اغـتراب الـمثقف

 

جاد الكريم الجباعي

تتضمن مسألة اغتراب المثقف التي يكثر الحديث عنها هذه الأيام، إشكاليات لا بد من الوقوف عليها واحدة واحدة، تقول الأولى: إن المثقفين باتوا يشعرون انهم خارج التاريخ. وفي الحقيقة ليس هناك أحد خارج التاريخ؛ المثقفون في التاريخ، ولكن السؤال هو في أي تاريخ ؟ ثمة تاريخ وتاريخ: ثمة تاريخ لبلادنا ومجتمعاتنا هو، بالأحرى تاريخ متخثر، تاريخ راكد ودوراني، حركته حركة اعتماد، أي دوران حول الذات ومراوحة في المكان. المثقفون العرب مع مجتمعهم وأمتهم داخل هذا التاريخ المتخثر وجزء من أزمة الواقع، أو جزء من واقع مأزوم، تقدمه محتجز وملجوم بفعل عوامل داخلية وخارجية متضافرة. ويكاد المرء يشك في أن لدى هؤلاء، مع كل التحفظ والاحترام، ميلاً أو نزوعاً للخروج من المأزق وحل مشكلة / مشكلات الواقع. ويشك المرء في أن لدى هؤلاء تصورات واقعية وعملية للخروج من المأزق الذي وجدوا أنفسهم فيه، بل وضعوا أنفسهم فيه. وإذا كان من البديهي أن المثقفين في التاريخ، وليس بوسع أحد أن يكون خارج التاريخ، وإذا اتفقنا أن هذا التاريخ راكد ومتخثر، فإن السؤال ينصرف إلى أسباب ركود التاريخ الداخلي للأمة، وهو ركود مضى عليه زمن طويل، ربما ترجع بداياته إلى سقوط المعتزلة، على الصعيدين المعرفي والثقافي، وإلى تشظّي الدولة المركزية، على الصعيد السياسي، وارتماء العرب في وهدات الأزمان الرديئة، منذ انتقال الحكم، فعلياً، إلى البويهيين، حتى محاولة النهضة العربية الأولى في القرن التاسع عشر، المحاولة التي لم تمكث عناصرها وأسئلتها ومسائلها في وعي الأجيال التالية من المثقفين العرب، باستثناء عدد قليل منهم، فاستحالت إلى تيار سلفي يهرب من مواجهة مشكلات الواقع إلى الماضي، وتيار علموي يهرب إلى المستقبل؛ فغدت نقطة ارتكاز الوعي الاجتماعي خارج الزمان والمكان المعاصرين، 0خارج الواقع، فلماذا نستغرب أن تكون كتلة المثقفين العرب الأساسية تقليدية وسلفية محافظة، لسان حالها يقول: لا يصلح أمر الأمة إلا بما صلح به أولها؟ إن تخثر التاريخ لا يعني خلوه من الهزات والأحداث العاصفة والثورانات أو الثورات المزعومة، ولكنه يعني أن كل مرحلة تعيد إنتاج التقليد والتأخر على نحو ما، فالعلاقات الاجتماعية السائدة وعلاقات الإنتاج، مثلاً، لم يطرأ عليها تطور يذكر ومثلها العلاقات السياسية، وزاوية النظر إلى العالم وإلى المجتمع والإنسان، وإلى المرأة خاصة لم تتغير، والقيم والمفاهيم التقليدية يعاد إنتاجها وإلباسها أثواباً "حديثة". أظن أن طابع الثقافة السائدة، وطابع العلاقات الاجتماعية والسياسية، وزاوية النظر إلى العالم، والموقف من المجتمع، والموقف من المرأة خاصة.. هي من أهم الروائز على مدى تقدم هذا المجتمع أو ذاك، ناهيك عن الاعتراف بحرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن، وقبل ذلك الاعتراف بأفرادية الواقع وتعدد مكوناته واختلافها وتعارضها، وبأنه أي الواقع جدلي واحتمالي أو إمكاني. ناهيك أيضاً عن الاعتراف بأننا جزء من العالم وتاريخنا جزء من تاريخه، ولسنا نسيج وحدنا منقطعين عنه في خصوصيتنا وجوهريتنا.

إذا صح هذا الوصف، يمكن القول: إن المثقف استقال من الوظيفة التي أناطتها به محاولة النهضة العربية الأولى، وظيفة التنوير التي هي في أعمق منطوياتها وظيفة اجتماعية وسياسية. فتخلى، من ثم، عن ذاتيته، أي عن حريته واستقلاله. وكف عن كونه القوة الروحية والأخلاقية والمعرفية التي تعصف دماغ الأمة، وسوف نتحدث عن أسباب ذلك بعد قليل.

وتقول الإشكالية الثانية: إن المثقفين العرب أخفقوا في إنتاج الوعي الاجتماعي أو في صوغ الوعي الاجتماعي في مجتمعاتهم ولدى شعوبهم. والواقع أنهم لم يخفقوا بل ربما نجحوا في ذلك أيما نجاح، وأعطوا كل ما لديهم، وكل ما في وسعهم. فلا نستطيع الافتراض إطلاقاً أن المثقفين أخفقوا في إنتاج الوعي الاجتماعي لمجتمعاتهم؛ لأنه افتراض غير واقعي، إلا إذا افترضنا أن ثمة انفصالاً تاماً بين مجالات الحياة الاجتماعية، كانفصال المجال الثقافي عن سائر المجالات لا يتأثر بها ولا يؤثر فيها، وهذا أيضاً افتراض غير واقعي، فثمة دوماً إنتاج ثقافي، وإنتاج فكري ومعرفي وجمالي، ثمة دوماً أدب وفن وعلوم وسياسة وأخلاق.. إلخ، ولكن السؤال هو: ما طابع الوعي الذي أنتجه المثقفون العرب، أو أسهموا في إنتاجه أو إعادة إنتاجه؟ فالرائز الرئيسي للإجابة عن هذا السؤال هو المستوى الوسطي للوعي الاجتماعي. أحيل هنا على الأدباء والفنانين والمفكرين الذين تعرفوا هذا المستوى الوسطي للوعي الاجتماعي وشرعوا في نقده وتفنيده كياسين الحافظ والياس مرقص وعبد الله العروي وغيرهم من أعلام الفكر النقدي في الوطن العربي. وإن الإجابة عن هذا السؤال تحيلنا مباشرة على سؤال الاغتراب، وهو سؤال ليس طارئاً ولا جديداً.

انطلاقاً من افتراض أن الوعي الاجتماعي ما يزال وعياً تقليدياً، يعيد إنتاج الأسس والمبادئ والمصادرات والمفاهيم التي قام عليها في الماضي البعيد، ومن زاوية النظر نفسها التي كان أسلافنا ينظرون منها إلى العالم وإلى المجتمع والإنسان؛ يمكن القول إن المثقفين العرب مغتربون حقاً عن عالمهم وعن أنفسهم، اغتراباً هو صورة مثقفة لاغتراب الإنسان العربي عن عالمه وعن ذاته، وهو اغتراب وصفه أحد المفكرين العرب بأنه اغتراب سلفي لدى أكثرية المثقفين واغتراب حداثوي لدى "النخبة الحديثة" الليبرالية والاشتراكية والقومية أو التي نسبت نفسها إلى هذه الاتجاهات. معظم المثقفين العرب ينتجون ويعيدون إنتاج ثقافة تقليدية سلفية امتثالية نصية ويقينية لا صلة لها بالعصر ولا صلة لها بالحياة المعاصرة، ولا تجيب عن أسئلة الواقع، ولا تلبي، من ثم، الحاجة إلى التقدم، لكنها تريح ضمائرهم وتخدر العقول وتعفيها من متاعب البحث والتفكير، ثقافة تقوم بوظيفة الأفيون الذي تحدث عنه ماركس حين قال: الدين أفيون الشعب. أسوق هذا المثال لأن الثقافة التقليدية السلفية تعزز الوعي الديني، والرؤية الدينية إلى العالم وإلى المجتمع / الجماعة الملِّية وإلى الإنسان. وهنا نميز الدين والفكر الديني من الوعي الديني والأيديولوجية الدينية، من دون أن ننكر وظيفة الدين الاجتماعية والأخلاقية والروحية وأهميته في حياة البشر وتاريخهم، وأن ما نسميه الأيديولوجية الدينية اليوم أحد أشكال الوعي الاجتماعي المناسب لأوضاع اجتماعية مختلفة عن أوضاعنا الراهنة ولزمان غير زماننا وعصر غير عصرنا، ونؤكد مرة أخرى ضرورة تمييز الدين الذي لا يزال له وظيفة روحية واجتماعية وأخلاقية في حياتنا، من الوعي الديني والرؤية الدينية إلى العالم والمجتمع والإنسان. حتى ماركس لم ينكر أهمية الدين ودوره في تاريخ البشر حين وصفه بأنه أفيون الشعب، فقد مهد لهذه العبارة الموجعة والحارقة بقوله: الدين زفرة الإنسان المضطهد أو المحروم وروح عالم غادره الروح، وتتمة منطقية لهذا الواقع البائس.

النزعة التراثوية التي تلبست معظم المثقفين العرب وانتقلت بالعدوى إلى بعض من ينسبون أنفسهم إلى العقلانية والواقعية والليبرالية والماركسية، هي أوضح تعبير عن اغتراب هؤلاء المثقفين عن العالم وعن أنفسهم، والأدهى أن بعض فحول التراثويين يدّعون إمكانية تأسيس المفاهيم والمقولات والمسائل العصرية الحديثة في التراث كالديمقراطية مثلاً، هؤلاء الذين منحهم الله قدرة اجتراح المعجزات وكرامات الأولياء إنما يخدعون أنفسهم ويخدعون الشعب (أشير هنا إلى بعض أطروحات الدكتور محمد عابد الجابري وأضرابه)، لا يمكننا أن نؤسس مفهوماً كمفهوم الديمقراطية أو غيره من المفاهيم التي لم تنتجها الثقافة العربية القديمة في التراث، بل يمكن تأسيسه في الوعي بما هو الوجود مدركاً، أي بما هو عملية إدراك للعالم، أو عملية عقل للعالم في تاريخيته ومعقوليته، وفي وحدته الجدلية. غربة مفهوم الديمقراطية عن التراث العربي لا تعني أن هذا التراث كان مغلقاً على ذاته قبل أن يصير تراثاً أو ميراثاً أو إرثاً حضارياً للأمة، ولا تعني أن ثقافة الأمة كانت أو يمكن أن تكون اليوم منغلقة على الفكر الإنساني؛ بل لأن التراث يعبر عن أوضاع اجتماعية اقتصادية وسياسية لم تكن قابلة لتوليد مثل هذا المفهوم، أشير هنا إلى العلاقات والأوضاع الاجتماعية الاقتصادية والسياسية الإقطاعية وشبه الإقطاعية ومن ثم الميركنتيلية والكولونيالية والكمبرادورية التي ربما تلخصها مقولة الاستبداد على نحو ما صاغها الكواكبي على أحسن وجه. فالطابع الإمبراطوري للدولة والسياسة السلطانية كانا دوماً نافيين للديمقراطية سواء كما صاغها الإغريق أو كما صاغها الغرب البرجوازي في التاريخ الحديث. جميع الإمبراطوريات لم تنتج فكراً ديمقراطياً أو حياة سياسية ديمقراطية. فما بالك بالتراث الذي أعيد صوغه وأخذ شكله الأخير في عهود الانحطاط؟ فالدول الإمبراطورية، والسياسات السلطانية تقوم دوماً على مبدأ نهب الداخل ونهب الخارج واستعباد الشعب واستبعاده من عالم السياسة ومن عالم الثقافة العالمة أو "الرفيعة" وتتركه لبؤسه وشقائه وثقافته الشفوية؛ وحينما تعجز عن الاستمرار في نهب الخارج تنصرف إلى نهب الداخل والإمعان في استنزاف قوى المجتمع وفي تدمير وحدته، فتأخذ هي نفسها بالتفكك وتبدأ بالأفول. فما الذي تعنيه محاولة التأسيس هذه سوى إعادة إنتاج التلفيق حتى تغدو الديمقراطية هي الشورى، وتغدو الشورى بديلا تراثياً من الديمقراطية، مع العلم بأن التاريخ العربي الإسلامي لم ينتج مؤسسة للشورى تجعل من الآية الكريمة: "وأمرهم شورى بينهم" مبدأ في السياسة.

فالخطاب الديمقراطي الشوروي، أي الذي يقيم تماثلاً وهمياً بين الشورى والديمقراطية هو خطاب مغترب، يعبر عن وضعية الاغتراب بالمعنى العميق للكلمة. والاغتراب هنا هو انحكام الناس لمنتجات فكرهم وعبوديتهم لها. والنظر إلى مبادئها وأسسها ومقولاتها على أنها حقائق كلية ناجزة ونهائية وصالحة لكل زمان ومكان، عبودية أو اتباعية تجعل الناس لا يشعرون بتغير الزمان واختلاف الأوضاع والظروف. الثقافة التي تنتج وفق رؤية دينية، يقينية وثبوتية هي بالأحرى ثقافة مريضة بالفصام (الشيزوفرينيا).

الإشكاليات التي تأسس عليها التراث، قبل أن يصير كذلك، مختلفة عن إشكاليات عصرنا وناجمة عن حاجات مختلفة عن حاجات واقعنا. والحديث عن التراث بالصيغ التي سمعناها وقرأناها يقوم على عدم الاعتراف بمنطق التاريخ ومعقولية العالم، ومبدأ التقدم، ووحدة التاريخ البشري وكلية الروح الإنساني. والحديث إياه يتجاهل حقيقة أن في كل تراث مبادئ ومقولات يمكن بسطها وإنماؤها والبناء عليها على نحو مختلف عما فعل القدماء ومخالف ربما لما فعلوه. ثمة في كل تراث مبادئ ومقولات قابلة لأن يبنى عليها، وأخرى غير قابلة.

أما الاغتراب الحداثوي القائم على الاستلاب إزاء الآخر المتقدم والمتفوق، أعني الغرب، والذي يحاول استنساخ تجارب الغرب وإعادة إنتاج إشكالياتة المعاصرة في مجتمعات راكدة ومتأخرة، فلا يقل خطراً عن الاستلاب أو الاغتراب السلفي، لا لأنه يحاول المستحيل فقط، بل لأنه ينطلق من شعورٍ ممض بالدونية ويعبر عما يسميه بعضهم بالجرح النرجسي في الذات العربية.

ولا بد أن نميز في مجال الحداثة هؤلاء المبهورين بالغرب والداعين إلى استنساخ تجاربه، من المثقفين والمفكرين الذين تمثلوا مفهوم الحداثة وأمسكوا بمبادئها ومفاهيمها وأسسها المعرفية والعلمية والتقنية والأخلاقية والروحية. والتفريق بين هؤلاء وأولئك ينطلق من تمييز الاغتراب من "وعي الاغتراب". وأدعي أن المثقف الذي بوسعه أن يقوم بدور تنويري، وأن يقوم بوظيفته الاجتماعية والسياسية على أحسن وجه هو ذلك المثقف الذي يعي اغترابه الذاتي ويعي الاغتراب الموضوعي في المجالات الاجتماعية والثقافية والسياسية، ويعمل على حذف هذا الاغتراب أو نفيه جدليا. أي ذلك المثقف الذي يندرج معرفيا وثقافياً وروحياً في مشروع تحديث مجتمعه وتجديد بنيان أمته، والذي يؤسس لثورة كوبرنيكية على صعيد الفكر والوعي. لم يغير كوبرنيكوس نظام العالم، بل غير زاوية النظر إليه، وضع الأرض محل الشمس في صيغة "الشمس تدور حول الأرض"، فغدت الصيغة: الأرض تدور حول الشمس، فتغير كل شيء في ذهن الإنسان. هذا يعني أن كوبرنيكوس حرر العقل من سلطان الوعي الديني ومن ربقة التقليد، وميز الحقيقة الواقعية من "الحقيقة" الاجتماعية التي تواضع عليها البشر جيلاً بعد جيل.

والإشكالية الثالثة: هي محاولة البحث عن إجابة صحيحة عن سؤال خاطئ يتعلق بدور المثقف ووظيفته، وقد كانت مقولة "الالتزام" إحدى الإجابات الصحيحة عن سؤالٍ خاطئ، وكذلك مقولة "المثقف الثوري" و "المثقف العضوي" التي قال بها غرامشي وغيرها. ولعل هذه الإشكالية قد نجمت عن حلول الثقافة الحزبية أو "الثورية" بمزدوجين محل الثقافة، وحلول السياسة "الثورية" محل السياسة، وعن تحزّب غالبية المثقفين الذين بات مطلوباُ منهم الدفاع عن الحزب، لا عن الحقيقة. ومبدأ الثقافة هو التزام الحقيقة والدفاع عنها، ولذلك كان المثقف مسؤولاً، لا عن الأخطاء والجرائم التي وقعت فحسب، بل عن تلك التي سوف تقع أيضاُ. لأن الثقافة مؤسسة على مبدأ الوجدان والضمير، وتعبر تعبيراً جمالياً رفيعاً عن انبساط الروح الإنساني في التاريخ وفي العالم.

لننظر الآن إلى المسألة من زاوية أخرى: منذ سنوات، ولاسيما بعد انهيار التجربة الاشتراكية وسقوط الاتحاد السوفييتي وما كان يسمى "منظومة الدول الاشتراكية" وصعود أو طفو الأفكار والتطلعات الديمقراطية على السطح، أريق حبر كثير وقيل كلام كثير حول علاقة المثقف بالمجتمع وعلاقته بالسلطة، وحول اغترابه أو غربته وسبل تجاوز هذا الاغتراب. ويبدو لي أن سقوط النموذج السوفييتي، أي سقوط أحد نماذج الدولة الشمولية (النماذج الأخرى هي النازية والفاشية والأنظمة العسكرية / الأمنية) أحدث نوعاً من "صحوة ضمير" متأخرة لدى معظم المثقفين العرب، فراحوا يعملون من أجل / بل يطالبون، بـ دور انتزع منهم وتخلوا عنه، ويبدو لي أن الكلام في هذا الموضوع لا يزال أقرب إلى الضجيج، ذلك لأن الذين صادروا الثقافة أو أمموها، وأمموا حرية المثقف واستقلاله وذاتيته وصادروها لا يزالون يفعلون ذلك، ولا يزال معظم المثقفين يستمرئون هذه اللعبة، وربما يحلو لبعضهم أن يمثلوا دور الضحية، وهم، في موقع الجلاد، ويتقمص كل منهم شخصية المستبد.  فمن الذي انتزع من المثقفين دورهم في بلادنا؟

أولاً، هناك الدولة الشمولية، أو الدولة التسلطية، كما وصفها الدكتور خلدون حسن النقيب، سواء كانت دولة الحزب الواحد أو دولة النخبة، أو دولة الطغمة أو دولة العشيرة، أي الدولة القائمة على مبدأ العصبية بالتعبير الخلدوني، أو على مبدأ القوة و الغلبة، الدولة التي تحتكر جميع مصادر السلطة والثروة والقوة وتحتكر الثقافة، وتنظر إلى كل من هو خارج نسقها على أنه عدو ومارق وليس له من مكان سوى السجن أو القبر أو المنفى. وقد (ألجأ) معظم المثقفين العرب أنفسهم إلى هذه السلطات خوفاً من مغرم وطلباً لمغنم. فبات السياسي الذي هو تلميذ المثقف سيده وولي نعمته، وغدا المثقف تابعاً بالمعنى الذي كان لهذه الكلمة في عهود الإقطاع، والتابع موالٍ لسيده وولي نعمته ولاء لا تشوبه شائبة، يأكل على مائدته ويضرب بسيفه. ويكفي أن يتصفح المرء الصحف والمجلات الرسمية وآلاف الكتب وعشرات آلاف القصائد والأغاني الموقوفة على مدح السلاطين والإشادة بمآثرهم والتنويه بصفاتهم التي غدت قدسية ومتعالية، ليكشف الطابع المملوكي للثقافة الرسمية، وليفهم سبب رواج الكتب والمقالات الممنوعة التي يتناقلها الناس كما يتناقلون منشورات سرية. لقد أغرقت السلطات مثقفيها في دوامات الإعلام فانحطت بهم إلى أسفل سافلين، بعد أن ملأت جيوبهم وبهرت عيونهم بالأضواء فأعشتها عن رؤية الحقائق الواقعية. وعاماً بعد عام، وعقداً بعد عقد، كانت الثقافة تتحول إلى إعلام والفكر إلى أيديولوجية، تحت وطأة مؤسسات رقابية صارمة: إعلامية وحزبية وإيديولوجية وأمنية.

ثانياً، هناك الحزب السياسي، "على الطراز اللينيني" ونسخته الستالينية، الحزب القائم على مبدأ تجانس أعضائه وتماثلهم، والذي لا يعدو العضو فيه أن يكون رقماً عشرياُ، لأن القيادة وحدها، ومكتبها السياسي، وأمينها العام هي الأرقام الصحيحة وفق تدرج المراتب، بل وفق درجة الولاء للأمين العام الذي هو صورة مصغرة عن الحاكم. ومثقف الحزب هو الذي يصوغ "خط الحزب" بتوجيه القيادة ومكتبها السياسي وأمينها العام، وهؤلاء غالباً أميون ثقافياً ومحافظون اجتماعياً، حتى حين ينسب بعضهم نفسه إلى الماركسية مثلاً. والمثقف هو الذي يسوّغ "خط الحزب" ويدافع عنه، ويسوغ حماقات القيادة وتناقضاتها، وويل له ثم ويل له إذا سولت له نفسه أن يخالفها أو ينتقدها أو أن يعاملها على نحو أقل مما يعامل المريد شيخه والعبد سيده والمولى ولي نعمته. إن وظيفة مثقف الحزب هي الدفاع عن الحزب أخطأ أم أصاب ظالماً كان أم مظلوماً، وقاتلاً كان أم مقتولاً، بل من يستطيع الإدعاء أن الحزب يخطئ، أو أن القيادة تخطئ، أو أن الأمين العام يخطئ، فما أن يدعي أحدهم ذلك حتى يطرد طردة الكلب، وما أن يدعي بعضهم ذلك حتى ينقسم الحزب إلى فرق كل واحدة منها هي "الفرقة الناجية".

ثمة قواسم مشتركة كثيرة بين مثقف السلطة ومثقف الحزب أهمها تواطؤهما، أحدهما مع السلطة والآخر مع الحزب، على حرية الرأي والضمير، بل على حرية التفكير والتعبير، وتواطؤهما على عدم الاعتراف بأفرادية الواقع ومشروعية الاختلاف والمغايرة، وتواطؤهما على عدم الاعتراف بحرية الفرد وحقوق الإنسان، تحت إغواء "المشروعية الثورية" والأهداف الكبرى والشعارات الكبرى، والكلمات السحرية. والأدهى من ذلك أن المثقف "اليساري" كان يغتبط باضطهاد المثقف "اليميني" ويتشفى به، والمثقف "القومي" يغتبط باضطهاد المثقف الليبرالي أو الماركسي ويتشفى به، وبالعكس، حتى بات الجميع يساريين ويمينيين، قوميين وليبراليين وماركسيين تحت حذاء السلطة الأمنية التي لا ترى فيهم سوى "علاكين" وثرثارين وتجار كلام لا قيمة لهم ولا خير فيهم.

ثالثاً، هناك القوة الرمزية لليقينية الدينية واليقينية العلمية واليقينية "الثورية" و "الحتمية التاريخية" 000التي شلت طاقة الإبداع لدى أكثرية المثقفين. واليقينية، على اختلاف صنوفها وتلاوينها، مرض الثقافة وداء الفكر. والمثقفون، من هذا الطراز، هم سدنة الحقيقة المطلقة، الناجزة والنهائية، والإنتاج الثقافي تحت راياتها لا يعدو التفسير والتأويل والتفريع على الأصول.

في ظل هذه القوى التي أممت الثقافة واستعبدت المثقف، ولم نتحدث عن قوة التقليد، يغدو السؤال التالي مشروعاً: هل وعي المثقفين زائف إلى هذا الحد ؟ ما من شك أن هذه القوى مجتمعة ومنفردة تسهم في إنتاج الوعي الزائف، لكن الإجابة عن السؤال بالنفي أو بالإثبات لابد أن تنطوي على خطأٍ ما. أدعي أن هناك نمطاً من المثقفين يسوّغون سياسات السلطات الشمولية أو سياسات أحزابهم وأيديولوجياتها، ويعون أنهم يفعلون ذلك، أي إنهم يكذبون ويلفقون ويعرفون أنهم يكذبون ويلفقون، هؤلاء يعيشون ازدواجية مريرة سببها خوف مضاعف: خوف من السلطات الاستبدادية وأجهزتها القمعية، وخوف من الحرية بالمعنى الذي عالجه أريك فروم. ولهذا الخوف المضاعف أسباب تتعلق بالتغيرات والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي حصلت في بلادنا بعد الاستقلال، ولاسيما تغير أساليب الإنتاج الذي لم يرافقه تغير في طرائق التفكير وأنماط السلوك، وبروز ثنائية دولة قطرية مرسملة ومجتمع متأخر ومستباح، وولاء المثقف لا يزال موزعاً بين قطبي هذه الثنائية. هذه الازدواجية في الانتماء أنتجت ازدواجية في الخطاب حتى بتَّ لا تعرف أي الخطابين هو الخطاب الفعلي للمثقف. وهنا لابد أن نحمِّل هؤلاء المثقفين مسؤولية الإسهام في إنتاج الظاهرة "الجماهيرية" القطيعية التي جعلت من "الجماهير" شيئاً أقرب إلى كلاب بافلوف تتصرف وفق مبدأ الإستثارة ورد الفعل، ومن ثم مسؤولية إنتاج ما بات يمسى "الثقافة الجماهيرية".

وإذا كان الخوف من الاستبداد مفهوماً، فإن الخوف من الحرية يكمن في واقع انفكاك علاقة المثقف بالبنى الاجتماعية التقليدية، جزئياُ أو جزئياً، وشعوره إذ ذاك بالوحدة والعزلة إزاء قوى لا طاقة له في مواجهتها، فلاذ بالحزب أو بالسلطة السياسية واتخذه أو اتخذها متحداً اجتماعياً جديداً وراح يعيد إنتاج انتماءاته العشائرية والدينية والمذهبية والمحلية أو الجهوية في هذا المتحد الجديد لكي يحقق لنفسه شيئاً من التوازن المفقود، ولكن عبثاً. لذلك نراه يتماهى بالحزب أو بالسلطة، مثلما كان يتماهى بالعشيرة أو بالمذهب أو بغيرهما. إن شعوراً مزدوجاً بالإثم يلازمه كظله: شعور بإثم الانفكاك، وشعور بإثم الانتماء، ولا سيما بعد أن انقطعت واقعياً علاقة السلطة بالشعب وعلاقة الأحزاب بالمجتمع، وبات المجتمع موضوعاً للنهب والقمع، وتحول الشعب إلى ديكور للسلطة. فما أسهل أن يتحول هذا المثقف من موقع إلى نقيضه من دون أن يشعر بتأنيب الضمير، أليس هو صوت العشيرة أو الطائفة أو الجماعة الإثنية في الحزب أو في السلطة، وصوت الحزب أو السلطة في العشيرة أو الطائفة والجماعة الأثنية؟ أليس هو ممثل التقليد المدافع عن الأصالة والخصوصية في حضرة الحداثة، وممثل الحداثة في حضرة التقليد، ألم يقم بشطارة الحاوي وخفة البهلوان بالتلفيق للتوفيق بين المتناقضات والأضداد؟

الخوف من الاستبداد والخوف من الحرية يطبعان هذا النمط من المثقفين الذين يدافعون عن السلطة، لا عن الشعب، أو يدافعون عن الحزب، لا عن الحقيقة. ويلاحظ هنا أنني أضع السلطة والحزب في جانب والحقيقة والشعب في الجانب المقابل. وأفترض أن الدفاع عن الشعب والدفاع عن الحقيقة متلازمان، فالشعب هو حقيقة السلطة وماهيتها والحقيقة دوماً في مصلحة الشعب. ومن ثم فإن السلطة الاستبدادية هي تلك التي تتنكر لحقيقتها الواقعية وماهيتها الفعلية. والاستبداد هو الاستلاب الناجز للشعب. ولعل بعض أسباب ذلك تكمن في انتماء معظم المثقفين، ولا سيما من هذا النمط، إلى الفئات الوسطى التي حاولت أن تقوم بدور تاريخي لم تكن مهيأة له، فتوسلت بأكثر الوسائل خطورة، أعني الجيش والأمن والأيديولوجية والإعلام فأنتجت الدولة الشمولية والمجتمع الجماهيري والثقافة "الجماهيرية" من البديهي أن ينظر من يملك قوة الجيش والأمن وقوة الأيديولوجية والإعلام إلى الشعب والمجتمع على أنهما مادة طيعة وموضوعاً مجرد موضوع للإرادة الثورية الطيبة ووقوداً لمعركة "الحداثة" الرأسمالية المتوحشة، أو لمعركة الاشتراكية الوطنية (الاشتراكية القومية) المتوحشة أيضاً، التي تلبست أسوأ صفات النازية والفاشية.

المثقف الذي انفك للتو من روابطه الأولية لم يطق أن يكون حراً، وربما لا يعرف كيف يكون حراً في المجتمع المدني؛ فالتصق بالحزب أو بالسلطة وجعل منهما عشيرته أو طائفته الجديدة، فهو لم يبع روحه للشيطان من أجل معرفة الحقيقة، بل باعها للوحوش الكبيرة منها والصغيرة. قانون المجتمع المدني هو العشوائية والفوضى، مبدؤه هو الحرية، وأساسه هو الفرد، وكذلك أساس الدولة. في رحاب المجتمع المدني حيث التنافس على أشده، ومعيار النجاح هو الكفاية والجدارة وطاقة الخلق والإبداع والروح النقدي ومشاجرة الكليات … لا يصمد سوى المثقف المثقف المحتفظ بفرديته وذاتيته، والذاتية هي الاستقلال والحرية أما أشباه المثقفين فيلوذون بالسلطة والأحزاب ويغيبون في دوائرها السوداء حيث يتشابه الجميع ويتفاضلون فقط في درجة الولاء التي هي المعيار الأساسي والوحيد. إلا من كان من هؤلاء رأس الحزب ومحور ماكينته الثقافية، أو من تمرد على السلطة والحزب وكفر بلاهوتهما فعزز فرديته وذاتيته أي حريته واستقلاله واختلافه وقدرته على الإبداع كالياس مرقص، وتحمل في سبيل ذلك ما لا يستطيع غيره أن يتحمله. فلكي يستعيد المثقف دوره شخصاً حراً ومتضامناً مع الحرية، ومبدعاً خلاقاً ومنتجاً للثقافة وأستاذاً للسياسي؛ لا بد له من أن يشرع في نقد الثقافة الجماهيرية أولاً والثقافة الحزبية ثانياً والسلطة المستبدة ثالثاً والحزب الثوري أو الطليعي رابعاً والدولة الشمولية أخيراً، وأن يخرج من عالمها، ويتطهر من اقترافه ذنب التواطؤ على الشعب والسكوت عن الحق.

ثمة جانب آخر في الموضوع، المثقف ابن مجتمع معين وشروط معينة، والثقافة التي ينتجها عادة أفراد لها طابع اجتماعي عام؛ لأن ثمة أطراً اجتماعية للمعرفة ولإنتاج الثقافة. والمثقف هو، ربما، ذلك الفرد الذي يمكن وصفه بأنه فرد / جماعة بينه وبين مجتمعه دوماً علاقة متوترة هي علاقة جذب ونبذ من الطرفين، ومع ذلك لا يحق لمجتمعه أن يفرض عليه شيئاً ولا يحق لأمته أن تفرض عليه شيئاً سوى ما يفرضه عليه ضميره ووجدانه أو روحه الإنساني. وليس له من ثم أن يفرض شيئاً على أحد. إن تأثير المثقف في وسطه هو تأثير غير مباشر غالباً وتأثير غير ميكانيكي دوماً، هناك مثقفون لم يؤثروا في مجتمعاتهم إلا بعد موتهم، وهناك مثقفون انقسمت مجتمعاتهم بين مؤيدين لهم ومعارضين. ولكن ما من مثقف يستحق هذا الوصف كان خارج إطار التعارضات الملازمة للكينونة الاجتماعية.

الرائز الموضوعي الذي يمكننا من الحكم على دور المثقفين في زمان ومكان معينين، والحديث هنا عن مجتمعنا المعاصر، هو المستوى الوسطي للوعي الاجتماعي، وهل ينمو هذا الوعي ويتقدم أم إنه ينتكس ويتراجع، ليس قياساً بسوية الوعي الاجتماعي في مجتمعات متقدمة فحسب، بل قياساً بمراحل سابقة في تاريخنا الحديث والمعاصر. ثم في أي اتجاه يذهب هذا الوعي، هل في اتجاه المعقولية الكونية والإنسانية الكلية أم في اتجاه الانغلاق على أوهام الخصوصية؟ وبصيغة أخرى، ما مدى مسؤولية المثقفين عما آلت إليه أوضاع دولهم ومجتمعاتهم، وعما آل إليه وضع الإنسان فيها؟ ما مدى مسؤوليتهم عن هذا الانتكاس إلى الحالة المملوكية/العثمانية على جميع الصعد، ما عدا قشرة الحداثة التقنية وما تفرزه من ظواهر لا تتعدى سطح المجتمع الخارجي، وما عدا هذا التوسع الأفقي في التعليم والخدمات الصحية والمواصلات التي لم تغير في طرائق التفكير وأنماط السلوك ولم تتحول إلى صلات ومواصلات وروابط بين البشر، صلات ومواصلات وروابط تخترق النوى الصلبة للبنى والتشكيلات الاجتماعية ما قبل القومية وتعيد إنتاجها وفق مبدأ المواطنة والمساواة أمام القانون ووفق مبدأ التماثل في الحيثية الإنسانية؟ ما مدى مسؤولية المثقفين عن، وما مدى تأثيرهم في انتعاش البنى والعلاقات والأيديولوجيات ما قبل القومية وتحولها إلى بنى موازية لبنى المجتمع المدني التي اكتست طابعاً دولتياً كالنقابات والجمعيات والمنظمات الشعبية والأحزاب السياسية، وتحولها من ثم إلى بنى موازية لبنى الدولة الشمولية؟ وبكلمة، ما مدى مسؤولية المثقفين العرب عن هزيمة أمتهم من الداخل ومن الخارج؟ أليست هزيمتنا أمام العدو القومي، إسرائيل، هزيمة لثقافتنا السائدة أمام ثقافتها السائدة، ولمدرستنا أمام مدرستها ولجامعتنا أمام جامعتها ولسياستنا أمام سياستها ولزراعتنا وصناعتنا ولتربيتنا أمام زراعتها وصناعتها وتربيتها؟ أدعي أن تربيتنا ومدرستنا وجامعتنا تعيد إنتاج التقليد وتكيف الأفكار والمفاهيم والمبادئ الحديثة "المستوردة" لمنطق التقليد.

لفتت نظري دراسات ميدانية عدة تقصّت أنماط التفكير الخرافي لدى فئات مختلفة من فئات مجتمعنا، وما يدعو إلى الأسى أن هذه الدراسات قد خلصت إلى أن نسبة التفكير الخرافي عالية لدى المتعلمين وخريجي المعاهد والجامعات؛ مما يدعو إلى القول: إن مسألة الثقافة الأولى هي تغيير زاوية النظر إلى العالم وإلى المجتمع والإنسان، أي إن المسألة الأولى مسألة معرفية بامتياز، مسألة المنطق والمنهج والطريقة قبل أن تكون مسألة المضمون والشكل. وفي مستوى أعم، إن المسألة هي مسألة طابع العلاقات بين الذات والموضوع، بين الإنسان والعالم، مع ملاحظة أن الموضوع أيضاً هو ذات وحياة، لكي يطيعنا يجب أن نطيعه، أي أن نتعرفه ونفهم منطقه الداخلي وإيقاع حركته تحت مقولتي الضرورة والمصادفة والعشوائية والانتظام، وتحت مقولة الجدل أو الديالكتيك. وعطفاً على ما بدأنا به حديثنا، يحسن القول: إن طرح مسألة اغتراب المثقف اليوم تعبر عن محاولة المثقفين استعادة دورهم ووظيفتهم، وهي محاولة مباركة على كل حال، لأنها ارتعاشة حياة في جسد منهك، لأنها نوع من يقظة الضمير و "عودة الروح" إذا استعرنا عبارة توفيق الحكيم.

أجل إنها محاولة لعودة الروح واستعادة الروح، والروح هي ماهية الإنسان، أي إنها محاولة لاستعادة الإنسان ماهيته، واستعادة المثقف ماهيته، بعد أن أكلتها صفاته كالملتزم والثوري والعضوي والتقدمي … إلخ. نريد المثقف أولاً وجميع الصفات الأخرى تابعة، نريد الإنسان أولاً وجميع الصفات الممكنة تابعة، نريد الثقافة بما هي تعبير جميل عن اندراج الروح الإنساني في التاريخ وفي العالم، وجميع الصفات الأخرى تابعة، الصفة في العربية تتبع الموصوف، ولا تتقدم عليه، هذا شيء مهم جداً في منطق اللغة، أي منطق الفكر.

هل يئس المجتمع من مثقفيه يأسه من الإعلام الرسمي ويأسه من سلطته السياسية ومن أحزابه السياسية ومن مرجعياته الدينة المتواطئة عليه أيضاً؟ الجواب عن هذا السؤال يطرح سؤالاً آخر: هل تدنت مكانة المثقف في المجتمع وتدنت معها مكانة الثقافة؟ على المثقفين أنفسهم أن يجيبوا عن هذا السؤال، بغض النظر عن مزاحمة السواتل وشبكة الإنترنيت وبرامج الحواسب فهذه كلها تستمد مادتها من الثقافة. لا يستطيع المرء أن ينكر أهمية الثقافة ودور المثقفين ومدى تأثيرهم في حياة المجتمع الروحية، أو في الحياة الروحية للمجتمع وفي حياته السياسية. وليس بوسع أبناء جيلي على الأقل أن ينكروا أثر الثقافة والمثقفين في إطلاق محاولة النهضة الثانية بطابعها الشعبي ومحتواها الوحدوي والاشتراكي التقدمي، وليس بوسعهم إعفاء المثقفين من مسؤوليتهم في انتكاس هذه المحاولة؛ وهذا تعبير أكثر وضوحاً عن دور المثقفين وأثر الثقافة. ويعتقد المرء أن "الثقافة الثورية" التي انقطعت عن جذورها الليبرالية بمحتواها الإنساني والعقلاني والعلماني والديمقراطي مسؤولة مسؤولية مباشرة عن هذا الإخفاق الذي نعيش اليوم نتائجه وتداعياته. الخطأ معيار لا يقل أهمية عن الصواب، والإخفاق معيار لا يقل أهمية عن النجاح. أنوه هنا بالمرحلة الليبرالية، بما احتفظت به من نتائج عملية التحديث الكولونيالي، وبما أضافته إليها، المرحلة التي أطلقت إمكانات نمو مجتمع مدني له مجال سياسي مشترك تتجابه فيه ونتقاطع أحزاب سياسية مختلفة ومتعارضة، ولكنها متحاورة سواء تحت قبة البرلمان أو في المجال السياسي المشترك، وأطلقت حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة، كانت سورية مثلاً تعج بالصحف والمجلات من كل لون ومن كل اتجاه، وكانت الثقافة قد بدأت تتأسس وتنمو بصفتها مجالاً اجتماعياً مستقلاً، وبدأت السياسة أيضاً تتأسس وتنمو بصفتها مجالاً اجتماعياً مستقلاً حتى جاءت "الثورة" فقطعت هذه السيرورة، ولا بأس بانقطاع هذه السيرورة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً لو أن المثقفين، على الأقل، احتفظوا بالعنصر الليبرالي الإنساني والعقلاني والعلماني والديمقراطي وأدمجوه في الحركة الاجتماعية وفي الثقافة الثورية "الملتزمة". لكن ما جرى ويجري اليوم على خلاف ذلك.

قبل أن تنقطع هذه السيرورة بفعل "الثورة" كان المرء يلاحظ نوعاً من تواصل واتساق بين الحركة الاجتماعية والحركة الثقافية ونمو التعليم وتنامي دور المدرسة العلمانية الحديثة، فقد كان كثيرون من العاملين في حقل التربية والتعليم من المثقفين الذين أسهموا في نمو الوعي الاجتماعي السياسي. ولا تنطوي الإشارات النقدية لمفهوم الثورة على التهوين من شأن التحولات الاجتماعية والسياسية، بل تنطوي على إعادة بناء مفهوم الثورة بدلالة مقولة التقدم، وذلك لتعرف الأسباب العميقة التي أدت إلى إفراغ تلك التحولات المهمة من مضمونها. ولعل من أبرز هذه الأسباب محاولة القوى التي سيطرت على مقاليد الحكم في الوطن العربي بوجه عام فرض عقيدتها على المجتمع، على نحو يذكرنا بمحاولة المعتزلة فرض عقيدتهم على المجتمع بقوة السيف وبقوة السلطة، ولا تزال محنة ابن حنبل علماً على تلك المحاولة التي أدت واقعياً إلى سقوط المعتزلة وتصفية آثارهم. إن أحداً لا يستطيع أن يفرض حتى السعادة على المجتمع، من دون أن يدمر سعادته ذاتها، ومن دون أن يدمر أسس السعادة ومقوماتها. لم يحرك المثقفون العرب "التقدميون" خاصة، ساكناً إزاء فرض عقيدة الدولة على المجتمع بالعسف والإكراه، ذلك لأن المثقف كان جزءاً عضوياً من هذه "الثورة" وكان أكثر تطرفاً في ثوريته ويساريته وتقدميته من السياسيين، فأنتج في المجتمع نوعاً من تطرف مضاد. ولم يحتج المثقف "التقدمي" و"اليساري" على ما رافق عملية الفرض هذه من اضطهاد وقمع، ولم يحتج على احتكار السلطة جميع عناصر القوة والثروة وإخراج المجتمع تدريجياً من عالم السياسة ومن ثم من عالم الثقافة التي باتت ثقافة جزء من المجتمع، فرضت على الجزء الأعظم من المجتمع العودة إلى الثقافة التقليدية، بل إلى الثقافة الشفوية. فالاغتراب الذي يشكو منه المثقف اليوم هو جزاء تاريخي عادل لنزع طابع الكلية ومن ثم المعقولية من الحقل الثقافي المجتمعي ولنزع السياسة من المجتمع، وجزاء تاريخي عادل على محاولة جعل الناس "ملة واحدة"، وهي محاولة عبثية على كل حال لأنها تعاند واقع التعدد والاختلاف والتعارض، أي تعاند الواقع الفعلي وتتوهم أنها قادرة بالعسف وبالإكراه على تغيير ما لا يمكن تغيره. أريد أن أقول؛ إن المثقف وقف إلى جانب الاستبداد، لا على الصعيد السياسي فحسب، بل على الصعيد الثقافي أيضاً، فكان أن ابتلعه الاستبداد وحوله إلى أداة من أدواته. في النهاية، تستطيع القوة الغاشمة أن تجبر الناس على أن يفعلوا ما تريد، ولكنها لا تستطيع حملهم على أن يفكروا كما تريد، أو أن يقتنعوا بما تريد.

ربما كان أخطر ما في حياة مجتمعنا اجتماع الرأي والسيف أو الخنجر: السيف والخنجر يفرضان الرأي، والرأي يسوغ بطش السيف والخنجر. الرأي والسيف يريدان إحلال الجزء (الطبقة أو الحزب أو الملة والنحلة) محل الكل، وجعل هذا الجزء كلاً، وذلك هو جذر الاستبداد. وهو جذر إقصائي إن لم نقل إنه إلغائي، يقوم على إقصاء الآخر واستعباده إلى أن يلغي وجوده الفعلي ويمنحه بدلاً منه نوعاً من وجود وهمي قوامه العطالة والامتثال والطاعة وإلا فالسجن أو النفي. عند درجة معينة من هذه العملية الإقصائية يصبح يأس الناس هو شجاعتهم. وتتحول السلطة إلى نسق مولد للعنف والعنف المضاد. ويبدو من نافل القول أن نذكّر بجدلية الظلم والقهر، إذ الظالم هو المظلوم في المحصلات النهائية؛ لا لأنه يظلم ماهيته الإنسانية فحسب، بل لأنه يبذر بذور الانتقام ويزعزع بنفسه أركان سلطانه بانتظار مكر التاريخ ومكر العقل.

الأيديولوجية بوجه خاص، ولا سيما الأيديولوجية الثورية، "دينية" كانت أم "علمانية" جعلت المثقفين، مثقفي السلطات ومثقفي الأحزاب على السواء يعيشون مع سلطاتهم وأحزابهم في واقع من صنع أوهامهم، لا يمت إلى الواقع الفعلي سوى بصلة التخارج والتنابذ، واقع هو أشبه بليل دامس، "جميع البقرات فيه سوداء"، للجميع فيه رأي واحد وموقف واحد، ولكن حين نتحدث عن المصلحة المشتركة ستغدو هذه الوحدة شكلية وصورية وهشة إلى أقصى حدود الهشاشة، وأساس هذه الهشاشة هو حلول الامتيازات محل الحقوق. لذلك سقط الاتحاد السوفييتي وحزبه الشيوعي مثلاً من دون أن يدافع عنه أحد، وتحول أصحاب الامتيازات بين عشية وضحاها إلى زعماء مافيات وعصابات. وكذلك الأمر في أوروبة الشرقية الاشتراكية سابقاً، أقول إن منطق الواقع لا بد أن يفرض نفسه في النهاية وينتقم لها شر انتقام، وذلك هو مكر التاريخ ومكر العقل. وإلا فما معنى الهزائم التي منيت بها الأمة أمام العدو القومي على أيدي سلطاتها الثورية ومثقفيها الثوريين؟ لقد كانت هذه الهزائم جزاء تاريخياً "عادلاً" وانتصاراً لمنطق الواقع ومنطق التاريخ، فهل كلف المثقفون العرب أنفسهم عناء البحث والتنقيب والتساؤل عن الأسباب الفعلية العميقة لتلك الهزائم لكي يكتشفوا منطق الواقع ومنطق التاريخ؟ أظن أن هذا المشروع لا يزال على جدول أعمال المثقفين والسياسيين بقدر ما لديهم من نزوع إلى الخروج من واقع الهزيمة.

هنا، لا بد من العودة إلى لحظة الأمية والصفحة البيضاء كما يقول الياس مرقص، وهي عودة باتت واجبة وضرورية، العودة إلى لحظة الأمية والصفحة البيضاء هي أن يتخلى المثقفون أولاً والسياسيون تالياً عن مسبقاتهم ويقينياتهم، وإيمانياتهم و "مقدساتهم" الأيديولوجية، وأن يشحذوا أدواتهم المعرفية من جديد ليشنوا بها "حملة" أو "تجريدة" على الواقع، لكي يعيدوا إنشاء صورته الفعلية في الذهن من دون رغبات وأوهام.

هذه المهمة، هذه "التجريدة" لا تزال تنتظر المثقفين، وستظل تنتظرهم إذا أمهلنا العالم الخارجي وأمهلتنا تحدياته القديمة منها والجديدة.

وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى المصاعب والتحديات التي تعترض المثقفين العرب الذين يعيشون مواجهة غير متكافئة مع السلطات التي جمعت في يدها الرأي والسيف من جهة، ومع معادلها الموضوعي، أعني الأصوليات المتطرفة التي جمعت هي الأخرى في يدها الرأي والخنجر من جهة أخرى، وإذا استعرنا التعبير المجازي الذي أطلقه الصديق عبد الرزاق عيد نقول: إن المثقفين العرب يواجهون مسدس العسكري وخنجر الشيخ، وثقافة الكباريه وثقافة الجامع. والمثقف الذي يتصدى لمسدس العسكري وخنجر الشيخ، لثقافة الكباريه وثقافة الجامع، هو بالأحرى نوع من المثقف الفدائي، الانتحاري كفرج فوده ونصر حامد وأبو زيد وأمثالهما، وما أقلهم، أو نوع من المثقف المتجرد سوى من حريته واستقلاله وإخلاصه لوطنه وشعبه ولقضايا الإنسان كالياس مرقص وياسين الحافظ وأمثالهما، وما أقلهم أيضاً، المثقف ليس ضمير شعبه وروح أمته إلا بقدر ما يصدر في فكره وعمله عن ضميره الشخصي وروحه الإنساني. هل أقول إننا في حاجة إلى مثقف صاحب ضمير ووجدان أولاً؟ أجل. مثل هذا المثقف لا تأخذه في الحق لومة لائم كما قال الأقدمون.

معظم المثقفين العرب متوجسون من هذه المواجهة غير المتكافئة، مع السلطة الاستبدادية ومعادلها الموضوعي، أو وجهها الآخر، الأصوليات المتطرفة، ويميل معظمهم إلى موالاة هذا الجانب أو ذاك، أو إلى "جسر الهوة" بينهما، وليس هناك من هوة، إلا في أذهان هؤلاء الذين يقفون في هذه الهوة المفترضة ويحاولون ملأها بالكلام. الهوة الحقيقية هي بين الدولة والمجتمع وبين السلطات المستبدة وشعوبها.

إذا حاولنا وضع الأمور في نصابها، لا بد أن نعترف أن المجتمع هو الذي ينتج مجاله الثقافي، في سياق عملية الإنتاج الاجتماعي بجميع منطوياتها المادية والمعرفية والروحية، وأن المجال الثقافي هو الذي ينتج المجال السياسي، والمجال السياسي هو الذي يرقى بالمجال الاجتماعي / الاقتصادي والثقافي إلى مصاف الكلية المجتمعية. السياسية تحول بآليات شديدة التعقيد الأهداف الفردية والخاصة، والمصالح الفردية والخاصة، إلى أهداف ومصالح عامة، ولكن بتوسط الثقافة. الثقافة هي التحديد الذاتي الأولي والضروري للفرد بوصفه عضواً في الجماعة، ومن ثم عضواً في المجتمع والدولة. في المجال الثقافي فقط، وبالثقافة فقط، يتحول ما هو فردي محض وفئوي خالص إلى كلي عام. فالثقافة في أعمق مستوياتها وأهمها على الإطلاق، هي بسط وإنماء لما هو عام وكلي في الأفراد والجماعات والفئات الاجتماعية، ومن ثم فإنها الشرط الضروري لانبثاق السياسة بوصفها مملكة الحقوق والقوانين، بالتعارض مع مملكة الأعراف والتقاليد.

لقد توقفت ملياً عند قول لينين: إن في ثقافة كل أمة عنصر ديمقراطي. هذا العنصر الديمقراطي هو بالضبط درجة من درجات انبساط الروح الإنساني ونموه في ثقافة هذه الأمة أو تلك. وبمقدار هذا الانبساط والنمو الناجمين عن تطور الممارسة الاجتماعية وتطور عملية الإنتاج الاجتماعي، وعن المثافقة الجارية باستمرار بين الأمم والشعوب، يعيد المجال الثقافي إنتاج كل من المجالين الاجتماعي الاقتصادي و السياسي بنسب متفاوتة من التناغم والاتساق، تزيدها دوماً الوظائف الاجتماعية للدولة، ولا سيما وظيفتها التربوية، إذا نظرنا إلى الدولة على أنها ذروة من ذرى الإنتاج الاجتماعي أولاً، وعلى أنها التحديد الذاتي للشعب ثانياً. من هذه الزاوية ثمة موقف سقراطي مطلوب دوماً من المثقف السقراطي الذي يؤثر الموت على مخالفة قانون بلاده، ولكن حين يكون القانون فوق أثينة، أثينة المدينة الدولة، وأثينة إلهة المدينة وحاميتها، أي حين يكون القانون سيداً فوق الحاكم والمحكوم، وحين تكون له هيبة وقداسة مستمدتين من كليته وعموميته، أو من مبدأ الكلية والعمومية. في هذه الحيثية يغدو الدفاع عن القانون شرطاً ضرورياً للدفاع عن الوطن، فالوطن بلا قانون غابة يحكمها مبدأ القوة والغلبة والافتراس.

وظيفة المثقف اليوم هي تحرير المجتمع من هيمنة السلطات المستبدة سياسية كانت أم دينية أم أيديولوجية، ومن ثم تحرير الثقافة من هيمنة السياسة، أي تحقيق استقلال مجالات الحياة الاجتماعية وتكاملها. فمن دون استقلال ليس ثمة تكامل، الثقافة وحدها لها هذه القيمة التحريرية، حين تكون ثقافة ذات محتوى إنساني وعقلاني وعلماني وديمقراطي بالتلازم الضروري بين هذه الصفات.

نحن نعيش اليوم في وضع أشبه ما يكون بأوضاع العصور المظلمة تحت سطوة الاستبداد ومحاكم التفتيش من كل نوع. محاكم تفتيش دينية تحاول وضع الناس في مستنقعاتها الراكدة والآسنة، ومحاكم تفتيش سياسية تحاول وضع الناس في زنازينها المنفردة والجماعية، ومحاكم تفتيش أيديولوجية تحاول أن تمسخ الثقافة، وقد أفلحت إلى حد كبير؛ المهمة التنويرية والتحديثية للثقافة والمثقف هي المهمة التحريرية التي نصبو إليها. فالمثقفون لا يستطيعون تغيير الأوضاع بعصا سحرية، إذ لا يملكون سوى أدواتهم الثقافية والمعرفية والجمالية. ولكن المثقفين وحدهم قادرون على تحرير الأحياء من قبضة الأموات، وتحرير الحاضر من أوهام الماضي، وتغيير الزاوية التي ننظر منها إلى العالم وإلى المجتمع والإنسان. وهذا هو المدخل الضروري، وربما الوحيد لتحرير المجتمع من الاستبداد وكل ما يرتبط به ويؤول إليه.

يبدو لي أننا لم نصل بعد إلى لب مسألة الاغتراب أو الاستلاب أو الضياع، مع أن الظاهرات التي أشرنا إليها هي بعض تظاهراتها وتجلياتها، فلهذه المسألة أساس فلسفي يغيب دوماً عن التحليلات والدراسات ومحاولات التنظير. وحين يتطرق إليها بعضهم لا تتجاوز محاولته حدود الموقف الأكاديمي. لذلك سأحاول اقتفاء أثر ماركس في البدء من الذروة التي انتهى إليها مفهوم الاغتراب في الفلسفة، وأظن أن هذه الذروة هي الماركسية أو "المذهب" المنسوب إلى ماركس، فماركس وحده من بين الفلاسفة من ربط مقولة الاغتراب بمقولة العمل انطلاقاً من العلاقة الجدلية التي أقامها، في الفكر، بين النظر والعمل، أي بين الذات والموضوع. وأعتقد أن هذه العلاقة الأولية البسيطة، هي البذرة التي تنطوي على شجرة الديالكتيك.

بدايةً، الإنسان يموضع ذاته أي فاعليته الحية الواعية والهادفة، بتوسط العمل، أي يحول ذاته إلى موضوع لنفسه وللآخرين. فالذات الإنسانية (العقل والعاطفة والخيال إلخ) تغدو محتوى منتجات العمل الموضوعية؛ وبهذا تكون عملية التموضع هي ذاتها عملية تذويت بدرجة معينة. أي إن ناتج العمل الإنساني هو وحدة الذات والموضوع. هذه البذرة هذا المبدأ البسيط، سينمو في جميع مجالات الحياة الاجتماعية فالبشر لا ينتجون سلعاً للاستهلاك النهائي أو للتبادل فحسب، بل إنهم حين يفعلون ذلك ينتجون المعرفة والثقافة والعلاقات والتنظيمات الاجتماعية وينتجون السياسة في نهاية المطاف.

عملية التموضع هي اغتراب الذات في الموضوع، اغتراب الروح الإنساني في منتجات عمل البشر المتنوعة أي تنوع. تلكم هي الخطوة الأولى الضرورية، ثم تأتي بعدها الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج التي تهيمن على المجالات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية، وتجعل من الذات التي تموضعت في نتاجات العمل، ملكية خاصة أو تابعة للمكلية الخاصة، فتغترب منتجات العمل عن المتجين المباشرين، وتغترب الذات المتموضعة في نتاجات العمل العضلي والذهني عن العالم الذي غدا عالم الملكية الخاصة وتغترب بالضرورة عن ذاتها في الوقت نفسه. وهنا تبدو المكلية الخاصة علة الاغتراب ومظهر تجليه في الوقت ذاته.

وحين تغترب الذات في ناتج عملها، وعن ناتج عملها الذي غدا ملكية خاصة لغير المنتجين يبدو لها وجودها الوهمي في عالم الملكية الخاصة على أنه وجودها الفعلي، وهذا هو المصدر الاجتماعي للخطأ وضلال الفكر؛ إذ تغدو الأفكار والمفاهيم والمبادئ والرؤى التي تسوغ عالم الملكية الخاصة وتسهم في إعادة إنتاجه هي الأفكار والمفاهيم والمبادئ والرؤى الواقعية الصحيحة والمشروعة وتغدو معايير الصحة أو مطابقة الحقيقة ومعايير المشروعية، هي تلك التي تضعها الملكية الخاصة في جميع المجالات، ومن ثم فهي معايير مؤسسة على اغتراب الإنسان عن عالمه وعن ذاته.

إن وعي الاغتراب هو الشرط الضروري لتجاوزه. والثقافة ذات المحتوى الإنساني والعقلاني والعلماني والديمقراطي بالتلازم هي التي تساعد البشر على وعي واقع اغترابهم عن العالم وعن ذواتهم. فلم يتمكن الإنسان من السيطرة على الطبيعة والشروع في إنتاج ذاته في التاريخ وفي العالم إلا بعد أن انفصل عن الطبيعة ووعى ذلك الانفصال أو الاستقلال. وهذا لا يعني أن الإنسان قد كف عن كونه كائناً طبيعياً، بل يعني أنه اكتشف حقيقته بصفته طبيعةً تعي ذاتها. وبالقدر ذاته لا يستطيع الإنسان، الفرد، أن يعي فرديته ومن ثم عضويته في الجماعة وفي المجتمع ما لم يع استقلاله عنهما وانفصاله/اتصاله بهما وعنهما، لأن كل انفصال هو اتصال وكل فصل هو وصل، ولكن في مستوى أعلى وأرقى.

الانفصال الأكثر إيلاماً، ربما، هو انفصال المنتج عن ناتج عمله، وهذا الانفصال في ظل الملكية الخاصة ينتج اغتراباً مزدوجاً، اغتراب المتنج عن عالمه واغترابه عن ذاته. هنا، نحن في العمل المضيَّع، أو العمل المغترب، سواء كان العمل ذهنياً / يدوياً أم ذهنياً خالصاً.

الذات الإنسانية لا تضيع في المنتجات المادية فحسب، حيث تغدو العلاقات بين الأشياء علاقات اجتماعية والعلاقات الاجتماعية علاقات شيئية، أو علاقات بين أشياء، بل تضيع أيضاً في الأعراف والمعتقدات والعادات والتقاليد وفي العلاقات والتنظيمات الاجتماعية وتمثيلاتها السياسية، فتغدو منتجات العمل التي انفصلت عن منتجيها قوة طاغية تتحكم بهم وتستعبدهم، الإنسان عبد منتجات رأسه ويديه المنفصلة عنه اغتراباً والمستقلة عنه في صيغة قوى مادية (ثروة ورأسمال) واجتماعية وسياسية.

ومن ثم فإن عالم الاغتراب هو عالم مقلوب، (ناتج العمل يتحكم في المنتج) ووعي الاغتراب هو المقدمة الضرورية لإيقاف العالم على قدميه بدلاً من رأسه، ووضع الأشياء في نصابها، ومن ثم استعادة الإنسان عالمه واستعادة ذاته الضائعة فيه، أي استعادة موضوعية العالم ومعقوليته في الذات، والتصالح من ثم مع الذات ومع العالم. ذلك أن ضياع الذات واغترابها في العالم واندماجها فيه على أنها جزء من موضوعيته ومعقوليته، هو الذي يجعل العالم إنسانياً باطراد ويجعل الإنسان عالمياً باطراد.

وقبل أن يكون العمل البشري مدخلاً إلى الاغتراب، قبل ظهور الملكية الخاصة، كان وسيلة لتملك العالم، وتحقيقاً لإرادة الإنسان وحريته. فالحرية والإرادة قبل العمل ومن دونه هما حرية ذاتية وإرادة ذاتية، بالعمل تصبح كل من الإرادة والحرية موضوعيتين. الإنسان يمتلك أو يتملك عالمه بالعمل / المعرفة؛ لأن العمل هو عمل الرأس واليدين بالتلازم، وليس هناك عمل بلا فكر ولا فكر بلا عمل. إن كل إنتاج هو تملك كما قال ماركس. التملك ليس الاستهلاك فحسب، بل إن الاستهلاك هو التملك السلبي، أما التملك الإيجابي فهو الإنتاج والخلق والإبداع. مع ظهور الملكية الخاصة، ومع ضياع العمل الإنساني، تضيع الحرية والإرادة بقدر ما تغدوان موضوعيتين، ومن ثم، فإن حذف الاغتراب أو الاستلاب أو الضياع هو استعادة الحرية والإرادة، والمثقف الذي يعي اغتراب الإنسان ويكافح من أجل حذفه، إنما يستعيد، ذاتياً أولاً، حريته وإرادته، وينير لمجتمعه، وللبشرية سبل استعادة الحرية والإرادة. هكذا يكون عقل المثقف قبساً من العقل الكوني، أو من الروح الكوني، من روح الله، أو من النور الإلهي، ومن النار الإلهية. وبهذا يتماهى المثقف والنبي مع الفارق في مصدر المعرفة؛ إذ السماء مصدر معرفة الأنبياء، والأرض مصدر معرفة المثقفين.

لاستلاب الإنسان أنواع ودرجات، وتطور تاريخي: فثمة استلاب في الطبيعة وضياع فيها. وكلنا يعرف أن الإنسان عبد بعض مظاهر الطبيعة وبعض عناصرها، أي إنه تعبد لما هو أقل منه شأناً وأدنى منه مرتبة (عبادة بعض الحيوانات مثلاً)، ناهيك عن عبادة الأوثان، وثمة استلاب في الدين "السماوي" إذ أخرج الإنسان أعظم ما فيه وأجمل ما فيه وأهم ما فيه ووضعه خارج ذاته، خارج عالم العيان والمشاهدة، وضعه في الله، فأفقر نفسه بقدر ما أغنى الله، كما قال فويرباخ. وثمة استلاب في منتجات العمل، وهو أدهى أشكال الاستلاب لأنه يؤول إلى تشييء الإنسان وتحويله إلى سلعة وإلى زائدة لحمية ملصقة بالآلة وتابعة لها، في المجتمع الرأسمالي الحديث والمعاصر الذي تتكثف أهم خصائصه في السلعة (البضاعة)، لأنه نظام إنتاج السلع والخدمات على نطاق واسع، وقد غدا عالمياً باطراد.

أعتقد أن فهم الاغتراب، كما صاغه الفيلسوف الألماني هيغل، وجعله أساس مذهبه، وكما تطور من بعد على يدي فويرباخ، وكما أعاد ماركس صوغه وأدمجه في مذهبه الفلسفي ولا سيما في الديالكتيك، هو المدخل الضروري لفهم العلاقة الجدلية بين الذات والموضوع، بين الإنسان والعالم، وبين الحرية والضرورة والعشوائية والانتظام والمصادفة والقانون، ولفهم معنى القانون والقانونية وعلاقة الفرد بالعائلة والمجتمع المدني والدولة، وقبل ذلك كله لفهم الديالكتيك بما هو منطق الواقع والتاريخ ومنطق الفكر.

اليوم، لا بد من تأكيد حقيقة أن ثقافة البشر ومعارفهم إنما تنتج تحت وطأة الاستلاب والتشيؤ. وإن إمكانية شق الطريق للخروج من هذه الوضعية المأزقية مرهونة بإعادة إنتاج ماركسية كارل ماركس وفريديك إنجلز في ضوء الفتوحات والكشوف العلمية والتقنية والنظرية بعدهما، وفي ضوء التحولات العميقة التي شهدها العالم في القرن العشرين.

الماركسية، ماركسية ماركس وإنجلز تحديداً، ضرورية لنا نحن العرب لفهم تاريخنا وتراثنا وإعادة بناء صورة العالم، عالم اليوم، في أذهاننا. في سيرورة إنتاج الإنسان ذاته في التاريخ وفي العلم بوجه عام، وفي سيرورة الإنتاج الاجتماعي بوجه خاص، يبدو الاغتراب ضرورياً، ولا مفر منه إلا بالفرار من العمل وبالفرار من العالم. وعلى هذا النحو يبدو الاغتراب شاملاً أيضاً، ولكن الضرورة تضع الحرية وتفترضها، والشمول يضع التضمن ويفترضه. ولما كانت الحرية هي وعي الضرورة كان وعي الاغتراب شرطاً لازماً لكفاح البشر من أجل حذفه، والكفاح من أجل حذف الاستلاب، ولا سيما الاستلاب أو الاغتراب في منتجات العمل، هو بداية تاريخ جديد يمكن أن نسميه تاريخ الإنسان الإنسان. بداية هذا التاريخ تنطلق من حقيقة أن العالم الذي نعيش فيه هو عالم الإنسان وهو من صنعه وإنتاجه، وأن الروح الإنساني الموضوعي، بات جزءاً لا يتجزأ منه أولاً، وينطلق من حقيقة أن ما هو جوهري في هذا العالم إنما هو الإنسان ذاته. فلا بد أن ننظر اليوم إلى التغيير الاجتماعي، أو إلى الإصلاح أو إلى الثورة أو إلى التقدم بدلالة الإنسان. وعلى صعيد الثقافة والمعرفة والأيديولوجية أيضاً لا بد من إعادة الإنسان إلى مركز المنظومات الثقافية والفكرية والأيديولوجية التي تريد لنفسها أن تنتمي إلى تاريخ الإنسان الإنسان، لا إلى تاريخ "الإنسان ذئب الإنسان" أو تاريخ الإنسان عبد الإنسان. إن تاريخ الإنسان الإنسان هو تاريخ الحرية الموضوعية بالتضاد مع العبودية.

الثقافة العربية والمثقف العربي مدعوان اليوم إلى إعادة تأسيس الوعي الاجتماعي على مبدأ الإنسان أولاً وعلى فكرة التاريخ ومبدأ التقدم تالياً. والإنسان ليس شيئاً مجرداً قابعاً في مكان ما خارج العالم، وليس مفهوماً ميتافيزيقياً، بل هو بالضبط الفرد الطبيعي والكائن الاجتماعي السياسي، عضو المجتمع والدولة. بل إن الفرد الطبيعي هو أساس المجتمع المدني وأساس الدولة، ذلك لأن مفهوم الإنسان العام والكلي لا يتجلى واقعياً إلا في الفرد الطبيعي. فالعام لا يوجد وجوداً فعلياً إلا في الخاص والفردي وهذان لا يوجدان وجوداً فعلياً إلا في نطاق العلاقة التي تؤدي بهما إلى العام والكلي. فلو حذفنا من الفرد المعين، فلان، جميع صفاته وتعييناته يبقى لدينا جوهره وماهيته، أي الإنسان. أما إذا حذفنا منه الإنسان فلا يتبقى منه شيء.

لذلك فإن الديمقراطية التي ننشد، والتي يتحدث عنها المثقفون وينظّرون لها في كل مناسبة، ويرون فيها بلسماً للجراح، الديمقراطية التي ننشد تبدأ من حرية الفرد وحقوق الإنسان، ولا تنتهي بسيادة الشعب، ولكنها يجب أن تبدأ بحرية الفرد وحقوق الإنسان. وحرية الفرد وحقوق الإنسان هي المدخل الضروري، وربما الوحيد لعقلنة الفكر والسياسة ومن ثم عقلنة المجتمع وعلمنته ودمقرطته وتحديثه.

فهل بوسع المثقف العربي أن يخرج من عالم السلطة الاستبدادية ومعادلها الموضوعي، أعني الجماعات الإسلامية والأصوليات المتطرفة؛ أي من عالم الاستبداد، إلى عالم الشعب ورحاب المجتمع المدني، أي إلى عالم الحرية، معترفاً بأفرادية الواقع وبمشروعية الاختلاف وبحقوق متساوية، مع ذلك، للجميع؟ هذا هو التحدي، وهذا هو الرهان. وهل يستطيع التحول من خادم ذليل للسلطة الاستبدادية والحزب المستبد إلى سيد لنفسه فقط؟ وهل يتواضع ويقبل بأن يكون سيد نفسه فقط؛ لأن كل واحد ليس سيد نفسه فقط هو عبد ولو كان "سيداً" على ملايين العبيد.

أرى أن المثقف لا يستحق هذا اللقب وهذا الشرف ما لم يكن سيد نفسه ويخرج من عالم الاستبداد والعبودية ومن عام "الجماهير" والثقافة الجماهيرية. ولا يمكن أن يكون ديمقراطياً ما لم يخرج من عالم "الديمقراطية الشعبية" سيئة الصيت، أي من عالم الحزب الواحد واللون الواحد والرأي الواحد. ولو أردت أن أعرف المثقف تعريفاً جديداً في ضوء ما ذكرت، أقول: المثقف هو فرد نما في وعيه وكيانه، في فكره وفي روحه النزوع إلى الكلية الاجتماعية الإنسانية، ويستطيع بإبداعه أن ينمي هذا النزوع في الأفراد الآخرين. فالنزوع إلى الكلي هو القاسم المشترك بين جميع الأفراد. وهذا النزوع مرتبط بالعقل، أعدل الأشياء قسمة بين الناس كما وصفه ديكارت. ولا يمكن الوصول إلى الكلي إلا انطلاقاً من الفردي ومن الفرد الواقعي. ربما كان عالم الرواية أكثر عوالم الثقافة ديمقراطية، لا لأنه يقدم لنا تجارب مختلفة، ولا لأنه يطلعنا على كوامن النفس البشرية ويبرز صفاتها.. بل لأنه يخلق شخصيات حرة ومستقلة تتأسس على فرديتها جميع محمولاتها الثقافية والأخلاقية والسياسية. وجميع خصائصها الذهنية والنفسية وجميع علاقاتها بالأفراد الآخرين تنطوي كلها على عنصر الكلية، وتلك المحمولات والخصائص والعلاقات، ربما، ما يجعل من عالم الرواية عالماً "واقعياً" أو مناظراً للواقع، أو عالماً ينطلق من عالم الوجود إلى عالم الوجوب. وأنا من جهتي، أضع الروائيين المبدعين في مصاف المفكرين الفلاسفة الأحرار، أساتذة السياسيين، لا يتضعون أمامهم ولا يتصاغرون ولا يتطامنون.

قال تشايكوفسكي على لسان أحد أبطال روايته "الأخوة كرامازوف": "إن لم يكن الله موجوداً فكل شيئ مباح" أظن أن الله عند تشايكوفسكي هو المطلق والكلي، هو الروح الإنساني، وهو القانون أو مبدأ القانون وهو الضمير والوجدان والأنا الأعلى بحسب تعبير فرويد. "ومن ليس في روحه وفي فكره المطلق يحول نسبيَّه إلى مطلق وذلكم هو الاستبداد" كما قال الياس مرقص. النزوع إلى الكلية هو نزوع الفرد إلى التوافق والانسجام مع التجليات غير المحدودة لماهيته الإنسانية أو للروح الإنساني الكلي، وهو نزوع أصيل يدفع كل واحد منا إلى أن يرى ذاته في الآخر ويحبها فيه، على الرغم من جميع الفروق، وذلكم هو مبدأ الاجتماع ومبدأ الحب، وقد يماً قالوا: الإنسان مرآة الإنسان. فليس ثمة "أنا" بلا "آخر"، بل إن الأخر هو أنا ووجوده شرط وجودي وحريته شرط حريتي وحقوقه شرط حقوقي.

أتينا على المعنى الفلسفي لمفهوم الاغتراب أو الاستلاب أو الضياع أو الانخلاع لتأكيد حقيقة أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي ينتج ذاته في التاريخ وفي العالم، عملية الإنتاج هذه تعني أن العالم، عالم الإنسان يغدو شيئاً فشيئاً من صنع الإنسان ذاته، من إنتاجه، حتى الطبيعة تغدو أكثر فأكثر من إنتاج البشر (تكثير المحاصيل وتحسين الأنواع وصولاً إلى التحكم بالسلاسل الوراثية أو بالجينات) فلم يعد للطبيعة ذاتها تاريخ مستقل عن تاريخ البشر وتأثيرهم فيها. بل إن عالم الإنسان، بما في ذلك الطبيعة، يغدو أكثر إنسانية يوماً بعد يوم، بقدر ما يندرج فيه من الروح الإنساني بالعمل الخلاق. والاغتراب يعني من جهة أخرى، أن البنى والتشكيلات والعلاقات الاجتماعية والتنظيمات السياسية ولا سيما الدولة كلها من إنتاج البشر، فهي تحديدات أو تعيينات اجتماعية اقتصادية وثقافية وسياسية لوجودهم، ومن ثم، فإن ما صنعه الإنسان، إن ما أنتجه البشر يستطيعون تغييره وتطويره واستبدال غيره به، في سياق مسعى البشر الدائم إلى تحسين شروط حياتهم. المجتمع الذي نعيش فيه هو الإنسان نفسه وقد غدا موضوعاً. أو لنقل هو الروح الإنساني ذاته وقد غدا موضوعياً، المجتمع هو الإنسان مموضعاً. والدولة هي الإنسان السياسي مموضعاً، أو الإنسان السياسي وقد غدا موضوعياً. والإنسان قابل للتحسن والتقدم إلى ما لا نهاية، وكذلك المجتمع والدولة. وما دام الروح الإنساني مندرجاً في المجتمع والدولة فإن استعادة الفرد المجتمع والدولة في ذاته هو حذف الاستلاب، هذه الاستعادة تعني أن  المجتمع مجتمعه والدولة دولته وهما معاً ضمانة أمنه واستقراره وحقوقه وحريته، بل أكثر من ذلك إنهما هو بقدر ما يكونان تجسيداً للروح الإنساني أو تجسيداً للعقل بحسب تعبير هيغل. لذلك كان المجتمع ضمير الفرد أو أناه الأعلى والدولة تحديده الذاتي وموطن اعتزازه الأدبي.

أظن أنه ليس للديمقراطية معنى أدق أو أهم من هذا المعنى الذي يشعر معه الفرد أن المجتمع مجتمعه والدولة دولته وهو عضو مشارك وفعال ومسؤول فيهما، وأن من الواجب أن يلبيا مطالب الروح الإنساني أو مطالب العقل. بصيرورته عضواً في المجتمع المدني والدولة، يتمتع الفرد بحقوق وحريات متساوية مع حقوق الآخرين وحرياتهم، بغض النظر عن الفروق الشخصية. بصيرورته كذلك يكون الفرد قد شرع في استعادة ذاته واسترداد إرادته، واتحد في شخصه من جديد الروح الذاتي والروح الموضوعي. هكذا فقط، يستعيد الإنسان موضوعية العالم ومعقوليته في ذاته.

من حيث المبدأ والمنطق، ليس هناك شيء في المجتمع والدولة ليس موجوداً في الإنسان، وإن سيرورة تحسن الإنسان تغدو بلا معنى إذا لم تكن هي سيرورة تحسن المجتمع والدولة، وسيرورة تحسن العالم.

هكذا تتأسس الديمقراطية على مبدأ الإنسان. إن سعي الإنسان في سبيل الحرية، وفي سبيل الرفاهية وفي سبيل الحقيقة هو سعيه في سبيل استعادة ذاته المغتربة في العالم، في المجتمع والدولة. الدولة الديمقراطية هي التي يتسق نظامها العام مع نظام العقل، مع نظام الروح الإنساني، والتي يتسق فيها القانون العام مع الضمير الفردي، مع ضمير الفرد وعقله ووجدانه. هذه يوتوبيا ديمقراطية! أجل، ولكن ليس من أساس تبنى عليه الديمقراطية وتكون قابلة للنمو والتطور سوى هذا الأساس. عند هيغل وماركس على السواء، وبلا فرق في هذه الحيثية، الروح الذاتي يندرج في العالم، في الطبيعة وفي المجتمع والدولة، فيغدو موضوعياً، والإرادة الذاتية تتحول إلى إرادة موضوعية في الملكية مثلاً، وفي التنظيمات الاجتماعية والسياسية، ولا سيما في الدولة، هذا الروح الموضوعي وتلك الإرادة الموضوعية هما ضياع الروح وضياع الإرادة، ما لم يستعدهما الإنسان في ذاته، ما لم يعودا إلى الاتحاد والاتساق والتناغم.

حتى على صعيد الدين بوصفه أحد مجالات الروح الإنساني وأهم مجالات العاطفة الإنسانية يبدو التاريخ في أحد وجوهه تاريخ استعادة الإنسان الله في ذاته؛ وقد عبر هيغل عن ذلك أعمق تعبير في كتابه الشهير "حياة سيوع": الله يتأنسن باطراد، والإنسان يتأله باطراد وصولاً إلى وحدة الإنسان والله. وقد بدأت هذه السيرورة في التاريخ الحديث بالإصلاح اللوثري الذي حذف الوساطة بين الإنسان والله (إلغاء الإكليروس). وقبل ذلك بكثير حذف الإسلام الوساطة بين الإنسان والله، وعبر التصوف الإسلامي عن إمكانية وحدة الإنسان والله. أو اتحاد الروح الإنساني بذاته واتحاد العقل الإنساني بذاته. ذلك لأن الروح الذي يسري في الدين هو الروح الإنساني فحسب.

لا شك أن المجتمع المدني هو منظومة الحاجات وميدان التاريخ، كما وصفه هيغل، وقانونه العشوائية والفوضى، كما وصفه ماركس، وهو ميدان الضرورة، وميدان عدم المساواة، ميدان التفاوت الاجتماعي والاستغلال والظلم إلخ، ولكنه يحمل إمكانية النمو إلى مجتمع مؤنسن أو إلى جماعة إنسانية، وكذلك الدولة التي ينتجها هذا المجتمع موسومة بسمات الطبقة الاجتماعية السائدة مالكة الثروة والسلطة والقوة، ولكنها أيضاً تحمل إمكانات النمو والتطور إلى دولة ديمقراطية وهذه الدولة الديمقراطية هي الرافعة الضرورية لنمو المجتمع المدني وتطوره إلى مجتمع مؤنسن، بقدر ما تتعمق فيها الحريات العامة ولا سيما الحريات السياسية وبقدر ما تتعمق فيها المساواة وتغدو مبدأها وحقيقتها، وبقدر ما تشمل المساواة مجالات اجتماعية وسياسية أكثر فأكثر، أي بقدر ما تحد من التفاوت الاجتماعي في الثروة والقوة والسلطة وصولاً إلى المساواة في جميع المجالات، أي وصولاً إلى جعل الملكية ملكية اجتماعية حقاً وفعلاً، ومن ثم، فهي الرافعة لإلغاء المجتمع المدني أو لنفيه جدلياً، ومن ثم نفي الدولة ذاتها، أي استعادة المجتمع وظائفه منها تباعاً، لأن وظائف الدولة هي وظائف اجتماعية بحصر المعنى. فتغدو الديمقراطية محتوى التنظيم الاجتماعي وشكله في الوقت ذاته. الديمقراطية هنا هي وحدة الشكل والمضمون، وعودة جميع التحديدات الذاتية إلى الذات التي أنتجتها، وذلكلم هو حذف الاستلاب.

الديمقراطية وحدها تضع البشرية على طريق حذف الاستلاب، ولذلك كانت متناقضة مع الاستبداد على طول الخط. وكان الاستبداد هو الاستلاب الناجز.

إن قيمة هذا التأسيس الفلسفي للاغتراب تكمن في تأسيس المسألة الديمقراطية ومن ثم تأسيس أي مشروع للتقدم الاجتماعي على مبدأ الإنسان، ونقد التقدم دوماً بدلالة هذا المبدأ.