالاهتمام الذي يستحقه من قبل السلطات على خطورته وحساسيته الراهنة، مثلما لم يكن غريباً أن يهمل الاصلاح السياسي الديموقراطي وتجمد حركته على أهميته في تحرير الطاقات كافة وتهيئتها لمواجهة الضغوط والاخطار الناهضة امام المجتمع.

زاد الأمر خطورة استسهال بعض أطراف السلطة إطلاق الرصاص في غير مكان على حشود المواطنين الكرد العزّل ما أدى الى سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى تبعه اعتقالات عشوائية طاولت المئات من الشبان الاكراد، وحصار لا يزال مستمراً حول بعض الاحياء والبلدات التي تضم غالبية كردية، ولعل ما يزيد الطين بلة الاخبار التي يجري تناقلها عن تسليح القرى والعشائر العربية المتاخمة للقرى الكردية واطلاق دورها قمعاً وارهاباً.

ومن ثم جاء دور الاعلام لتمرير الحل الامني وتبريره بتصعيد لهجة العداء القومي للكرد وشحن النفوس شوفينياً ضدهم ربطاً مع اتهامات بالعمالة والتواطؤ مع الخارج والتشهير بأنهم يبيتون فتنة وهدفاً انفصالياً، وبصرف الانظار عن جوهر المشكلة والاكتفاء بعرض اعمال التخريب والاندفاعات الغوغائية لبعض المتطرفين الكرد الذين بدوا ان لا رابط يربطهم بالمجتمع السوري خاصة عندما رفعوا شعارات استفزازية تستقوي بالخارج وباميركا ت تحديداً ومزقوا العلم الوطني ونادوا بسوريا عراقا ثانيا... كذا!

القوى الوطنية، سلوك ناضج ومتزن...

في المقابل تميز موقف القوى الوطنية العربية والكردية على حد سواء بالاتزان والموضوعية في التعامل مع مثل هذا الحدث النوعي والحساس فدعت في بيان حمل اسم نداء عاجل وقعته اطراف المعارضة السياسية السورية ومنظمات حقوقية ومدنية وكل من التحالف الوطني الديموقراطي الكردي والجبهة الوطنية الديموقراطية الكردية الى "وقف العنف فوراً والى بذل كل الجهود لمحاصرة الحدث وإيقاف تطوراته تمهيداً لمعالجته بتغليب لغة العقل في مواجهة التشنج والانفعالات والحسابات الضيقة ما يقطع الطريق على أية ذريعة يمكن ان تستخدمها اطراف خارجية للنيل من لحمة مجتمعنا وتكاتفه"، ووجدت "في لجوء أجهزة السلطة الى الحل الامني والعنف وبالا على المجتمع والوطن" داعية الى "معالجة سياسية اجتماعية شاملة على قاعدة بنية مجتمعية يكون فيها المواطن المتساوي في الحقوق اساس اللحمة بعيداً عن أية تمايزات عشائرية او طائفية او قومية"، وايضاً الى رأب الصدع الذي حصل "بتشكيل لجنة تحقيق وطنية عامة تحظى بقبول جميع الاطراف من اجل تقصي حقيقة ما جرى وتحديد المسؤولين ومحاسبتهم".

وتم نقل هذه الافكار الى احد المسؤولين السوريين في لقاء عاجل ضم ممثلي معظم القوى المشاركة في التوقيع على هذا البيان، جنباً الى جنب مع دور ميداني قام به عدد من النشطاء الحقوقيين والمدنيين لتهدئة النفوس ووقف الاندفاعات الاستفزازية خصوصا في وادي المشاريع والمدينة الجامعية بدمشق، وفي زيارة قامت بها مجموعة اخرى من النشطاء الى مدينة القامشلي التقت بعض المثقفين الكرد، على قاعدة تسكين ا لتوتر والتشجيع على الاحتكام للموضوعية والعقل.

ولعل من دواعي العدل والانصاف القول ان تطور الحس القومي لأكراد سوريا لم يكن يوماً على حساب ولائهم لوطنهم السوري، فاذا استثنينا قلة من الاصوات المغالية في التطرف والتي تروج افكارها عبر الانترنت فان الحركة السياسية الكردية وهي اكثر من عشرة احزاب تفرعت عن جذر واحد هو الحزب الديموقراطي الكردي، تتفق جميعها على شعارات تؤكد على الانتماء السوري وتدعو الى تمتين اواصر الاخوة العربية الكردية والحريات العامة والديموقراطية. لكن ما يشوب سياساتها ويتركها عرضة للأخذ والرد انها دأبت في أحيان كثيرة على تقديم شعاراتها  الخاصة المتعلقة برفع الظلم والاضطهاد القومي على حساب المطالب الديموقراطية العامة، مما رسم مسافة واضحة بينها وبين القوى الديموقراطية العربية التي تعتبر المسألة الكردية جزءا لا يتجزأ من القضية الديموقراطية العامة وتجد في انتصار الاخيرة انتصارا للحقوق القومية العربية والكردية على حد سواء.

وزاد في اتساع هذه المسافة موقف غالبية القوى الكردية السورية مما حدث في العراق وغزلها السياسي مع الحركة الكردية العراقية وإحجامها المقصود عن اعلان موقف من طابع الحرب الاميركية وأهدافها، ما دفع بعض المتطرفين العرب الى كيل اتهامات العمالة والتخوين ضد الاكراد، ردت عليها المشاركات النضالية الكردية والعربية وأشكال تنسيق سياسية ومدنية متنوعة لمصلحة العمل الديموقراطي العام مما لعب دوراً مهماً في حصار الشحن القومي وازالة بعض ما يعتمل في النفوس من ضغائن، وفي خلق حوار جدي حول وحدة النضالين العربي والكردي بدأ يأخذ مكانه ببطء وبثقة في صفوف المجتمع السوري.

وهنا يجب الاعتراف بالأثر التاريخي للحراك الكردي في الجوار على مزاج الجمهور الكردي وحراكه في سوريا وكلنا يتذكر حركة التطوع الواسعة لأكراد سوريا من أجل دعم البيشمركة في شمال العراق قبل توقيع اتفاقية آذار ،1975 وأيضاً كيف أذكى الوجود شبه العلني لحزب العمال الكردستاني في الساحة السورية الروح القومية الكردية مجنداً غالبية الشباب والفتية الاكراد للقتال في جبال كردستان، الامر الذي أكره الاحزاب الكردية السورية كاتجاه عام على توسل تطورات النضال الكردي الخارجي في خطابها السياسي، لا خصوصية الوضع السوري ومعانيه المميزة، مما أفقدها القدرة على انتزاع ثقة الناس واحترامم كما ثقة الجماهير السورية، واذا أضفنا ما شهدته تاريخياً من صراعات داخلية نشطت فيها آليات التفكك والانقسام بأفق الحسابات الذاتية والمصالح الضيقة، يمكن ان نفسر لماذا بدت القوى الكردية السورية في الاحداث الاخيرة في واد والشارع الكردي في واد آخر.

(دمشق)