(يالو )  من القامشلي

 بقلم : وسام سعادة

يتحدّر <<يالو>>، بطل رواية الياس خوري، هو أيضاً من القامشلي. لطالما تأسف جدّ يالو لأن حفيده نصف أمّي لا يعرف من اللغات سوى العربية ويفك الحرف السرياني بصعوبة. هذا الجدّ كفّ في أيامه الأخيرة عن التكلّم باللغة العربية وعاد الى لغته الأم. ولكن ما لغته الأم؟ هو يدّعي أنها السريانية، ويالو يؤكد أنها الكردية.
تتصدّع الانتماءات القامشلية لجدّ يالو وتنشق عنها لبنانية حفيده. تحمل معها ذكرى مجازر كردية بسريان تلك الناحية. لكنها لا تحمل ما يكفي من حقد، لأن الدم يتمازج حتى في المجازر، بحيث يصير الكردي سريانياً، والشمال سوري لبنانياً يسكن في حارة السريان بالمصيطبة.
حكاية القامشلي مثل حكاية يالو وجدّه، حكاية انتماءات متصدّعة، دماء تتمازج حتى في المجازر. لم تكن المنطقة يوماً حكراً على قومية أو قوميتين، فهذه الناحية من الشرق كانت منذ أمد بعيد مساحة فسيفساء قومية وطائفية ولغوية. أكراد، عرب، سريان، آشوريون، كلدان، تركمان، أرمن. ثمة جراحات لم تندمل يوماً، وثمة توالف يومي من الصعب القفز فوقه. صحيح أن الأكراد تعرّضوا للإجحاف المزمن في هذه المنطقة، إلا أن الأغاني الأرمنية التي تؤرخ للابادة تتهّم أكراد هذه المنطقة مثلما تتهم الأتراك، ناهيك عن نكبة السريان على أيدي الأكراد كما جاء في رواية يالو.
ثمة فسيفساء لا يمكن رهنها في ثنائية عربية وكردية. وثمة في الوقت نفسه دولة سورية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون دولة ثنائية القومية. سوريا دولة عربية صرف. ان لم تكن درّة الأمويين كذلك، فأين تكون العروبة جلية، في الصومال؟ في الوقت نفسه، فإن سوريا دولة عربية تتضمن أقليات قومية غير عربية أكبرها الأقلية القومية الكردية. وان كان من الصعب تحديد عديد هذه الأقلية، نظراً لتفاوت الانتماء الاثني عند أكراد سوريا من جيل الى جيل، ومن منطقة الى أخرى، فلا بد من الإقرار في الوقت نفسه بما للأكراد من حقوق ثقافية مهضومة ينبغي إباحتها لا في إطار ذاتية جغرافية، وانما بمعية الانماء واللاحصرية، وبتصحيح عاهة الاحصاء الاستثنائي الذي لم يلحظ عشرات آلاف الأكراد السوريين، في ظل حكم الانفصال.
يحق، بل يتوجّب، على الجمهورية العربية السورية أن تدافع عن طابعها كدولة عربية تتضمّن أقليات قومية ولا تكون لا ثنائية ولا ثلاثية القومية. ينبغي أن تكون هذه الأمور من البداهة الأولى. مع ذلك، فلا ينبغي التوقف كثيراً عند الاتهامات المخشبة للأميركيين. فما معنى اتهام الأميركيين بالتحرّش ان كان بعض الأكراد يتباهى بالأعلام الأميركية الى حدود <<انتحال الصفة>>؟ هذا يبرز نوعا من تكلّس ثقافي هو أكثر فدحاً مما يواجه سوريا من مخاطر سياسية. يجد هذا التكلّس أساسه في تحوّل شرعية الحكم الى الثقافة، بمعنى السهر على الارث، في حين أن الوفاء للارث، أو بمعنى آخر، الابقاء على النهج المبدئي والحيوي للرئيس الراحل حافظ الأسد، انما يتطلّب تجذير أساسات الشرعية السياسية بأن يعمل النظام على فك الحصار عن الوطن وعن نفسه بالتوازي مع تفكيكه لذهنية حصارية لا شغل لها غير ترداد عبثيتين: ضرورة الحرب واستحالتها، وضرورة السلم واستحالته.
يستدعي الدفاع عن الوطن المقدس تحطيم شلّتين: شلة ضالة من المعارضة تريد دفع الجولان ثمناً للديموقراطية، وشلة ضالة من الأبواق تناور بالديموقراطية كثمن للجولان. بين الشلتين، ثمة معارضة وطنية ينبغي أن تتجاوز الطابع الكلامي لدعواتها الجامعة بين القضيتين الديموقراطية والوطنية. فهذه المعارضة، وعلى قدر تطرفها أحياناً في الموقف السياسي، فإنها لا تختلف كثيراً عن النظام من الناحية الثقافية.
كي لا يخطئ الوطنيون اللحظة، في الحكم أو المعارضة، يجدر بهم التنبه قليلاً الى تحدّر يالو من القامشلي.. يالو الذي لم تجزم الرواية بوضوح أصالة كرديته أو سريانيته أو غير ذلك من الانتماءات.