أزمة الماركسية في الوطن العربي

إشكالية المنهج

 

   أزمة الفكر السياسي العربي محصلة نهائية للأوضاع العربية الراهنة وللواقع العربي الراهن بثلاثة أبعاده: التاريخي والعالمي والمنطقي، بوجه عام، وللأزمة الخاصة بكل من تياراته الأساسية: التيار الديني و التيار القومي و التيار الماركسي، بوجه خاص. فالتيار الديني الذي يتوفر على أقصى حد من الانسجام و التناغم بين المنهج والأيديولوجية تكمن أزمته، ومأساته، في كونه يعيش زمناً غير زمنه، وفي عالم لم يعد عالمه. وبنيته الفكرية و نظامه المعرفي هما نقطتا تقاطعه مع كل من التيارين الآخرين: القومي و الماركسي،فجميع هذه التيارات تقوم على قاعدة معرفية مشتركة أضفت التباينات  والتعارضات الاجتماعية على كل منها طابعا خاصا، هو بالأحرى طابع أيديولوجي، وهذا ما يكشف عن أبرز تظاهرات التأخر التاريخي العربي من جهة،ويفسر الانتقال السهل من تيار إلى آخر، من جهة ثانية.

والتيار القومي، بشقيه: التقليدي، و التقليدي الجديد الرومانسي، تكمن جذور أزمته في افتقاره إلى المنهج، و لجوئه إلى ضرب من الانتقاء، و التوفيق و التلفيق أورثت الوعي السياسي تشوشاً و ارتباكاً  و ضبابية و غموضاً،وجعلته يتأرجح بين الثورية الرومانسية على الصعيد السياسي والمحافظة والتقليد على الصعيد الاجتماعي والمثالية على الصعيد المعرفي. و يصبح مفهوماُ في هذه الشروط تحول الثورية الرومانسية إلى انتهازية سياسية وواقعية استسلامية ذليلة.

 أما التيار الماركسي، والأصح، التيار الذي ينسب  نفسه إلى الماركسية، فتكمن جذور أزمته في التخارج، والتنابذ بين منهجه وأيديولوجيته، وافتقاره إلى الاتساق والتناغم مع حركة الواقع وميوله وقوانين تطوره؛ إذ الأيديولوجية ثورجية ومادوية وطبقوية، والمنهج محافظ ومثالي، بالمعنى السيئ للكلمة.

وإذا كان التياران الديني و القومي  يخوضان آخر حروبهما، وهذا ما يفسر ضراوة الحرب و شدة الهجمات على المكتسبات الحديثة، و بات من المستحيل توافق الأول مع العصر الحديث وحقائقه الكبرى، وانتقال الثاني إلى رحاب هذا العصر ما لم يمتلك وعياً علمانياً و ديمقراطياً، ثورياً و حديثاً، تاريخياً وكونياً في آن ؛ فإن الرهان معقود على الماركسية بوصفها فلسفة نقدية،واقعية، ومن ثم  ثورية، وبوصفها ذروة العقلانية الحديثة والمعاصرة،وعلى التيار الماركسي المدعو إلى تجاوز أزمته المشار إليها أعلاه أولاً، والإسهام في تجاوز أزمة الفكر السياسي العربي، بوصفها أزمته الخاصة، ثانياً. وإذا كان التوتر و التنابذ بين الأيديولوجي والواقعي أمراً طبيعياً، قائماً ومستمراً، بسبب الفروق الملازمة والضرورية بين الذات و الموضوع،فإن المنهج المادي الجدلي التاريخي،والممارسة الخلاقة، هما ضمانة الوعي المطابق الذي هو بالأحرى عملية مقاربة مستمرة لواقع جدلي متحرك و متغير باستمرار.

انزواء الماركسية على هامش المجتمع العربي، وانحصارها في كسور الأمة وعجزها عن التقاط ميول الواقع العربي  وممكناته وتناقضاته وقوانين تطوره الموضوعية وازورارها عن مشكلاته الأساسية: التأخر التاريخي ونقص الاندماج القومي والتجزئة القومية والهيمنة الامبريالية والاحتلال الاستيطاني الصهيوني ؛وازورارها، من ثم، عن العقلانية والعلمانية والديمقراطية والإنسية أو الإنسانوية  وعن المسألة القومية ؛ وعجزها عن القيام بالدور الذي لا تستطيع قوة غير ماركسية، أي غير واقعية أن تقوم به في عصر الإمبريالية، والوضع الذي آلت إليه الأحزاب الشيوعية، تجسيدها السياسي  في الوطن العربي ؛ ذلك كله وغيره يعكس حزمة من التظاهرات الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية والمعرفية يطلق عليها جميعاً أزمة الماركسية في الوطن العربي.

المجتمع والدولة وجميع مستويات الواقع لتعرفه والوقوف على ممكناته وتقدير اتجاهات تطوره. العامل الذاتي الذي له هذه الأهمية الاستثنائية، وهذا الدور الحاسم. ليس شيئاً مقطوع الصلات بالعوامل والشروط الموضوعية، ولا هو مستقل عنها تماماً، ولايتوفر على قوى سحرية خارقة، إنه قوة تتكون في الواقع الموضوعي ومعه، سيرورة تكونها جدلية وتاريخية: انتقال من التشظي و التناثر إلى الوحدة ومن المزاحمة و التنافس والتناحر إلى التعاضد والتضامن ومن الانفصال إلى الاندماج والتواصل ومن الاختلاط والتداخل إلى التمايز والاستقلال النسبي، ومن الانفعال إلى الفعل، من الصورة الجنينية إلى الصورة الواعية، ومن الوعي الأيديولوجي إلى الوعي الواقعي.

كثيرة هي تظاهرات أزمة الماركسية "العربية " إلا أن النقطة التي تتركز فيها الأزمة، وتنطلق منها، النسق الذي يولد سائر المشكلات والتظاهرات، هي المنهج.

 يقيناً إن لأزمة  الماركسية في الوطن العربي أسباباً موضوعية تتعلق بمستوى التطور الذي بلغه المجتمع العربي حين وفدت إليه الماركسية الستالينية عن طريق الخواجات، ولا سيما العلاقات الاجتماعية وعلاقات الإنتاج ومستوى تطور القوى المنتجة ووسائل الإنتاج ودرجة التنظيم الاجتماعي وأشكال الوعي الاجتماعي والبنى السياسية والحقوقية والثقافية المقابلة لها، ومن ثم وتائر الصراع الاجتماعي السياسي ومفاعيل توسع الرأسمالية التجارية والكولونيالية ثم الإمبريالية، إلا أن العامل الحاسم في نشوء الأزمة وتفاقمها هو بالأحرى عامل ذاتي يتعلق بالماركسية العربية ذاتها كما تجلت في المنتسبين إليها، أي يتعلق بالوعي، لا سيما بوعي الدور الذي على الماركسية أن تقوم به في مجتمع متأخر تابع ومستباح وأمة تعاني استلاباً قومياً مضاعفاً، أي تعاني من التجزئة ومن احتلال جزء من أراضيها، ومجتمع لا يعاني من الرأسمالية، بل من نقص التطور الرأسمالي، وأمة يسيطر ماضيها على حاضرها وأمواتها على أحيائها.

 الأوضاع العربية الراهنة  أوضاع ثورية، والثورة محتجزة وملجومة بسبب قصور العامل الذاتي الضروري لإطلاقها،  فلا بد من إطلاق حركة نقدية تخترق سائر بنيات المجتمع كما سبقت الإشارة تفارق، وتناقض، وتخارج بين المنهج والأيديولوجيا المنسوبين إلى الماركسية , وبالتالي فثمة  ماركسية، وتصور ما عن الماركسية وثمة  ستالينية. النقد الأيديولوجي للثانية لا يعدو كونه معارضة الكلام بالكلام في دائرة السجال الأيديولوجي التي تضيع فيها معظم المحاولات النقدية، والمجابهات بين تيارات تنسب نفسها جميعاُ إلى الماركسية. النقد الجذري  المسلح بأدوات مناسبة ينبغي أن يتجه إلى الإشكالية المركزية، إلى نسق توليد المشكلات، إلى المنهج. هذه المحاولة لا تستطيع أن تدعي لنفسها أكثر من الإسهام في طرح المشكلة.

القطيعة المعرفية مع التقليد

هل القطيعة المعرفية مع التقليد ضرورية ؟

هل حاولت الماركسية الستالينية في الوطن العربي تحقيق قطيعة معرفية مع التقليد ؟ السؤال الأول يدفعنا إلى تتبع مواقف مؤسسي الماركسية ؛ ماركس وإنجلز من الفلسفة المثالية بشقيها المثالية الذاتية والمثالية الموضوعية، ومن الديالكتيك، الإنجاز العبقري الهيغلي بامتياز، ومن المادية الميكانيكية و المادية البسيطة أو الساذجة، ومن الاقتصاد السياسي الإنجليزي، والاشتراكية الفرنسية الطوباوية، اشتراكية البرجوازية الصغيرة، ومن الرومنسية الثورية، والثورية الرومنسية، ومن الأيديولوجيا الألمانية، هذا التتبع يقودنا إلى عدد من النتائج المهمة: 

أ‌-        إن سيرورة تكون الماركسية هي سيرورة إنجاز القطيعة المعرفية مع كل ما سبقت الإشارة إليه.( من الهيغلية_ إلى القطيعة مع مثالية هيغل الموضوعية تحت راية فويرباخ و جوهر المسيحية ومبادئ فلسفة المستقبل، إلى تجاوز مادية فويرباخ وإلحاده، من المادية إلى التصور المادياني للعالم وللتاريخ، ومن الاقتصاد السياسي الكلاسيكي إلى نقد الاقتصاد السياسي)

ب‌-      في هذه السيرورة تكونت الماركسية فلسفة نقدية نزعت صفة القداسة و العصمة عن كل ما هو موجود. فالنقد معرفة مثلما المعرفة الحقة، المتجاوزة ذاتها باستمرار، نقد.

ت‌-      وبذلك كانت  التخطي الجدلي لكل ما سبقها، و التخطي الجدلي تمثل وتجاوز , وغدت، بلا منازع، ذروة العقلانية الحديثة. فبتجاوزها الجدلي لليبرالية منحت العقلانية والإنسانية والعلمانية والديمقراطية و الحداثة مضموناُ أغنى وأكثر ثورية.

ث‌-      ولعل الأهم هو نقد الماركسية للمادية المبتذلة بما هي مادية ميكانيكية غير جدلية وغير تاريخية، تفهم "جوهر الإنسان " على نحو تجريدي وليس بوصفه مجموع علاقاته الاجتماعية، ولا تقيم وزناً للممارسة الحية و النشاط العملي  للبشر.لذلك فإن الإنجاز الأهم للماركسية هو بناء التصور المادي للعالم وللتاريخ وإعادة صوغ الديالكتيك في ضوء هذا التصور.

قال ماركس معرفاً منهجه أو طريقته، مقارنة بطريقة  هيغل: "إن طريقتي الديالكتيكية من حيث أساسها لا تختلف عن طريقة هيغل وحسب، بل وتناقضها بصورة مباشرة. وبالنسبة إلى هيغل فإن عملية التفكير التي يحولها تحت اسم الفكرة إلى ذات مستقلة هي ديميورغ ( خالق مبدع ) الواقع الذي لا يشكل سوى مجرد مظهر لتجليها الخارجي. أما عندي فعلى العكس، فالمثالي ما هو إلا مادي منقول إلى رأس الإنسان ومحول فيه ". / رأس المال ك1 ج1 ص28 / إذاً تنطلق القطيعة المعرفية من المسألة الأساسية في الفلسفة، مسألة علاقة الفكر بالواقع، علاقة الوعي بالوجود وأيهما أسبق. ثمة إذاً الواقع وحركته والفكر وحركته، وعلاقة ما  بينهما. المادية الجدلية التاريخية تنطلق من أسبقية الوجود على الوعي أولاً. فالوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي الاجتماعي ويخلقه، ومن وحدة الوجود والوعي الجدلية وتحول أحدهما إلى الآخر باستمرار وإلى ما لا نهاية ثانياً، أي إنها تنطلق من  وحدة المثالي ( ideal ) والواقعي أو المادي وتحول أحدهما إلى الآخر بالضرورة. وهذا ما لا تدركه، بل تنكره الماركسية الستالينية العربية. إنه من دون وحدة المثالي والواقعي وإمكان تحول أحدهما إلى الآخر لا يمكن فهم الديالكتيك وقانونه الأساسي: وحدة وصراع الأضداد. ماركس وهيغل كلاهما يقولان بوحدة الفكر والوجود الجدلية، ولكن من زاويتين متباينتين ومتناقضتين: عند هيغل الفكر، الروح، يخلق الواقع. فالواقع ليس سوى مظهر تجلي الروح. عند ماركس الواقع يخلق الفكر، الفكر انعكاس للواقع في ذهن الإنسان ومحول فيه. هذا الفكر نتاج الدماغ الإنساني والإنسان نتاج الطبيعة، فنتاجات الدماغ هي في التحليل الأخير نتاجات الطبيعة، لذلك لا تناقض الطبيعة بل تنسجم معها أيّ انسجام. إن قوانين الفكر هي قوانين الواقع وقوانين العالم. عند ماركس وإنجلز الواقع يخلق الفكر،كل واقع محدد تاريخياً يخلق فكره. والفكر أيضاً في علاقته الجدلية بالواقع يسهم في تغير الواقع بل يخلقه أيضاً. الأفكار تتحول إلى قوة مادية بوساطة العمل أولاً وعندما تستحوذ على اهتمام الناس بها ثانياً. من هذه "المسألة الأساسية" تنطلق القطيعة المعرفية مع المثالية (idealism ) أو المذهب المثالي على اختلاف تلاوينها ومع المادية المبتذلة أيضاً. لا يكفي أن نقول: المادة أسبق من الفكر لنكون ماديين جدليين. عند هذا المستوى البسيط الساذج يمكن أن نكون ماديين فحسب أو مادويين. ينبغي أن ندرك العلاقة الجدلية بين الفكر والمادة بين الذات و الموضوع ، تلك العلاقة  التي لا تتجلى إلا في  ميدان الممارسة العملية ( البراكسس) في ميدان العمل الإنساني والإنتاج الاجتماعي والتي تولد العلاقات الاجتماعية وعلاقات الإنتاج ما تحقق منها وما سوف يتحقق  حين نقول بأولوية المادة وأسبقية الوجود فحسب من دون وعي الوحدة الجدلية بين الوجود والوعي، بين الفكر والواقع وتحول أحدهما إلى الآخر نكون قد سقطنا في الوضعية والتجربية على صعيد الممارسة وفي التأمل والتجريد على صعيد الفكر وفي الانتهازية على الصعيد السياسي.تنحصر وظيفة الفكر عندئذ في تبرير "الوجود ". في هذه "المسألة الأساسية " لا مجال للتوفيق أو التوسط، فإما أن يكون المرء مادياً جدلياً على طول الخط، في الجملة والتفصيل،وإما أن يكون مثالياً مهما توفر على "نزعات مادية " وهذا معنى القطيعة المعرفية.

على صعيد آخر تتجلى القطيعة المعرفية في تحديد ماهية الوجود المادي إذ يبرز الفرق بين الظاهراتية واللاأدرية وبين المادية الديالكتيكية، بين المذاهب التي لا تعترف إلا بالظاهرات الملموسة، المحسوسة، وتعلن عجز العقل عن معرفة "الشيء في ذاته " وبين المادية الجدلية. إن المادة التي نلمسها،  نشمها أو نذوقها، ليست المادة، إنها المادة المعينة، المحددة، إنها الشيء. الاحتفال بعالم الأشياء ليس المادية، إنه الشيئية الوثنية، المادة تجريد عقلي، مقولة فلسفية تشمل كل ما هو موجود خارج وعي الإنسان وفي استقلال عنه. إنها وحدة المطلق والنسبي، المحدود وغير المحدود. المادية الجدلية لا تنطلق من أسبقية المادة الهامدة، الميتة، الثابتة على حال لا تفارقها وشكل لا تتجاوزه بل،تنطلق من الوجود الحي، الواقع المتحرك، المتغير باستمرار، من الصيرورة وعامل حركتها الأساسي " التناقض" إنه لا مادة بلا حركة ولا حركة بلا مادة. العلاقة بين المادة و الحركة هي علاقة الشكل بالمضمون. الحركة شكل وجود المادة. و الحركة مطلقة، لا نهائية، السكون شكل من أشكالها. الشكل فاعلية، المادة انفعالية. المادة هي وحدة الشيء ومفهومه، الظاهرة ومحتواها. والمادية الجدلية تقول بجدلية الواقع ونزوعه إلى التحول إلى فكر، ونزوع الفكر المستمر إلى التحول إلى واقع، إنها موقف عقلاني منفتح على حقائق الواقع المتغير باستمرار. في هذا السياق نفسه الجدلية ليست صفة مضافة إلى المادية من الخارج إنها على العكس، منطق المادة الداخلي، و منطق الفكر، بعبارة أخرى إنها علم القوانين العامة لحركة الواقع وحركة الفكر حسب لينين وما دامت قوانين الفكر منسجمة مع قوانين الواقع فالديالكتيك هو منطق الواقع، منطق الصيرورة ومنطق العلاقة ومنطق الحياة. للديالكتيك مظهران متجادلان: مظهر طبيعي، وآخر اجتماعي. وعي العلاقة بينهما يضعنا على طريق المعرفة المتجاوزة نفسها باستمرار.

على صعيد الديالكتيك ذاته، " المظهر الثوري لفلسفة هيغل " الذي تبناه ماركس، حسب لينين ( ماركس إنجلز - الماركسية دار التقدم ص 71 ) تتجلى القطيعة المعرفية مع المذهب المثالي  idealism   عموماً ومع هيغل، أستاذ الديالكتيك قبل ماركس بلا منازع، خصوصاً، في إعادة بناء الديالكتيك على أساس الكينونة الواقعية في التاريخ وفي العالم. وعلى هذا الصعيد ذاته، صعيد الديالكتيك أيضا تتجلى القطيعة المعرفية مع المادية الميكانيكية والمذهب الحسي  ومع اللا أدرية. يبدو ذلك في الفارق النوعي الذي لا يستنفده اللفظ بين الديالكتيك المادي والديالكتيك للثالي - التأملي . فضلاً عن الفارق بين هذين معاً وبين    "الديالكتيك " الستاليني  الثنوي  أو المانوي، ديالكتيك التناقض التعادمي، منطق الاستبداد و الفاشية والوثنية. الديالكتيك الذي انحل في الطباق البياني العربي، والذي أهم صفاته علاقة التخارج التعادم بين الضدين. الستالينية العربية لا تعرف من الديالكتيك سوى  أن ماركس قلب ديالكتيك هيغل . أما ما هو ديالكتيك هيغل وكيف قلبه ماركس، والأدق كيف تمثله وتجاوزه وتبناه فلا أحد يهتم . تشهد على ذلك أدبيات الأحزاب الشيوعية وعدم ترجمة كتابات هيغل إلا في وقت متأخر جداً، و جزئياً و انتقائياً أيضاً. مع أنها، أي الستالينية العربية، تقترب من هيغل، من حيث لا تدري ولا تريد أكثر بما لا يقاس من اقترابها من ماركس من  دون أن تملك عبقرية  هيغل وشموخه ، ذلك عندما تخرج الواقع من رأسها وتستعين عليه بالنصوص " المقدسة " و الوصفات التبسيطية الجاهزة. ويبدو أن الماركسية السوفياتية، غير اللينينية، كانت تعاني أيضاً من مثل ذلك، قال لينين:          " يستحيل استحالة قاطعة أن نفهم " رأس المال " لكارل ماركس لا سيما الفصل الأول منه،  ما لم ندرس منطق هيغل دراسة عميقة ونفهمه بأكمله. ولهذا السبب فقد مضى نصف قرن من الزمان ولم يفهم ماركس واحد من الماركسيين " (عن إمام عبد الفتاح إمام، المنهج الجدلي عند هيغل دار التنوير ص 23 ) ويبدو أن جذور أزمة الماركسية السوفياتية تكمن في إزهاق روح الماركسية أي منهجها المادي الجدلي المنفتح أبداً على نمو المعرفة و تطور العلوم الطبيعية والإنسانية، من جهة،وعلى تطور القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج والعلاقات الاجتماعية،من جهة ثانية.

يختلف ديالكتيك ماركس عن ديالكتيك هيغل، بل يتناقض معه من حيث المبدأ والمحتوى والهدف. ( في ماركسية ماركس وانجلز لا نستطيع أن نفصل بين المنهج الجدلي والفلسفة والأيديولوجيا والمذهب الاقتصادي. فثمة تناغم وانسجام قلما نجد لهما مثيلاً، ويسجل المنهج الجدلي المادي التاريخي تفوقاً وامتيازاً أديا أحياناً، في ظل نقص المعطيات والوقائع، إلى بناء أحكام نظرية انسجاماً مع المنطق الجدلي، بعضها ما يزال على محك اختبار الممارسة العلمية والتطور التاريخي، من ذلك دكتاتورية البروليتاريا مثلاً .) فمنهج هيغل مثالي، تأملي، ذاتي يهدف إلى إنقاذ اللاهوت. ومنهج ماركس مادي تاريخي واقعي يهدف إلى إنقاذ الإنسان. ينطلق منهج هيغل من أولوية الروح أو الفكر تحت اسم الفكرة الشاملة أو الروح المطلق، أما منهج ماركس فينطلق من أولوية الوجود المادي . فمضمون جدل هيغل هو الروح، الفكر، لذلك فإن مقولات الفكر عنده تنمو جدلياً ويتولد بعضها من بعض وفق إيقاع ثلاثي صارم ومنتظم وحتمي تحدده الضرورة المنطقية. أما مضمون الجدل الماركسي فهو الوجود المادي. الديالكتيك الماركسي هو ديالكتيك الواقع ذاته، ديالكتيك الوجود المادي نفسه، ليس مضافاً إليه من الخارج، من الروح أو الفكر: إن ما يحرك جملة معينة، أو ظاهرة محددة هو الجدل الكامن فيها، تناقضها الداخلي (الضرورة الداخلية ) وعلاقتها الجدلية بكل ما سواها (الضرورة الخارجية ). لكن هذه الضرورة تظل عمياء حتى يدركها  ا الإنسان ويكشف قوانينها، عندئذ تتحول الضرورة إلى حرية. فالحرية هي وعي الضرورة  مع الاختيار. والديالكتيك الماركسي هو جدل الضرورة و الحرية. في جدل هيغل الوجود الحقيقي هو وجود الروح أو الفكرة الشاملة. صحيح أن هذا الوجود ينتقل من الوجود الخالص  الذي هو عدم خالص إلى مركب الوجود والعدم أي الصيرورة، وهنا تكمن عقلانية هيغل وعبقريته، فهو لم ينطلق من شيء يحتاج إلى البرهنة عليه بل انطلق من الوجود / وجود الروح طبعاً. عنده الوجود المتعين أو المباشر هو استلاب الروح،ولحظة اندماجها في الطبيعة. فالطبيعة هي، فقط، مظهر لتجلي الروح / شكل وجود الروح /،أما في جدل ماركس  فإن الوجود الحقيقي هو الوجود المادي / الموضوعي،الواقعي / الوجود الحي المتحرك الذي وجوده الحقيقي هو عدم وجوده، أي صيرورته وحركته الدائمة وتغيره المستمر. الوجود المباشر، أو الملموس الذي ينطلق منه دائماً الجدل الماركسي هو الوجود المعيّن ،أما الوجود في ذاته فهو تجسيد أو تكثيف لجملة من العناصر والخصائص والصفات والتحديدات والفروق. "لذلك فإن كل ما هو كائن يجب ألا يعد وجوداً مباشراً، بل وجود موضوع / يجب ألا نقف عند الوجود المباشر أو عند التعين بوجه عام، بل يجب أن نعود منهما إلى علة وجودهما ". ( لينين دفاتر عن الديالكتيك ) أي إلى سيرورة أو عملية تكونهما أو تشكلهما. هذا الوجود المادي الذي ينطلق منه الجدل الماركسي هو وحدة المادة والروح، الشكل و المضمون، الذات والموضوع. إنه واقع مادي جدلي، متغير ومتحول أي متصير، مثلي، ونزوعي، إمكاني واحتمالي. الفكر في ديالكتيك ماركس هو الشكل الاجتماعي الضروري لحركة المادة لأنه نتاج الدماغ أي نتاج المادة الواعية ذاتها.

ولعل أهم ما يفرق جدل هيغل عن جدل ماركس، فضلاً عن المبتدى أو نقطة الانطلاق والمحتوى والهدف، هو أن جدل هيغل هو جدل الروح أو الفكرة الشاملة. وجدل ماركس هو جدل الواقع المادي. في جدل هيغل التناقض (الجدل ) لحظة من لحظات كلية الروح،لحظة عابرة،مع أنها ضرورية،تبدأ مع استلاب الروح أو اغترابها واندراجها في الطبيعة وتنتهي مع تعرف الروح إلى ذاته وعودته إليها واتحاده مع نفسه على صورة "وعي ذاتي" يتجلى في الدولة و الفلسفة و الدين والفن..إلخ. في جدل ماركس و انجلز التناقض( الجدل )مطلق، مستمر إلى ما لا نهاية. والكلية كلية الكائن لحظة مجرد لحظة، من لحظات الديالكتيك. لذلك فإن الوحدة أو الكلية ممكنة التكون، ممكنة التحقق، ومشروطة، لكن دمارها وتفككها حتميان. كل شيء، كل كائن، كل ظاهرة،مختوم بخاتم الهلاك والتحول والتغير. وهنا يكمن الطابع الثوري للجدل الماركسي. الكلية لحظة من لحظات الديالكتيك. الوحدة وحدة الأضداد مشروطة ودمارها وتحولها حتميان،إذن،وحدة = جدل الحرية والضرورة، ونفي كل حتمية واكتشاف إمكانية أو احتمالية الواقع. الحتمي هو الذي تحقق، أي الحرية التي تحولت جدلياً إلى ضرورة. ما يحققه نشاط البشر  العملي الحر و الواعي هو الضرورة وقد تحولت جدلياً إلى حرية. الحرية تنتج الضرورة، ووعي الضرورة هو الحرية.

قانون الجدل الأساسي هو وحدة و صراع الأضداد، والأفضل أن نقول هو وحدة التعارضات ، وليس صراع الضدين: الظلمة والنور أو الخير والشر. قانون وحدة وصراع الأضداد يشير إلى وحدة الهوية والاختلاف وإلى أن الواقع معقد، أشياؤه وظواهره وعناصره ومكوناته مترابطة، متشابكة متداخلة يذهب بعضها في بعض يتحول بعضها إلى بعضها الآخر. الكم يتحول عند لحظة محددة إلى كيف و الكيف يتحدد بالكم (والحركة ) تتحول إلى أشكال متعددة للحركة ذاتها. إن فرز عنصرين ودراسة علاقتهما الجدلية هي عملية إجرائية من عمل العقل أو الذات العارفة، أما اختزال الواقع إلى نضال الضدين فهو ثنوية لا تمت إلى الديالكتيك الماركسي بصلة. هذا أولاً. ولكن الأهم، حتى عندما يقوم العقل بهذه العملية الإجرائية لدراسة العلاقة الجدلية بين نقيضين، هو أن  بين التناقض الجدلي والثنوية التعادمية فروقاً نوعية عميقة. فالنقيضان الجدليان في الماركسية يحوي أحدهما الآخر على نحو ضمني أو صريح، ويشترط أو يفترض أحدهما الآخر بالضرورة، ولا يقوم أحدهما، ولا يوجد، إلا بالآخر ومن خلاله ومعه، ولا ينشأ أحدهما إلا عن الآخر، فهما وحدة السبب والنتيجة، وحدة الشارط والمشروط، يتحول كل منهما إلى ضده أو نقيضه  ولا ينفي أحدهما الآخر إلا بقدر ما ينفي نفسه إنهما دائماً عنصران متجاذبان متنابذان في وحدة تناقضية تتكون وتنهار أو تنفك أو تدمّر، لكي تتكون من جديد وهكذا إلى ما لا نهاية. إن جدل النقيضين هو دائماً جدل العام و الخاص والفردي،المطلق والنسبي، الحرية والضرورة، الكلي و الجزئي، الهوية و الاختلاف، الكم والكيف، وبكلمة في كل جملة أو ظاهرة مأخوذة على حدة يمكن أن نلمح أو أن نستشف جميع عناصر الديالكتيك، وكل خطوة جدلية تنطوي على جميع مراحل التطور السابقة و تحمل أجنة جميع مراحل التطور اللاحقة. فالديالكتيك من هذه الزاوية هو ديالكتيك التقدم الذي لا يسير دائماً بصورة خطية أو لولبية حتى، بل تتخلله قفزات وثورات وكوارث وانقطاعات في النمو أو الاستمرار.

إن وحدة الأضداد وحدة غير مباشرة، النقيضان المأخوذان إجرائياً قطبين  جدليين لوضعية أو ظاهرة معينة تاريخياً، وحدتهما، وبالتالي، تصادمهما تتمان بأكثر الأشكال تعقيداً، وعبر عدد من التوسطات أو الأشكال الوسيطة، فليس ثمة تناقض بلا توسط. بلا توسط ليس ثمة حركة.

المادية و التاريخ والتقليد :

المادية، والتاريخية ليستا مضافتين إلى الديالكتيك من الخارج، بل على العكس إنهما مظهران فقط للديالكتيك أحدهما مظهر طبيعي، والآخر اجتماعي. وهذان المظهران متجادلان أيضاً وأساساً من خلال جدل الذات والموضوع , وبتوسط العلاقة الوجودية الأساسية المزدوجة: علاقة الإنسان بالطبيعة وعلاقته بنفسه أي بالأفراد الآخرين وبالمجتمع والدولة والمؤسسات وأنساق القيم، هذه العلاقة التي تتجلى في العمل الإنساني والإنتاج الاجتماعي والممارسة الواعية ذاتها والمتجاوزة حدودها باستمرار. هذه العلاقة التي تتولد عنها سائر العلاقات الأخرى ولا سيما العلاقات الاجتماعية وعلاقات الإنتاج، وتتولد عنها الحقوق والأخلاق وأنساق القيم ، وتتولد منها سائر التنظيمات الاجتماعية والسياسية وسائر التمثيلات الثقافية. مما تقدم يتضح أن القطيعة المعرفية النهائية التي حققها ماركس وأنجلز مع المثالية على اختلاف تلاوينها ودرجاتها و مع المادية الميكانيكية ومع الاشتراكية البورجوازية الصغيرة الطوباوية،ومع الاقتصاد السياسي الإنكليزي و الأيديولوجيا والفلسفة الألمانيتين ؛إن هذه القطيعة النهائية تتجلى على نحو خاص في الديالكتيك المادي التاريخي. الماركسية هي " منهج أفكار ماركس ومذهبه " كما عرفها لينين ( لينين، ماركس أنجلز، الماركسية، دار التقدم ص 12 ) فهل حققت الماركسية في الوطن العربي قطيعة مماثلة مع التقليد العربي الإسلامي ؟ هذا السؤال يحيل هو الآخر على سلسلة من الأحداث والوقائع ومجموعة كبيرة من التحليلات و الوثائق تكشف جميعها عن القاع المعرفي المشترك بين الماركسية الستالينية في إهابها العربي وبين التقليد بوجه عام والمنهج المثالي الديني بوجه خاص، سلسلة من الأحداث و الوقائع و الوثائق تضعنا وجه لوجه أمام ماركسية مخصية ذوى ثم جف نسغها العقلاني وأزهقت روحها، أعني الديالكتيك الذي هو نبض الماركسية الحي ومحتواها الإنساني، ماركسية بسيطة، مسطحة، مفقرة، دوغمائية وامتثالية، حتمية، وضعية مبتذلة على الصعيد المعرفي، لم تستطع مواجهة المجتمع التقليدي وسلطاته الاستبدادية، ولا تحقيق قطيعة مع التقليد العربي الإسلامي الذي يثقل خطا المجتمع العربي ويلجم حركة تقدمه.

ليس المقصود بالتقليد، الذي ينبغي تحقيق قطيعة معرفية معه، الماضي ولا التاريخ ولا التراث إنما المقصود نظام الفكر، أو نسق توليد المعارف، البنية الواعية وغير الواعية للعقل، نظام العلاقات والروابط بين المفاهيم والمقولات، العلاقات والروابط التي تكشف في تنوعها وتباينها اللامتناهيين عن قوانين الفكر التي ليست في التحليل الأخير سوى قوانين الواقع ذاته، أو صورة أيديولوجية مشوشة أو مقلوبة عنه.

ودفعاً لأي التباس ينبغي تأكيد أن القطيعة المعرفية تعني التخطي والتجاوز الجدليين والتجاوز الجدلي يعني الإبقاء على الشيء، أو الاحتفاظ به وتجاوزه في آن. هذه العملية المعقدة تتجلى  بوضوح لدى دراسة علاقة الماركسية بالفتوحات الإنسانية الكبرى كالإنسانوية والعقلانية والعلمانية والإيمان العقلي والإلحاد العلمي، والديمقراطية التي هي عناصر بنيانية أساسية في الماركسية، إلى جانب فتوحات الاقتصاد السياسي والاشتراكية المثالية والفلسفة الألمانية، وجدل هيغل، وفتوحات العلوم الطبيعية والإنسانية.

إنه لا يمكن، ولا يجوز الحكم على فرد، أو حزب أو تيار وفقاً للفكرة التي لديه عن نفسه، لذلك ثمة فارق كبير بين الانتساب الذاتي، الرغبوي، إلى الماركسية وبين الممارسة الماركسية على الصعيدين النظري والعملي. وثمة فارق كبير أيضاً بين تحقيق قطيعة معرفية مع التقليد، وتدشين ممارسة نظرية من أجل العمل و النضال وبدلالتهما، في  ضوء المنهج الجدلي: المادي التاريخي ،وبين تبني مجموعة من الأفكار والمفاهيم و القيم البرانية لأسباب أيديولوجية واجتماعية وسياسية وتحويلها إلى » دين جديد« لا ينفي الدين القديم بل يقنّعه وحسب، وذلك الفارق هو كالفارق بين الإيمان والعقل، بين استبداد الأيديولوجية (التي صيغت تحت وطء الاستلاب ) وحرية الفكر.

إن ما يوصف بأنه » أزمة الفكر« هو في الحقيقة أزمة الممارسة بسفحيها: النظري والعملي، فثمة بون شاسع بين الممارسة النظرية، مثلاً، وبين انتقاء وجمع وتوليف مجموعة من الأفكار والمبادئ والتصورات قطعت عن منظومتها الفكرية وانتزعت من سياقها التاريخي وغمست في مستنقع التقليد، فأعيدت تقلدتها،ثم قدمت على أنها » نظرية ثورية « وعلى أنها الماركسية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. ( إيمان بلا شك  يفترض حقيقة بلا باطل، ومؤمناً بلا عقل ).

عجز الماركسية الستالينية عن تحقيق قطيعة معرفية مع التقليد، ومع أوهام الواقع الذي كلما ازداد فساده ازدادت حاجته إلى الأوهام، جعل منها » فكراً « إيمانياً، دوغمائياً يتجه دائماً إلى الإثبات والتوكيد وليس إلى النفي والشك، إلى الموافقة و الامتثال وليس إلى المعارضة ( كانت هذه السمة تزداد وضوحاً كلما ازدادت الستالينية رسوخاً ). وإلى التبرير والتسويغ وليس إلى التفسير بوصفه مقدمة ضرورية للتغيير،» فكر « ينطلق من مجموعة من اليقينيات والمسبقات و المطلقات و الحقائق الناجزة، منهجه » الشلف التأويلي الذي يجد منبعه الأول في المعتقدية الإيمانية ومنبعه الثاني في ردود الفعل الشعورية المستفزة « ( حسب ياسين الحافظ، الهزيمة والأيديولوجية المهزومة ص 258 وما بعدها ). من أجل تفسير هذا العجز، انطلقت هذه  المحاولة من فرضية أساسية هي: أن جذور أزمة  الماركسية في الوطن العربي تكمن في افتقارها إلى المنهج الواقعي، المادي الجدلي التاريخي ومن التفارق والتخارج بين المنهج والأيديولوجية وبينهما معاً وبين حركة الواقع وميول تطوره. هذه الفرضية تستند إلى جملة من المبادئ والوقائع والاستخلاصات أهمها:

       1.       إن للديالكتيك، المنهج المادي الجدلي التاريخي، أهمية حاسمة في تحديد هوية الماركسية، وتمييزها مما عداها .فهو روح الماركسية و نبضها الحي ومحتواها الثوري.

       2.       الديالكتيك المادي الجدلي التاريخي هو منطق التعارض والتناقض والصيرورة، ومنطق العلاقة، ومنطق التقدم ومنطق الحياة، ومنطق التخطي والتجاوز ومنطق الشكل والتشكّل.

    القطيعة المعرفية مع التقليد مقدمة ضرورية للتخطي والتجاوز، والمنهج الجدلي المادي- التاريخي هو ضمانة إنجازها.

       3.       الدياكلتيك منطق الواقع ومنطق الفكر، » علم القوانين العامة لحركة الفكر، وحركة الواقع « و من ثم فإن قوانين الفكر وحركته هي في التحليل الأخير قوانين الواقع والشكل الاجتماعي لحركته لذلك فالديالكتيك لا يضاف إلى الواقع من خارجه، بل يكتشف في الواقع، ويعاد اكتشافه باستمرار، الأمر الذي يضع نسبية الحقيقة وتغيرها المستمر.

       4.       لم تستطع الماركسية الستالينية تمييز  جدلية الواقع، تناقضاته التي لا حصر لها، وتداخل وتشابك وتجادل أشيائه وظواهره  من إجرائية العقل حين يفرز التناقضات، ويصنفها إلى أساسية وفرعية وثانوية ويفرز ما هو أساسي على صورة تناقض بين قطبين اثنين تجمعهما وحدة جدلية، ولذلك اختزلت الواقع وحلته في ثنائية، وفي أحسن الأحوال في عدد قليل من الثنائيات المتخارجة و المتعادمة. لذلك فهي على صعيد المنهج ثنوية وحسب. والثنوية منطق الاستبداد والفاشية والوثنية الثنوية منطق الصراع بين الخير و الشر، والظلمة والنور،ولذلك كانت  أحكامها دائماً أحكام قيمة، ذاتية وشعورية وليسب أحكام واقع. أما »واقعيتها « فكانت دائماً استسلامية ذليلة، إصلاحية وتصالحية.

       5.       كانت الماركسية الستالينية عموماً، والعربية خصوصاً، أقرب،معرفياً،إلى المثالية الذاتية  منها إلى ماركس. فهي تخرج الواقع من رأسها. أفكارها هي التي تخلق الواقع وليس العكس. فهي دائماً تضع الواقع على سرير بروكوست، فتختزله أو تمطه حتى يتناسب معها.

       6.       نظرت إلى الماركسية مقطوعة عن جذورها وعن سياقها التاريخي، ومعزولة عن مجرى الصيرورة التاريخية والتطور الحضاري للإنسان، لذلك كانت ولا تزال تنظر بازدراء إلى الليبرالية ومنجزاتها وفتوحاتها وإلى الديموقراطية البورجوازية وإنجازها التاريخي العظيم، فهي إيمانية مفقره وبسيطة ولا عقلانية.

       7.       التخارج بين منهجها المثالي المحافظ، وأيديولوجياها » الثورية « أدى بالضرورة إلى الإشاحة عن الواقع العربي العياني، المحدد تاريخياً، المباشر،ومن ثم، إلى الازورار عن قضاياه الأساسية وحاجاته الضرورية، الجذرية، فهي لم تكن تنظر إلى الثورة على أنها ثورة حاجات جذرية. إن إشاحتها عن قضايا الإنسانية والعقلانية والعلمانية والقومية والديمقراطية أبعدها عن حركة الواقع وعزلها عن الشعب.

       8.       افتقارها إلى المنهج الجدلي جعلها تنأى عن فكرة التقدم وتستبدل بها  فكرة » الثورة «  وأفقدها المعيار الموضوعي لأفكارها و تصوراتها وتنظيراتها ومواقفها، لذلك لم تول الممارسة أهميتها التي تستحق ولم تستطع أن تدرك الأهمية الاستثنائية التي للثورة القومية الديمقراطية، بورجوازية الطابع، كما كان يصفها لينين دائماً، في مجتمع متأخر تابع ومستباح، وأمة تعاني استلاباً قومياً مضاعفاً فضلا عن سائر أشكال الاستلاب الأخرى .

       ما مظاهر وتجليات المعتقدية الإيمانية، ومنهجها القائم على الشلف التأويلي ؟

 في » تحليلها للواقع « لا ترى الماركسية الستالينية للظاهرة، أياً كانت، سوى سبب واحد، يقع خارجها، فتلغي بذلك قانون الضرورة الداخلية، قانون وحدة وصراع الأضداد، وترى إلى علاقات الظاهرة الداخلية والخارجية على السواء على أنها علاقات ميكانيكية في أحسن الحالات، فالهزائم المتوالية التي منيت بها الأمة سببها التآمر الامبريالي الصهيوني وحسب. و المشكلات الاجتماعية و السياسية والاقتصادية والثقافية , والظاهرات الداخلية أياً كان نوعها تنبع جميعاً من الصراع الطبقي بين البورجوازية والبروليتاريا, الثنائية التي تختزل الواقع وفيها علاج وحل سائر المشكلات. فهي لا تعبأ بتعدد الأسباب. الجوهري منها وغير الجوهري , المباشر وغير المباشر، الضروري، و العرضي ، ولا بتحول السبب إلى نتيجة و بالعكس، ولا تهتم بفرز السبب الحاسم في كل حالة معينة على حدة ولا بمسألة متى يكون هذا السبب أولايكون كافياً. إن مبدأ العلة اللازمة والكافية من بين جملة العلل و الأسباب، غير معترف به، وإذا اعترف به نظرياً فهو غير فاعل أو غير شغّال في التحليل. ولا تعترف كذلك بوحدة تناقضات شتى وصراعات مختلفة الأشكال و الدرجات فضلاً عن  الطابع الافتراضي للصراع الطبقي بين البورجوازية والبروليتاريا.

» الواقع « في رؤيتها معطى ثابت، ساكن، ناجز ونهائي ظاهراته مستقل عن بعض وتقوم فيما بينها علاقات ميكانيكية. الواقع في رؤيتها هو الظاهر، المحسوس، في حين إن الظاهر لحظة كينونية وحسب. الواقع العياني متحرك، موّار، ومتغير على الدوام، تعتمل في أعماقه تناقضات كثيرة، وتحركه عوامل مختلفة، قوى و تيارات متصادمة، متناقضة ومتعارضة. كل لحظة من لحظاته محصلة لعدد من القوى. كل لحظة كينونية محصلة نهائية لنسبة القوى، اختلال هذه النسبة يفتح باب التغيير. لذلك  » فواقعيتها « على الصعيدين السياسي والاجتماعي إذعان وامتثال للأمر الواقع. يتجلى ذلك في تبعيتها ل » البورجوازية الوطنية « لإنجاز التطور الرأسمالي قبل سنة 1963. وتبعيتها فيما بعد ل » الديمقراطية الثورية « في سبيل » التطور اللارأسمالي « إلى الاشتراكية. وفي موقفها من الصراع العربي الصهيوني، ودولة إسرائيل، وفي موقفها الحالي من السلطات الحاكمة في الوطن العربي، ومن الاستبداد و القمع و انتهاك حقوق الإنسان والمواطن.

الحقيقة في منظور » الفكر « الإيماني مطلقة، ناجزة ونهائية، انبثقت في التاريخ مرة واحدة وإلى الأبد. الماركسية جبت  ما قبلها، مثلما فعل الإسلام. وهي ناجزة مكتملة لا تحول ولا تزول , لا تتغير ولا تتطور، لا تمارس النقد الجذري على نفسها ولا تقبل به.

هذه الحقيقة مثلها مثل الحقيقة الدينية مكنونة في نص » مقدس « يجري تأويله وإعادة تأويله باستمرار. الطابع الثابت والمطلق للحقيقة يغذي ويدعم النزعات الاستبدادية، والدكتاتورية والوثنية على الصعيد المعرفي. والتأويلات المختلفة والمتخالفة للنص تغذي التشظي والانقسام إلى اتجاهات »يكفّر « كل منها الآخر ويرميه بالمروق والانحراف  والتحريف. يستشهد » الماركسي « بنصوص ماركس وإنجلز ولينين المقطوعة عن جذرها المعرفي وسياقها التاريخي. فإيراد الشاهد يحسم النقاش، ويدمغ الخصم بالكفر والنشوز. من يتتبع السجال الدائر بين شظايا الأحزاب الشيوعية، في معظم أقطار الوطن العربي يلاحظ بلا أدنى جهد المنطق الفقهي المسلح بالنصوص والأصول (من دون أن يرقى إلى مستوى أصول الفقه أو علم الكلام ) وقياس الغائب على الشاهد، والشاهد دائماً هو من  هذا الزمن وفي هذا المكان  يشهد على حالة خاصة في زمان آخر ومكان آخر. دائماً تواجهك الماركسية الستالينية بترسانة من الأحكام القطعية والمعايير غير العقلية وغير العقلانية. " الفكر " المعتقدي بوجه عام والمعتقدية الستالينية بوجه خاص، " فكر " ثنوي تعادمي. الواقع مؤلف من لونين: أبيض وأسود،وليس من عدد لا حصر له من الألوان التقاط الفروق الدقيقة فيما بينها (الطّف )  ضمان صوابية الرؤية وواقعية التحليل. التناقض بين الأزواج  المفترضة : البورجوازية و البروليتاريا، على سبيل المثال، لا يمت إلى التناقض الجدلي بصلة ؛ فالحدان التناقضيان متخارجان دائماً، أحدهما يمثل الخير ويرمز إليه والآخر يمثل الشر ويرمز إليه، تناقضهما تعادمي يقوم على شطب الآخر وإلغاء وجوده نهائياً. لذلك لم تميز الستالينية العربية  الصراع الطبقي في مجتمع صناعي متقدم وحديث، من الصراع الطبقي في مجتمع متأخر، ولم تفرق بين الصراع في مجتمع رأسمالي مركزي وآخر في مجتمع رأسمالي تابع أو هامشي،و بين صراع في مجتمع مستقل وآخر في مجتمع مستعبد أو مستعمر أو شبه مستعمر أو تابع ومهيمن عليه. وهذا يعكس على صعيد المنهج عدم وعي العلاقة بين التناقض والحركة التي هي  العلاقة بين  الشكل والمضمون. هذه العلاقة الشكلية القطعية الواقعية تقود إلى الضرورة الداخلية وتنطلق منها. ومما يؤكد ثنوية التناقض لدى الستالينية العربية و ابتعادها عن الديالكتيك المادي التاريخي أن  الضدين لديها دائماً وحدة مباشرة وصدامهما مباشر، بسيط، مسطح وشفاف. في حين إن وحدة الضدين الجدليين غير مباشرة , بل موسطة. الوحدة المباشرة تلغي الحركة وتجعل من الضدين قطبين هامدين أو ميتين.

الواقع العياني واقع جدلي، الجدل منطقه الداخلي فهو تناقصي وإمكاني أو احتمالي، الفروق اللامتناهية بين أفراده وظاهراته تضع تعارضات لامتناهية  وجميع تعارضاته موسطة،من دون توسط ليس ثمة حركة وليس ثمة نمو وتطور. ثمة دائماً حد وتوسط، الحد هو النفي الأول والتوسط  هو النفي الثاني أو نفي النفي، إن الشيء أو الظاهرة هو دائماً وحدة المحدود واللامحدود. الحد هو الموجب الذي يحمل سلبه في داخله والتوسط هو مركب السلب والإيجاب. من الضروري في هذا السياق التذكير بملاحظة لينين العبقرية: حاصل جمع الزائد و الناقص يساوي الصفر، أما  حاصل التناقص فليس صفراً. إن حاصل جمع البورجوازية والبروليتاريا، في المنطق الستاليني، صفر ؛ لأن شطب أحد النقيضين هو شطب الآخر.

يتأرجح الفكر المعتقدي في تعامله مع الواقع بين الحدس والشعور، أو التأمل والتجريد من جهة، وبين الواقعية الوضعية الاستسلامية العاجزة التي تلغي  الفاعلية الإنسانية وتزدريها من جهة ثانية. فهو يلغي جدل الذات والموضوع، الحرية والضرورة،ويمسخ الواقعية الثورية، ويفصل عنصري تكوينها الجدليين الواحد عن الآخر لأنها  في نظره إضافة وليست تركيبا ًجدلياً. لذلك خفض الواقعية إلى انقياد ذليل لقوى الواقع، ولقوى الأمر الواقع، وتبعية كاملة لها، وخفض الثورية إلى حلم طوباوي لا سند واقعياً له وألغى فكرة الممارسة التي هي،في أعمق مستوياتها، وحدة الذاتي الموضوع وميدان تجلي العلاقة بينهما.

في الموضوعة الأولى عن فويرباخ كتب كارل ماركس: » إن العيب الرئيسي للمادية الغابرة، بما  فيها مادية فويرباخ، هو أن الموضوع، الواقع، العالم الحسي لا تدرك إلا بشكل موضوع نظري  وحدس، وليس بصفتها فاعلية بشرية ملموسة، بصفتها ممارسة عملية، وبصورة ذاتية. وهذا يفسر لماذا نمي الجانب الفاعل من قبل المثالية بالتعارض مع المادية. إنما بصورة مجردة فحسب، لأن المثالية لا تعرف بطبيعة الحال الفاعلية الواقعية الملموسة كما هي. يريد فويرباخ مواضيع ملموسة، متميزة واقعياً عن مواضيع الفكر، لكنه لا يعتبر الفاعلية الإنسانية فاعلية موضوعية ؛ولذا فإنه لا يفهم أهمية الفاعلية الثورية، الفاعلية العلمية الانتقادية « (عن غارودي النظرية المادية في المعرفة ص 347. قارن مع انجلز لودفيغ فويرباخ  ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية دار التقدم ص 66. ).

فالفكر المعتقدي للأسباب السابقة جميعاً، وغيرها، فكر قدري، خفض مفهوم الضرورة إلى قدرية ميكانيكية أو حتمية ميكانيكية. فألغى ذاتياً بالطبع جدلية الواقع ومن ثم  جدلية الفكر، واحتمالية الواقع. ألغى حقيقة أن الواقع حمال احتمالات كثيرة ومتباينة ومتناقضة بحسب كثرة وتباين عناصر الواقع  ونوابضه وقواه الدافعة وقواه ألمعيقة ( قوى العطالة ) احتمالات تتحدد بنسبة القوى، وحقيقة أن الاحتمال الذي يرجح، ويتحقق لا يلغي الاحتمالات الأخرى، وليس هو الاحتمال الوحيد، بل فقط الاحتمال الأوفر حظاً بنسبة معينة وحسب.

في هذا الفكر المعتقدي،ومنهجه التأويلي الشّلاف،تقتصر وظيفة العقل على تبرير المعطيات  أي تبرير» الواقع « القائم،والأدق،الوضع القائم،لذلك فإن الانتقال من التبرير إلى  التغيير لا يمر على جسر الممارسة،بل هو استجابة واعية أو غير واعية لنسبة القوى وحكم الأمر الواقع. إن التفارق الظاهري بين القول والعمل، الانفصال المزعوم بين » الفكر والواقع « لدى الستالينية العربية، أو بين الفكر و الممارسة، يكشف لدى التحليل عن واقعة أخرى مختلفة تماماً هي واقعة الاتساق بين طريقة التفكير وطريقة العمل. فحين لا تختلف ممارسة القومي  والماركسي النظرية والعملية عن ممارسة الشيخ سوى في الشكل و الدرجة،يعني أن الأيديولوجية الليبرالية أو الماركسية ليست سوى جملة من الأوهام والمزاعم الذاتية، وليست في أحسن الأحوال سوى شكل حديث لمحتوى قديم، شكل ثوري لمحتوى تقليدي متخلف ومحافظ. لذلك كان القوميون و الماركسيون » تقدميين « بالجملة ورجعيين بالمفرّق، لأنهم كانوا تقدميين ذاتياً ورجعيين موضوعياً.

إن منهج هذا الفكر المعتقدي، فضلاً عن كونه منهج الشلف والتأويل، وبالتلازم، منهج فقهي، قياسي، يقوم على قياس الغائب على الشاهد، وقياس الجزئي على الجزئي دون إدراك العلاقة المؤدية إلى الكل والكلي عبر عملية تحليل وتركيب. فليس ثمة تحليل لا يتضمن تركيباً، ولا تركيب لا يستند إلى تحليل. المفاهيم العلمية تتشكل بالتحليل و التركيب، في اتجاهين وليس في اتجاه واحد. العملية التحليلية التركيبية مؤسسة على طبيعة الأشياء ذاتها، وما تحتويه من تناقض، حيث الوحدة هي دائماً وحدة الكثير و المتنوع والمختلف. » الفرق بين الواحد و المتعدد يعرّف نفسه بأنه فرق علاقتهما المتبادلة التي تنفك إلى علاقتين هما النبذ والجذب « ( لينين دفاتر عن الديالكتيك ) وحدة الأضداد ونضالها الذي لا يفتر،حيث الاستقلال النسبي للأشياء و الظاهرات في نطاق ترابطها الشامل ونموها المستمر. إن قياس شيء على شيء مشابه، ظاهرة على ظاهرة مماثلة، حدث على حدث آخر قريب منه..إلخ، إن استخدام المنطق أو المنهج البياني القائم على الوصف و التشبيه والقياس هو أبرز مظاهر اللاعقلانية.

الشلف والتأويل والوصف والتشبيه والقياس تلغي  الممارسة العلمية ( البراكسس ) بوصفها مركباً جدلياً تتحد فيه المادة و الروح، الفكر والواقع، الذات و الموضوع. لذلك فإن مقولات المنطق هي خلاصة التجربة الإنسانية في عملها في الواقع الموضوعي. هذه المقولات ونظام علاقاتها، ليست قوانين الفكر فحسب، بل قوانين العالم . وليس الحكم شكلاً محضاً بلا  محتوى، إنه شكل الفكر الذي يعكس فيه اٌلإنسان، ذاتياً، الصلات الموضوعية للأشياء والظاهرات. » إن المعرفة على جميع مستوياتها من الإحساس إلى الفكر المجرد، من الإحساس إلى الفهم إلى العقل / ومن المنطق الصوري إلى الديالكتيك هي انعكاس ذاتي للواقع الموضوعي ( عن غارودي النظرية المادية في المعرفة ص 325 وما بعدها ). وقد كتب لينين في الدفاتر الفلسفية: لقد تحسس هيغل تحسساً عبقرياً لديالكتيك الاشياء والطبيعة في ديالكتيك المفاهيم، فمجموع أوجه الظاهرة و الواقع، وعلاقاتها المتبادلة ذلك ما تتركب منه الحقيقة. علاقات المفاهيم هي المحتوى الرئيسي للمنطق، وهذه المفاهيم وعلاقاتها هي انعكاسات  الواقع الموضوعي.  ديالكتيك الأشياء ينتج ديالكتيك الفكرات وليس العكس، على الصعيد الواقعي ثمة دائماً تناسب أو توافق بين فكر البشر وممارستهم على الرغم من التوتر والتنابذ الدائمين بين الواقعي والأيديولوجي، وحين لا يتوافق فكر ما أو يتناسب مع الممارسة، ولا يتفاعل معها، يعني أن ثمة فكراً آخر هو الذي يوجهها بصورة واعية أو غير واعية. إن الفكر الذي لم يندرج في الممارسة العملية هو بالأحرى إما أيديولوجيا خاصة، وهم واقع يحتاج إلى وهم , أو فكر علمي يفتقر إلى مرتكزات واقعية في بنى المجتمع بوجه  عام وفي بناه  الثقافية و السياسية بوجه خاص، أو وافد براني لم تتوافر بعد مقومات توطينه وتجوينه. ليس ثمة ممارسة عملية مهما تكن بسيطة بلا فكر يوجهها , لأن الممارسة هي فاعلية الناس التاريخية والاجتماعية تشمل العمل التقني و الفكري والتجربة العلمية ونضال الطبقات وتحويل الطبيعة وتحويل العلاقات الاجتماعية والبناء الثوري ، هذه الممارسة هي مصدر المعرفة ووسيلتها ومعيارها، والفكر إذ يرتفع من الملموس إلى المجرد لا يبتعد أبداً، إذا كان صحيحاً، عن الحقيقة بل يقترب منها، حسب لينين، والتجريدات العلمية الصحيحة كلها تعكس الطبيعة بعمق أكبر وبصدق أكثر وبصورة أكمل. فمن التأمل الحي إلى الفكر المجرد إلى الممارسة العملية ذلك هو سير الديالكتيك لا معرفة خلاقة بلا فكر، ولا فكر بلا ممارسة. إن ممارسة القوى والأحزاب التي تنسب نفسها إلى الماركسية تعكس التخارج بين منهجها المثالي المحافظ و أيديولوجياها الثورية الرومانسية.

الواقعي والانعكاس :

لا شك أن ثمة تنابذاً وتوتراً بين الواقعي والأيديولوجي، لأن انعكاس العالم الموضوعي ( الفكر والأيديولوجيا) يتضمن بعض الانحراف عن الواقع، وبعض التبسيط له أولاً بسبب الفروق الضرورية الملازمة بين الذات الفاعلة والعارفة وموضوع الفعل و المعرفة. ثانياً لأننا لا نستطيع أن نعكس الواقع المتحرك، لا نستطيع أن نعكس حركة الواقع من دون أن نقطع ما هو مستمر  وأن نميت ما هو حي،من  دون أن نعزل ما لا يوجد إلا بانتمائه إلى الكل ومن دون أن نترجم إلى مقياس ما هو كيفية. إننا بالتجريد نبتعد عن الموضوع، لكن لكي نلم به فيما بعد إلماماً تاماً. إن معنى العام متناقض كما يقول لينين فهو ميت، غير نقي، ناقص، لكنه لا يزال درجة في سلم معرفة ما هو ملموس أو متعين.  إننا لا نعرف الملموس أبداً معرفة تامة، فالمجموع اللامتناهي للمفاهيم العامة والقوانين يعطي الملموس بتمامه. إذاً لا معرفة إلا بالكليات , بالمفاهيم والمقولات العقلية المجردة، هذه الكليات أو المفاهيم لا ينطبق أحدها على شيء بعينه، ولا تعني أبداً » الشيء « إلا في فكر وثني، حلولي، أرواحي. والكلي لا يوجد إلا في الجزئي، وهذا الجزئي لا يوجد إلا في العلاقة التي تربطه الكلي، لا يوجد إلا  بانتمائه إلى الكلي. العام لا يوجد إلا في  الخاص، والخاص لا يوجد إلا في العلاقة المؤدية إلى العام. لذلك فإن المفاهيم , الكليات، ضرورية لمعرفة الملموس والمشخّص،لمعرفة الجزئي والخاص والفردي.

   عزل الشيء أو الظاهرة أو الحدث عن مجال علاقاته وترابطاته الداخلية والخارجية إخصاء للعقل الذي لا يعمل إلا بالمفاهيم، والمفاهيم ذاتها لا تتجلى إلا في العلاقات و الروابط الضرورية. القيمة على سبيل المثال مفهوم كلي مغرق في التجريد ومتناقض في ذاته ومزدوج: قيمة استعمالية وقيمة تبادلية. القيمة الاستعمالية النافعة لا تظهر، لا تتجلى إلا في استهلاك الشيء، أي تدميره وسلب خصائصه الجزئية، أما القيمة التبادلية فلا تظهر إلا من خلال مبادلة الشيء بشيء آخر. لا يمكن للمفهوم أن يتجلى إلا في العلاقة ومن خلالها. إن نظام العلاقات والروابط هو نظام الفكر هذا النظام إما أن يكون متفقاً مع / أو مطابقاً لنظام الواقع وقوانين حركته أو غير مطابق.

المنطق البياني القائم على الوصف والتشبيه، والمنطق الفقهي القائم على القياس وكذلك المنطق  الصوري و التأويل والشلف  هذه كلها تنتج رؤية شبحية للواقع، وهمية وإيهامية. وتعيد إنتاج الوعي في مستوياته الدنيا: الوعي الأسطوري و الوعي الديني  والوعي الأيديولوجي. ولا تستطيع أن ترقى إلى مستوى الوعي الواقعي،العلمي، المطابق لقوانين حركة الواقع وحاجات تغييره.

وأخيراً إن الفكر المعتقدي، الستاليني، فكر تأملي مثالي. فقد مارست الماركسية الستالينية  ولا تزال،ضروباً من التأمل » الفكري « والتجريد الخالص.لعبة التأمل البسيطة، الساذجة التي يمارسها الفكر الإيماني تنطلق من جملة من » المبادئ « الثابتة، جملة من الأقانيم، والأفكار المسلم بصحتها وثباتها وصلاحيتها لكل زمان ومكان، ثم تجري محاولة قسر الواقع على التلاؤم معها بتقليصه و اختزاله أو ببتره أو مطه وتسطيحه. وحين تجري عملية اشتقاق الأفكار من الأفكار، والانطلاق من الأفكار والانتهاء إليها، يتحول الواقع إلى كلام وحسب وتحل الكلمات محل الأشياء لتمارس سحرها على العقول،ويدور الفكر في حلقة مفرغة عقيمة، فتختبر صحة المبادئ بمبادئ أخرى،وليس بنار التجربة الحية والممارسة العملية  وتحل معضلات الواقع ومشكلاته بالكلام. فما هو حصاد "خمسين عاما من النضال" ؟ وما مدى مقاربة حساب الحقل لحساب البيدر ؟ حقاً إنها أسئلة محرجة ولعلها وقحة ومدعية.

    الانطلاق من المبادئ الأقانيم ينم على رؤية ميتافيزيقية تعتقد أن المبادئ والأفكار هي التي تخلق الواقع والأشياء. وترى إلى الأشياء على أنها أفكار وحسب ليس لها وجود مادي خارج الوعي. هذه الأفكار الأقانيم لها دوماً القيمة ذاتها والوظيفة ذاتها  والقدسية ذاتها والثبوتية ذاتها. تستوي مثلاً مقولة نفي النفي مع مقولة المراحل الخمس، وقد تبدو الثانية أكثر قدسية بل إن مقولة المراحل الخمس تعدم » نفي النفي « تلغيه وتحتفظ بطابعها المادي الميكانيكي الحتمي، وأي شك بهذه المقولة هو من قبيل الكفر والخيانة والانحراف والعمالة للإمبريالية. ودكتاتورية البروليتاريا  تتساوى مع قانون الترابط الشامل والنمو المستمر، و..إلى آخر سلسلة طويلة.

إذن، لا تقتصر الماركسية الستالينية العربية على الانطلاق من الأفكار والمبادئ المسبقة الناجزة والقطعية، بل تساوي بين جميع الأفكار والمبادئ و التحليلات و القوانين الماركسية والمنسوبة إلى الماركسية في القداسة والتعظيم وضرورة الأخذ بها دونما زيادة أو نقصان. ولهذه الأفكار ميزتها الخاصة بأنها تحفظ بكل رونقها وبهائها وإشراقها وصحتها حتى إذا نزعت من سياقها المعرفي والتاريخي. فكل ما قاله ماركس وانجلز ولينين وستالين وبريجينف وخالد بكداش صائب ينتمي إلى » المقدس « وتستمد منه المشروعية الثورية، والسيادة العليا، حسب تعبير محمد أركون، السيادة التي تعنو لها الجباه ويخضع لها الأتباع المريدون. المبادئ لا تصلح نقطة انطلاق للبحث والتحليل والتنقيب بل هي نتيجتها الختامية. المبادئ لا تطبّق على المجتمع والطبيعة والتاريخ بل تتجرد منها، تشتق منها. ( لاحظوا كم هي بسيطة وساذجة فكرة تطبيق الماركسية على الواقع العربي والتاريخ العربي ) ليس على الواقع والتاريخ أن يتطابقا مع أفكارنا , بل على أفكارنا أن تتوافق وتتطابق مع قوانين حركة الواقع ومنطق التاريخ.

المبادئ لا تصلح نقطة انطلاق، ولا الواقع الحسي، الملموس،يمكن الانطلاق منه بدون وساطة الأفكار والمفاهيم والمقولات التي أنتجها العمل الإنساني. فالإنسان لا يستطيع أن يبني , فعلاً موضوعاً ما قبل أن يبنيه في رأسه أولاً، وهنا الفارق النوعي بين أرادإ مهندس وبين النحل مثلاً، الإنسان رأس ويدان، وقبل ذلك، روح طبيعتها من طبيعة الله. عمل الرأس واليدين لا ينفصل أحدهما عن الآخر،(فالعمل نفسه مشخص ومجرد في آن،إنه وحدة الفكر والمادة )  لا يستغني أحدهما عن الآخر. هذه العلاقة الجدلية بين الطبيعة والمجتمع بين الرأس واليدين، بين العمل وموضوعه، هي التي يتحول عبرها الواقع إلى فكر و الفكر إلى واقع. العمل الاجتماعي في الطبيعة والمجتمع هو ميدان تجلي العلاقة التي تحمل في جوفها على نحو جنيني سائر العلاقات الأخرى، أعني علاقة الإنسان بالطبيعة من جهة وبنفسه أي بالآخرين وبالمجتمع والدولة من جهة أخرى. » إنه بفضل ترافق عمل اليد، وأعضاء الكلام  والدماغ، ليس لدى كل فرد فحسب، بل في المجتمع أيضاً صار باستطاعة الناس إنجاز عمليات متزايدة التعقيد وأن يطرحوا على أنفسهم، وأن يصلوا إلى غايات أرفع أكثر فأكثر، ومن جيل إلى جيل صار العمل نفسه مختلفاً وأكثر كمالاً وتنوعاً. ( انجلز ديالكتيك الطبيعة عن غارودي مرجع سابق ). إذن، نحن لا نستطيع أن نفكر من دون أن نعمل ولا نستطيع أن نعمل من دون أن نفكر، لذلك كانت المعرفة انعكاساً ذاتياً للواقع الموضوعي، وكان الفكر الشكل الاجتماعي الضروري لحركة المادة، وكان تطوراً تاريخيا ً بلا انقطاع على صعيد الإنسان النوع. المعرفة التي ولدت مع النطق وتنمو معه والتي هي ثمرة الفاعلية الإنتاجية والعمل المبدع، الخالق للقيمة ولجميع القيم، هذه المعرفة غير ممكنة إلا بالممارسة.

    نقطة الانطلاق الوحيدة الصحيحة هي الواقع العياني ومحمولاته  (وليس ما نحمله إياه بصورة تعسفية)، أي الواقع المادي وانعكاسه في الذهن أو صورته في الذهن في آن معاً. الواقع المادي بما هو وحدة المادة و الفكر، الطبيعة و الروح، الجدلية , لقد كان من العسير بل من المستحيل أن يفسر الإنسان عالمه تفسيراً علمياً صحيحاً، وأن يمتلك وعياً مناسباً بشروط وجوده وقوانين هذا الوجود، وميول تطوره، وإمكان تدخل الإرادة البشرية تدخلاً واعياُ في تغيير أشكاله، لقد كان من المستحيل تحقيق ذلك قبل أن يتراكم من العمل ومن المعرفة ما يكفي لتحقيقه. إن سيرورة تطور ونمو العمل هي بالأحرى سيرورة تطور ونمو المعرفة وبالعكس , سيرورة تطور ونمو متواصلة بلا انقطاع، على صعيد النوع ؛ من غير المعروف إلى المعروف ومن البسيط إلى المركب والمعقد، من المعرفة الحسية إلى المعرفة العقلية، من الحدس والاستنتاج إلى التحليل والتركيب. الأمر الذي يؤكد نسبية الحقيقة وتغيرها باستمرار ويطرح على الإنسان العارف مسألة العلاقة بين الحقيقة النسبية والحقيقة المطلقة، الكلية.

المعرفة انعكاس الواقع الحي، لكنها ليست انعكاساً بسيطاً وميكانيكياً , وليست انعكاساً كلياً. إنها سلسلة من التجريدات والصيغ وتشكّل والمفاهيم والمقولات والقوانين نستطيع بوساطتها جميعاً التوصل إلى معرفة الواقع الحسي الملموس والمباشر. لا يستطيع الإنسان أن يعكس الواقع كاملاً، مرة واحدة، كل ما يستطيعه هو الاقتراب منه أكثر فأكثر خالقاً تجريدات عقلية ومفاهيم وقوانين تساعده في إنشاء لوحة كلية لهذا الواقع.

من كل ما تقدم نستطيع الكشف عن مظهرين آخرين من مظاهر أزمة  الماركسية في الوطن العربي، أولهما: عدم كونها فلسفةً نقدية، جذرية،لا تساوم ولا تهادن. والثاني: عدم تمحورها على المستقبل، بسبب عدم التقاطها فكرة التقدم بوصفها عملية تخط وتجاوز مستمرة

ولعل السبب الرئيس في ذلك هو عدم وفائها لمبدئها ومنطلقها،أعني الإنسان.وربما عدم اكتشافها هذا المبدأ أو عدم اعترافها به، وهو ما يكشف النقاب عن طابعها الوضعوي.    الماركسية هي منهج أفكار ماركس , ومنهج مذهبه أيضاً، أما الأفكار ذاتها، والمذهب ذاته فمحدودان  ومحددان بالزمان والمكان. وأزمة الماركسية في الوطن العربي تتقوّم بافتقارها المنهج المادي الجدلي التاريخي وبعجزها عن اكتشاف جدل الواقع العربي ذاته وميول تطوره.