أسس العلمانية في الخطاب النهضوي

 

جاد الكريم جباعي

يندرج الفكر العربي النهضوي في الزمانية العالمية لمشروع الحداثة الذي انطلق في الغرب، وفرض على الشعوب غير الأوربية نوعاً من مثاقفة قسرية، هي، بالأحرى، مثاقفة القوي والضعيف، المتقدم والمتأخر، المستعمِر والمستعمَر، أملتها حاجة هذه الشعوب إلى التقدم وشعورها بالدونية إزاء "الغرب" المتفوق الذي كان البحث عن سر تفوقه مما شغل المثقفين والسياسيين. وقد تجلى مشروع الحداثة هذا في عملية التوسع الرأسمالي، بما انطوت عليه من غلبة الروح الفردي والمنطق النفعي، بوجه خاص؛ العملية التي قلبت صيغة العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، فجعلت الثانية (السياسة) تابعة للأول (الاقتصاد) تبعية مباشرة، أي جعلت السياسة في خدمة مالكي الثروة ورأس المال، وقدمت "القوانين" الاقتصادية على أنها ضرب من قوانين طبيعية لا حيلة للبشر إزاءها وليس بإمكانهم السيطرة عليها. وفكت الروابط الضرورية بين الفكر والأخلاق والسياسة. وكانت التنظيمات العثمانية وإصلاحات محمد علي باشا وخير الدين التونسي، وغيرها، من الأصداء العالمية لهذا المشروع الذي مهدت له اختراقات سياسية واقتصادية وثقافية لدولة هرمة كانت قد كفت عن النمو والتقدم، أو لإمبراطورية غدت عاجزة عن نهب الخارج، فاتجهت إلى نهب الداخل واستنزاف قوته. ولسوف تنتج تلك الاختراقات ما درج الباحثون على تسميته بالمسألة الشرقية، فضلاً عن تفكيك البنى والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التقليدية ذات الطابع المملوكي ـ العثماني. وما أشبه الأمس باليوم. فمفهوم النهضة يفترض مفهوم الانحطاط الذي يعني تخثر التاريخ الداخلي ونكوص المجتمع والدولة إلى أسوأ ما في تاريخهما. إذ لم تعد وحدة "المجتمع" ووحدة الدولة سوى ظل باهت تجري تحته عملية تفسخ وتفكك بات من الصعب وقفها أو السيطرة عليها، كما هي حالنا اليوم إزاء ما يسمى العولمة الرأسمالية، وأيديولوجيتها الليبرالية الجديدة. وما يلفت النظر أن التنظيمات العثمانية كانت تهدف، في المقام الأول، إلى "تحديث الدولة" (لا تحديث المجتمع وتحديث الوعي والفكر والثقافة)، واكتساب ضرب من "عقلانية إدارية" غير مستندة إلى أسس نظرية وسياسية واجتماعية واضحة. بل ربما كانت وسيلة لإعادة إنتاج سياسات تسلطية اتخذت من بعض الأفكار الوضعية، "كالهندسة الاجتماعية"، متكأ لسيطرة مركزية على عملية التحول التي فرضتها تلك الاختراقات على مجتمعات فقدت طاقتها ولم يعد بوسعها سوى التكيف السلبي مع سيطرة الدولة، في الحدود التي كانت تستطيع الدولة الوصول إليها، ومع إملاءات الخارج، وإلزامات منطق التوسع الرأسمالي. ومن هنا كان الفكر النهضوي تعبيراً عن محاولات التكيف مع عملية تحديث الدولة وفق صورة ذهنية لدولة علمانية عصرية تلوح من بعيد، دولة تكمن قوتها في اعتمادها على العلم الذي غدا في نظر المثقفين والسياسيين أساساً للتنظيمات الاجتماعية والسياسية ومرجعية دنيوية للسيادة والشرعية راحت تنازع المرجعية الرمزية التي مصدرها الدين. فكان الخطاب العلماني نتاج إلحاح هذه الحاجة واستيحاء ذلك النموذج، في نطاق ما يمكن تسميته بعقدة الهوية التي عبر عنها توكيد الانتماء إلى أيديولوجية إسلامية قادرة على إعادة صوغ مرجعيتها الرمزية وفق معطيات العصر وإيقاع الزمانية العالمية. من دون أن ننسى آثار التعارض المزمن الذي استمر طوال الحقبتين المملوكية والعثمانية بين "أهل القلم" و"أهل السيف"، وكأن تفكك النظام الإقطاعي قد آذن بانتصار أهل القلم على أهل السيف.

 وليس بإمكاننا الكشف عن مضامين الخطاب العلماني والوصول إلى بنيته العميقة إذا ما قصرنا الحديث على التيار العلماني النقي الذي مثله شبلي الشميل وفرح أنطون وسلامة موسى وغيرهم، دون تيار الإصلاح الإسلامي ممثلاً بمدرسة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. فالباحث يعتقد أن ثمة بنية مشتركة للخطاب العلماني لهذين التيارين قوامها يقينية "علمية" لدى الأول ويقينية "دينية" لدى الثاني. ولما كانت الصفة لا تستنفد الموصوف، فإن اليقينية المطلقة هي القاسم المشترك بينهما. غير أن ما تجدر ملاحظته هو اندراج الفكر العربي في العهد الليبرالي، كما وصفه ألبرت حوراني، في الثقافة الكونية الحديثة التي صاغها الغرب، وهيمنت عليها الوضعية الإيجابية، ومن ثم، "المذهب الوضعي" في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. إذ الوضعية الصائرة مذهباً هي منطق التوسع الرأسمالي، والليبرالية هي تتمته المثالية وقناعه الأيديولوجي؛ لذلك كان من البديهي أن يفرض منطق التوسع الرأسمالي نفسه في مجتمعات لا تستطيع الليبرالية فيها منافسة الأيديولوجية التقليدية السائدة، على الرغم من تأخر هذه الأيديولوجية عن حقائق العصر الحديث وعلومه ومناهجه وثقافته، وعن ممارسة المجتمع الذي يتبناها أيضاً. ولعل التطورية المتفائلة التي اقترنت بالوضعية والداروينية كانت من أبرز مضامينها التي لقفها مفكرو عصر النهضة من العرب. ويظل السؤال عن الأسباب التي حدت بهم إلى الأخذ بهذه المضامين دون غيرها قائماً. وربما كان "اللاهوت الباحث عن التعقل" والساعي إلى دمج الأسس العلمية في منظومته الرمزية وإعادة إنتاج كل منهما بدلالة الأخرى؛ لإكساب الأولى طابعاً لاهوتياً والثانية مضموناً علمياً، هو من أهم هذه الأسباب. فبمثل هذه العملية يجري إنقاذ اللاهوت بتشميله جميع حقائق الوجود المادي التي يمكن أن يكشف عنها العلم، والتكيف مع معطيات الحداثة، تكيفاً سلبياً بالطبع، وتوكيد وحدة الروحي والزمني وتماثل العقل والإيمان ووحدة العلم والدين. حتى ليغدو العقل مرشداً إلى الإيمان، والإيمان ضامناً لاستقامة العقل وحرزه من غوائل الشطط والانحراف، ويغدو الدين موئلاً لجميع العلوم، ومنجزات العلوم براهين على حقائق الدين. فقد تبنى محمد عبده، كما تبنى شبلي الشميل المخطط الكوني لتطور المجتمعات من الحالة الطبيعية إلى الحالة الاجتماعية ثم إلى الحالة السياسية. يقول محمد عبده: "فالمرء يوجد ساذجاً فطرياً يلتمس الغذاء والمبيت وسائر الحاجات الطبيعية مما تصل يد إمكانه إليه، ثم يدفعه الحرص على الذات إلى حفظ النوع وتلجئه كثرة الحاجات إلى طلب الإعانة، فيتألف ويجتمع ويصير مدنياً. ثم يتقدم في هذه المرتبة فينظر في شؤون نفسه ويهتم بأحوال جنسه، فيصير سياسياً، وهو الإنسان المدني الكامل الحقوق والواجبات". هذا التطور الخطي الصاعد من الأدنى إلى الأعلى لا يقتصر على المجتمعات بل يشمل الثقافة والتربية والأديان التي يواكب تطورها التطور الاجتماعي والحضاري ، "إذ تتماشى السلطة القاهرة المستبدة مع الدور البدائي للإنسان، وتؤدي صورة السلطة والخوف من الموت بالمخيلة إلى تقديس الأصنام القائمة على الحس والمرتهنة به وعبادتها، ثم يتطور الإنسان إلى دور النبوة التي تأتي عندما تبلغ البشرية من النضج العقلي ما يقويها على التعرف إلى المصالح والمضار. وأخيراً يستأنف الناس في المرحلة الثالثة حقيقة النبوة التي أضاعوها "باتباع خطوات شيطان الرئاسة والانقياد لغوايات السياسة".  وقد تأثر عبده في ذلك بالفيلسوف التطوري هربرت سبنسر الذي ترجم له كتاباً في التربية، ولم ينشره. و اقترنت فكرة التطور هذه بفكرة تنازع البقاء والبقاء للأصلح التي نسبت إلى داروين، والأصلح هو الأقوى. وليس من المستهجن أن تعزز هذه النزعة التطورية التي لم تفلح في تغيير زاوية النظر إلى العالم وإلى التاريخ النواة الصلبة للأيديولوجية التقليدية، ما دام التطور قد أفضى إلى الحالة السياسية على صعيد الاجتماع، وإلى النبوة على صعيد الدين، وهما سفحان لذروة واحدة مثالها دولة النبي وخلفائه الراشدين، الدولة "الإسلامية" التي امتزجت فيها الفضائل والمنافع العامة، وهي الأساس الراسخ للحياة السياسية.

تتجاور، في هذه الرؤية، التطوريةُ المتفائلة والأيديولوجيةُ الدينية التي ما تزال معيار الأصالة، وفي منطقها لا يكون نهوض إلا بالرجوع إلى مكامن القوة والاسترشاد بماضي الأمة، وإعادة إنتاج النموذج "الإسلامي" أو الإسلام النموذجي الضامن الوحيد لوحدة الأمة واجتماع كلمتها. ذلك "أن الذي يحكم به العقل الصريح ويشهد به سير الاجتماع الإنساني من يوم علم تاريخه إلى اليوم أن الأمم الكبيرة إذا عراها ضعف لافتراق الكلمة أو غفلة من عاقبة لا تحمد، أو ركون على راحة لا تدوم، أو افتتان بنعيم يزول، ثم صالت عليها قوة أجنبية أزعجتها ونبهتها بعض التنبيه، فإذا توالت عليها وخزات الحوادث وأقلقها آلامها، فزعت إلى استيفاء الموجود ورد المفقود، ولم تجد بداً من طلب النجاة من أي سبيل، وعند ذلك تحس بقوتها الحقيقية، وهي ما تكون إلا بالتئام والتحام آحادها. وأن الإلهام الإلهي والإحساس الفطري والتعليم الشرعي ترشدها إلى أن لا حاجة بها إلى ما وراء هذا الاتحاد وهو أيسر شيء عليها" . فعلى الرغم من أن أسباب الضعف دنيوية وموضوعية ولا يمكن تدارك نتائجها إلا بوحدة الجماعة والتئامها واجتماع كلمتها، غير أن مكامن قوة الذات ومنعتها تكمن في الإلهام الإلهي والإحساس الفطري والتعليم الشرعي.

وقد أدت هذه الازدواجية إلى إنتاج نوعين من المثقف والسياسي يندرج أحدهما في "الحزب المدني"  والثاتي في "الحزب الديني" الذي انتهى إلى السلفية على يدي رشيد رضا وأتباعه. فقد "جاءت الإصلاحية الإسلامية بتوسلها الإسلام عَلَماً على مقاومة الغرب واستبداد كبار الموظفين ونواقص التنظيمات وعدم اكتمالها، "أيديولوجية موقع محاصر": موقع لا يسعه إلا أن يبارك المشروع التنظيماتي، ولكنه غير مستعد لقبول نتائجه السياسية، ويرفض نتائجه الاجتماعية، وأهمها تهميش الفئات القائمة على هذه الأيديولوجية، أو منعها من مواقع السلطة والمشاركة في السيطرة التنظيماتية". وقد حكمت أيديولوجية الموقع المحاصر هذه موقف المثقفين العرب من الحداثة فيما بعد.

يشبه بعض الباحثين إصلاح محمد عبده بإصلاح لوثر البروتستنتي الذي حطم الإيمان بالسلطة الدينية، بإعادته السلطة إلى الإيمان الديني، وافترض نوعاً من المساوقة والاتفاق بين الإيمان والعقل، على الرغم من تأكيده استقلال كل منهما بقواعده الخاصة. فالنعمة الإلهية والروح القدس، عند لوثر، "يعلمان القيام بأعمال حسنة في جميع الميادين، عن طريق الاستعمال الشرعي والحقيقي للأشياء، وهما يعلمان أيضاً اتباع الفلسفة الجيدة بالاستخدام الشرعي والحقيقي للعقل، أي إنهما لا يفرضان على العقل قواعد غريبة عنه كقواعد الوحي والإيمان مثلاً، بل يدفعانه إلى أن يكون أميناً أمانة كاملة لنفسه وقواعده الخاصة" .فعلى اللاهوت أن يحترم استقلال العقل الذي لا يأخذ أساسه من يسوع المسيح. والعقل هو أساس التنظيم الاجتماعي وأساس الدولة. كذلك الشيخ محمد عبده الذي رأى أن في الدين أصولاً "عبادية اعتقادية وأخرى دنيوية عقلية، ودعا إلى تحصيل الإيمان بالعقل، وتقديم العقل على ظاهر الشرع عند تعارضهما، وإلى الابتعاد عن التكفير والاعتبار بسنن الله، أي بقوانين الطبيعة والمجتمع" . وكان قد قرر في "رسالة التوحيد" أولوية العقل على التبليغ، مستعيداً بذلك تقليداً معتزلياً شهيراً. لقد أقامت الإصلاحية الإسلامية مساوقة بين "الإسلام الصحيح والعقل" وبين العقل الوضعي والحداثة، "فأصبح من الممكن في هذا الوضع "القبلي" القائم دونما اختبار أن تقوم المماهاة بين الإسلام والحداثة بعامة، وأن يفترض الإسلام أساساً لمدنية سوية لا تتميز عن المدنية العلمانية الحديثة، وهي النموذج العملي، إلا تمييزاً قيمياً" . وعلى هذا الأساس "أعادت الإصلاحية الإسلامية الاعتبار إلى المرجعية الإسلامية التي أعيد تأويلها على أسس استفادت من تجربة التنظيمات وأهدافها، تأويلاً حاول المماهاة بين هذه المرجعية وبين مرجعية العصر الفعلية... فكان الإسلام النفعي التابع للتأويل العلماني بالفعل أو بالقوة، دون اللفظ، مضموناً للإسلام المعياري المطلق الذي وضعته الإصلاحية الإسلامية مرجعاً لها؛ فكان علامة على صحة انتماء ملّي ـ سياسي فعلي في وضع شديد التعيين هو أواخر الدولة العثمانية من جهة، وإمارة على صحة وسوية أمور جديدة ومستحدثة من جهة أخرى" . وتجلت هذه المماهاة بين الإسلام ومرجعية العصر الحديث في مماهاة القانون بالشريعة والديمقراطية بالشورى. فما من شك في أن الفكر النهضوي ارتبط بمشروع سياسي قوامه الدولة الدستورية أو الحكم المقيد بالقانون. بيد أن خطاب الدستورية والقانون و"سنن الطبيعة" لم يكن خطاباً جمهورياً، أو ديمقراطياً، بل دعوة إلى حكم ملكي أو خلافي تكفل فيه الحقوق بدستور يحيل على الشورى. وكانت "تجربة المدينة والعهد الراشدي المثال الذي تطلعوا إلى استعادته أو النسج على منواله، وأحالوا عليه أسس الحكم العادل والدولة التي تحقق المنافع العامة. وعلى هذا النحو من التأويل كان يجري "إنقاذ النص المقدس من النظر التاريخي واعتباراته، على هيئة مثاقفة كونية له تدرج ما جاء فيه أو بعضه في سجل المعرفة العلمانية الأصل والمرجع، القائمة على إعمال العقل" ، تلك المعرفة التي كانت علماً على حداثة كونية تحمل شحنة من الإلزام العقلي والثقافي لم يعد بوسع العقل الديني ردها أو ممانعتها. بيد أن مفهوم "سنن الطبيعة" كان حاسماً في دلالته على استقلال الدنيا عن الدين بقوانين وضوابط خاصة بها، وإن قرنت أحياناً بالعناية الإلهية. وبات مألوفاً وشائعاً القول: إن الدين لا يمكن أن يأتي بما يمتنع عقلاً.

إزاء العلمانية الضمنية والملتبسة، في مدرسة محمد عبده، قام "تيار علماني نقي" أو علمانية شاملة انقطعت عن الأيديولوجية السائدة وتبنت صراحة بعض مضامين الثقافة الغربية، أعني: الوضعية الإيجابية، والداروينية الاجتماعية، والتطورية المتفائلة. وتشترك العلمانية الضمنية والعلمانية الصريحة في افتراض التعارض والتضاد بين الإيمان والعقل ومن ثم بين الدين والعلم، وفي النظر إلى العقل من زاوية العلم الوضعي أو ما سماه هيغل "دائرة الفهم"، وفي ارتباطهما معاً بالمشروع السياسي للتنظيمات العثمانية وإصلاحات محمد علي، وبنموذج الدولة الحديثة في الغرب. وتختلفان في إمكانية التوفيق بين الدين والعلم، أو عدمها. ففي حين ذهب التيار الأول إلى التوفيق بين الإيمان والعقل وبين العلم والدين، فجعل من العلم بوصفه عَلَماً على الحداثة الكونية مضموناً لـ "الإسلام"، ومن القرآن مرجعاً للمصطلحات العلمية والأفكار الحديثة ذات الأساس الدنيوي، ذهب التيار الثاني إلى عدم إمكانية التوفيق، ودعا إلى حصر الدين في دائرة الحياة الفردية مؤكداً بواعثة النفسية وأسسه الأنتولوجية أو الوجودية التي كثيراً ما نهل منها التيار الأول. ولعل شبلي الشميل ثم سلامة موسى من أبرز ممثلي هذا التيار العلماني الصريح.

تأثر الشميل بالداروينية بمعناها الأعم الذي تبنته المادية الوضعية المقترنة بأسماء بوخنر وموليشوت ودوهرنغ. وكان يرى أن "الإنسان طبيعي، هو وكل ما فيه مكتسب من الطبيعة. وهذه الحقيقة لم يبق سبيل للريب فيها اليوم، ولو أصر على إنكارها من لا يزال مفعول التعاليم القديمة راسخاً في ذهنه رسوخ النقش في الحجر. فالإنسان يتصل اتصالاً شديداً بعالم الحس والشهادة، وليس في تركيبه شيء يدل على اتصاله بعالم الروح والغيب. فإن جميع المواد المؤلف منها موجودة في الطبيعة، وجميع القوى التي فيه تعمل على حكم قوى الطبيعة. فهو كالحيوان فيزيولوجياً، وكالجماد كيمياوياً، والفرق بينه وبينهما فقط بالكمية لا الكيفية، والصورة لا الماهية، والعرض لا الجوهر".  ينم هذا النص بوضوح على تعارض الدين والعلم، وعدم إمكانية التوفيق بينهما، فليس للإنسان في نظره من شرائع منزلة إلا ما أنزل جهله عليه من الخرافات والأوهام. فشرائع الإنسان من صنع الإنسان وهي تابعة لحاله من الانحطاط والارتقاء. والدين عنده "شعور بالخوف من الأشياء الطبيعية التي رأى الإنسان أن لها تأثيراً أو سلطاناً عليه، فتذلل لها، ثم جعل الإنسان هذه القوى روحاً، وجعل الروح إلهاً...ثم تصور إلهه كنفسه يغضب لما يغضبه فقرب له القرابين وتزلف إليه بالشعائر والمناسك وحلل وحرم، ثم تأصل فيه هذا الميل بحكم الوراثة الطبيعية وانتقل هذا الاعتقاد في نسله بحكم التقليد، ثم ترقى الدين من أصوله الهمجية التي لا تزال آثارها ماثلة في زيارة الأولياء فاشتمل على نظم اجتماعية لردع الأقوياء، حتى انقلب إلى عكس ذلك من تسلط، وهو حجر على العقول،  على الرغم من تفوق الأديان السماوية وعظمة أنبيائها موسى وعيسى ومحمد. هذه النظرة التطورية ذات الأسس المادية تحكم جميع ميادين اللغة والثقافة والاجتماع والشرائع وأنظمة الحكم، فضلاً عن ترقي الإنسان ذاته، حتى لتبدو القوانين الطبيعية واحدة في جوهرها وعملها في هذه الميادين، فتحولت التطورية الداروينية إلى نموذج شامل يستنفد مملكة العقل. في ضوء هذه الرؤية يبدو من البديهي فصل الدين عن الدنيا، ولا سيما عن الدولة؛ فالدولة الدينية هي "دولة الضعفاء والجبناء والكسالى في الأمة"، كما يصفها فرح أنطون الذي ربط الطابع الديني للدولة بالاستبداد والنزاعات الطائفية. وأكد في حواره الشهير مع الشيخ محمد عبده أن " اقتران السلطة المدنية بالسلطة الدينية في تاريخ الإسلام جعل التسامح الديني أصعب منه في المسيحية التي انتهت إلى الفصل بين السلطتين فصلاً بديعاً مهد للعالم سبيل الحضارة الحقيقية والتمدن الحقيقي".

وللعمران والتمدن بالتعبير الخلدوني الذي يفضله الشميل وأنطون ورصفاؤهم من العلمانيين أولوية على الأفراد، وهي أولوية تستتبع جعل الضمير الفردي محكاً للتدين، فلا يكون مجال للقوة في الدعوة إلى نفي الديانات أو فرضها، بل يستتبع حرية لا تكره على الإيمان أو عدمه، ولا تقمع الفكر ولا تعارض الأفكار التي قد لا تناسبها. فليس العلم بمعلم إلحادي بل هو مجرد مبين للحقيقة. وأما الحقيقة التي يبينها العقل الحر فهي تقوي من عزم الإنسان على الطبيعة وتسخيرها، وتدله عقلاً على حقوقه وواجباته، وتشير بتغير الشرائع مع تغير الزمان. ومن ثم يكون اتحاد الأفراد على أساس المواطنة لا على أساس النحلة والمذهب والدين لمجاراة تيار التمدن الأوربي الحديث ومزاحمة أهله.