ثقافة القوة

بقلم : علي العبد الله  

 

فجّر اطلاق الرصاص المباشر على المواطنين الأكراد, وقتل عدد منهم وجرح العشرات, إثر شجار بين جمهور فريقي كرة قدم في مدينة القامشلي, غضب المواطنين الأكراد السوريين المكتوم من المظالم التي يرزحون تحتها منذ عقود (حرمان عدد كبير منهم من الجنسية السورية وتحويلهم الى "بدون", التعامل معهم على قاعدة الشك في وطنيتهم واخلاصهم وتهجير أعداد كبيرة منهم قسراً عن مناطق حدودية, وملء هذه المناطق بمواطنين عرب نقلوا اليها من منطقة غمرتها بحيرة سد الفرات, تنفيذاً لفكرة الحزام العربي, ومنعهم من إشغال وظائف معينة أو الارتقاء في سلم هذه الوظائف... الخ).

عبرّ هذا الغضب عن نفسه بمهاجمة مؤسسات وممتلكات عامة وخاصة, واتلافها جزئياً أو كلياً, وقد تطوّر بالامتداد الى معظم مناطق تواجد المواطنين الأكراد, كما زاده اشتعالاً قيام موالين للسلطة بنهب وتدمير أملاك المواطنين الأكراد في عدد من المناطق.

تعكس المقاربة الرسمية, التي عكستها وسائل الاعلام المرئية والمسموعة, ربط اطلاق الرصاص على المواطنين الأبرياء بالنظرة التقليدية التي تشكك في وطنيتهم واخلاصهم, واعتبار مواجهة الشغب مسألة وطنية, واعتماد الحل الأمني في معالجته.

ان قراءة متأنية لما حدث تكشف, دون كبير عناء, عن ثقافة القوة التي لا تجيد السلطة واجهزتها الأمنية غيرها في تعاملها مع المواطنين, حيث كان بالامكان السيطرة على شغب الملعب, كما حدث في مرات سابقة, دون اطلاق رصاص وقتل مواطنين أبرياء, وتطويق المشكلة في حدود ذلك. أما اعتماد الحل الأمني, والأمني فقط, في معالجة تداعيات ذلك, فيعكس, هو الآخر, ثقافة راسخة, لسلطة لا ترى في المواطن الا خصماً وعدواً, ولا تنظر الى الأوضاع والتطورات إلا من اتجاه واحد, وقد قادت نظرتها هذه, والتي تجسدت في سياسات امنية واقتصادية واجتماعية, الى احداث شرخ عميق في المجتمع ترتبت عليه حالة انعدام اندماج وطني. فالمجتمع السوري منقسم عمودياً الى عرب وأكراد, ومذهبياً الى طوائف وأديان, واجتماعياً مناطق تنعم بالرعاية وأخرى بالاهمال, واقتصادياً الى قلة غنية (متخمة) وغالبية فقيرة. تتحمل هذه السياسات مسؤولية غياب الوحدة الوطنية, التي لا تقوم حياة وطنية وتستقر البلاد وتزدهر دونها. واعتماد المقاربة الأمنية, لكل الملفات, من الصغيرة الى الكبيرة, مدّد, وسيمدد, في غيابها, ويدفع المجتمع في دروب التذرّر والانقسام والانسلاخ عن كل شيء مشترك وطني.

تحتاج السلطة الى اعادة نظر شاملة في نظرتها الى ذاتها والى مجتمعها, في منطلقها وفي اسلوب التعاطي مع الأوضاع والتطورات, وفي نظرتها الى المواطن في انسانيته وحقوقه وواجباته وفي خياراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية, باعتباره حراً وراشداً, وفي ثقافة اجهزتها الأمنية التي تتعاطى مع المواطن باعتباره مذنباً, عدواً , نكرة...

ان اشاعة ثقافة سياسية وادارية قائمة على احترام المواطن والنظر الى خياراته ومواقفه باعتبارها سلوكاً مشروعاً يعبر فيه عن ذاتيته وحريته, والتعاطي معها وفق قواعد دستورية وقانونية, ووضع كل المواطنين تحت سقف القانون ومعاملتهم بالمساواة والعدل, دون اعتبار للعرق او الجنس او الدين باتت ضرورة مصيرية لوطن يريد أن ينـهض ويتـطـور, إنما على أسـاس متين للانـدماج الوطـني, ولحيـاة وطـنيـة مزدهـرة وكريمة.

كاتب سوري