أطياف "الأيديولوجية الألمانية" في "الأيديولوجية العربية المعاصرة"

جاد الكريم الجباعي

"اصطنع البشر باستمرار، حتى الوقت الحاضر، تصورات خاطئة عن أنفسهم وعن ماهيتهم وعما يجب أن يكونوه. ولقد نظموا علاقاتهم وفقاً لأفكارهم عن الله والإنسان العادي إلخ؛ ولقد كبرت منتجات عقولهم هذه حتى هيمنت عليهم، فإذا هم الخالقون ينحنون أمام مخلوقاتهم. ألا فلنحررهم إذن من الأوهام والأفكار والعقائد والكائنات الخيالية التي يرزحون تحت نيرها[1]". تلكم كانت المقدمة التي قامت عليها الأيديولوجية الألمانية وانطلق منها كارل ماركس لنقد تلك الأيديولوجية، التي لم تعدُ كونها "مفاهيم الطبقة الوسطى (الألمانية) في لغة فلسفية"؛ فهل كان هذا النقد في خلفية "الأيديولوجية العربية المعاصرة، وهل التحرر من الأوهام والأفكار والعقائد والكائنات الخرافية يحرر البشر من الضرورة أو الضرورات الواقعية، ويجعلهم سادة عالمهم ومصيرهم حقاً، أم إن وعي هذه الضرورة أو الضرورات هو الشرط اللازم وغير الكافي لذلك؟

في أساس الأيديولوجية الألمانية تقبع فكرة الاغتراب أو مقولة الاغتراب أو الاستلاب أو الضياع، كما صاغها هيغل. وفي أساس نقد ماركس لتلك الأيديولوجية تقبع أيضاً مقولة الاغتراب أو الاستلاب أو الضياع التي صاغها ماركس في معارضة منطق هيغل ومذهبه. فكرة الاغتراب عند هيغل تحيل على الفكر المجرد أو العقل الخالص. فالروح المطلق يغترب عن ذاته ويندرج في العالم الواقعي، المادي، لكي يعود إلى ذاته مغتنياً بثروة التطور. فالواقع المادي لا يعدو كونه تجليات للروح المطلق الذي يخلق العالم. وفكرة الاغتراب ذاتها، عند ماركس، تحيل على العمل البشري الخلاق والإنتاج الاجتماعي، وعلى فكرة الملكية أو التملك؛ إذ تتعيَّن ماهية الإنسان وخصائصه النوعية في جميع  منتجات عمله، بما فيها العلاقات والتنظيمات الاجتماعية والسياسية (التموضع أو التعيُّن)، ثم تغترب عنه ويغترب عنها بحكم الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، ونمط الإنتاج الاجتماعي الذي تحدد الملكية الخاصة شكله ومحتواه، فبالعمل، في شروط الملكية الخاصة، يغني الإنسان عالمه بقدر ما يفقر نفسه، ويغني الله وسائر الكائنات الخيالية والأسطورية والخرافية أيضاً بقدر ما يفقر ذاته، ويغدو عبداً لمنتجات رأسه ويديه. المسألة الأساسية إذاً هي التي سماها ماركس: "المسألة الفلسفية الأولى"، مسألة العلاقة الجدلية بين الذات والموضوع، بين الإنسان والعالم، وهي مسألة حاسمة وحاكمة مبدئياً ونهائياً، لأنها البذرة التي تحمل شجرة الديالكتيك، وفي ضوئها تتحدد رؤية البشر إلى ذواتهم وإلى عالمهم، وتتحدد أساليب ممارستهم العملية والنظرية على السواء. والإنتاج هو عملية / عمليات تملك العالم بالمعرفة والعمل. فماهية مجتمع ما أو هويته هي ما ينتجه هذا المجتمع بالفعل، على الصعيدين المادي والروحي. ومن ثم فإن الأيديولوجية العربية المعاصرة التي نقدها العروي هي أيديولوجية اغتراب مضاعف: اغتراب الفرد العربي في العالم وإزاءه، أي اغترابه في المجتمع والدولة اللذين يفترض أنهما مجتمعه ودولته، والأمر ليس كذلك بعد، واغتراب إزاء الآخر، (الغرب) لا يعدو كونه صورة من صور الاغتراب عن الذات، أي عن الماهية الإنسانية. وقد برع العروي في كشف عوامل هذا الاغتراب الثاني ومظاهره، ولكنه لم يؤسسه على الأول، لكي يضع العمل العربي على خط تجاوزه. ولذلك، ربما، لم يعدُ عمل العروي كونه ذروة من ذرى الفكر النظري، النقدي، في الفكر العربي المعاصر، ولكنه يفتقر إلى الشروط التي تمكنه من الاندراج في الممارسة العملية والنظرية للعرب المعاصرين، فضلاً عن ضعف عملية المثاقفة في العالم العربي، وعن ضعف الروح النقدي بوجه خاص. والأدعى للأسى أن العمل السياسي العربي "التقدمي" الذي عمد العروي إلى تثقيفه وتنويره لم يعن بأعمال العروي، فلم يفد منها لا في قليل ولا في كثير، باستثناء أعمال ياسين الحافظ التي لا يزال "التقدميون" العرب ينظرون إليها بتوجس وارتياب، بل إن كثرتهم الكاثرة تجهلها كما تجهل أعمال العروي نفسه.

عمد ماركس إلى نقد الأيديولوجية الألمانية وتفنيدها، في أشخاص ممثليها الأكثر شهرة: لودفيغ فويرباخ وبرونو بوير وماكس شتيرنر وغيرهم ممن كانوا يعتقدون أن تغيير الأفكار يغني عن تغيير الواقع، إذا لم يكن هو نفسه تغيير الواقع.* وكانت خطوته الأولى هي تعرية "المقدمات الأيديولوجية المشتركة بينهم جميعاً"، إذ كانوا تابعين تبعية تامة للنظام الهيغلي، فيما كانوا يدَّعون فرادى ومجتمعين تجاوز ذلك النظام. وقد لاحظ ماركس "أن كلاً منهم كان يعزل جانباً من النظام الهيغلي ويحوله ضد النظام بكامله وضد الجوانب المعزولة من قبل الآخرين على حد سواء"[2]. كما لاحظ أن جماع النقد الفلسفي الألماني من شتراوس إلى شتيرنر مقتصر على نقد التصورات الدينية[3]؛ كأن التحرر من الأفكار والتصورات والأوهام الدينية هو الغاية والنهاية.** الأفكار والتصورات والأوهام الدينية لا تقوم وحدها في الذهن، بل إنها تتشكل بدلالة غيرها من التصورات والأفكار والرؤى والأوهام، ولا سيما التصورات والرؤى الوجودية الأونطولوجية خاصة: وتسهم في تشكيلها، ومن ثم فهي مظهر من مظاهر الوعي الاجتماعي؛ ولا يغير من هذه الحقيقة كونها المظهر الرئيس. ونؤكد هنا فكرة التشكل والتشكيل لأن الوعي في حقيقته هو شكل الوجود المادي الذي لا وجود غيره، على أن تفهم مقولة الوجود المادي بالمعنى الذي حدده ماركس. وهو شكل موَّار ومتغير بحسب التغيرات النوعية التي تطرأ على الوجود المادي ذاته؛ فالوعي الديني هو وعي في العالم وفي التاريخ. آية ذلك أن البشرية حتى يومنا لا تزال تديِّـن بعض الأفكار والرؤى والتصورات، أي تجعلها أقرب إلى الأفكار والتصورات والرؤى الدينية، ومنها أفكار ماركس وإنغلز وغيرهما.

العروي أيضاً نقد الأيديولوجية العربية المعاصرة بأشخاص أبرز ممثليها وأشهرهم، (محمد عبده ولطفي السيد وسلامة موسى) وكشف عن المقدمات الأيديولوجية والمعرفية المشتركة فيما بينهم، ولعل أهمها أن كلاً منهم يحدد هوية المجتمع، ورؤيته إلى العالم وإلى التاريخ بدلالة تأويل ما للآخر، الغرب، يسقطه على واقع العرب وتاريخهم وتصورهم للمستقبل؛ بل إنه يختزل الغرب الذي صاغ العصر الحديث وفرض نفسه عليه فصار أنموذجاً ذا قيمة معيارية إلى أحد جوانبه أو إلى إحدى لحظات تطوره، ويعزل جانباً من التراث العربي الإسلامي يواجه به الجوانب الأخرى. وفي أساس تلك المقدمات عنصر وضعاني، لا تاريخي، مشرب بنزعة ذاتية مصدرها نوع من "جرح نرجسي" في الذات العربية، غدت معه الوثوقية أواليقينية الإيمانية قاسماً مشتركاً بين التيارات والاتجاهات المختلفة.

 لقد أدرج ممثلو الأيديولوجية الألمانية جميع التصورات الميتافيزيقية والسياسية والحقوقية والأخلاقية وغيرها من التصورات السائدة في صنف التصورات الدينية أو اللاهوتية، فكان في نظرهم الوعي السياسي والحقوقي والأخلاقي وعياً دينياً أو لاهوتياً، وكان الإنسان السياسي والحقوقي والأخلاقي والإنسان في آخر التحليل إنساناً دينياً. ومن ثم فإنهم كانوا "يعتبرون المفاهيم والأفكار والتصورات، وباختصار جميع منتجات الوعي الذي ينسبون إليه وجوداً مستقلاً على أنها أغلال البشر الفعلية[4]" وكان من البديهي أن يناضلوا ضد هذه الأوهام الخاصة بالوعي. وإن هذا المطلب بتغيير الوعي يرتد إلى المطالبة بتفسير الواقع بطريقة أخرى، ويعني القبول به بوساطة تأويل مختلف. ولم يخطر في بال الفلاسفة الألمان أن يتساءلوا عن الرابطة التي تجمع الفلسفة الألمانية بالواقع الألماني. فهل تساءل العروي عن الرابطة التي تجمع الأيديولوجية العربية المعاصرة بالواقع العربي؟ نعتقد أنه لم يفعل ذلك إلا لماماً، وعلى نحو ضمني تشي به الخلاصات والأحكام الختامية للتحليل الثقافي.

بخلاف الأيديولوجيين، كان ماركس ينطلق من الواقع العياني، من الأفراد الواقعيين في نشاطهم وشروط وجودهم المادية؛ أي من حقيقة أولية لا يماري فيها أحد، هي الوجود المباشر للأفراد الواقعيين المسوقين بسائق حاجاتهم ورغباتهم وأهوائهم ونزواتهم، ولكن بسائق حاجاتهم أساساً. وهؤلاء الأفراد يمتازون من الحيوانات بالوعي والدين وكل ما يحلو لنا؛ "وإنهم ليبدؤون بتمييز أنفسهم من الحيوانات حالما يباشرون إنتاج وسائط وجودهم .. فحين ينتج البشر وسائط وجودهم ينتجون بصورة غير مباشرة حياتهم المادية بالذات. وإن هذا الإنتاج يمثل نمطاً محدداً لفاعلية هؤلاء الأفراد، طريقة محددة للتعبير عن حياتهم، أسلوباً محدداً في الحياة. و كما يعبر الأفراد عن حياتهم كذلك يكونون بالضبط؛ إذ تتطابق ماهيتهم مع إنتاجهم، سواء مع ما ينتجونه أم مع الطريقة التي ينتجونه بها. فماهية الأفراد تتوقف إذن على شروط إنتاجهم المادية"[5]. ليس ثمة من ماهية جوهرية مجردة وناجزة أو نهائية للفرد سوى كونه طبيعة تعي ذاتها، وهذا الوعي هو انعكاس لشروط الوجود المادية التي ينتجها الفرد ذاته. على أن الفرد لا يعي فرديته وذاتيته وحريته واستقلاله إلا بدلالة الآخر، في كنف الجماعة والمجتمع ثم المجتمع المدني. ومن ثم فإن ماهية الأفراد والجماعات والمجتمعات والأمم والشعوب ليست محددة لا قبلياً ولا نهائياً، بل هي بالأحرى متوقفة على إنتاجهم لوسائط وجودهم وأشكاله. وإن وعي الفرد لذاته الذي لا يتحقق إلا في إطار الجماعة هو بالأحرى وعي اجتماعي. ومن ثم، فإن "علاقات الأمم المختلفة فيما بينها تتوقف على مرحلة التطور التي بلغتها كل منها فيما يتعلق بالقوى المنتجة وتقسيم العمل والعلاقات الداخلية. إن هذا المبدأ معترف به عموماً. وعلى أي حال، ليست علاقات الأمة الواحدة مع الأمم الأخرى فحسب، بل جماع البنية الداخلية لهذه الأمة نفسها أيضاً، هي رهن بمستوى تطور إنتاجها وبعلاقاتها الداخلية والخارجية".

العروي لم ينطلق من نقطة الارتكاز الواقعية التي انطلق منها ماركس، أي من الوجود الواقعي، المباشر، للأفراد الواقعيين، ومن الوجود الواقعي المباشر للمجتمع العربي أو المجتمعات العربية، في زمن التحليل، ومن الإنتاج الذي يحدد نمطاً معيناً لفاعلية هذا المجتمع أو هذه المجتمعات، وطريقة محددة للتعبير عنها، بل انطلق بالأحرى من التحديدات الذاتية، من وعي الذات خاصة، ومما يشوب هذا الوعي من التباسات قلما يحيلنا على أسسها الواقعية في حياة المجتمع، مما يطرح مرة أخرى علاقة الوعي بالوجود أو علاقة الفكر بالواقع؛ أليس الوعي الأيديولوجي المشبع بالأوهام عن الذات وعن الآخر تعبيراً عن واقع ينتج الأوهام، ولا سيما وهم الخصوصية ووهم الامتياز والتفوق ووهم التمامية والكمال ووهم الرسالة الخالدة للأمة العربية، فضلاً عن وهم التجانس والنقاء القوميين أو الطبقيين، وتضخم الـ نحن، الهوية الكتلية الفارغة والهامدة أو الميته، أو الجماهيرية القطيعية، على حساب الـ أنا وغياب الأنا أفكر، أي غياب الذات الفردية الحرة الواعية والعارفة والعاملة أو المنتجة والمسؤولة؟ ولعله يمكن القول: إن لكل مجتمع ثقافة لصيقة بالوجود ومندرجة في الممارسة، وأخرى متعلقة بالوجوب ومتجهة إلى المستقبل، وليس من حوار في المجتمعات العربية بين هاتين الثقافتين؛ وهذا مرد هزال الفكر النظري النقدي والمستقبلي بالضرورة وهامشيته وضآلة مردوده في المجتمع، وهامشية الأدب والفن وعجزهما عن إنتاج قيم جمالية وأخلاقية جديدة يتبناها المجتمع وتغدو جزءاً من ثقافته العامة، الشعبية.

"النقد" الألماني لم يغادر أرض الفلسفة؛ فقد انطلق من نظام فلسفي معين هو النظام الهيغلي، فما النظام الفلسفي أو الكلامي الذي انطلق منه النقد العربي؟ وما النظام الفلسفي الذي انطلق منه العروي نفسه في نقد الأيديولوجية العربية المعاصرة؟

بقدر ما فهمت كتابات عبد الله العروي، أظن أن النظام المعرفي الذي استرشد به هو الماركسية الأيديولوجية، كما وصفها العروي نفسه. ومن ثم أغامر بالقول: إنه أنتج نقده للأيديولوجية العربية المعاصرة، وهو عمل غير مسبوق في فكرنا الحديث، في ضوء نقد ماركس للأيديولوجية الألمانية، وانطلاقاً من مقدمات ماركس ذاتها. ولكنه لم يتخط مرحلة النفي إلى نفي النفي، كما فعل ماركس؛ أي إنه لم يتخط النقد الثقافي للثقافة. ومرجعية الفكر لا يمكن أن تكون الفكر ذاته، بل الواقع الذي ينتجه في انبساطه ونموه وتطوره. بيد أن المقولة المركزية في الماركسية، أعني مقولة الإنتاج الاجتماعي وما تستتبعه من أشكال الملكية وتقسيم العمل وعلاقات الإنتاج، بدت شاحبة جداً وهامشية في نقد العروي. ذلك أن "أفراداً معينين أصحاب نشاط إنتاجي وفق نمط معين يدخلون في علاقات اجتماعية وسياسية معينة، ويجب في كل حالة على انفراد أن تبين المشاهدة التجريبية في الحقائق (التي تقتصر على المعطيات الواقعية وحدها) وبدون أي تخمين أو تضليل، الرابطة بين البنية السياسية والاجتماعية والإنتاج. إن البنية الاجتماعية والدولة تنشأان باستمرار من التطور الحيوي لأفراد معينين .. كما هم في الواقع، أي كما يعملون وينتجون مادياً. وإن إنتاج الأفكار والتصورات والوعي مختلط بادئ الأمر بصورة مباشرة ووثيقة بالنشاط المادي والتعامل المادي بين البشر، فهو لغة الحياة الواقعية".[6] فالوعي من ثم هو الوجود مدركاً على هذا النحو أو ذاك، بهذه الدرجة من المقاربة أو تلك، أو بهذه الدرجة من الانحراف أو تلك؛ و "الانحراف" ذاته له دوماً ما يفسره ويسوغه؛ بل إن تسميته كذلك أقرب إلى حكم القيمة منها إلى حكم الواقع، وإلا يغدو تفسير العالم مشرباً بالأوهام الذاتية، ولذلك قيل: إن للتاريخ قيمة تفسيرية فحسب. إن نقد البنى والعلاقات القائمة، أي نقد الوجود المادي ونقد العلاقات وأشكال التعامل المادي للمجتمع المعني هو نقطة الانطلاق الواقعية التي يمكن أن تفضي إلى دحض الأفكار والتصورات الوهمية التي يعبر بها المجتمع عن وجوده الفعلي الذي يحتاج إلى أوهام. وفي اعتقادنا أن جميع الأوهام تنشأ عن عدم تقدير الذات حق قدرها: إما بالحط من شأنها وإما بالمبالغة في تقدير إمكانياتها. وليس بالوسع فصل الذات عن موضوعها وموضوعاتها والمكوث في عالم العيان والمشاهدة. الانطلاق لا يتم مما يقوله البشر ويتوهمونه ويتصورونه، ولا مما يقوله عنهم أو يتصوره الآخرون، بل من البشر أنفسهم في فعاليتهم الواقعية. وبهذا يكف التاريخ عن كونه مجموعة من الحقائق التي لا حياة فيها، كما هو الأمر عند التجريبيين الذين هم تجريديون بعد، أو نشاطاً وهمياً لذوات وهمية، كما هو الأمر عند المثاليين.[7] فحيث ينقطع التخمين يبدأ العلم الواقعي، الإيجابي، يبدأ تحليل النشاط العملي، تحليل عملية التطور العملي للبشر. إن العبارات الجوفاء عن الوعي تنقطع، ويجب أن تحل معرفة واقعية مكانها. وإن الفلسفة لتكف، مع دراسة الواقع، عن أن تكون لها بيئة توجد فيها بصورة مستقلة ذاتياً .."[8]

والأمر نفسه ينطبق على التاريخ، إذ إن العالم الحسي ليس موضوعاً معطى بصورة مباشرة، منذ الأزل، ومشابه لنفسه دون انقطاع، إلا بقدر ما يقتصر النظر على سطوح الأشياء أو على "الصور"، ولا يتخطاها إلى عملية التشكل والانحلال التي لا تفتر (المادة تتشكل، وفي كل لحظة من سيرورة التشكل تبدي صورة ما، الصورة غير الشكل.) بل هو نتاج الصناعة وحالة المجتمع، وهذا يعني أنه نتاج تاريخي، نتيجة فعالية مجموعة كاملة من الأجيال، كل جيل منها يرتفع على أكتاف الجيل السابق، ويُحكم صناعته وتجارته ويعدل نظامه الاجتماعي وفقاً لتحول حاجاته. للتاريخ، وفق هذا التصور، منطق صارم هو منطق الواقع نفسه، منطق تعارضاته الملازمة والاحتمالات أو الممكنات التي ينطوي عليها كل من هذه التعارضات في علاقاته الجدلية، الداخلية والخارجية، فهو، أي التاريخ، توقيع ممكنات على حساب ممكنات أخرى، وهنا بالضبط تتدخل الفاعلية البشرية، في ترجيح أحد هذه الممكنات على غيره. مع ملاحظة أن الممكنات الأخرى لا تنتفي، بل تؤثر، بهذا القدر أو ذاك، في الاحتمال الراجح، بل إنها تقرر مصيره، وهذا ما أطلق عليه هيغل اسم "مكر التاريخ" أو مكر العقل، مكر الله، وهو ليس شيئاً آخر سوى صرامة منطق الواقع، ومدى اتساق أو عدم اتساق ممارسة البشر مع هذا المنطق. فالتاريخ لا يسير وفق الرغبات والأهواء والإرادات الخيرة وغير الخيرة، بل وفق نسبة القوى. إن عملية الإنتاج الاجتماعي، بكل ما تنطوي عليه من دلالات، أعني إنتاج الخيرات المادية وإنتاج الثقافة والقيم  والعلاقات الاجتماعية وأشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي على السواء. هي أساس العالم الحسي وأساس التاريخ. بهذا المعنى فحسب ترتبط "المادية" والتاريخ، وبهذا المعنى فحسب يمكن الحديث عن تصور مادي للعالم وللتاريخ. إن رؤية العرب للتاريخ، كانت ولا تزال، رؤية أيديولوجية، لا تعترف بالأساس الأرضي للتاريخ، ولا تعترف من ثم بفاعلية البشر الحية وبقدرتهم على إنتاج أشكال وجودهم، وإنتاج جميع محمولاتهم من أساطير وخرافات وأوهام وأدب وفن ودين وفلسفة وأخلاق. فعملية الإنتاج الاجتماعي، بما فيها إنتاج الحياة، هي علاقة مزدوجة: علاقة طبيعية من جهة وعلاقة اجتماعية من جهة أخرى، لذلك لا يمكن الحديث اليوم عن تاريخ للطبيعة منفصل عن تاريخ البشر وفاعليتهم. ومن ثم فإن الوعي إنتاج اجتماعي، لا ينفصل عن عملية أو عمليات الإنتاج الاجتماعي التي أشرنا إليها.

أراد العروي، في نقده الأيديولوجية العربية المعاصرة وتفنيد الفكر السلفي خاصة، أن يمنح العمل السياسي العربي "التلقائي" أيديولوجية حديثة وواقعية تقوم على مبدأي المنفعة والإنجاز معيارين للفكر والعمل، و "دفع العمل السياسي الثوري، التقدمي الغارق في الممارسة إلى الاقتناع بضرورة استيعاب أيديولوجية معينة توحد ذهنياً أعضاء الحزب وتجعلهم نواة المجتمع المرتقب".[9] ولكي لا نقع في ما نهرب منه، "لا بد، في رأيه، من منطق، لا بد من منهجية، لا بد من نظرية تجعل من الحزب جماعة ملتحمة، حية، متكافئة، قادرة على الاستمرار والتجديد والإبداع، تكون خميرة المجتمع العصري الخلاق في قلب المجتمع التقليدي العقيم"[10]. فها نحن في مناخ الأيديولوجية الألمانية، مع فروق جوهرية ستكون موضع اهتمامنا الرئيس. وقبل ذلك لا بد أن نتحفظ مباشرة على فكرة "النظرية التي تجعل من الحزب جماعة ملتحمة .. تكون خميرة المجتمع العصري الخلاق في قلب المجتمع التقليدي العقيم. ولا غرو فقد كان نقد التاريخ لمثل هذه النظرية، ولمثل هذه الخميرة، أسبق وأكثر قسوة من نقدنا ونقد غيرنا. ولكن قيمة تحفظنا تكمن في الإشارة إلى أن نقد العروي شاخ في بعض نقاطه، وخاصة ما يتعلق منه بالدولة القومية التي آلت إلى دولة استبداد محدث وكان إخفاقها التقنوي والتنموي لا يقلان عن إخفاقها السياسي وعجزها عن إدارة المجتمع ناهيكم عن تحديثه. بل يمكن أن نذهب إلى  ما هو أبعد من ذلك لنلاحظ أن رؤيته للدولة القومية وأحكامه عليها تشير إلى هشاشة مقدماته وافتراقها عن منطق ماركس في نقد "الأيديولوجية الألمانية". ولا سيما أنه انطلق من الدولة، الدولة المستعمرة والدولة الليبرالية والدولة القومية، وظل حبيساً في إطارها، فلم يتعد حدودها إلى أساسها الواقعي إلى المجتمع الذي يفترض أنها شكل وجوده السياسي وتحديده الذاتي.

تتلخص[11] المسألة، إذن، في تبني أيديولوجية عصرية حديثة وثورية، وما شئتم من الصفات الحسنة الأخرى، بدلاً من الأيديولوجية العربية المعاصرة، وتبني منطق أو منهج أو نظرية معرفة واقعية، وهذه ثلاثة أسماء لمسمى واحد هو الديالكتيك، كما وصفه لينين. بدلالة هذه الأيديولوجية وهذا المنطق يغدو بوسع العرب أن يعيدوا تعريف ذاتهم بأنهم ما ينتجونه فعلاً، لا ما يقولونه أو يقوله عنهم الآخرون، وتعرُّف الآخر (الغرب) أو إعادة تعريفه بأنه أفق حركتهم ومستقبلهم الواجب والممكن، بحكم منطق التاريخ ووحدة اتجاهه؛ ولا بد أن نضيف أن تمثُّل الليبرالية، في سياق تطورها التاريخي، شرط لازم لاستيعاب الأيديولوجية الحديثة والمنطق الجدلي. والسؤال هنا، ما المصير الذي انتهت إليه أمم وشعوب تبنت أيديولوجية حديثة (الماركسية) و"نظرية معرفة" حديثة (الديالكتيك)، وهل عدم تمثل الليبرالية من دون المرور بالمرحلة الليبرالية يكفي لتفسير هذا المصير الفاجع الذي انتهت إليه دول ما كان يسمى "المعسكر الاشتراكي"؟ لا يقلل الكاتب من أهمية تمثل الليبرالية، لكنه يعتقد أن المسألة تتعدى تمثل الليبرالية، ولا سيما أن من بوسعه ذلك هو نخبة تعيش على هامش عملية الإنتاج الاجتماعي، وهذا أحد أسباب عجزها عن توجيه مجتمعاتها.

حدد العروي ثلاثة معان للأيديولوجية: 1) كل ما ينعكس في الذهن من أحوال الواقع انعكاساً محرفاً بتأثير غير واع من المفاهيم المستعملة. 2) نسق فكري يستهدف حجب واقع يصعب تحليله أو يمتنع. 3) نظرية مستعارة لم تتجسد كلياً بعد في المجتمع الذي استعارها، لكنها تتغلغل فيه كل يوم أكثر فأكثر. وألصق بكل مفهوم من المفاهيم التي تدخل في نسيج الأيديولوجية معنى طبقياً ناجماً عن أثر البيئة الاجتماعية التي نشأ فيها المفهوم، وفرق بين المدلول الطبقي والتمايز الطبقي. وميز في ضوء ذلك ثلاثة تيارات أساسية في الأيديولوجية العربية المعاصرة: الشيخ والسياسي الليبرالي وداعية التقنية؛ يفترض التيار الأول أن أم المشكلات في المجتمع العربي الحديث تتعلق بالعقيدة الدينية؛ ويفترض التيار الثاني أنها تتعلق بالتنظيم السياسي؛ ويفترض الثالث أنها تتعلق بالنشاط العلمي والصناعي. ومن ثم فإن نهضة الأمة وتقدمها واصطلاح أحوالها تتوقف على الإصلاح الديني، في نظر التيار الأول، وعلى الإصلاح السياسي الدستوري، في نظر الثاني، وعلى العلم والتقانة والنشاط الاقتصادي في نظر الثالث. مرجعية التيار الأول هي الإسلام في نقائة الأول (عصر الرسول وخلفائه الراشدين)، ومرجعية الثاني هي الغرب الليبرالي (الدولة الدستورية وحكم القانون وسيادة الشعب ..)، ومرجعية الثالث هي غرب العلم والتقانة والصناعة، ويستنتج أن رؤية المفكرين العرب للغرب رؤية غير تاريخية؛ فالغرب يختزل لدى كل منهم إلى أحد وجوهه فحسب أو إلى إحدى مراحل تطوره فقط، فلا تتكون لديهم صورة شاملة مطابقة لواقع الحال[12]. كما رأى أن في صلب كل دعوى (من هذه الدعاوى الثلاث)  مدلولاً طبقياً، "لكنه غير ناشئ عندنا، بل يمكن القول إن ذلك المدلول المستوحى من الخارج هو الذي يساعد المجتمع العربي، دون أن يكون وحده العامل الأول والفعال، على أن يتمايز وتتبلور فيه الطبقات. لا ينطلق فكر أي من دعاتنا أول ما ينطلق مما يلاحظ مباشرة من عملية التمايز الجارية في مجتمعنا، وإنما يستبق نتائجها المنطقية اعتماداً على ما توحي به إليه بنية خارجية، وبالضبط بنية الغرب الحديث"[13]. ورأى أن كلاً من الشيخ والليبرالي وداعية التقانة كان ينقذ العقيدة الدينية، بصورة مباشرة (الشيخ) أو غير مباشرة (الليبرالي وداعية التقانة اللذان ينفيان بطريقين مختلفين أن تكون العقيدة الإسلامية عاملاً من عوامل الانحطاط، بل الاستبداد، في نظر الأول، وتخلف العلم والصناعة في نظر الثاني). ولنا أن نستنتج أن الأفكار والتصورات والعقائد / الإيمانات الدينية وطريقة التفكير التي تنتجها وتعيد إنتاجها هي محور اهتمام العروي، سواء في المواضع التي صرح فيها بذلك أو في غيرها من المواضع. غير أنه، بخلاف ماركس، لم يقاربها بدلالة الديالكتيك والتصور المادي للعالم والتاريخ. فقد كان عمله في هذا الجانب وصفياً وحذراً، إن لم أقل تقيوياً (من التقية)، مع أن العلمانية شرط لازم للتحرر، في منظومته الفكرية. كان ماركس، على موقفه الجذري من الدين، يثمن إصلاح لوثر، جراء تصوره المادي للعالم وللتاريخ، أكثر مما يثمن العروي إصلاح محمد عبده ومدرسته. وكان ماركس يثمن إنجاز فويرباخ ويكيل له المديح قبل أن يفند رؤيته، ناهيكم عن اعترافه الصريح بأنه تلميذ لذلك العبقري العظيم هيغل. أود أن أشير إلى أن التصور المادي الجدلي للعالم والتاريخ يفترض تصوراً مماثلاً لتاريخ الفكر؛ فإيقاع تطور الفكر جدلي أيضاً. ولم يفترض ماركس أن التحرر من الأفكار والتصورات الدينية شرط كاف للانعتاق، بل رأى في انعتاق الدولة من الدين إعتاقاً للدين نفسه لكي ينمو ويتطور في رحاب المجتمع المدني وفق شروطه وقوانينه الخاصة، وشرطاً لازماً للانعتاق السياسي.

الفرق الجوهري الأول بين "الأيديولوجية الألمانية" و "الأيديولوجية العربية المعاصرة" يكمن في أن ماركس انطلق من الأفراد الواقعيين وفعاليتهم الحية، الواعية والهادفة، أي من الكينونة الاجتماعية، ونظر إليها على أنها كينونة واقعية في العالم وفي التاريخ، وأن ماهية هؤلاء الأفراد، أو هذه الكينونة هي ما ينتجونه بالفعل، أو ما تنتجه بالفعل، وربط من ثم ما يعبر به أولئك الأفراد عن أنفسهم والطريقة التي يعبرون بها بواقعهم العياني وطابع علاقاتهم الداخلية والخارجية، وهو ما أدى به إلى إنتاج رؤية ماديِّانية للعالم (أي للمجتمع والدولة) وللتاريخ؛ فمرجعية الأيديولوجية الألمانية هي الواقع الألماني في زمن التحليل؛ ولذلك أنجز الألمان فلسفياً ما أنجزه الفرنسيون سياسياً. في حين انطلق العروي مما يقوله العرب عن أنفسهم ومحاولتهم تسويغ هذا القول بتأويل ما للآخر (الغرب)؛ فغدت مرجعية الفكر خارج المجتمع الذي أنتجه، خارج زمان المجتمع العربي وخارج المكان أيضاً؛ فليس ثمة علاقة بين "هذا الفكر" وممارسة المجتمع التي تعبر عنها الأيديولوجية التقليدية السائدة، بما في ذلك ممارسة الفئات الوسطى. ولذلك لم يكن بوسع العروي أن يقول على غرار ماركس إن العرب أنجزوا فكرياً ما أنجزه الغرب سياسياً.

والفرق الجوهري الثاني أن ماركس وضع نقطة ارتكاز المجتمع في داخله، أعني جملة التعارضات الاجتماعية التي يتوقف تاريخ المجتمع المعني على أساليب حلها واتجاهات تطورها بفعل نشاط المجتمع نفسه وفاعلية أعضائه وحيوية مكوناته، في حين انطلق العروي من واقع أن نقطة ارتكاز المجتمع العربي تقع خارجه، هناك في الغرب، وبين بجلاء أن الأيديولوجية العربية المعاصرة كانت تعبيراً عن هذه الحالة الشاذة؛ وقصر جهده على تسويغ حاجة العرب إلى أيديولوجية حديثة ونظرية معرفة حديثة تتمثلها الحركة التقدمية العربية ذهنياً، أي ذاتياً، مع بقاء نقطة ارتكاز المجتمع العربي خارجه. وإلا لكان على العروي أن يربط الأيديولوجية العربية لا بالطبقات أو الفئات الاجتماعية المفترضة ربطاً صورياً، بدلالة أن كل طبقة اجتماعية تنتج رؤيتها الأيديولوجية الخاصة، أو أن كل رؤية أيديولوجية تنطوي على ملمح اجتماعي (طبقي) ما، بل بما تنتجه هذه الطبقات وبالطريقة التي تنتجه بها، فيستقيم القول: إن الأيديولوجية العربية المعاصرة بهشاشة مقدماتها، وتأخرها واستلابها المضاعف، تعبير مطابق لما كان العرب ولا يزالون ينتجونه، وبهذا تكف مقولة التأخر عن كونها حكم قيمة أو شيء أقرب ما يكون إلى صفة أنتروبولوجية. يذهب الكاتب إلى القول، بخلاف ما ذهب إليه العروي: إن الأيديولوجية العربية المعاصرة التي وصفها العروي كانت ولا تزال تعبيراً مطابقاً لماهية المجتمع العربي، إذا كان الرائز الرئيس هو عملية الإنتاج الاجتماعي؛ وجميع الحقائق السوسيولوجية والسياسية والثقافية وجميع المعطيات الإحصائية تؤكد التأخر التاريخي للمجتمع العربي قياساً بالمجتمعات المتقدمة الأخرى. ومن ثم فإن المدخل الواقعي للتقدم هو تحديث عملية الإنتاج الاجتماعي بكل ما تنطوي عليه هذه العبارة من معان؛ وهنا تكتسي فكرة الدولة الوطنية أو "الدولة القومية" التي مدحها العروي في صيغتها الناصرية، أهمية خاصة حين تغدو دولة حق وقانون لجميع مواطنيها بلا استثناء، وتعبيراً عن الكلية الاجتماعية وتجريداً للعمومية تعبر عنه سيادة القانون. وفي اعتقادنا أن نقد هذه "الدولة القومية" القائمة التي ابتلي بها العرب في مصر وسورية والعراق والجزائر وليبيا والسودان مدخل أساسي لنقد الأيديولوجية العربية المعاصرة، لا العكس. فالحقل السياسي، ولا سيما الدولة، بصفتها تحديداً ذاتياً للشعب، هو وهي الشكل السياسي الذي ينتجه المجتمع لوجوده الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والقيمي. ونقد الدولة القومية يحتاج، بلا شك، إلى أدوات مفهومية مناسبة، مع ملاحظة أن المفاهيم تلتبس بالبنية الاجتماعية التي نشأت فيها، من دون أن تفقد صفة العمومية والكلية والكونية، وهذا الالتباس ما يجعلها قابلة لممارسة نوعين من النقد: نقد أيديولوجي، ونقد واقعي، أميل إلى تسميته بالنقد العقلي، النظري أو الفلسفي، لكي نتحرَّز من التباسات العقلانية، ولا سيما في صيغتها الوضعانية أو العلموية، أعني النقد الذي ينطلق من معطيات العلم الوضعي الإيجابي ونتائجه، في جميع الميادين، بصفتها مقدمات ضرورية لإنتاج رؤية واقعية أو قل مادية للواقع بما هو جملة حية وكلية عيانية، رؤية تتنبه على الدوام لما يمكن أن يتولد، في مجتمع ما، بصفة تكاد تكون حتمية، من استعارة عنصر بنيوي من مجتمع آخر، كما يقول العروي،[14] وهنا يكمن الفرق بين المذهب الوضعي والديالكتيك، وبين الوصف والمقارنة من جهة والتحليل والتركيب، والنفي ونفي النفي من جهة أخرى. لا حظوظ جدية للديالكتيك ما لم يقم الفكر بالكشف عن علاقات الواقع العياني وتعرُّف منطقه والوقوف على تعارضاته الملازمة وميول تطورها؛ فالمنهج ليس شيئاً يقحم على الموضوع من خارجه، بل هو جدل الموضوع ذاته، منطقه الداخلي، والموضوع من ثم ذات وحياة، لكي يطيعنا يجب أن نطيعه، ظاهرة طبيعية كان أم ظاهرة اجتماعية أو سياسية أو ثقافية. نتحدث هنا عن الممارسة، البراكسيس، التي يتحول بوساطتها الفكر الذاتي والمثالي إذا شئتم، إلى واقع موضوعي، ومادي إذا شئتم؛ ثم يستعيد الفكر موضوعية الواقع في ذاته، في ضوء الإنجاز، أي في ضوء النتائج ومدى اقترابها من الأهداف أو ابتعادها عنها. بعبارة أخرى: الإنسان هو الكائن الوحيد الذي ينتج ذاته في العالم وفي التاريخ، ثم يستعيد موضوعية العالم والتاريخ في ذاته مرة تلو مرة؛ وفي كل مرة تندرج اللحظة الوضعية الإيجابية في عملية المعرفة، حين تغدو نتائجها مقدمات جديدة للفكر النظري. اللحظة الوضعية الإيجابية لحظة فحسب من لحظات الديالكتيك؛ هي لحظة الإثبات والتوكيد التي تعقب النفي، وكل إثبات هو نفي وهكذا دواليك، وإلا كيف تتضاعف معارف البشرية كل خمس سنوات أو أقل من ذلك في أيامنا، وكيف تغدو المعرفة قوة إنتاج أساسية؟ والكينونة التي هي موضوع العلم الوضعي الإيجابي لحظة من لحظات الديالكتيك، والعكس غير صحيح في الحالين.

الفرق الجوهري الثالث أن ماركس صرف همه، في نقد الأيديولوجية الألمانية، إلى المجتمع وأشكال وجوده العيانية، ومنها الشكل السياسي، أي الدولة، وأكد أن المجتمع هو الذي ينتج الدولة ويحدد وظائفها، ويجعل منها شيئاً عاماً بصفتها تعبيراً عن الكل الاجتماعي وتجريداً للعمومية، وشيئاً خاصاً بصفتها شكلاً سياسياً وحقوقياً للوجود الاجتماعي المباشر. في حين صرف العروي همه إلى الدولة، الدولة المستعمِرة والدولة الليبرالية والدولة القومية، من دون أن يظهر في تحليله أنه ابتدأ من حيث انتهى ماركس في هذا المجال، فظل مفهوم المجتمع في الظل، يظهر أحياناً بصفته الانفعالية، ولا سيما في علاقته بالدولة. وما دام المجتمع العربي في الظل سيظل الفكر السياسي العربي متعلقاً بالسطح السياسي، وما يطفو فوقه من مظاهر خادعة، كالأحزاب "التقدمية"، (ولنقل الثورية لكي لا نستثني الأحزاب الدينية)، التي كانت "تقدمية بالجملة ورجعية، بل فاشية أحياناً، بالمفرق أو بالمفرد، في الممارسة العملية. وهل تنحل المسألة في كون الأهداف ثورية والمناهج تقليدية أو العكس؟ نعتقد أن المسالة تتخطى هذا المستوى السياسي إلى ما تحته إلى المجتمع الذي ينتكس يوماً بعد يوم عن مبادئ الاجتماع البشري بوجه عام وعن مبادئ الاجتماع السياسي بوجه خاص، فتنفك فيه علائق التضامن المؤسسة على الاحتياج المتبادل والاعتماد المتبادل وعلى مبدأ النقص وقابلية التحسن؛ فيفقد المجتمع إمكانية السيطرة على نتائج عمله، ويعوض عن ذلك بالهروب إلى الماضي أو إلى المستقبل.

إحدى أهم المشكلات التي تقلق روح العربي هي مشكلة الهوية أو وعي الذات. وقد أشار العروي إلى تفارق الوعي والواقع وتنابذهما. ثمة مشكلة هوية تلخص رؤية العربي لذاته وللآخر ورؤيته للمجتمع والدولة ورؤيته للتاريخ والاستمرار التاريخي؛ لتلمس هذه المشكلة وتعيين حدودها لا بد من تحديد مفهوم الوعي. الوعي هو الوجود المادي مدركاً أو محولاً في رأس الإنسان، بما في ذلك وجود الإنسان ذاته، أو لنقل إنه صورة العالم كما ترتسم في الذهن في شروط اجتماعية معطاة. فالوعي والوجود مقولتان متلازمتان تشرط كل منهما الأخرى وتحددها شكلاً، إلا إذا كنا نتحدث عن وجود طبيعي خالص بمعزل عن ظهور النوع البشري. الوعي الاجتماعي هو شكل الوجود الاجتماعي؛ فلا يسعنا سوى أن نفترض أن كل مجتمع ينتج شكل وجوده الاجتماعي، أي ينتج هويته أو وعيه لذاته. هذا الوعي هو بالأحرى تركيب من عناصر تراثية وأخرى واقعية وثالثة مستمدة من المثاقفة مع شعوب أخرى، وهو ما يعين وظيفة العناصر التراثية أو "البرانية" الوافدة في هذا التركيب، وهي وظيفة مثلثة الأبعاد غالباً، تنطوي على بعد يستدعيه الصراع الاجتماعي وتعارض المصالح وآخر معرفي وثالث نفسي؛ ويعين من ثم علاقة الشكل بالمضمون. والبعدان الاجتماعي والمعرفي يسهمان غالباً في تحوير الواقع وتأويل التاريخ في المجتمعات المتأخرة والمغلوبة على أمرها، ويسندهما البعد النفسي بقوة، لأنه ملازم لكليهما؛ فتحت كل مستوى اجتماعي أو معرفي يثوي مستوى نفسي / روحي، ولذلك أشار لينين بحق إلى أن للخطأ والضلال مصدرين: مصدر اجتماعي (طبقي أو فئوي) يتعلق بمصالح الفئات الاجتماعية المختلفة التي تحدد رؤية كل منها، ومصدر معرفي، غنوزيولوجي، يتعلق بطريقة التفكير أو المنهج أو نظرية المعرفة. الهوية في نهاية التحليل تحديد ذاتي يستجيب استجابات متباينة لمطلب العمل والإنجاز و / أو لمطلب التأمل والفهم. ولا نغالي إذا قلنا إن وظيفة العناصر المختلفة التي تتآزر في إنتاج الهوية كانت ولا تزال تتعلق بتملك السلطة والثروة والقوة، في خضم صراع مستميت بين "شرائح الطبقة الوسطى"؛ ولذلك لم يؤد الصراع الاجتماعي عندنا إلى تركيب جديد، بل إلى حالة من التنافي والتعادم فحسب، حيث تمارس السياسة على أنها حرب معلنة أو كامنة[15].

لا مراء في استقلال مجالات الحياة الاجتماعية، ولا سيما المجال الثقافي، استقلالاً نسبياً، ولكن تجدر ملاحظة أن درجة استقلال أي من مجالات الحياة الاجتماعية تتحدد بعلاقة طردية مع تقدم المجتمع واستقراره واستقلال مجاله السياسي. ففي المجتمعات المتأخرة والمضطربة والتابعة، كمجتمعاتنا تتداخل مجالات الحياة الاجتماعية فينتج عن ذلك نوع من وعي أيديولوجي ملتبس ينتج ويسوغ اجتماع الرأي والسلطة والثروة في يد واحدة ظلامية وظالمة، حتى حين تصف نفسها بالوطنية أو القومية والتقدمية والثورية.

والكاتب لا يوافق العروي في تصنيف الماركسية وتقسيمها إلى ماركسية موضوعية وأخرى وضعية وثالثة أيديولوجية وتاريخانية مغلقة أو "غير منفتحة" هي التي يقترحها للمثقف العربي، ولمثقف العالم الثالث عامة، أيديولوجيةَ كفاح؛ وقد أشرنا إلى علاقة الوضعية الإيجابية بالديالكتيك، ونقتبس من الياس مرقص قوله: "الديالكتيك وحده ينصف الوضعية الإيجابية"، ويعين حدودها، والديمقراطية وحدها تنصف الليبرالية. فليس بوسع المثقف العربي اليوم أن يتجاهل الحوار والنقاش الدائرين حول الماركسية على صعيد العالم، أو أن يكون على حياد. وندعي أن الماركسية غير المنفتحة كالعقيدة الدينية سواء بسواء تغذي القبليات والأوهام الذاتية وتعزز نسق التفكير المغلق وتستولد التطرف والعنف، وتعيد إنتاج الدولة الشمولية التي حكم عليها التاريخ بما تستحق، بقدر ما كانت إهانة للكرامة الإنسانية. وتستحق رؤية العروي للماركسة دراسة خاصة، لا بد من إنجازها.

أعلنت مكتبة الأسد بدمشق، ذات يوم من تسعينات القرن الماضي، عن محاضرة للمفكر الكبير عبد الله العروي بعنوان "الأيديولوجية العربية المعاصرة بعد ثلاثين عاماً"، ولم يأت المحاضر للأسف؛ وكم كنت متلهفاً لسماع ما سيقوله العروي في هذا الموضوع، بعد أن تمخض الشيخ عن جماعات التكفير والهجرة، وعن أصوليات سلفية وارتدادية ما أنزل الله بها من سلطان، وضوى الليبرالي وانعزل عن الحياة العامة، وتمخض تقنوي "الدولة القومية" عن مستبد وضيع، وانتكست المجتمعات العربية إلى أسوأ ما في تاريخها، أي إلى السديمية المملوكية العثمانية. وحين تصير أعمال عبد الله العروي وغيره من أعلام الفكر النقدي موضوعاً لاهتمام المفكرين العرب ونقدهم نكون على مشارف مرحلة جديدة نرجو ألا يكون مصير العروي ورصفائه فيها كمصير ابن خلدون أو ابن رشد.

وللبحث صلة



[1] - كارل ماركس وفريدريك إنغلز، الأيديولوجية اللمانية، نرجمة فؤاد أيوب، دار دمشق، دمشق، بلا تاريخ، ص 19

* -  تخيل امرؤ مقدام أن البشر إنما يغرقون لأن فكرة الثقالة تتملكهم؛ فإذا هم انتزعوا هذه الفكرة من عقولهم بالمناداة بها خرافة أو مفهوماً دينياً فسوف يصبحون في حمى من من خطر الغرق.

[2] -  المصدر نفسه ص 23

[3] - المصدر نفسه ص 23

** - تجدر الملاحظة هنا أن ماركس ميز الفلسفة من الأيديولوجية، حين وضع النظام الهيغلي في نطاق الفلسفة، ونقد الهيغليين الشبان في نطاق الأيديولوجية. وهو تمييز مهم.

[4] - المصدر نفسه ص 24

[5] - المصدر نفسه ص 25

[6] - المصدر نفسه، ص 29

[7] - راجع المصدر نفسه، ص 31

[8] - المصدر نفسه، ص 31

[9] -  عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء،ودار التنوير ، بيروت، 1983، ص 62

[10] - المصدر نفسه، ص 62

[11] - لا شك في أن كل تلخيص هو تقليص وبتر وتبسيط، فأرجو ألا أكون قد أسأت إلى قصد العروي، لا سيما انني أستعمل كلمة أيديولوجية بالمعاني التي حددها العروي في أكثر من موضع في كتبه. والسياق وحده كفيل بتحديد المعنى المقصود.

[12] -  الشيخ المسلم العربي يحاور نظيره الغربي الذي لم يعد له تأثير يذكر في مجتمعه، فيواجه بذلك وعياً غربياً متقادماً لا يعبر عن حقيقة الغرب الفعلية في زمن الحوار. وكذلك الليبرالي الذي يردد أقوال مفكرين لم يعد لهم تأثير يلحظ في مجتمعاتهم. (راجع العروي 1995 ص 53 وما بعدها)

[13] -  عبد الله العروي، الأيديولوجية العربية المعاصرة، المركز الثقافي العربي، 1995 ، ص 61. ولا ندري كيف يساعد ذلك المدلول المجتمع العربي على أن يتمايز وتتبلور فيه الطبقات. وقد لاحظنا أن العروي نفسه لم ينطلق مما يلاحظ مباشرة من عملية التمايز الجارية في مجتمعاتنا. ولا ندري كذلك كيف يمكن للعربي ان يدرك ذاته من منظور ديني ويدرك الغرب من منظور ليبرالي، فإما أن المنظور الديني ملبرل وإما أن المنظور الليبرالي مديَّن.

[14] - عبد الله العروي، الأيديولوجية العربية المعاصرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1995، ص 29

[15] - يلفت النظر قول العروي: لأول مرة وتحت راية اللاأنسية واللاثقافة يتعلم مجتمع بكامله كيف يملأ الزمن بالنشاط ... البورجوازية الصغيرة هذه الهيئة الاجتماعية محدودة الذكاء والهمة، غير مثقفة وغير أنيقة، تمثل مجموعة فئات غير متجانسة أكثر ما تكون طبقة موحدة، ومع كل هذه السلبيات يجب الاعتراف بان الدولة التي اسستها استطاعت عن طريق الضغط والإكراه أن تفرض على عقولنا  ما كنا قد نسيناه منذ قرون: الزمن الخلاق والطبيعة الحية والسعي المجدي". فبئست هذه الدولة وبئس ما فرضته على عقولنا.