الشراكة الأوربية المتوسطية وحقوق الإنسان

 

جاد الكريم الجباعي

تأسست الشراكة الأوربية المتوسطية في مؤتمر وزراء خارجية الدول الأوربية / المتوسطية الذي انعقد في برشلونة في 27 و28 تشرين الثاني / نوفمبر 1995 انطلاقاً من المبادرة المشتركة بين الدول الخمس عشرة، أعضاء الاتحاد الأوربي، واثنتي عشرة دولة متوسطية من غير أعضاء الاتحاد" . وهذا المشروع هو "المحاولة الأولى لخلق روابط ملزمة ودائمة بين شواطئ البحر المتوسط"، وفي مقدم الأهداف المعلنة للشراكة العمل على "خلق منطقة للحوار والتبادل أو التعاون، ضماناً لتحقيق السلام والاستقرار والازدهار في حوض البحر المتوسط".

وقد ارتبط ظهور هذا المشروع بتحولات جذرية في الوضع العالمي والعلاقات الدولية، كان من أهمها انطلاق عملية العولمة الاقتصادية، منذ تسلمت مارغريت تاتشر رئاسة الوزارة في بريطانيا ورونالد ريغان رئاسة الجمهورية في الولايات المتحدة الأمريكية، وسعي الدول الكبرى لفتح الحدود أمام حركة التجارة العالمية، وسقوط جدار برلين عام 1989 وما نجم عنه من تغير في الجغرافيا السياسية، وإعلان الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش عن ولادة نظام عالمي جديد بعد العدوان الأمريكي على العراق ونزول القوات الأمريكية فوق منابع النفط وعلى مقربة منها، وسقوط الاتحاد السوفييتي بعد التغيرات العنيفة التي شهدتها أوربة الشرقية، ثم تأسيس منظمة التجارة العالمية عام 1995.

تمخض مؤتمر برشلونة (1995) عن الإعلان الذي تسمى باسمها، "إعلان برشلونة" وتضمن مبادئ الشراكة في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والمالية والاجتماعية الثقافية والإنسانية. وحدد عام 2010 موعداً لتحقيقها.

وكانت الجماعة الأوربية تسعى، منذ ستينات القرن الماضي، إلى انتهاج سياسة موحدة ومستقلة، ولا سيما إزاء الدول المشاطئة لها على البحر المتوسط، والتي تربطها بها علاقات تاريخية وثيقة، وتؤلف معها مجالاً جغرافياً سياسياً وحضارياً مشتركاً. فضلاً عن العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياسية القائمة اليوم بالفعل؛ فالاتحاد الأوربي يستورد 20% من حاجته من الطاقة من البلدان المتوسطية غير الأعضاء في الاتحاد، وهذه البلدان توجه نصف صادراتها إلى دول الاتحاد. ولكن الظروف لم تكن مواتية لمثل هذه السياسة في ظل الحرب الباردة وصراع النظامين الرأسمالي والاشتراكي، والدولتين العظميين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية. وحين ظهرت معالم التغير في النظام العالمي ونسق العلاقات الدولية "طالب تقرير رسمي صادر عن اللجنة الأوربية عام 1990 بضرورة "تحقيق قفزة نوعية وكمية" في السياسات المتوسطية للجماعة الأوربية، حتى يمكنها "مجاراة المتطلبات والتحديات المطروحة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً داخل المنطقة" انطلاقاً من واقع أن "القرب الجغرافي وكثافة العلاقات مع البلدان المتوسطية غير الأعضاء في الجماعة الأوربية، تجعل من "استقرار تلك البلدان وازدهارها أمراً حيوياً للجماعة"؛ وهو ما يعني أن "تزايد الخلل الاقتصادي والاجتماعي المتواجد فيما بين أوربا والبلدان المتوسطية غير الأعضاء في الجماعة سوف يكون أمراً يصعب على الجماعة أن تتحمل نتائجه. ومن منظور أوسع، يشكل مثل هذا الخلل تهديداً لأمننا" . وفي عام 1992 وضعت المجموعة الأوربية ملامح "سياسة متوسطية مجددة" زادت بموجبها إسهاماتها المالية لتنمية البلدان المتوسطية نحو 50% عما كانت عليه في السنوات السابقة، فضلاً عن التقدم في برامج التعاون الإقليمي والتعاون اللامركزي حول المجتمع المدني من جهة، والتكيف الهيكلي في هذه البلدان من جهة أخرى". وفي اجتماع المجلس الأوربي في لشبونة عام 1992 ورد ذكر الشراكة الأوربية المتوسطية أول مرة، ثم أعيد تأكيد هذا الاتجاه في اجتماعات المجلس اللاحقة، حتى تم تصديق المقترحات المتعلقة بتأسيس "شراكة أوربية متوسطية" أخذت طريقها إلى الوجود في مؤتمر برشلونة 1995.

من الأهداف المعلنة لهذه المبادرة إيقاف سيرورة تدهور الوضع الاقتصادي في البلدان المتوسطية غير الأعضاء في الجماعة الأوربية، وتهميش البحر المتوسط كله في الاقتصاد العالمي" و "تخفيف ضغوط المهاجرين وصعود الحركات السياسية الراديكالية" و "إزالة خطر الامتداد الخارجي للصراعات الداخلية وخطر الانفجارات الإقليمية". وذلك من خلال إقامة منطقة تجارة حرة واسعة في حوض المتوسط وتنشيط الطلب على الاستهلاك المدعوم بقدرة شرائية، لتنشيط اقتصاد أوربة وزيادة صادراتها.

بدلالة هذه الأهداف المعلنة حددت الجماعة الأوربية موقفها من عملية التسوية في الشرق الأوسط، انطلاقاً من مؤتمر مدريد واتفاقات أوسلو خاصة. على أن الجماعة لا ترى في الشراكة ما يمكنها من التدخل المباشر والفعال في هذه العملية، لذلك نراها تكتفي بتشجيع الحوار السياسي الإقليمي في إطار منتدى خاص، يجمع بين بلدان قد تكون عاجزة عن / أو غير راغبة في إقامة علاقات رسمية فيما بينها، لأسباب مختلفة. ويلاحظ المرء أن تعثر عملية التسوية أسهم في إعاقة تقدم مشروع الشراكة ولا سيما في بعدها السياسي.

الظروف التي ولد فيها مشروع الشراكة، والأهداف التي وضعها الاتحاد الأوربي، وارتباط الشراكة الأوربية المتوسطية بالصراع العربي الإسرائيلي خاصة، من الأمور التي تحتاج إلى دراسات متأنية، ليس بوسع هذه المقاربة سوى الإشارة إلى معالمها الأساسية.

1-موقع الشراكة في "النظام العالمي الجديد"، ومدى تقاطعها وتعارضها مع مشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذي نظَّر له وطرحه رئيس وزراء إسرائيل الأسبق شيمون بيريز، وهذا مشروع أمريكي قديم مرتبط بنظام "الأمن القومي الأمريكي" الذي حل محل نظام الأمن القومي البريطاني الفرنسي، بعد الحرب العالمية الثانية.

2-علاقة الشراكة العتيدة بعملية العولمة الاقتصادية الجديدة، وآليات التشارك / التنافس بين اقتصاد أوربة الموحدة والاقتصاد الأمريكي، ومن ثم آليات التشارك / التنافس السياسي بين أوربة والولايات المتحدة الأمريكية. وتقاطع الرؤيتين الأوربية والأمريكية للمخاطر الناجمة عن إفقار الدول المتوسطية ودول الجنوب بوجه عام على أمنهما ومصالحهما. وتقاطع رؤيتيهما وتقاربهما إلى حد بعيد لما يسمى "أمن إسرائيل" وشرعية وجودها، وضرورة الحفاظ على تفوقها العسكري والعلمي والتقاني على جميع الدول العربية، ولا سيما المتوسطية منها. وفي هذا السياق يتداخل البعد العالمي والبعد الإقليمي والعلاقات الثنائية بين دول الاتحاد الأوربي من جهة وبين الاتحاد وكل دولة من الدول المتوسطية على حدة من جهة أخرى. إن التعدد والاختلاف والتعارض في نطاق الشراكة يمكن أن تمنحها حيوية ونشاطاً، ويمكن أن تتحول إلى عقبة كؤود في طريق تقدمها، والاحتمال الثاني لا يزال هو الأرجح إلى يومنا، وذلك لعجز الاتحاد الأوربي صاحب القرار الرئيس أن لم نقل الوحيد في موضوع الشراكة عن بلورة موقف مستقل إزاء الهيمنة الأمريكية المتطلعة إلى السيطرة المطلقة على العالم، وعدم قبول إي شريك معها في الشؤون الدولية كافة. وقد تجلى ذلك بوضوح في استبعاد أوربة وروسيا والأمم المتحدة من عملية التسوية بين العرب وإسرائيل، وفي تحديد دورها جميعاً في الحرب التي شنتها على العراق عام 1991 وفي الحرب التي تشنها اليوم على أفغانستان وعلى "الإرهاب".

3-ما موقع "المجتمع المدني" وحقوق الإنسان والحريات الأساسية وقضية الديمقراطية في هذا التركيب المعقد والمتناقض؟ وإلى أي حد يمكن الوثوق بأن أوربة تستطيع إعادة إنتاج تقاليدها في هذه المجالات، في الوقت الذي ينحسر فيه المجتمع المدني في البلدان التي ازدهر فيها، وتحل محله السوق المنفلتة من كل عقل وعقال، وفي الوقت الذي تتراجع فيه دولة الرعاية والرفاهية التي أخذت تستقيل تدريجياً من وظائفها الاجتماعية، وتتحول إلى "مدبرة منزل" لرأس المال المالي وللشركات متعدية القومية؟ وفي هذا المجال يميل المرء إلى الاعتقاد بأن دور الاتحاد الأوربي في الصراع العربي الإسرائيلي، في بعديه الإقليمي والعالمي، سيحدد بصورة قاطعة آفاق الشراكة من جهة، وموقف الاتحاد الأوربي الفعلي من قضايا المجتمع المدني حقوق الإنسان والحريات الأساسية ومن قضايا الديمقراطية الأخرى، لا في البلدان المتوسطية غير الأعضاء فيه فقط، بل في بلدان الاتحاد ذاتها أيضاً . آية ذلك أن سياسة الاتحاد تقوم إلى يومنا على مبدأ قيادة الاقتصاد للسياسة، بل على فصل الاقتصاد عن السياسة. في حين تحدد السياسة جميع أوضاع البلدان المتوسطية الأخرى المعنية بالشراكة. من هذه الزاوية يبدو لنا الأساس الذي يقوم عليه مشروع الشراكة هو نفسه الذي يقوم عليه مشروع بيريز المسمى الشرق الأوسط الجديد الذي نعتقد أن النخبة الإسرائيلية ستعود إلى طرحه مرة أخرى في معارضة الشراكة الأوربية المتوسطية، بقدر ما تتعارض هذه الشراكة مع الاستراتيجية الأمريكية للسيطرة على العالم.

4-انعقاد "منتدى مدني أوربي متوسطي" غير حكومي بموازاة القمة الوزارية الأوربية المتوسطية الذي غدا نوعاً من الممارسة الثابتة أو التقليد الثابت ، يضعنا أمام تصورين متعارضين للمجتمع المدني وحقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية: تصور عولمي، وآخر قومي ديمقراطي. التصور الأول يقوم على وجوب إخراج المجتمع المدني من دائرة الاقتصاد، ومن ثم من دائرة السياسة بصفتها اقتصاداً مكثفاً، في حين يقوم التصور الثاني على استعادة المجتمع المدني للاقتصاد والسياسة بوصفهما بعدين أساسيين من أبعاد الكينونة الاجتماعية. هذا التعارض بين التصورين هو الذي سيحدد آفاق تطور الديمقراطية وحقوق الإنسان في إطار الشراكة المنشودة.

5-ويقتضي اتفاق الشراكة المقترح إجراء إصلاحات هيكلية في الاقتصادات المحلية، وإلى تحسين رأس المال القومي، وإعادة رسملة الشركات وتحديثها، واعتماد القواعد والمعايير الدولية، لتتمكن هذه الاقتصادات من المنافسة في السوق الأوربية وفي سائر الأسواق الدولية، كما يقتضي تحرير التجارة وإلغاء التعريفات الجمركية لإقامة منطقة تجارة حرة، مع استثناءات تتعلق بكل دولة من الدول المشاركة على حدة. بيد أن آثار الشراكة في البلدان المتوسطية لا تزال في مجال التوقعات.

حقوق الإنسان في الشراكة الأوربية المتوسطية :

قام مشروع الشراكة بمبادرة من الاتحاد الأوربي الذي "يقوم على مبادئ الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية وحكم القانون، وهي المبادئ التي تدين بها كل الدول الأعضاء" فيه، بحسب المادة السادسة من معاهة الاتحاد التي تؤكد أن الاتحاد ملزم باحترام "الحريات الساسية كما ضمنتها الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية الموقعة في روما في الرابع من نوفمبر 1950، وكما تتبع التقاليد الدستورية المشتركة للدول الأعضاء، وذلك بوصفها مبادئ عامة من مبادئ قانون الجماعة الأوربية". ومن أهداف الاتحاد السياسية والأمنية "تطوير ودعم الديمقراطية وحكم القانون واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية"". وجاء في المادة الثالثة عشرة من مهاهدة الاتحاد أن بوسع الجماعة الأوربية أن "تفعل ما تراه مناسباً من أجل محاربة التمييز القائم على الجنس والأصول العنصرية أو الإثنية والدين أو العقيدة والعجز والعمر أو الميول الجنسية".

في ضوء هذه المبادئ التي قام عليها الاتحاد الأوربي صيغت البنود المتعلقة بالديمقراطية وحكم القانون وحقوق الإنسان والحريات الأساسية في إعلان برشلونة الذي ستقوم الشراكة على أساسه؛ فجاء في ديباجة الإعلان ما يلي: " يعرب الموقعون على الإعلان عن عزمهم على السعي لتحقيق هذا الهدف، تأسيس إطار من العلاقات الجماعية الدائمة يقوم على روح الشراكة، آخذين في اعتبارهم الخصائص والقيم والسمات الخاصة لكل مشارك من المشاركين". كما يعبرون عن اقتناعهم بأن تحقيق هدفهم الرامي إلى تحويل منطقة حوض البحر المتوسط إلى منطقة للحوار والتبادل ضماناً للأمن والاستقرار والازدهار، يتطلب من أجل تحقيقه تقوية الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وتنمية اقتصادية واجتماعية مطردة، وإجراءات لمكافحة الفقر وتعظيم فهم الثقافات لبعضها البعض، وكل ذلك يمثل جوانب أساسية للشراكة" .

الهدف الرئيس للشراكة هو "بناء منطقة سلام واستقرار مشتركة". ولكن تحقيق هذا الهدف يتوقف على الإرادة السياسية للدول المشاركة وعلى ما تتوفر عليه كل منها من الاستقرار الداخلي والخارجي. وهذان الإرادة السياسية والاستقرار يتوقفان على حكم القانون واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية وعلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية المطردة. ولذلك أولى القسم الأول من الإعلان، وهو المتعلق بالبعد السياسي والأمني، الشروط الكفيلة بتحقيق الأهداف السياسية، عناية خاصة؛ فأعلن التزام الدول المشاركة "العمل وفقاً لميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وغيرها من تعهدات القتنون الدولي وعلى الأخص التعهدات النابعة من المواثيق الدولية والإقليمية التي وقع عليها المشاركون". كما أكد التزام المشاركين "تطوير حكم القانون داخل نظمهم السياسية، في إطار الحرص على حق كل دولة من الدول المشاركة في اختيار نظامها السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والقانوني الخاص، وعلى حريتها في تطوير هذا النظام". وهو ما يعني أن اختلاف النظم السياسية والاجتماعية والثقافية والقانونية يجب ألا يحول دون التزامها جميعاً حكم القانون واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. بل ثمة ما أبعد من ذلك وأعمق غوراً، فإن الديمقراطية ينبغي أن تكون حقيقة النظم السياسية والاجتماعية والثقافية والقانونية المختلفة، وهو ما يجعل الشراكة تقوم على مبدأ التعدد والاختلاف والمغايرة، وعلى مبدأ التشارك في الوقت ذاته. ويبدو أن المبادئ التي يقوم عليها الاتحاد الأوربي ليست واحدة في القارة الأوربية، ولا سيما في الدول الثلاث عشرة التي ستغدو أعضاء في الاتحاد الأوربي، وهي: بلغاريا وقبرص والجمهورية التشيكية واستونيا والمجر ولاتفيا وليتوانيا ومالطا وبولندا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا وتركيا. كما أن الممارسة الفعلية في البلدان المشاركة خاصة لا تزال بعيدة عن حكم القانون واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، بعدها عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية المطردة والمتوازنة؛ ولا تعترف حكوماتها بأن الديمقراطية هي حقيقة النظام السياسي. بل إن الفجوة بين الشمال والجنوب لا تني تتسع، والتفاوت الاجتماعي في دول الشمال ذاتها يزداد حدة واتساعاً.

وفي الجانب الاقتصادي والمالي أشار الإعلان إلى أهمية التنمية الاقتصادية والاجتماعية المطردة والمتوازنة، وأثرها في تحقيق الازدهار المشترك. وإلى أثر ديون الدول المتوسطية غير الأعضاء في الاتحاد في كبح التنمية المنشودة، وإلى ضرورة الحوار في إطار المنابر المختصة من أجل "تحقيق تقدم في حل هذه المشكلة .. وتحسين شروط الحياة لشعوب هذه الدول، وزيادة العمالة، وخفض الهوة التنموية في المنطقة الأوربية المتوسطية"، وشدد على الدور الرئيس للنساء في عملية التنمية، وتعهد بدعم مساهمتهن الفعالة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وفي تكوين العمالة.

أما القسم الثالث من الإعلان، المتعلق بالبعد الاجتماعي والثقافي والإنساني، فجاء فيه ما يلي:

1. يقر المشاركون بأهمية التنمية الاجتماعية وبضرورة أن تمضي يداً بيد مع أي تنمية اقتصادية. ويعطون أهمية خاصة لاحترام الحقوق الاجتماعية، ومن ضمنها حق التنمية.

2. ويقر المشاركون بالمساهمة الأساسية التي يمكن للمجتمع المدني أن يقدمها في عملية تنمية الشراكة الأوربية المتوسطية، والدور الجوهري الذي يمكنه أن يؤديه من أجل تحقيق المزيد من الفهم والتقارب بين الشعوب.

3. وهم بالتالي يوافقون على تقوية و / أو إدخال وسائل التعاون اللامركزي الضرورية من أجل تشجيع التبادلات بين القوى الفعالة في عملية التنمية، في إطار القوانين القومية، أي قادة المجتمع السياسي والمدني، العالم الثقافي والديني، الجامعات، مجتمع البحث العلمي، الإعلام، المنظمات، النقابات، والمشاريع الخاصة والعامة.

4. وعلى هذا الساس يقر المشاركون بأهمية تشجيع الاتصالات والتبادلات بين الشباب في سياق برامج التعاون اللامركزي.

5. وسوف يعملون من أجل تشجيع الأعمال الهادفة دعم المؤسسات الديمقراطية وتقوية حكم القانون والمجتمع المدني.

6. ويقر المشاركون بالدور الذي تلعبه الهجرة في علاقاتهم ويعربون عن موافقتهم على تقوية تعاونهم من أجل تقليل ضغوط المهاجرين، عبر وسائل عديدة من ضمنها برامج التدريب المهني وبرامج الدعم الموجهة لخلق وظائف جديدة. وهم يتعهدون بضمان حماية كل حقوق المهاجرين المقيمين في أراضيهم إقامة شرعية، والمعترف بها في ظل التشريعات الوطنية الراهنة.

7. كما يعرب المشاركون عن موافقتهم على دعم تعاونهم، بكل ما لديهم من وسائل، من أجل منع الإرهاب ومحاربته جماعياً بأسلوب أكثر فعالية.

8. وهم يشددون على أهمية شن حملة صادقة ضد العنصرية وكراهية الأجانب والتعصب، ويوافقون على التعاون لتحقيق هذا الهدف.

 وعلى الرغم من جميع هذه النصوص الواضحة والصريحة التي تؤكد أهمية احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية في إطار الشراكة المنشودة، إلا أن إعلان برشلونة واتفاقيات المشاركة الثنائية لم تقترح آلية عملية لتنفيذها، ولم تضع أي شرط يلزم جميع الأعضاء بتطبيقها، ولم تشر من قريب أو بعيد إلى ما يترتب على عدم تطبيقها من قبل هذه الدولة أو تلك. وقد اكتفت اتفاقيات المشاركة الثنائية التي تبرم بين الاتحاد الأوربي وأي دولة متوسطية أخرى غير عضو في الاتحاد، بالنص على أن العلاقات بين الطرفين سوف تقوم "علاوة على كل بنود الاتفاقية نفسها، على احترام حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية التي توجه سياساتهما الداخلية وتشكل عنصراً جوهرياً من عناصر الاتفاقية". إذ يوحي هذا النص بأنه شرط ملزم من شروط الاتفاقية الثنائية. ولكن المادة الثانية من الاتفاقية الثنائية الجديدة التي تتضمن هذا النص تعلق هذا "الشرط" على رغبة الطرفين أو اي منهما في تنفيذه أو عدمها حين تقول: "إذا حدث واعتبر أي من الجانبين الموقعين على الاتفاقية الجانب الآخر عاجزاً عن الوفاء بالتزاماته التي تنص عليها هذه الاتفاقية، يحق له أن يتخذ ما يراه مناسباً من إجراءات. ويجب عليه قبل الشروع في فعل ذلك، فيما عدا الحالات الاضطرارية الخاصة، أن يقوم بتزويد مجلس المشاركة بكل المعلومات المرتبطة بالموضوع، والضرورية من أجل فحص الموقف بعمق بغية الوصول إلى حل يمكن قبوله من الطرفين".

بيد أن قواعد "ميدا" الاقتصادية والمالية التي تمثل البعد الرئيس للشراكة تؤكد هي الأخرى أهمية احترام مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، تنص على ان تلك المبادئ تمثل أحد عناصرها الأساسية المكونة التي من شأن انتهاك أي منها أن يبرر اتخاذ إجراءات مناسبة". وقد حددت تلك الإجراءات لدى تعديل هذه القواعد الصادرة عن مجلس الاتحاد عام 1998 على النحو الآتي: " عندما يحدث ويغيب عنصر أساسي يلزم وجوده من أجل استمرار الدعم الموجه للشريك المتوسطي، فإن التدابير التي يتعين اتخاذها يجب أن تقدر من قبل المجلس بالأغلبية المشروطة، بناء على اقتراح مقدم من اللجنة". ويشير ملحق خاص إلى أن "الدعم الموجه إلى تحقيق توازن اجتماعي اقتصادي أفضل سوف يولي عناية خاصة لمشاركة المجتمع المدني والسكان في تخطيط وتنفيذ تدابير التنمية ... ومكافحة الفقر ... وتقوية الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان". ويشير الملحق نفسه إلى أن علاقات التعاون الراسخة في الإطار الأوربي المتوسطي يجب أن تستند على "التبادلات بين المجتمع المدني في الاتحاد الأوربي ونظيره لدى الشركاء المتوسطيين". ومن ثم فإنه يتعين على مجلس الشراكة أن يحدد الجهات غير الحكومية التي يمكن أن تستفيد من مساعدة الجماعة الأوربية، وأن يعمل على "تطوير شبكة علاقات ترط بين الجامعات والباحثين والجماعات المحلية والجمعيات والنقابات والمنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية بأوسع معاني الكلمة، وهي المهمة التي ينبغي منحها أهمية مركزية خاصة".

تبنى مجلس الاتحاد الأوربي الذي انعقد في لوكسمبورغ، في 28و29 حزيران / يونيو 1991 "إعلان حقوق الإنسان" الذي أكد فيه رؤساء الدول والحكومات أن " احترام ودعم وحماية حقوق الإنسان تشكل عاملاً أساسياً في العلاقات الدولية، وركن من أركان التعاون الأوربي والعلاقات بين الاتحاد الأوربي وبلدان العالم الثالث". وفي الثامن والعشرين من تشرين الثاني / نوفمبر من العام نفسه تبنى المجلس الأوربي قراراً حول "حقوق الإنسان والديمقراطية والتنمية" حدد فيه إجراءات وخطوط العمل من أجل دعم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحريات المدنية والسياسية في إطار العلاقات التي تربطه بالبلدان غير الأعضاء في الاتحاد الأوربي . لكن هذا كله يظل محكوماً بالتعارض بين المبادئ والمصالح، فحيثما تتعارض مصالح الدول الأوربية مع الديمقراطية وحكم القانون وحقوق الإنسان تختار مصالحها ضاربة عرض الحائط بالمبادئ والقيم، مما يؤكد أن هناك نقصاً في المبدأ يجعل هذه الدول تفضل المصالح الآنية، ثم لا تلبث أن تدفع كلفة هذا الخيار من أمنها واستقرارها واهتزاز صدقيتها في نظر الشعوب. وآية ذلك أن قواعد ميدا للدعم الاقتصادي لا تلزم الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوربي باحترام مبادئ الديمقراطية وحكم القانون وحقوق الإنسان والحريات الأساسية. وفي اعتقادي أن قضية حقوق الإنسان لم تصبح بعد قضية اساسية في العلاقات الدولية، بل على العكس من ذلكـ فإن العلاقات الدولية تنحو أكثر فأكثر نحو الابتعاد عن المثل الأعلى الأخلاقي. بل يمكن القول: إن التعارض بين التقدم العلمي والانحطاط الأخلاقي ما زال هو السمة المميزة للنظام العالمي والعلاقات الدولية. والعولمة الاقتصادية هي التعبير الأشد وضوحاً عن هذا التعارض. ناهيكم عن سعي الولايات المتحدة إلى مماهاة القوة الاقتصادية والعسكرية وقوة العلم والتقانة والسلطة السياسية على الصعيد العالمي؛ لتغدو القوة الاقتصادية والعسكرية هي ذاتها السلطة السياسية. وهذا المسعى يتعارض على طول الخط مع الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومع حكم القانون على الصعيدين المحلي والعالمي. إن قوة السلطة الفعلية تغدو هي ذاتها سلطة القوة. وهذه تستمد مشروعيتها من ذاتها فحسب، لا من المجتمع المحلي ولا من المجتمع العالمي.

على صعيد آخر يبدو أن الدول العربية المتوسطية التي تثابر على الحوار مع الاتحاد الأوربي من أجل الشراكة لا تتحفظ على الوضع الممتاز لإسرائيل في هذه الشراكة، بل تتحفظ بوجه خاص على البنود المتعلقة بالديمقراطية وحكم القانون وحقوق الإنسان والحريات الأساسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية. فعناصر القوة الفعلية التي تتوفر عليها هذه الدول تجعل المفاوضات مع الاتحاد الأوربي أقرب ما تكون إلى المساومة. لذلك، يبدو لنا أن إعادة إنتاج النفوذ الأوربي في مناطق شرق المتوسط وجنوبه، وشرعنة وجود إسرائيل وضمان "أمنها" واستقرارها، وتفوقها على جميع الدول العربية، هي من أهم أهداف الشراكة الأوربية المتوسطية. على اعتبار أن إسرائيل استطالة غربية متقدمة وديمقراطية في عالم شرقي متأخر واستبدادي، بل رأس جسر للهيمنة على هذا العالم وإخضاعه ونهب موارده وقوة عمل شعوبه وضرب احتمالات نهوضه وتقدمه. فما تزال شركة الهند الشرقية ومشروع نابليون في أساس السياسات الأوربية إزاء الشرق. وفي هذه النقطة تصطدم الاستراتيجة الأوربية بالاستراتيجية الأمريكية، مما يجعل علاقات الطرفين محكومة بتعارض المنافسة والمشاركة في عالم تعيد القوة العارية رسم خرائطه.

مشكلة الهجرة :

تعاني الدول الأوربية من تدفق المهاجرين إليها من البلدان المتوسطية خاصة بطرق قانونية وغير قانونية؛ وهي هجرة تستدعيها حاجة السوق الأوربية إلى عمالة رخيصة من جيش العمل الاحتياطي في البلدان الفقيرة تضغط بها على قوة العمل المحلية، مما يولد مشاعر كره الأجانب ويعمقها. وهي من الجانب الآخر هجرة يولدها الفقر والبطالة والتزايد المطرد في عدد السكان، فضلاً عن القهر والاستبداد والاضطرابات السياسية. وقد دأبت جميع الدول على فتح حدودها للبضائع والخدمات والرساميل، وإغلاقها في وجه العمل، مما جعل السوق الرأسمالية سوقاً مبتورة بتعبير سمير أمين. وفي الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط من أجل إلغاء التعرفات الجمركية وسائر أشكال حماية الاقتصادات الوطنية من المنافسة الضارية، تتزايد القيود المفروضة على انتقال الأشخاص إلى الدول الغنية، وخاصة بعد تزايد نسبة البطالة في هذه الدول جراء ثورة العلم والتقانة والمعلومات والاتصالات والمواصلات. لقد ولدت الحاجة إلى العمالة الرخيصة والتوجس من آثار المنافسة في سوق العمل حالة معقدة جعلت من قضية الهجرة مشكلة وثيقة الصلة بالأمن والاستقرار في الدول الغنية. لذلك يتأرجح إعلان برشلونة بين "شن حملة صادقة ضد العنصرية وكراهية الأجانب والتعصب" وبين العمل في سبيل "تقليل ضغوط المهاجرين" ومكافحة الهجرة غير الشرعية.

بمقارنة إعلان برشلونة بمعاهدة الاتحاد الأوربي التي تكفل للأفراد حرية الانتقال بين دول الاتحاد، تبدو المعاملة التمييزية جلية بين مواطني الاتحاد ومواطني الشراكة من جهة والربط التعسفي بين فئات مختلفة من المهاجرين الذين لا ترى فيهم دول الاتحاد سوى تهديد خارجي، من جهة أخرى؛ فلا تميز الأجانب أو المهاجرين الباحثين عن الملجأ الإنساني أو الملجأ السياسي من المجرمين الفارين من دولهم؛ بل إنها لا تتردد في وضع قضية الهجرة على اختلاف أسبابها تحت مقولة الإرهاب. بيد أن مجلس الاتحاد الذي انعقد في تامبيري بفنلندا بين 15و16 تشرين الأول / أكتوبر 1999 تحدث عن الحاجة إلى "تناول شامل لمسألة الهجرة، بتناول الحقوق السياسية والإنسانية وقضايا التنمية في بلدان وأقاليم الأصل والعبور، ويتطلب هذا مكافحة الفقر وتحسين الأوضاع المعيشية وفرص العمل ومنع الصراعات ودعم الدول الديمقراطية وضمان احترام حقوق الإنسان، وعلى الأخص حقوق الأقليات والنساء والأطفال" . كما تناول المجلس قضية اللجوء السياسي، فأكد الأهمية التي يعزوها الاتحاد والدول الأعضاء للاحترام المطلق لحق البحث عن ملجأ سياسي، ووافق على "العمل من أجل تأسيس نظام أوربي مشترك للجوء السياسي يقوم على تطبيق شامل وكامل لاتفاقية جنيف، وبالتالي ضمان عدم إعادة أي شخص مرة أخرى إلى حيث يتعرض للاضطهاد". كما اقر مبدأ "المعاملة العادلة لمواطني بلدان العالم الثالث المقيمين بشكل قانوني داخل أراضي دول الاتحاد"، من دون أن يبدي أي تساهل إزاء الهجرة غير الشرعية على الرغم من صلتها الوثيقة بالبحث عن ملجأ سياسي، لأن الذين يعانون من الاضطهاد في بلدانهم لا يتسنى لهم التقدم بطلبات رسمية للجوء السياسي والحصول على الحماية. بل يمكن القول إن الهجرة غير الشرعية هي تلك التي تكاد دوافعها تقتصر على الفقر والاضطهاد السياسي، إذا استثنينا المجرمين. وبكلمة، يعمل الاتحاد الأوربي على أن تكون الدول الأعضاء فيه منطقة للحرية والأمن والعدالة للمواطنين الأوربيين فحسب. ومما يزيد الأمر سوءاً ربط الهجرة بالتطرف والإرهاب ومعالجتها على هذا الأساس.

استراتيجية الاتحاد الأوربي إزاء "الإقليم المتوسطي" :

لا يتوفر أي بحث في الاستراتيجيات المعلنة على الدقة والوثوقية اللازمتين للبحث الموضوعي، بيد أنه يفيد في تفسير السياسات القائمة، والكشف عن الاتجاهات الأساسية التي تنطوي عليها هذه السياسات. ويبدو للباحث أن الإقليم التموسطي يعني لدول الاتحاد الأوربي إقليمين ينظر إليهما بدلالتين مختلفتين: أولهما إقليم المغرب العربي الذي كا ن الأوربيون ولا يزالون يرون فيه مجالهم الحيوي الأدنى (الشرق الأدنى). وثانيهما الدول المحيطة بإسرائيل التي يتحدد موقف الأوربيين من كل منها بحسب موقفها من دولة إسرائيل. وليس مصادفة أن تظهر الدعوة إلى الشراكة الأوربية المتوسطية بعد توقيع اتفاقات كامب ديفيد بين الحكومتين المصرية والإسرائيلية، وفي سياق مؤتمر مدريد وانطلاق المفاوضات الثنائية ومتعددة الأطراف بهدف تسوية الصراع في "الشرق الأوسط". فقد دلت اتفاقات كامب ديفد ومعاهدة الصلح المصرية الإسرائيلية على إمكان التوصل إلى معاهدات مماثلة بين كل من الدول العربية المعنية بالصراع ودولة إسرائيل.

يرى الاتحاد الأوربي أن "للإقليم المتوسطي أهمية استراتيجية للاتحاد الأوربي، ومن مصلحة الاتحاد الأوربي وأوربا ككل أن يتمتع الإقليم المتوسطي بالازدهار ويتسم بالديمقراطية والاستقرار والأمن، مع تبنيه لرؤية منفتحة تجاه أوربا". ويرى أن النهاية الناجحة لعملية السلام على جميع المسارات، وحل النزاعات في الإقليم شروط أساسية للسلام والاستقرار في الإقليم. ولذلك سيعمل الاتحاد مع شركائه المتوسطيين على "إقامة علاقات جوار طيبة، ودعم الرخاء والقضاء على الفقر، والارتقاء بحقوق الإنسان والحريات الأساسية والديمقراطية والحكم الرشيد وسيادة القانون، ودعم التسامح الثقافي والديني، وتنمية التعاون مع المجتمع المدني، بما في ذلك المنظمات غير الحكومية". وقد حدد الاتحاد الأوربي لنفسه الأهداف التالية:

  إقامة منطقة مشتركة من السلام والاستقرار من خلال شراكة سياسية وأمنية.

  خلق منطقة رفاهية مشتركة من خلال شراكة اقتصادية ومالية.

  إقامة شراكة في الشؤون الاجتماعية والثقافية والإنسانية: تنمية الموارد البشرية، ودعم التفاهم بين الحضارات والتبادل بين المجتمعات المدنية.

  الارتقاء بالقيم الجوهرية التي يتبناها الاتحاد الأوربي والدول الأعضاء، من ضمنها حقوق الإنسان والديمقراطية والحكم الرشيد والشفافية وحكم القانون.

  حث الشركاء المتوسطيين ومساعدتهم في عملية إقامة تجارة حرة مع الاتحاد الأوربي ومع بعضهم البعض، في إطار إعلان برشلونة والتحول الاقتصادي وجذب المزيد من الاستثمارات للإقليم.

  دعم التعاون في مجال العدالة والشؤون الداخلية كما حدده المجلس الأوربي في تامبيري.

  متابعة الحوار بين الثقافات والحضارات من أجل مكافحة التعصب والعنصرية وكراهية الأجانب.

تنم هذه الأهداف المعلنة على الاتجاهات الأساسية لاستراتيجية الاتحاد الأوربي في الإقليم المتوسطي. ولعل أهم هذه الاتجاهات: استعادة هذه المنطقة الاستراتيجية إلى المجال الأوربي، بعد توحيد أوربة وقبول تركيا وقبرص ومالطا في الاتحاد الأوربي، في سياق ما يبدو أنه إعادة تقسيم العالم واقتسامه بين القوى الكبرى. وفصل هذا الإقليم المتوسطي عن إقليم الخليج العربي الذي وضعت الولايات المتحدة يدها عليه مباشرة. وحل النزاعات الإقليمية في إطار الشراكة والتعاون، ولا سيما "النزاع العربي الإسرائيلي". وبهذا تكون الجماعة الأوربية قد استثمرت أخطاء السياسة الأمريكية وأفادت من نجاحاتها. وقد تتسم سنوات العقد الثاني من هذا القرن باشتداد التنافس بين أوربة والولايات المتحدة بقدر ما يتقدم مشروع الوحدة الأوربية ومشروع الشراكة المتوسطية. وتبدو هذه الاتجاهات واضحة من خلال الأولويات الأوربية: التعاون السياسي والأمني، والتعاون الاقتصادي والمالي. أما قضايا الديمقراطية وحكم القانون وحقوق الإنسان والحريات الأساسية فلا تعدو كونها عناصر تزيينية لمشروع الشراكة، من دون أن ننفي إمكانية العمل في سبيلها حين لا تتعارض مع المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية والمالية للجماعة الأوربية. يمكن الحديث عن مشروع أوربي ينمو ببطء في فجوات الاستراتيجية الأمريكية التي أنتجت نوعاً من فوضى عالمية ستكون بيئة مناسبة للقوى التي لم تخسر الحرب العالمية الثالثة وقد أشرفت على الانتهاء، أعني الصين واليابان والهند وأوربة الموحدة والولايات المتحدة الأمريكية. وتبدو الاستراتيجية الأوربية في مأزق قوامه التناقض بين التكيف مع الوقائع التي تفرضها الولايات المتحدة على العالم والتي تبدو فيها أوربة شريكاً ضعيفاً بل تابعاً، وبين التطلع إلى الاستقلال والمشاركة الندِّية في النظام العالمي الجديد. فإلى أي حد يمكن أن تتحول الشراكة الأوربية المتوسطية إلى قوة فعلية في التنافس الأطلسي؟ وهل ستدير أوربة ظهرها للأطلسي؟

الواقع والممكن :

يرى الدكتور ناصر السعيدي، وزير الاقتصاد والصناعة والتجارة اللبناني سابقاً أنه بعد ست سنوات تابع فيها الاتحاد الاوروبي تنفيذ التغييرات البنيوية التي يحتاج إليها ينظر اليوم في توسيع نطاق الاتحاد ليشمل ثلاثة عشر بلداً جديداً. "ومن الممكن ان يكون لهذا التوسع المقترح آثار عميقة في مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاستراتيجية"، بحكم طبيعة الاقتصاد في البلدان المرشحة لعضوية الاتحاد وعدد سكانها وخصائصها الديموغرافية وغيرها".

ويضيف أن "ثمة عناصر أخرى تهيمن اليوم على القضايا الإقليمية بل على العالم كله، وهي نتائج الأحداث التي تعرضت لها الولايات المتحدة في 11 أيلول الماضي. فقد أعلنت حرب من "نوع جديد" يخطط لها أن تكون حرباً شاملة على "الإرهاب" تتجاوز الميدان العسكري والأمني لتشمل النشاطات الاقتصادية والمالية والمصرفية والروابط التي تجمعها بالنشاطات الاجتماعية والثقافية وبسائر جوانب الحياة المدنية". مما يضع الاهتمامات الأمنية في الصدارة ويجعلها تطغى على قضايا أخرى. "فردود فعل الأسواق وردود الفعل السياسية بما فيها السياسات الاقتصادية والمالية حيال تلك الأحداث تنبئ كلها بتباطؤ إن لم يكن بتوقف سياق العولمة، الذي سيطر على النشاطات التجارية والاقتصادية خلال التسعينات". فحيوية الأسواق المالية الوطنية والدولية، والتوسع الذي لا سابق له في التجارة الدولية بالسلع والخدمات، والتطور السريع في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ووسائط الإعلام كانت كلها عوامل محركة للنمو خلال التسعينات. وإذا نظرنا إلى التطورات الأخيرة التي حدثت قبل الحادي عشر من أيلول وبعده وجدنا أن العوامل المذكورة آنفاً لن تقوم بعد الآن بالدور ذاته، حتى إن بعض المراقبين يقولون إننا انتقلنا الى ما يصلح تسميته "اقتصاد الخوف". وبهذا الصدد، يبدو ان منطقتنا والبلدان العربية هي في خضم الحرب الجديدة، وهذا امر يزيد الارتياب في النتائج الاقتصادية والاجتماعية والمالية".

ويرى السعيدي أن العالم يعيش اليوم في خطر هيمنة المخاوف الأمنية، أي في خطر أن تسيطر ظاهرة "اقتصاد الخوف" على الأسواق والنشاطات الاقتصادية. وأن توسيع الاتحاد الأوروبي وإعادة رسم خريطة أوروبة و"الحرب الجديدة" هي عوامل تقتضي اتباع سياسات ناشطة وحاســمة تدعم بقوة تنــفيذ إعلان برشلونة. فلا بد من انتهاز هذه الفرصة التاريخية والاستراتيجية، الناجمة مصادفة عن أحداث 11 أيلول الفاجعة، لإنشاء منطقة سلام واستقرار وازدهار، واتباع سياسات تعالج الأسباب الجذرية للنزاعات العنيفة والإرهاب دون الاكتفاء بمعالجة ظواهرها وعوارضها. وكما جاء في مذكرة قدمت أخيراً إلى البرلمان الأوربي، "فإن اتباع سياسة ديناميكية حيال النزاعات العنيفة يقتضي من الاتحاد الأوروبي أن يحول تركيزه من إدارة الأزمات إلى تجنب النزاعات، بما في ذلك اتخاذ تدابير وقائية ذات طابع بنيوي. فالسياسة الناجحة تقتضي من الاتحاد الأوربي أن يكثف جهوده لمعالجة المشكلات البنيوية بصورة منهجية، أي معالجة الأسباب الجذرية للنزاعات لا سيما مشكلات الفقر والحكم غير الديمقراطي".

وأن "تقويم برنامج الاتحاد الأوروبي الأول للمعونة والتعاون MEDA I، وهو أداة أساسية من أدوات تنفيذ إعلان برشلونة، قد أدى إلى تدابير إصلاحية جوهرية. فهذا البرنامج الأول قد خصص مبلغ 3435 مليون أورو للمساعدات المالية والمنح خلال السنوات 1996-،2000 ولكن التنفيذ الفعلي والمدفوعات لم تبلغ سوى 890 مليون اورو، اي 26 في  المئة من الالتزامات فحسب، كما أن هناك فروقاً كبيرة في نسبة التنفيذ عبر البلدان. أما برنامج المعونة والتعاون الثاني MEDA II فيقترح زيادة المبلغ حتى 5350 مليون أورو وإصلاحا داخليا في اللجنة الأوروبية، وارتباطا أوثق مع عملية تنفيذ الشراكة الأوروبية - المتوسطية، إضافة إلى إجراء إصلاح مؤسسي بإنشاء وكالة المساعدة الأوروبية Europe Aid (8). ومن شأن هذه التدابير الإصلاحية العملية أن ترفع نسبة التنفيذ، بحيث تتلقى البلدان الشريكة المزيد مما ينطوي عليه إعلان برشلونة. وبهذا الصدد، من المهم أن يكون تنفيذ إعلان برشلونة فعلياً وواضحاً في نظر سكان البلدان الشريكة والبلدان المرشحة للشراكة.

ومهما تكن النية الحسنة لمهندسي إعلان برشلونة وعملية تنفيذه وما تبع ذلك من قرارات سياسية وقرارات تتعلق بالموازنات، فمن الواضح أن النتائج ونسب التنفيذ لبرنامج MEDA هي أدنى من التوقعات".

موقف الولايات المتحدة من الشراكة الأوربية المتوسطية :

أغلق سقوط الاتحاد السوفييتي وزواله تاريخ الامبراطورية الروسية التي استمرت نحو ثلاثة قرون، فضلاً عن إخفاق تجربة اشتراكية توهجت على مدى ثلاثة أرباع القرن العشرين. ورأى الأمريكيون في هذا وذاك انتصاراً سياسياً جعل من بلادهم قوة عالمية وحيدة، بل امبراطورية عالمية جديدة تسعى إلى إقناع نفسها وإقناع العالم بشرعية سيطرتها المطلقة عن طريق مماهاة القوة والسلطة. ويعني اختفاء الإمبراطورية الروسية في الغرب "أن أوربة المركزية ستسعى إلى تحقيق دمج ثقافي مع أوربية الغربية، من خلال الالتحاق بعملية الوحدة الاقتصادية والسياسية الأوربية. وثمة احتمال أن تمضي في الاتجاه ذاته بعض أقسام الامبراطورية السابقة، وخاصة جمهوريات البلطق، حتى أوكرانيا وبيلاروسيا". وأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد تواجه تحدياً استراتيجياً من امبراطورية معادية كان يمكن أن تخضع  تلك المنطقة لسيطرتها الكلية، وتلقي بظلالها على أوربة كلها. ولكنها تواجه تحدياً من نوع آخر تمثله الوحدة الأوربية التي ستكون في حال إنجازها المنافس الأول للولايات المتحدة على الصعيد العالمي. فأوربة، كاليابان، تتمتع بقدرة كامنة على مناظرة الولايات المتحدة اقتصادياً ومالياً والتفوق عليها، خاصة أن نسب الادخار والاستثمار في أوربة أعلى من نظائرها في أمريكة، وتحتل الشركات الأوربية مركز الصدارة في أربع وثلاثين حقلاً من 110 تقانات تم تقويمها، إضافة إلى اتساع رقعتها الجغرافية وغناها بالموارد الطبيعية والبشرية وسوقها الواسعة التي تتوفر على قدرة شرائية عالية وحجم تجارتها الذي يفوق حجم التجارة الأمريكية، فضلاً عن قدراتها اللغوية والثقافية وأهليتها لحمل رسالة ثقافية واجتماعية وأخلاقية للعالم. كما أن تجانس السكان مقارنة بالولايات المتحدة يمنحها قوة إضافية.

يتوقف دور أوربة العالمي على قدرتها على تجاوز الوحدة الاقتصادية إلى وحدة سياسية، ومن ثم على بناء قوة عسكرية موحدة. لذلك تعمل الولايات المتحدة على عرقلة الوحدة السياسية، وعلى الحيلولة دون بناء قوة عسكرية أوربية خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو) .