الـرأي .. والســيف

آليات تملك الدولة وتثبيت السلطة

 

تستعمل في وصف النسق الذي ينتمي إليه نظام الحكم في بعض الأقطار العربية، كسورية والعراق وغيرها، مصطلحات عدة، تدخل جميعها في باب الاستبداد الذي كان عبد الرحمن الكواكبي سباقاً إلى الكشف عن أصوله وفروعه وتظاهراته. من هذه المصطلحات: حكم النخبة السياسية أو الحزب الواحد أو الحزب القائد، أو حكم القلة الأوليغارشية، أوحكم العشيرة أو الطائفة أو الطغمة،  والحكم الفردي الأوتوقراطي، أو الدكتاتوري، والحكم التسلطي، و الحكم الشمولي التوتاليتاري اللذين تغلفهما صيغة "الديموقراطية الشعبية"؛ مما يغري بعض الكتاب والسياسيين وبعض الباحثين باستخدام أي من هذه المصطلحات محل الآخر، لما بينها من تقاطعات وعناصر مشتركة. ولكن البحث في حالة متعينة ومخصوصة كالحالة السورية يقتضي اختبار هذه المصطلحات وغيرها في ضوء الوقائع والظاهرات القائمة بالفعل. ومع ذلك، فإن استعمال أي من هذه المصطلحات يشي بموقف الكاتب من النظام المعني، ويستحضر عنصراً أيديولوجياً تفرضه حمولة المصطلح الشعورية ووظيفته المعيارية. فالموضوعية التامة مطلب صعب المنال، إن لم يكن مطلباً مستحيلاً، وكذلك الحياد التام. ففي جميع العلوم الإنسانية والمعيارية عنصر ذاتي لا يجوز إغفاله.

يميل الكاتب إلى استعمال مفهوم "الدولة التسلطية"، انطلاقاً من واقعة تماهي الدولة والسلطة الممسكة بزمامها، أي تحول الدولة من شكل سياسي للوجود الاجتماعي، يعبر عن الكلية الاجتماعية، إلى سلطة قهرية عارية جعلت من مؤسسات الدولة ومن بنى المجتمع مجرد امتداد لها، فتطابقت حدود الدولة وحدود السلطة، وفقدت كلتاهما (الدولة والسلطة) طابعهما السياسي. فالدولة التسلطية هي دولة مخفضّة إلى ما دون الدولة السياسية، لا تعدو كونها أداة قهر ونهب، ولا يعدو "شعبها" كونه موضوعاً ومادة للقهر والنهب اللذين يقبعان تحت مظاهر الأبهة والعظمة الكاذبتين. ومما يغري باستعمال هذا المفهوم هو التقارب اللغوي والدلالي بين الحكم التسلطي والحكم السلطاني المعروف في تاريخنا العربي الإسلامي.

يذهب خلدون حسن النقيب إلى أن الأصل التاريخي للدولة التسلطية هو الدولة البيروقراطية التي ولدت في مطلع القرن الماضي، في خضم الحقبة الرومانسية التي أعقبت عصر التنوير، بفرعيها : السياسي في فرنسا والفكري الأيديولوجي في ألمانيا. وأن ميلاد هذه الدولة تزامن مع تفجر نمط الإنتاج الرأسمالي بعد الثورة الصناعية الأولى، ومع ظهور المسألة القومية والمسألة الاجتماعية. "فقد كان للابتكارات التنظيمية التي تمخضت عنها الثورة الفرنسية الفضل في ظهور الدولة البيروقراطية المركزية ( بأجهزتها وجيشها وشرطتها ورجال دينها ) التي قلبت رأساً على عقب الأسس التي كانت تقوم عليها مؤسسات الحكم المطلق. وكان من شأن هذه الابتكارات التنظيمية أن تدخلت الدولة بشكل لم يسبق له مثيل في حياة الشعب، فأدخلت بالتالي عنصر الراديكالية (أي الجذرية في تصور المسائل الاجتماعية) والشعبوية، أي تعبئة السكان للمساهمة في العملية السياسية، تحت تأثير الأيديولوجية الشعبية. وقد سيطرت الروح والعقلية القومية، أي التميز القومي، على هذه الأيديولوجية الشعبية".  وكان من شأن هذه العناصر الثلاثة: الراديكالية والشعبوية والروح القومية أن تنمو في الدولة البيروقراطية الحديثة لتعطي الدولة الليبرالية والدولة التسلطية، بحسب درجة نمو العنصر التسلطي الذي ينطوي عليه كل تراتب هرمي وكل تنظيم بيروقراطي. ولعل فصل السلطات ورقابة الشعب على الحكم وسيادة القانون وتساوي المواطنين أمامه وانبثاق السلطة عن الشعب هي العوامل الرئيسة التي كانت تحد من نمو هذا العنصر في الدول الليبرالية.

ويمكن القول: إن الأصل التاريخي للدولة التسلطية عندنا هو دولة عصر التنظيمات، أي الدولة الهجينة من الدولة السلطانية العثمانية والدولة البيروقراطية الحديثة التي نمت في ظل التوسع الرأسمالي وظهور "المسالة الشرقية"، وتفتح الشعور القومي العربي، في "عصر القوميات"، أو في عصر الإمبريالية والمسألة القومية. بيد أن الإمبريالية التي عممت الأفكار والأيديولوجيات والابتكارات التنظيمية، على صعيد العالم، حالت دون قيام دول قومية حديثة ومستقلة في هوامش النظام العالمي الذي أنشأته ووسمته بسماتها. ومن ثم، فإن الدولة التسلطية ظاهرة حديثة ترجع إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، وهي مرحلة خاصة من مراحل نمو هذه الدولة الهجينة. ومما يعزز هذا الاعتقاد أن الحاضنة الاجتماعية والثقافية التي نمت في ظلها الدولة السلطانية لم تشهد تغيراً جذرياً كذلك الذي حصل في الغرب. فالدولة البيروقراطية الحديثة في الغرب هي بنت المجتمع المدني الحديث والفكر الحديث. ومع ذلك فإن هناك عناصر مشتركة بين مختلف تجليات الدولة التسلطية، أهمها: 1  ) احتكار جميع مصادر القوة والسلطة والثروة، واختراق المجتمع المدني وتنسيق بناه وامتصاص قوته. 2  ) بقرطة الاقتصاد، من خلال توسيع قطاع الدولة، وجعله أقرب ما يكون إلى ملكية خاصة للقائمين على إدارته، أو إلى ضرب جديد من ضروب الإقطاع. 3  ) قيام شرعية نظام الحكم على القوة والغلبة والقهر، من خلال ممارسة الإرهاب المنظم وتعميم القمع. وتقوم هذه الدولة على ثلاثة أركان هي: نخبة متسلطة (عسكرية أو مدنية) أو حزب حاكم. وهرم بيروقراطي قائم على مبدأ الولاء الشخصي. وبنى موازية، كالتضامنيات العشائرية والمذهبية والإثنية والمهنية. وللدولة التسلطية في العالم الثالث بوجه عام "حضارة مميزة هي حضارة الطبقات الوسطى، أو الحضارة الاستهلاكية"، لأن هذه الطبقات أو الفئات الوسطى تعيش على هامش عملية الإنتاج الاجتماعي، ولها "بيئة مميزة هي بيئة المجتمع الجماهيري"، وثقافة مميزة هي "الثقافة الجماهيرية"  ، تضخها بلا كلل وسائل الإعلام الموجّه التي تمتح من أيديولوجية الفئة الحاكمة. ولها اقتصاد مميز هو رأسمالية الدولة التابعة.

 ولا يزال البحث النظري في طبيعة مثل هذه الدولة عندنا في بداياته. ولعل الدراسة الأكثر أهمية في هذا المجال هي تلك التي قام بها خلدون حسن النقيب، في كتابه "الدولة التسلطية في المشرق العربي"، الذي صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت عام 1991 . وتجدر الإشارة، في هذا المجال، إلى كتابات هشام شرابي وحليم بركات وياسين الحافظ وعبد الله العروي وغيرهم.

 

بيئة الدولة التسلطية

يعرف النقيب الحكم التسلطي بأنه "الحكم الاستبدادي المبني على تسيُّد الدولة البيروقراطيـة على المجتمع، مـن خلال توسيع قدرتها على تنسيق البنى التحتية، بحيث تخترق المجتمع المدني بالكامل وتجعله امتداداً لسلطتها، وتحقق بذلك الاحتكار الفعّال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع". ويحصر مصادر القوة والسلطة في القوة الاقتصادية والقوة العددية وقوة التنظيم. ويبدو لي أن هذا التعريف، على أهميته، يغفل البعد التاريخي للعوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي أنتجت هذا النموذج في المشرق العربي بوجه عام وفي سورية، موضوع البحث، بوجه خاص. أي إنه يغفل أثر هذه العوامل في إنتاج صيغة محلية للدولة "الحديثة" التي أرسيت أسسها في المرحلة الكولونيالية. وبعبارة أخرى، إنه يغفل أثر "التأخر التاريخي" في نشوء هذه النسخة المحلية للدولة الحديثة وعوامل تحولها إلى دولة تسلطية تجمع إلى أشكال الاستبداد التقليدية أشكالاً جديدة من القوى التنسيقية تجعل منها شكلاً أعلى من أشكال الاستبداد في بيئة الدولة البيروقراطية المعاصرة. والاستبداد تعريفاً هو الاستلاب الناجز للشعب.

 ولنقل بداية: إن البيروقراطية عنصر ضروري في الدولة بوجه عام، وفي الدولة الحديثة بوجه خاص. إلا أن العنصر الاستبدادي، التسلطي، الكامن في كل تنظيم تراتبي ينمو طرداً مع نمو قدرة البيروقراطية على تنسيق البنى المجتمعية وامتصاص قوتها. والكلام هنا ينطبق على الدولة البيروقراطية المركزية الحديثة بوجه عام. بيد أن التأخر التاريخي يوفر لهذا العنصر التسلطي بيئة مناسبة للنمو، ويسهل إمكانية إعادة إنتاج نمط الحكم التقليدي ذي الطابع السلطاني القائم على التبعية والموالاة ومنح الامتيازات والهبات، في صيغة "حديثة" و "عصرية". ويضاف إلى هذين العنصرين عنصر خارجي لا يقل أهمية، هذا العنصر الخارجي يتعلق بالتوسع الرأسمالي بعد الحرب العالمية الثانية،. وقد تجلى هذا التوسع، في بلادنا، في الظاهرة الإمبريالية التي وحدت العالم توحيداً تناقضياً وعمقت عملية الاستقطاب بين المركز والأطراف وعممتها على الصعيد العالمي. وكانت عملية التوحيد ولا تزال ذات طابع تناقضي يقوم على الدمج والتهميش، أو الاحتواء والإقصاء في الوقت ذاته. لذلك باتت الدول والسلطات في البلدان التابعة جزءاً عضوياً من النظام الرأسمالي العالمي، تقوم بوظيفة الوسيط الكمبرادوري بين بلدانها والسوق الرأسمالية، وبوظيفة الشريك الأضعف في نهب ثرواتها وقوة عمل شعوبها. فالإمبريالية التي عممت الأفكار والأيديولوجيات والابتكارات التنظيمية للدولة البيروقراطية، في العالم كله، هي التي حالت دون قيام دول قومية دستورية مستقلة وديمقراطية في البلدان التابعة، بقدر ما حالت دون قيام تنمية وطنية مستقلة في هذه البلدان، وأضعفت الدول القومية والديمقراطية في البلدان المتقدمة لمصلحة "الدول العظمى" والشركات الاحتكارية متعدية القومية ومتعددة الجنسيات. فالدولة التسلطية، في ضوء هذه الحيثية، هي دولة رأسمالية متأخرة، أو دولة مرسملة متأخرة وتابعة، أو "تأخرالية"، بتعبير ياسين الحافظ، مدمجة في نظام عالمي يعيد تشكيلها ويحدد بنيتها ووظيفتها. وما انفصال هذه الدولة عن المجتمع الذي يفترض أنه أنتجها سوى نتاج عملية الدمج والتهميش، أو الاحتواء والإقصاء. فهي مدمجة في النظام الرأسمالي العالمي بصفتها الرأسمالية التابعة، وبحكم وظيفتها الكمبرادورية، و مطرودة منه بصفتها الوطنية أو القومية. وهي ذاتها تمارس هذه الآلية التناقضية في علاقتها بمجتمعها، إذ تدمج في عالمها القوى الاجتماعية بصفاتها الاقتصادية والعددية والتنظيمية، وتطردها منه بصفتها الاجتماعية السياسية، فتفكك الفئات الاجتماعية وتعيد تنضيدها أو تنسيقها على نحو يمكنها من اختراق المجتمع وشل فاعليته والسيطرة على مقدراته. وبهذا تصبح بنية متخارجة مع المجتمع ومتعالية عليه. "فكلما ازداد تدخل الدولة في المجتمع والاقتصاد، لتحقيق الرعاية الاجتماعية، ازدادت قوتها التسلطية واحتمال نجاحها في تحقيق الاحتكار الفعال لمصادر السلطة والقوة في المجتمع"  المعني.

لا يمكن إسقاط نموذج الدولة البيروقراطية الحديثة، حتى في صيغتها الفاشية أو النازية، ولا نموذج الدولة الشمولية، كما عرفت في الاتحاد السوفييتي ودول أوربة الشرقية، على الدولة التسلطية في المشرق العربي، على الرغم من وجود ملامح وخصائص مشتركة بين هذه النماذج. فالدولة التسلطية في المشرق العربي تشترك مع النموذج الغربي في صفة البيروقراطية ومع النموذج السوفييتي في صفة الشمولية، مما يضعنا أمام ظاهرة مركبة ومعقدة، يزيد في تعقيدها واقع التأخر التاريخي والاختراق الإمبريالي. وإذا كان التأخر التاريخي يتجلى في ركود المجتمعات العربية، وتخثر تاريخها الداخلي، وفوات بناها الأيديولوجية والسياسية خاصة، فإن الاختراق الإمبريالي يتجلى في الأعراض الآتية، كما شخصها النقيب:

إن القوة أو القوى الإمبريالية لا تقوم بإلحاق النظام المخترق بنظامها السياسي بالكامل، ولكنها لا تتركه يفلت من قبضتها الخانقة أبداً.

ومن ثم، يعيش النظام المخترق في مجابهة مستمرة مع القوى الإمبريالية، وهي مجابهة غير متكافئة تستنزف موارده، وتمعن في تعفين أوضاعه الداخلية.

تختلط في هذا النظام القضايا السياسية المحلية والقومية والإقليمية والدولية، فلا يفهم النظام السياسي من دون الرجوع إلى القوى الإمبريالية المهيمنة.

وغالباً ما يكون هذا النظام لعبة سياسية تلعبها القوى الاجتماعية المحلية والإقليمية والدولية في تحالفات متبدلة ومتغيرة. ومن ثم، فإن القوى الاجتماعية والسياسية يمكن أن تكون، وغالباً ما تكون، استطالات محلية للقوى الإقليمية والدولية. وتتعين هذه الوضعية بوجه خاص بمدى تعمق الاختراق الإمبريالي.

وفي هذه الوضعية تبرز مسألة الأقليات الدينية والمذهبية والقومية والإثنية والثقافية واللغوية في صيغة "سياسية" تتخذ شكل قوى ضغط تطالب بالتمثيل السياسي على أساس الحصة، ولا يبعد أن يتطلع بعضها إلى الحكم الذاتي أو الإدارة الذاتية، أو إلى الانفصال. وهذا ما يسمى بتسييس مسألة الأقليات.

هذه الأعراض التي تصيب النظام السياسي المخترق هي الشكل الخاص للتبعية التي قوامها فقدان الحرية والاستقلال والسيادة. وهي تبعية تمليها علاقات القوة التي يقوم عليها النظام العالمي ونسق العلاقات الدولية. فالنظام السياسي المخترق لا يستطيع توليد مبادرات ذاتية لحل المشكلات الداخلية، والفئات الحاكمة محدودة الحرية في اتخاذ القرارات الاستراتيجية بصورة مستقلة عن القوى الخارجية المهيمنة. ولكن الحاسم في هذا الأمر دوماً هو الأوضاع الداخلية، ومدى قابلية القوى الاجتماعية للاختراق، والتأخر التاريخي الذي يستقدمه.

يعتقد الباحث أن البيئة التي نمت في كنفها الدولة التسلطية في سورية أخذت في التشكل إثر انفصال أو فصل سورية عن مصر في الثامن والعشرين من أيلول عام 1961، واغتيال جنين الدولة القومية الذي تجلى في "الانفصال المتزايد بين الحكم والشعب، وفي تنامي الطابع التوتاليتاري المحافظ للأنظمة العربية، وفي التوسع المذهل في فساد الدولة الذي لم يعد لا هامشياً ولا استثنائياً ولا مدلساً، بل ارتدى طابعاً سياسياً مملوكياً؛ أي إنه لم يعد مجرد مسألة انحلال أخلاقي، بل تعبير عن انفصال الحكم عن الأمة".  وتوافرت لها سائر العناصر الأخرى بعد هزيمة حزيران 1967. وهذا يعني أن الدولة التسلطية نشأت في بيئة انكفاء المشروع القومي، وفي مناخ الهزيمة المشينة والمذلة أمام إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة الأمريكية، وتنامي الظاهرة الشخبوطية التي ترمز إلى حزمة من التظاهرات السياسية والأيديولوجية والسوسيولوجية التي أخذت في التوسع، في المرحلة ما بعد الناصرية؛ إذ تمفصل تأخر سوسيولوجي وأيديولوجي بدوي تارة وريفي يقترب من حافة البداوة تارة أخرى، مع ثروات مالية لا صلة لها بإنتاجية المجتمع العربي (الثروة النفطية). وأبرز هذه التظاهرات التي رصدها ياسين الحافظ هي:

تصفية مشروع أو جنين الدولة – الأمة (أو الدولة القومية)، والتقهقر إلى مرحلة ما قبل الدولة، أي إلى الدولة العشيرة والدولة الطغمة والدولة الطائفة.

مع تصفية أو تفسيخ الاشتراكيات المتخلفة (أو التأخراكيات) لحساب تأخراليات (رأسماليات متأخرة) ميركانتيلية جمعت العهر الاستهلاكي الباذخ إلى التسول الذليل على أبواب الخيام البترولية، انبثقت من بيروقراطية الدولة شريحة جديدة (يمكن تسميتها بـ "البيروقراطية العليا" أو "بورجوازية الدولة التأخرالية") تحالفت وتمفصلت مع / ودعمت بورجوازية كمبرادورية سمسارة وضعت الدولة والشعب، في آن، في خدمتها، فحولت، علناً تقريباً، الدولة إلى أداة نهب والشعب إلى موضوع نهب.

منذ هزيمة حزيران، بدا أن سلطان الأيديولوجية التقليدوية السلفية في توسع ملحوظ .. كما أن الصراعات السياسية الطائفية المكتومة أو المتفجرة التي يعانيها عدد من الأقطار العربية غذت أيديولوجيات طائفية صبت في تدعيم الأيديولوجيات التقليدوية السلفية، فخلخلت هنا أو قطعت هناك اللحمة القومية للشعب، وطرحت مسألة الأقليات نفسها كمسألة ملحة ومتفجرة.

"لقد بقيت الدولة العربية، في شتى أشكالها: البرلمانية و "الثورية" و الأتوقراطية و العسكرية، التي ارتدت إطاراً شبه حديث مع الاجتياح الاستعماري، ذات بنية تقليدية من حيث الجوهر. والصفة المميزة لدولة ذات بنية كهذه ليس فقط كونها فوق المجتمع، بل أيضاً كونها توفر اندماجاً بين السلطة وممارسيها. هذه الدولة، حيث التقليد السياسي العربي ذو الطابع التيوقراطي مايزال مغروزاً في أيديولوجية الكتلة الهامدة من الأمة، وبالتالي حيث الشعور بالرعوية إزاء الدولة هو الغالب لدى القسم الأكثر تأخراً من الأمة، وحيث الشعور بالمواطنية لدى القسم الأقل تأخراً منها لم يصل في حدته إلى مستوى عنيد وقتالي، (فيتخذ في حالة الرفض طابع عزوف أو انطواء، وفي حالة القبول طابع تأييد، لا مشاركة)، هذه الدولة تتيح أوسع الفرص لممارسة أقلية ما هيمنة دائمة. والصراعات على السلطة، وكثيراً ما تعتبر هي السياسة في هذه المجتمعات المتأخرة، داخل هذه الأقلية الأقوى من الشعب والراكبة عليه، بإلغائها الحياة السياسية للشعب، تعطل، في النتيجة، عملية تحديث السياسة وتعرقل دمقرطتها، أي تعرقل عملية تحول الفرد إلى عضو في الدولة". 

لم تكن هزيمة حزيران مجرد هزيمة عسكرية أمام إسرائيل، ولا لحظة عابرة في الحياة العربية، فقد وضعت الشعوب العربية كلها على منحدر، لم تنتشلها منه حرب تشرين التي تحولت إلى هزيمة سياسية، على يدي الرئيس المصري، أنور السادات و "دولة العلم والإيمان"، وراحت تداعياتها تتوالى في جميع المجالات. من ذلك أن المجتمعات العربية التي أصابت شيئاً من التحديث انتكست إلى أسوأ ما في تاريخها؛ أي إلى نمط من الحياة السياسية أقرب ما يكون إلى نمط الحياة في العصر المملوكي / العثمـاني الذي  أبرز سماته انفصال الحكم عن الشعب وانفصال المجتمع عن الدولة، وركود المجتمع وتخثر تاريخه الداخلي، وهيمنة أيديولوجية تقليدية تعزز التبعية والامتثال والعجز والعزوف والخوف، الخوف من الطبيعة ومن الدولة ومن الحقيقة ومن الحرية، والخوف من مواجهة الذات ومن مواجهة الواقع، والخوف من المستقبل. ولعل من أبرز سمات ذلك العصر أن الحرية لا توجد ولا تنمو إلا خارج نطاق الدولة وبالتضاد معها. لذلك لم نشارك، نحن العرب، بقية الأمم في الاحتفاء بالحرية إلا في يوم دفنها. ويمكن القول: إن الحكم التسلطي نشأ وترعرع في مناخ الهزيمة التي حولها الخطاب "التقدمي" إلى نصر مؤزر. لقد كذبت الأنظمة "التقدمية" على شعوبها، ثم صدقت كذبتها، وأرغمت شعوبها على التصديق. باستثناء عبد الناصر الذي اعترف بالهزيمة، وأعلن مسؤوليته عنها، واستقال من منصبه، ثم عدل عن الاستقالة تحت ضغط الحركة الشعبية.

لقد تضافر التأخر التاريخي، ولا سيما التجزئة القومية والتأخر الأيديولوجي والسياسي، والاختراق الإمبريالي، مع البيروقراطية الوافدة من الدولة الليبرالية الحديثة والشمولية الوافدة من المعسكر الاشتراكي والمعززة بأيديولوجية ثورية وانقلابية وتوسع رأسمالي لم ين يتعمق واستقطاب دولي بين الشمال والجنوب من جهة، وبين الرأسمالية والعالم الحر والاشتراكية والمعسكر الاشتراكي الذي كان يقوده الاتحاد السوفييتي السابق من جهة أخرى، لقد تضافرت هذه العوامل جميعاً في إنتاج بيئة مواتية لنمو الدولة التسلطية.

 

تملك الدولة وتنسيق بنى المجتمع .. " ثورة الثامن من آذار"

استيقظ السورين صبيحة الثامن من آذار 1963 على أنباء انقلاب عسكري، سمي منذ ذلك اليوم "ثورة الثامن من آذار". قاد الانقلاب ستة من ضباط الجيش هم زياد الحريري (مستقل) وراشد قطيني ومحمد الصوفي (ناصريان) ومحمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد ( بعثيون، ومن أعضاء اللجنة العسكرية التي تألفت في مصر عام 1960 ). وكان الأمر العسكري رقم2 هو إعلان حالة الطوارئ في البلاد إلى إشعار آخر. وما تزال البلاد في حالة طوارئ إلى اليوم. وأذيع في الساعة 8.40 من صباح اليوم نفسه البيان التاسع الذي أعيد بموجبه أعضاء اللجنة العسكرية الخمسة إلى الجيش، ورفع النقيب الأسد إلى رتبة مقدم وعين آمراً لقاعدة الضمير الجوية.   وألف قادة الانقلاب مجلساً لقيادة الثورة من عشرين عسكرياً، منهم اثنا عشر بعثياً وثماية من الناصريين والمستقلين. وبعد بضعة أيام تم توسيع ذلك المجلس ليضم عدداً من المدنيين من بينهم ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار ومنصور الأطرش وقادة ثلاث مجموعات ناصرية . ولم يكن لهؤلاء الأعضاء المدنيين الجدد أي دور في المجلس بحسب باتريك سيل الذي نقل على لسان منصور الأطرش قوله: "كان الضباط يتركوننا نتكلم، مع أنهم، حسبما اكتشفنا فيما بعد، يكونون قد اتفقوا فيما بينهم سلفاً على القرارات التي ستتخذ..".   ويضيف باتريك سيل: "كانت السياسة في الأيام الأول للثورة قضية مساومة على المناصب وتقاسمها بين فئات الجيش المختلفة في جلسات غالباً ما كانت تستغرق الليل بطوله".  

بخلاف الانقلابات العسكرية السابقة التي شهدتها سورية والتي كان فيها الجيش أداة لحسم الصراعات السياسية بين القوى المتنافسة، وضعت ثورة آذار البلاد بين أيدي العسكر، فتحول الجيش لا إلى قوة أساسية في الحكم، بل إلى قوة الحكم الأساسية. وبمقدار ما أخذ الجيش يتسيس، ويتحول إلى "جيش عقائدي" أخذت السياسة تتعسكر. ذلك أن جناح الحزب المدني كان ضعيفاً وقليل العدد، إذ لم يكن عدد أعضائه عند قيام الثورة يزيد على 400 عضو، بل كان أقل من ذلك بقليل، بحسب ما يذكر كثيرون من كوادر الحزب الذين شهدوا تلك المرحلة. فقد تم بناء الجناح المدني للحزب في ظل سلطة جناحه العسكري، أو في ظل ما سمي "سلطة الحزب". ولذلك كان للعسكر اليد الطولى في توجيه دفة الحزب، وفي حسم صراعاته الداخلية، وكانت صراعات دامية على الدوام.

إضافة إلى إعلان حالة الطوارئ، ووضع إدارة البلاد تحت إشراف "مجلس قيادة الثورة"، بدأ العسكريون حياتهم السياسية بخرق نظام الجيش الأساسي، وخلخلة انضباطه، وإعادة بناء علاقاته على أساس العصبية الحزبية والولاءات الشخصية التي ليس لها من ضمانات موضوعية سوى ما يتمتع به الموالون من امتيازات أقلها السلطة والجاه. يقول باتريك سيل: " وفي مكتب شؤون الضباط شرع صلاح جديد في تطهير الأعداء وترفيع الأصدقاء، فأعاد إلى الخدمة الفعلية أعداداً كبيرة من ضباط الاحتياط البعثيين .. بأسلوب هادئ ورشيق .. " فإضافة إلى تطهير الجيش من كتلة "الضباط الدمشقيين" الذين قاموا بانقلاب 28 أيلول 1962 كان لا بد من تطهيره من الضباط الناصريين ثم من الضباط البعثيين غير الموالين، ولا سيما بعد محاولة الانقلاب التي قام بها عدد من الضباط الناصريين بقيادة جاسم علوان في 18 تموز 1963. ولم تحسم الأمور لمصلحة "الحزب" في السلطة إلا بعد حسمها في الجيش وفي المؤسسة الأمنية. وما أن استتب الأمر في الجيش حتى انطلقت عملية تطهير مؤسسات الدولة من غير البعثيين ومن غير الموالين من البعثيين أيضاً. فالصراعات داخل الحزب بدأت مع قيام الثورة ولم تحسم نهائياً إلا بـ "الحركة التصحيحية" التي قام بها حافظ الأسد في 16 تشرين الثاني من عام 1970 وإثر كل مواجهة كانت تجري حملة تطهير واسعة في الجيش وفي مؤسسات الدولة. كتب باتريك سيل في كتابه " الأسد " الصراع عل الشرق الأوسط" : وفي غضون أربعة أشهر حافلة ودموية، بدءاً من آذار / مارس 1963 استطاع الأسد وزملاؤه في اللجنة العسكرية أن يقضوا على كل مقاومة منظمة لحكمهم الذي كانوا يمارسونه من وراء ستار. ومنذ اللحظة الأولى تقريباً، كان عليهم أن يحكموا بالقوة وليس بالموافقة، وربما لأنهم كانوا مجموعة عسكرية منشقة من حزب شبه ميت، بدون قاعدة شعبية. ولقد أثرت تجربة تلك الأيام المبكرة في مواقفهم طيلة عدة سنوات لاحقة. وحتى عندما نما الحزب وأصبح قوياً وكبيراً فإنه لم يخلص نفسه من عادات الحذر والقمع".   ولعل أوسع حملة تطهير شملت البعثيين الموالين لـ "لقيادة القومية" كانت إثر حركة 23 شباط 1966 ، إذ أقصي نحو 400 ضابط وموظف واقتيد أمين الحافظ ومحمد عمران والقادة الموالون لهما إلى سجن المزة العسكري، كما اعتقل ثلاثون من البعثيين القدامى من بينهم صلاح الدين البيطار ومنصور الأطرش وشبلي العيسمي، وأعضاء القيادة القومية اللبنانيون والسعوديون والأردنيون، في دار الضيافة  الكائنة في شارع بغداد، أحد شوارع مدينة دمشق المعروفة. وغادر ميشيل عفلق دمشق متوجهاً إلى البرازيل، ومنها إلى العراق، ولم يقدر له أن يعود إلى سورية مرة أخرى. وتلتها حملة أخرى قبيل وبعد محاولة الانقلاب التي قام بها سليم حاطوم في الثامن من أيلول 1966 .

 إن أول احتكار فعال للقوة كان احتكار القوة العسكرية والأمنية أولاً وقوة مؤسسات الدولة تالياً. فقد كانت عملية بناء "الجيش العقائدي" ومن ثم عملية "تبعيث" الدولة تتعمق باطراد في ظل لا مبالاة شعبية لافتة للنظر. وكان من السهولة بمكان استيعاب هذه اللامبالاة وتأطيرها في الحزب الذي راح ينمو وتزداد أعداده باطراد، وفي "المنظمات الشعبية" التي ضمت كتلاً شعبية كبيرة تتسم بالتأييد السلبي لا بالمشاركة الإيجابية، وباللامبالاة التامة إزاء كل ما يجري في البلاد، بما في ذلك ما يتصل بأوضاعها المعاشية وحقوقها المدنية وحرياتها الأساسية.

وكان أول مؤتمر قطري عقد بعد قيام الثورة، (أيلول 1963)، منعطفاً حاسما في مسيرة حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي غادره أكرم الحوراني وأنصاره، وانشق عنه الناصريـون، وتمهيداً للمؤتمر القـومي السادس، ( تشرين الأول / أكتوبر 1963 ) الذي أضفى على الحزب طابعاً يسارياً، وأقر مبدأ الحزب القائد للدولة والمجتمع، وشرّع لتدخل الجيش في السياسة، إذ اعتبر أن "تشبع الجيش بالعقيدة السياسية لا يقل أهمية عن التدريب العسكري نفسه"، كما جاء في المنطلقات النظرية التي تبناها المؤتمر. وفي هذا المؤتمر تقرر حشد الجماهير وتعبئتها في "منظمات شعبيه" للعمال والفلاحين والشباب والطلبة والنساء ..  يسيطر عليها الحزب، وتكون أداة لبناء "الديمقراطية الشعبية" التي تفتح الطريق لـ "التحويل الاشتراكي". وما كان لهذا التوجه اليساري أن يغدو توجهاً عاماً إلا بعد "حركة 23 شباط 1966 التي قادها صلاح جديد الذي سيغدو الرجل الأول في الدولة، من دون أن يتولى منصباً رسمياً سوى منصب الأمين القطري المساعد للحزب، وحافظ الأسد الذي أسند إليه منصب وزير الدفاع. وقد صرف هذان القائدان كل اهتمامهما، الأول للحزب والدولة التي غدت دولة البعث، والثاني للجيش والقوات المسلحة، نواة الحكم الصلبة ودرعه الواقية. كتب باتريك سيل يقول: "كان النظام قد خرج من ثلاث سنوات من الصراع على السلطة أعقبت انقلاب عام 1963 . أما بعد دحر المنافسين الناصريين، وإخماد المعارضة اليمينية والدينية في حماة، (1964) وإزاحة الجيل القديم من البعثيين، فقد صفا الجو للجنة العسكرية، وانفسح لها المجال لتحكم. وأدى ذلك إلى تغيير أدوات السلطة. فحتى تلك اللحظة كانت اللجنة العسكرية نفسها هي الجهاز المركزي الذي يفرض الضباط إرادتهم من خلاله. أما في عام 1966 وبعد أن ضعفت اللجنة بخروج عمران منها، فقد ازدادت ذبولاً وفقدت كثيراً من مبررات وجودها حالما احتكر الضباط في قبضتهم جهاز الدولة. ولم تعد هناك حاجة للمؤتمرات السرية".  

كان الصراع على السلطة يدور على جبهتين: جبهة داخل الحزب، وجبهة مع المنافسين والمعارضين خارج الحزب، وعلى كلتا الجبهتين كان الجيش هو قوة الحسم الأساسية. وبعد كل مواجهة كانت تبقى جيوب غير خطرة أو غير ذات شأن، تحولت مع الأيام إلى نوع من معارضة سلبية في القطاعين العسكري والمدني على السواء.

ولكن ما الذي يجعل ولاء الضباط وكوادر الحزب والموظفين الكبار وغيرهم خالصاً لهذا القائد أو ذاك؟ أهي العصبية الحزبية العقائدية أم العصبية الطبقية أم العصبية المذهبية أم العصبية الجهوية، أم هناك أسباب أكثر موضوعية من هذه جميعاً، لا سيما أن الزعماء المتنافسين كانوا غالباً من الحزب نفسه ومن الطبقة نفسها ومن أتباع المذهب نفسه ومن الجهة ذاتها؟ لعل سبب الولاء الرئيس لهذا القائد أو ذاك هو الامتيازات التي يمنحها لأتباعه والمكاسب الشخصية التي يبيحها لهم، إضافة إلى إغراء السلطة والوجاهة. يقول باتريك سيل في ذلك: " .. وبعد أن فهم الأسد عِبَر الهزيمة (هزيمة حزيران، 1967) حلت محل ابتهاجه صلابة فولاذية، وعقد العزم منذ ذلك الحين على بناء قاعدة شخصية له في القوات المسلحة. وعلى غرار ما يفعله زعماء القبائل، راح يستقطب الولاء لنفسه عن طريق تقديم الخدمات والمنح وتحسين أوضاع زملائه .. ". ومن ثم فإن السلطة قد تحولت تدريجاً إلى مصدر للثروة والقوة والجاه، بقدر ما كانت الحاجة تمس إلى الموالين والأتباع والأزلام. وربما كان بالإمكان تسويغ ذلك أخلاقياً أن هؤلاء المنعم عليهم يستحقون ما يحصلون عليه، لقاء ما يقدمونه من خدمات للوطن الذي تقلصت حدوده حتى تطابقت مع حدود الحزب والسلطة. وفي ظل غياب القانون وغياب مبدأ المحاسبة والمساءلة، وتعطيل المؤسسات وشل القوى التي يمكن أن تقوم بهذه الوظيفة، تحولت الامتيازات والمنح والهبات وإطلاق أيدي "الرفاق المخلصين" في دوائر عملهم إلى قاعدة في الحكم. ويمكن القول: إن جميع العصبيات كانت تتقاطع في بؤرة واحدة هي المصلحة الخاصة التي راحت تحل تدريجياً محل المصلحة العامة، فلم تعد الدلالات السياسية تنعقد إلا عليها. فأعيد إنتاج المبادئ والأسس التي كانت تقوم عليها الدولة السلطانية، وهي مبادئ وأسس مستقرة في اللاشعور السياسي تلخصها مقولات: العشيرة والعقيدة والغنيمة، بحسب محمد عابد الجابري. وأعيد إنتاج الفرار من الدولة / السلطة، أو الدولة السلطانية أو الدولة التسلطية. والفرار من السلطة هو إما فرار منها وإما فرار إليها. والذين فروا إلى السلطة لاتقاء شرها أو ابتغاء "خيرها" غدوا جماهير الحاكم وهالته وأعمدة عرشه وبساط نعمته، ولم ينجوا، مع ذلك، من الحيف والقمع والإرهاب، بل كانوا مضطرين دوماً إلى إثبات ولائهم بالتزلف والنفاق، أو بالوشاية بالرفاق والأصدقاء والأقرباء وزملاء العمل وجيران السكن. وتجلى الفرار من الدولة بانضواء "الجماهير" في الحزب الحاكم وفي "المنظمات الرديفة": طلائع البعث واتحاد شبيبة الثورة واتحاد الطلاب والاتحاد النسائي والاتحاد الرياضي واتحاد الفلاحين واتحاد الحرفيين والاتحاد العام للعمال واتحاد الكتاب واتحاد الصحفيين، فضلاً عن النقابات المهنية التي يسيطر عليها الحزب وأجهزة الأمن سيطرة تامة. لقد أخضع المجتمع لعملية انتقال "ثورية" من الحالة الرعوية إلى الحالة الجماهيرية. وأهم سمات الحالة الجماهيرية هي التأييد السلبي والاستجابة الشرطية (كاستجابة كلب بافلوف) لأوامر السلطة، الصريحة والرمزية.

 هناك ثلاثة أركان تقوم عليها الدولة التسلطية، وتمكنها من إنتاج مجتمعها الجماهيري، هي: الإرهاب والأيديولوجيه والإعلام الموجه. وثلاثة مبادئ تضمن هذه الأركان وتعززها، هي: مبدأ الاحتكار الفعال، احتكار السلطة والثروة والقوة، واحتكار الحقيقة، واحتكار الوطنية، ومبدأ الغلبة والقهر، ومبدأ شخصنة السلطة، وعبادة القوة، أي تماهي الشخص والمنصب الذي يشغله، وانتقال قوة المنصب المادية والمعنوية إلى الشخص الذي يغدو مثال القوة والعظمة. وفي هذه الحال تحل الأوامر محل القوانين، والامتيازات محل الحقوق، والولاء والمحسوبية محل الكفاءة والجدارة والاستحقاق. وكل واحد من هذه الأركان والمبادئ يحتاج إلى دراسة خاصة، لكي تتضح صورة الدولة التسلطية، في بعدها الشمولي. وتتضافر هذه وتلك في إنتاج ما يسمى الاستقرار والاستمرار، وليس له من اسم آخر سوى المحافظة على الأوضاع القائمة، وإجبار الناس على أن يشربوا ماء البحر ويقولوا: إنه عصير الليمون.

وفي ظل الاحتكارات الآنفة الذكر يغدو ما كان مجتمعاً وشعباً شيئين نافلين وفائضين عن الحاجة، يمكن الاستغناء عنهما، لو كان ممكناً أن يكون ثمة حاكم بلا محكوم وسلطة بلا شعب ودولة بلا مجتمع. هذه  المفارقة التراجيدية، أو الكوميدية السوداء (استغناء السلطة عن الشعب وحاجتها إليه) هي التي تفسر واقعة تهميش الشعب وازدرائه والاعتقاد بعدم أهليته، وتعزز النظر إليه على أنه مادة وموضوع لإرادة السلطة وقدرتها الكلية. وهي التي تفسر نمو الوهم بإمكان إلغاء التعدد والاختلاف والتعارض وإجبار الواقع على الرقص على أنغام الأيديولوجية التي تضبطها عصا الجنرال.

مجتمع بلا طبقات

أطاح الإصلاح الزراعي بالملاكين الكبار، وأدى توزيع الأراضي الزراعية المصادرة على الفلاحين إلى زيادة عدد الملاكين الصغار والمتوسطين، كما أطاحت قرارات التأميم "الاشتراكية" بالبورجوازية الوطنية الصاعدة، وتحولت الدولة تدريجياً إلى ملاك كبير وصناعي وحيد وتاجر جملة ومفرق أيضاً، ورب عمل للطبقة العاملة الناشئة التي أخذت تتوسع جراء تنمية رأسمالية الدولة التابعة. وغدت الطبقة الوسطى، أو الفئات الوسطى طبقة سائدة منقسمة على نفسها عمودياً، بحسب الولاء للسلطة أو معارضتها، إلى فئة حاكمة و "جماهير"، كما انقسمت الفئة الحاكمة نفسها إلى سادة وتابعين. والسادة هم "بورجوازية الدولة العليا" من عسكريين ومدنيين. أما التابعون وتابعوهم وتابعو تابعيهم، إلى قاع الهرم التوتاليتاري، فهم الجماهير. لقد كان التأميم أقرب إلى تصفية الطبقة العاملة، بقدر ما يمكن أن تعد طبقة في ذاتها، وإلى إلغاء دورها الاجتماعي السياسي، منه إلى إجراء اشتراكي. وقد أدى ذلك إلى تحطيم كل تضامن طبقي بين العمال، أو بينهم وبين العمال الزراعيين والفلاحين الفقراء وفقراء المدن، أو بين هؤلاء أنفسهم، مقابل التضامن بين الملاكين وأرباب العمل. فقد قدمت الدولة نفسها ممثلة لهذه الفئات الاجتماعية التي انحلت واقعياً، قبل أن يتسنى لها تحقيق ذاتها ثقافياً وسياسياً. وبدأت سيرورة تهميشها تتسارع على نحو يتناسب مع نمو الدولة التسلطية، وانتقال القوة الاجتماعية من مؤسسات المجتمع إلى مؤسسات الدولة التي أخذت تتحول أكثر فأكثر إلى مؤسسات أمنية. وفي الوقت ذاته كانت تنمو أرستقراطية عمالية وفلاحية وبورجوازية وسطى في كنف الأجهزة وتحت رقابتها وحمايتها، أرستقراطية يؤلف الفساد والانحلال الأخلاقي أخص صفاتها، والأيديولوجية الاشتراكية القومية غطاءها وتبريرها. ويوماً بعد يوم كانت تتسع الشقة بين هذه الأرستقراطية والجماهير التي رفعتها، أكثر مما كانت بين العامل ورب العمل "البورجوازي"، فتحولت الطبقة العاملة والجماهير الكادحة من قوة عمل وإنتاج إلى جيش من العبيد. إن سيرورة إلغاء الطبقات أو الفئات الاجتماعية هذه كانت تقابلها سيرورة إلغاء الأرستقراطية العمالية والفلاحية والحزبية، بوصفها طبقة جديدة تجمعها مصالح مشتركة. وذلك عن طريق سلسلة من التصفيات في صفوف هذه الطبقة الجديدة جعلت من أعضائها أنفسهم عبيداً للسلطة. فالنظام العبودي لا يمكن أن يخلق طبقة من الأحرار إلا على أنقاضه. ولكن العمال والفلاحين وفقراء المدن أصبحوا والحالة هذه عبيد العبيد. وتلكم هي أبرز مظاهر التهميش الاجتماعي والثقافي والسياسي. فالدولة التسلطية لا تقبل بوجود طبقات أو فئات أو جماعات متماسكة وموحدة أو متضامنة ذات امتيازات، بل بوجود أفراد ذوي امتيازات فحسب. ولذلك فإن معارضة السلطة لم تعد تعتمد هي أيضاً على طبقات أو فئات أو جماعات ذات مصالح متماسكة ومنظمة. بعملية التفريد أو التذرير هذه تحقق الدولة التسلطية المساواة بين "المواطنين" بتحويلهم إلى جمع غير منسوج من أفراد منعزلين ومتنافسين، تقوم مصلحة كل منهم على الوشاية بالآخر والتنصل من الشأن العام. وكل واحد منهم متهم بالقوة أو بالفعل، وعليه أن يواجه الاتهام ويدفعه عن نفسه بإلصاقه بالآخر، وبالتزلف إلى الحاكم بالقدر الذي يظن أنه يقنعه ببراءته. وهكذا يجد الفرد نفسه محاصراً من الخارج والداخل، ومسوقاً إلى سلسلة من الممارسات العبثية تزيد من احتقاره لنفسه وعزلته عن الآخرين. وهذه الممارسات العبثية ليست في الواقع سوى استجابات غريزية عمياء لخطر قائم وعنف ممكن في كل حين. إذ إن عنف الدولة التسلطية وإرهابها لا يتوقفان على قوة المعارضة، بل ينطلقان من كل عقل وعقال، بالأحرى، بعد تصفيتها، أو الإجهاز على فاعليتها واحتمالات نموها. ويتحول كل فرد في نظرها إلى معارض محتمل وعدو موضوعي. فالإرهاب يفترض دوماً مزيداً من التوهم ومزيداً من الأجهزة السرية ومزيداً من المخبرين والعيون أو البصاصين. وهذا ما يفسر النمو السرطاني للأجهزة الأمنية الوحيدة التي كانت تتمتع بحرية تامة في التدخل المباشر في جميع تفاصيل حياة المواطنين، وفي جميع مستويات الإدارة، وفي جميع مجالات النشاط . وهذه لم تغتن من جراء نهب الدولة فقط بل من جراء نهب ضحاياها وابتزاهم، ومن المشاركة في النشاطات التي كان عليها مكافحتها، كالقمار والدعارة والتهريب وتجارة المخدرات، مما جعلها دولة داخل الدولة تقوم على الإرهاب والابتزاز والفساد والإفساد. وقد حولت هذه الأجهزة المجتمع إلى مجتمع الخوف المتبادل والريبة المتبادلة، وأخضعت النسيج الاجتماعي لمقاييس عملائها ومعاييرهم الأخلاقية التي هي معاييرها وقيمها. ولعل وظيفتها الأساسية كانت ولا تزال محاولة السيطرة على تعددية المجتمع وأفرادية الواقع وعلى الفروق والاختلافات اللامتناهية بين الكائنات البشرية بغية جعلها نسخاً متشابهة أقرب ما تكون إلى كائن توتاليتاري واحد، وهذا غير ممكن إلا بتقليص جميع المواطنين إلى هوية واحدة ثابتة وخاوية قوامها ردود الفعل الغريزية، وتقليص حريتهم إلى مجرد الحفاظ على النوع. وكان للإرهاب السياسي والاعتقال السياسي وما يرافقهما من تعذيب جسدي ونفسي أثر حاسم في تدمير العلاقات الإنسانية واختراق المجتمع والإجهاز على جميع أشكال مقاومته الذاتية، بتحويله إلى نوع من معسكر اعتقال كبير. تقول حنة أرندت : "إن أول خطوة جوهرية في السبيل الذي يؤدي إلى السيطرة الكلية تقضي بأن يقتل في الإنسان شخصه القانوني" والخطوة الثانية الحاسمة هي قتل الشخص الأخلاقي في الإنسان، وبعد أن يتم تدمير الشخصية الأخلاقية يغدو تدمير الفردانية عملاً منجزاً.

 إن تحويل الطبقات أو الفئات الاجتماعية إلى جماهير، وإلغاء كل تضامن بين الجماعات إلغاء متوازياً هما شرطان لازمان للاستبداد الكلي. والانتقال من الرعوية إلى الجماهيرية هو انتقال من فقر وبؤس مكشوفين إلى فقر وبؤس مقنعين، ومن عبودية صريحة إلى عبودية مغطاة بالورود. والعبد، عند أرسطو، هو من ضعف روحه وقلت حيلته وأتبع نفسه لغيره. وهو جسد سيده وثوره وأداته. والتابع، في اعتقادي، جسد بلا روح ولا عقل ولا ضمير. وليس في المجتمع والدولة شيء ليس موجوداً في الفرد، بالقوة أو بالفعل، فما بالكم إذا كان هذا الفرد جسداً بلا روح ولا عقل ولا ضمير؟ أجل إن مجتمع الجماهير ودولته التسلطية، أو الشمولية، مجتمع ودولة بلا روح ولا عقل ولا ضمير. وإن انطفاء الروح واستقالة العقل وموت الضمير وانعدام المعنى هي أبرز منتجات الدولة التسلطية، وهي، في الوقت ذاته، أهم شروط استقرارها واستمرارها. الدولة التسلطية دولة بلا معنى، لأن جميع أقوالها وأفعالها بلا معنى. والمعنى هو قوام القول والفعل. وهي لا تستطيع أن تنتج شروط استقرارها واستمرارها إلا إذا قتلت الروح الإنساني وأسكتت صوت العقل وأعدمت الضمير واغتالت المعنى. وما الفساد الذي يكثر الحديث عنه، ويظنه بعضهم شيئاً طارئاً وعابراً، ومرضاً يمكن الشفاء منه من دون تغيير بنية الدولة ووظيفتها، سوى النتيجة المباشرة المحسوسة لاستقرار هذه الدولة واستمرارها. وتغيير بنية الدولة ووظيفتها لا يعني هنا إسقاط السلطة القائمة، بل يعني استعادة الدولة، وإلغاء طابع الجزئية الذي يلابسها، بوصفها دولة الحزب القائد، وتحويلها تدريجياً إلى دولة سياسية تعبر عن الكلية الاجتماعية، أي إلى دولة حق وقانون لجميع مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز، وإعادة إنتاج الطابع الاجتماعي لوظائفها. ويقيني أن السلطة القائمة وحزب البعث العربي الاشتراكي يمكن أن يسهما إسهاماً جدياُ في هذه العملية التاريخية الكبرى، حين تتحول هذه السلطة إلى سلطة سياسية، ويتحول الحزب الحاكم إلى حزب سياسي، بالمعنى العصري والحديث للسياسة.  فإذا صح أن الحريات الديمقراطية قامت على أساس المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون، وأن العدالة الاجتماعية هي التحقيق الفعلي للمساواة، فإن هذه الحريات لا تكتسب معناها ووظيفتها العضوية إلا حين ينتمي المواطنون ،بحكم منابتهم الاجتماعية، إلى جماعات تمثلهم و تشكل في ذاتها هرمية اجتماعية وسياسية، وحين ينتتمون انتماء طوعياً و واعياً إلى التنظيمات الحرة أو المجموعات الحرة التي ينتجها المجمع تعبيراً عن حيويته وفاعليته. وهذه المجموعات أو التنظيمات النقابية والسياسية، وغيرها من التنظيمات المدنية، لا تكون حرة حقاً إلا إذا كان جميع أفرادها أحراراً، وفق المبدأ الرياضي الذي هو التعبير الأكثر تجريداً والأكثر واقعية، في الوقت نفسه، عن منطق الواقع. والحرية هنا غير مشروطة سوى بالقانون والمسؤولية. ومن ثم، فإن انهيار منظومة الطبقات الاجتماعية، وهي التفريع الاجتماعي السياسي الوحيد المصاقب لبنية الدولة الحديثة، كان من الأحداث الأكثر مأساوية في تاريخ الأمم التي حدث فيها ذلك بصورة تعسفية وبدائية أو همجية. فالتعارضات الاجتماعية (الطبقية) لا تنتهي دوماَ بانتصار طبقة وانهيار أخرى، بل قد تنتهي بانهيار جميع الفئات المتصارعة. وقد انتهت الصراعات، في بلادنا، وفي بلدان أخرى كثيرة، إلى تدمير جميع الفئات الاجتماعية وانهيارها.  و كان هذا الانهيار مواتياً لانطلاق الفاشية، في أوربة، والشمولية، في الاتحاد السوفييتي السابق، وفي أوربة الشرقية، ولنشوء التسلطية، في البلدان المتأخرة والتابعة. وينجم عن تدمير الفئات الاجتماعية بالضرورة تدمير مجال الحياة العامة، ونزع السياسة من المجتمع، بوصفها، أي السياسة، ميزة الاجتماع البشري الأساسية، وشكل وجود الجماعة المميز. لكن الدولة التسلطية لا تكتفي بتدمير مجال الحياة العامة، بل تسعى، ما وسعها الجهد، إلى تدمير مجال الحياة الخاصة والشخصية، أيضاً، بإفقار الأفراد وتقفير حياتهم. وهذان الإفقار والتقفير هما الأساس المشترك للإرهاب، وهما اللذان يهيئان الجلادين والضحايا، ويشيعان في الأفراد شعوراً مأساوياً عميقاً بالاقتلاع وانعدام الجدوى، وهذا الشعور هو ذروة اغتراب الإنسان عن ناتج عمله وعن ذاته وعن العالم.

 

بادرات الإصلاح

هل الإصلاح ممكن بعد كل الذي تقدم ؟ أجل إنه ممكن وواجب. بل لعل الفساد الجذري يقتضي إصلاحاً جذرياً. وفي اعتقادي، إن سورية اليوم تقف على مفترق: إما إعادة إنتاج النظام التسلطي إياه، وإما الإصلاح الجذري، وإما الفوضى والخراب والتدمير الذاتي والانتحار الجماعي. وليس من احتمال آخر سوى ما يمكن أن تفرضه قوى خارجية. ومن ثم، فإن الإصلاح هو أفضل احتمال ممكن. ومن طبيعة الإصلاح أن يكون متدرجاً وبطيئاً ومؤلماً أحياناً. ولكن ثمة إصلاح وإصلاح، ثمة إصلاح تقوم به السلطة بأدواتها وآليات عملها الموصوفة، وهذا الإصلاح لا يمكن أن يؤدي سوى إلى إعادة إنتاج النظام نفسه، مع بعض التحسينات هنا وهناك. ولا يمكن أن يؤدي من ثم سوى إلى إعادة إنتاج الأزمة التي لا مخرج منها إلا بإصلاح جذري. وثمة الإصلاح الجذري الذي لا بد أن تتضافر فيه جهود السلطة والشعب، ولا بد أن تسهم فيه بصورة إيجابية جميع فئات المجتمع وقواه، وهو الذي يضع البلاد على خط تجاوز الحاضر، أي على خط النهضة والتقدم. وليس من خيار ثالث، لأن هذا القدر من الفساد والخراب لا يمكن حذفه إلا بعمل تاريخي في مستوى مخاطره وتحدياته.

ويبدو للباحث أن السلطة اليوم في موقف متردد بين الحاجة الماسة إلى الإصلاح والخوف من نتائجه المتوقعة، وهو خوف تمليه شبكة من الرؤى والمصالح الخاصة التي أنتجتها عملية تملك الدولة، لذلك تدور أحاديث لا معنى لها حول أولوية الإصلاح الاقتصادي والإداري على الإصلاح السياسي، كأن مجالات الحياة الاجتماعية متخارجة ومتفاصلة، وكأن الإصلاح الجدي في أي من هذه المجالات لا يقتضي إصلاحاً موازياً في المجالات الأخرى. فالسلطة التي اعترفت، أول مرة، بالركود الاقتصادي والفساد الإداري، ولا سيما فساد القضاء والتعليم والإعلام، فأخرجها هذا الاعتراف من وضعية القبول التام والتصديق التام، ومن حالة الازورار عن الواقع إلى الاعتراف ببعض حقائقه؛ إلا أنها لا تستطيع ولا تريد أن تعترف بالأزمة السياسية التي باتت نسقاً مولداً لسائر الأزمات الأخرى. وفي اعتقادنا أن الإصلاح لا ينطلق قبل الاعتراف بالأزمة السياسية، ونقد تجربة العقود الماضية نقداً يذهب عميقاً إلى الأسس التي قامت عليها السياسة منذ الثامن من آذار 1963 .

وإذا أخرجنا هذه المسألة من دائرة التفاؤل والتشاؤم، أي من دائرة الذاتية، إلى دائرة الاحتمالات والممكنات، أي إلى دائرة الموضوعية، يمكن القول: إن إصلاح الأوضاع القائمة في البلاد بات ضرورة راهنة وملحة. ومن ثم فإن السلطة إزاء أحد خيارين: إما أن تغلق الأبواب التي فتحتها بنفسها وتنتظر ما يأتي به الزمن، وإما أن تمضي قدماً في الطريق الإجبارية الشائكة والمحفوفة بالمخاطر. وفي اعتقادنا أن حظوظ هذين الاختيارين ما زالت متساوية. وأمام السوريين فسحة واسعة من الزمن على رصيف الانتظار.