لهذه الأسباب وغيرها كثير نحن نكرهك يا بوش!

القدس العربي 2004/02/28 - الطاهر إبراهيم ( السعودية ) :

عندما جاء بوش إلي سدة الحكم تنفس بعض العرب الصعداء، لا لأنهم اعتقدوا أنه سيقف إلي جانب القضايا العربية، بل كان ذلك منهم تفضيلا ،حسب اعتقادهم، للسيئ بوش علي الأسوأ آل غور.

بل إن العرب الأمريكيين ضربوا بنصيحة الراحل إدوارد سعيد ـ الذي كان أبعد نظرا ـ عرض الحائط، عندما رفضوا نصيحته بالتصويت للمرشح المستقل رالف نادر، وهو من أصول عربية، لاعتقادهم بأنه لم يكن يملك أي حظ في النجاح، وتصويتهم له سيضعف بوش، وفضلوا الوقوف إلي جانب الأخير، مما كان له أكبر الأثر في ترجيح كفته علي خصمه الديموقراطي آل غور.

وإذا كانت الكراهية خلقا ذميما، ينفر منه الطبع السليم، فما حيلتك أمام إنسان، لا يدع يوما يمر عليه، إلا ليسجل في صحيفته، السوداء أصلا، عملا قبيحا يؤذيك، ويحرك فيك نوازع وضغائن، ما كان لها أن تتحرك لولا هذا الاستفزاز العنصري المقيت، لدرجة أنك ستجد نفسك تقول له بشكل تلقائي إني أكرهك.

يقول علماء سلوك الحيوان إن الأفعي لا تتحرك لإيذائك إلا إذا ظنت أنك ستقوم بالاعتداء عليها، أما بوش هذا، فهو لا يتحرك إلا وقد استحضر في جعبته وجيوب بنطاله الكاوبوي وتحت قبعة رعاة البقر ـ التي يعتمرها قلبه وإن لم يضعها علي رأسه ـ، قرارا أو تشريعا يرسله إلي ببغاوات الكونغرس ليبصموا عليه، فيصبح عملا عدوانيا ضدك، مقننا في تشريع أو قانون. وحتي لا يدعي مدع أننا نكره بوش هكذا وبدون سبب فسنذكر فيما يلي بعضا مما جعل العرب والمسلمين يكرهونه ويمقتونه.

أولا: قد لا نستطيع أن ننفي ،بالدليل والبرهان، قيام عرب أو مسلمين بأحداث نيويورك وواشنطن في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، ولكن إدارة بوش أيضا لم تستطع حتي الآن أن تقدم الدليل المقنع علي اشتراك العرب التسعة عشر في تلك الأحداث، خصوصا وأن اتهام هؤلاء قد تم بسرعة البرق وقبل أن تغرب شمس يوم تلك الأحداث. وكأن وحيا هبط من السماء علي بوش ومعه قائمة مدون فيها أسماء هؤلاء التسعة عشر. وحتي الآن فإن هذه الإدارة لم تقدم واحدا من المعتقلين علي ذمة تلك التفجيرات إلي المحاكمة، يؤكد أو ينفي صحة ادعائها، لأنها تخاف أن ينكشف زيف ادعائها كما حصل في المحكمة الألمانية التي برأت ساحة المزودي المتهم في خلية هامبورغ،وعندها سيكون حربها التي شنتها علي أفغانستان، واعتقال آلاف العرب والمسلمين داخل أمريكا وخارجها إنما هو محض افتراء، وعدوان بدون بينة أو دليل.

ويبقي التحدي قائما بأن إدارة بوش لم تستطع حتي الآن بمخابراتها وكبير السحرة فيها تينيت، ووزير الأمن توم ريدج، ومكتب تحقيقاتها الفيدرالي، أن تظهر لنا علي الشاشة واحدا من الكثيرين الذين اعتقلتهم هذه الإدارة ممن تزعم أنهم من أعضاء القاعدة، (بمن فيهم الموسوي والشيبي وخالد الشيخ.. ليؤكد بشهادة لا لبس فيها أن التسعة عشر هم الذين نفذوا أحداث 11 ايلول (سبتمبر).

ثانيا: ولقد كان واضحا من السرعة التي تم فيها توجيه الاتهام إلي هؤلاء النفر التسعة عشر، أن المقصود هو استهداف المسلمين ، أوطانا، وهيئات، ورموزا. وقد بدئ بتحطيم كيان أضعف دولة وهي أفغانستان، وجاء بعدها العراق ولا ندري من سيكون دوره ثالثا.كما تم لصق صفة الإرهاب بمؤسسات وجمعيات إسلامية، وقفت نفسها وأموالها علي مساعدة فقراء المسلمين وخصوصا في فلسطين ،وهو الهدف الإسرائيلي الحيوي لقطع شريان أي مساعدة كانت تصل إلي المجاهدين فيها. ولم يسلم الدعاة الأفراد من انتقام بوش. فقد تم التحفظ علي أموال بعض الدعاة مثل ما حصل مع الأستاذ يوسف ندي، الذي صودرت كل أمواله. واعتقل الشيخ الداعية ديب الأنيس لمدة شهر عندما كان في أمريكا أواخر عام 2001، ولم يشفع له أنه عضو مجلس النواب الأردني لعدة دورات ويحمل جواز سفر دبلوماسيا، وأنه دخل أمريكا بشكل نظامي. كما منع الشيخ يوسف القرضاوي من دخول أمريكا. وقد أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية مؤخرا عن وضع اسم الشيخ عبد المجيد الزنداني رئيس مجلس شوري حزب الإصلاح اليمني، علي قائمة الإرهاب.

ثالثا: واستكمالا لعدوانه علي أفغانستان، الذي بني تحالفا دوليا كاملا لتحطيم ما بقي منه، توجه نظر بوش نحو العراق. وكانت حجته في عدوانه عليه، هي تخليص العالم من خطر أسلحة صدام حسين.وبعد تسعة أشهر قام فيها ألف من المفتشين بالبحث عن تلك الأسلحة حتي لم يدعوا حجرافي العراق إلا قلبوه وفتشوا تحته. وقد تبين لبوش أن هذه الأسلحة غير موجودة، حتي قال رئيس مفتشيه ديفيد كي أنهم لو بحثوا خمسين سنة فلن يجدوا شيئا. فأين هي الحرية وهناك أكثر من عشرة آلاف عراقي معتقلون من قبل جنود التحالف. وأين هي الديموقراطية التي تجعل من بريمر السيد المطاع في العراق، بل إن بريمر هذا قد حدد كيف سيكون شكل الحكم بقوله أنه لن يسمح بأن يقوم حكم إسلامي في العراق. وأما إعمار العراق فقد دمرت أسلحة بوش البني التحتية كلها، وأفسحت في المجال للصوص ينهبون كل شيء في بغداد.

وأما الأمن فها هو ماثل للعيان بشكل يومي، بالسيارات المتفجرة التي تحصد كل شيء ولا تكاد تقل ضحاياها عن خمسين قتيلا عراقيا،حتي علقت عجوز عراقية بالقول صحيح أن صدام كان مستبدا،لكن أحدا لم يكن ليجرؤ في عهده علي قتل أحد ولو خطأ. وبعد هذا كله تريدون منا أن نحب بوش.

رابعا: ويزعم بوش أنه يريد أن يؤسس لشرق أوسطي كبير تقوم دوله علي الديموقراطية، وأن لا مكان فيه لأنظمة تقمع شعوبها. ونحن نسأل فخامته من الذي جاء بتلك الأنظمة العربية التي تقمع شعوبها؟ بل من الذي حماها من ثورات شعوبها؟

من موّل الانقلابات التي تمت في طول الوطن العربي وعرضه؟ من كان يسهر علي أمن الطغاة المستبدين؟

إن الأخاديد التي حفرتها السياط في ظهور المواطنين المستضعفين في تلك الأنظمة، إنما تمت بأيدي جلادين تم تدريبهم في أمريكا.

وأجهزة الصعق الكهربائي التي تركت الآلاف من ضحايا الاستبداد أنصاف مشلولين، إنما صنعت في أمريكا.

إذا كان من ذنب جنته هذه الأنظمة التي يقول بوش أنه سيغيرها ،مالم لم تغير نفسها وفق أجندته، فلأنها أخفقت امنياً بعدم درء الإرهاب ومنع وصوله إلي الأمريكي، الذي زرع الإرهاب في كل بقاع الأرض.

خامسا: الإرهابي في نظر بوش وعصابته، هو ذلك الفلسطيني الذي تصدي لدبابات شارون بجسمه الأعزل مدافعا عن مخيم جنين. وشارون الذي دمر الأخضر واليابس وهدم البيوت فوق رؤوس أهلها، عند بوش رجل السلام.

ويسجن أكثر من ستمئة عربي ومسلم في جزيرة غوانتنامو، في وضع لا يليق بحيوانات معدية، بعيدا عن العالم كله، ولا يطرف للرئيس بوش جفن. وإذا قتل أمريكي كان يعربد في حانة، فيسأل بوش لماذا يكرهوننا؟. وكان الأجدر به أن يتساءل هل يوجد أحد، غير عصابته، يحبه؟.