المجتمع المدني، الأمة، الدولة الوطنية

نحو عقد اجتماعي جديد

جاد الكريم الجباعي

المفاهيم أسماء العالم ومفاتيح معرفته، يحمل كل منها، فضلاً عن دلالته اللغوية والاصطلاحية، تاريخه الخاص، مشفوعاً بشحنة أيديولوجية مصدرها الأنساق والخطابات التي اندرج فيها، واكتسب من كل نسق أو خطاب دلالة خاصة غلبت عليه في حين من الأحيان أو في كثير منها، فلا يكاد يعرف إلا بها. لذلك تقتضي الموضوعية تحرير المفهوم من شباك الأيديولوجية، وإعادته إلى ميدان التاريخ. ففي هذا الميدان فقط يفصح عن طابعه الواقعي وقيمته المعيارية، وعن دلالاته المعرفية والنفسية والأخلاقية. ويبدو أن الذين يزيِّنون المفاهيم ويقدسونها أو يقبِّحونها ويدنسونها إنما ينطلقون من رؤية ذاتية وسكونية، لا من رؤية واقعية وتاريخية. ولعل تحرير اللغة من بعديها: المقدس والسحري، ومما علق بها من أوشاب الأيديولوجية جراء محاولات السيطرة عليها شرط لازم لتحرير الفكر. فلجميع مفردات اللغة قيم معرفية ودلالية متساوية. وليس بوسعنا أن نحكم على هذا المفهوم أو ذاك إلا في نطاق النسق أو الخطاب الذي يندرج فيه، أي في نطاق شبكة العلاقات التي ينتظم فيها فيؤدي وظيفة خاصة لدى متكلم معيَّن، في شروط وملابسات معينة. هكذا هي الأمور دوماً. وهذه الشبكة، بما تنطوي عليه من علاقات ضرورية ومن مواضعات العقل العملي وتسوياته وتواطؤاته ومحايلاته أحياناً، إن لم يكن في معظم الأحيان، هي التي تحدد دلالاته ودواعي استعماله، وتعيِّن وظائفه الإجرائية والمعرفية والنفسية والسياسية والأخلاقية. ولما كان كل خطاب بنيةً عقليةً / روحية، أو ذهنية / نفسية، وعلائقية، بات من الضروري تمييز العلاقات الضرورية التي تحدد دلالة المفهوم في كل نسق على حدة، كيما يمكن استعمالة في نسق جديد ورؤية جديدة، وإلا كنا في النسخ والمحاكاة والتقليد الأعمى.

وأكثر المفاهيم غموضاً والتباساً ما يظن الناس أنه من قبيل البديهيات، كالأمة والقومية والشعب والوطن، وما ينتمي إلى حقلها، ولا سيما حين تندرج في نسق أيديولوجي دوغمائي واستاتيكي يجعل منها شيئاً أقرب إلى "رأس ميدوزا"، تحول كل ما يقع في دائرتها إلى "ثوابت قومية" أو "ثوابت وطنية" متحجرة، ليس لها أي وظيفة سوى تقنيع النزعات الحصرية[1]، وتسويغ الاستبداد وإمداده بمشروعية وهمية. فضلاً عما يشوبها من التباسات معرفية وسياسية تنم على ارتباك الخطاب السياسي العربي وضبابيته، أهمها التباس الوطنية بالقومية، ونشوء ازدواجية الوطني والقومي؛ والتباس مفهوم القومية بالأحزاب القومية، أو ما سمي بالحركة القومية، أي بالأحزاب التي تبنت أيديولوجية قومية أو قوموية، وتوهمت وأوهمت بأنها "الممثل الشرعي الوحيد" للأمة؛ فما أن تذكر القومية اليوم حتى تستحضر حركة القوميين العرب وحزب البعث العربي الاشتراكي والأحزاب الناصرية وجبهة التحرير الوطني الجزائرية وغيرها، و"نظرياتها" وأفكار منظريها،. ويصعب على العربي اليوم أن يتخيل القومية أو يفكر فيها على أنها فضاء ثقافي مشترك تتقاطع فيه وتتجابه جميع التيارات الفكرية والأيديولوجية والسياسية، وأنها لذلك صفة للدولة، في نظر غير مواطنيها. فمن من العرب يستطيع أن يفكر في أن جميع التيارات والأحزاب "القومية" والإسلامية والاشتراكية والليبرالية والديمقراطية وغيرها هي أحزاب وتيارات قومية تعبر عن قوى الأمة المختلفة والمتعارضة، بل من ذا الذي يستطيع أن يقبل أن يكون في الأمة اختلاف وتعارض؟! ومن ثم فإن لمفهوم الأمة ولمفهوم القومية، في الخطاب السياسي العربي، طابعاً جزئياً وحصرياً وإقصائياً إن لم نقل استئصالياً؛ فالقوموي يحصر الأمة والقومية في العرب العاربة والمستعربة، ويقصرها عليهم؛ والإسلاموي يحصرها في المسلمين، السنة أو الشيعة، بحسب المتكلم، ويقصرها عليهم؛ والاشتراكي الذي يرى في الأمة، حين يراها، أمتين، أمة المستغلين (بكسر الغين) وأمة المستغلين (بفتحها) فيحصرها في البروليتارية والكادحين، ولا يرى في القومية سوى صفة رجعية وشوفينية، فيشطبها من قاموسه، أي من وعيه وفكره. ألا يحق لنا، وهذه الحال، حال القصر والحصر، أن نتحدث عن تشظي الحقل الثقافي والحقل السياسي للأمة؟! لا بفعل التجزئة الكولونيالية هذه المرة، بل بفعل شقاء الوعي. ولا يقللن أحد من أثر الوعي في هذه الحال، فإن وعي الذات هو الصيغة الذاتية لوعي الواقع ومعرفة العالم، وهو الذي يحكم العمل ويوجه السلوك، بصورة واعية أو غير واعية. وليس ما هو أكثر دلالة على ذلك من التنازع على التراث الذي لم يكن سوى التعبير المثالي عن التنازع الضاري على السلطة والثروة.

يحدد العربي ذاته اليوم بدلالة الأصل أولاً، وبدلالة الماضي، لابدلالة التاريخ، ثانياً وبدلالة التراث ثالثاً، وبدلالة الغرب رابعاً، وتتضافر هذه العناصر في إنتاج "هوية قومية" وهمية

ويمكن القول إن لمفهوم القومية ومفهوم الأمة، في الخطاب السياسي العربي، بعداً إثنياً أو عرقياً يتخفَّى في اللغة والتاريخ وغيرهما مما يسمى "مقومات القومية العربية"، ويخرج الجماعات الإثنية واللغوية والثقافية من دائرة الأمة، أي من دائرة المجتمع المدني والدولة القومية؛ وبعداً دينياً مذهبياً يخرج غير المسلمين ومعهم أتباع المذاهب الإسلامية (الأقليات المذهبية) من دائرة الأمة ومن دائرة الدولة؛ وهذه أمارة أخرى من أمارات تشظي الحقل الثقافي والسياسي، لا بفعل التجزئة الكولونيالية أيضاً، بل بفعل التكسر المجتمعي ونقص الاندماج القومي. أزعم أن عرب اليوم يفتقرون إلى أي قدر من التوافق على أمور كثيرة، منها معنى الأمة والقومية والدولة السياسية. هل بوسعنا الافتراض أن التجزئة السياسية الكولونيالية لم تكن ممكنة، أو لم يكن لها أن تدوم على هذا النحو لولا تشظي الحقل الثقافي والحقل السياسي للأمة العربية، ولولا نقص الاندماج القومي أو الاجتماعي، وأن عوامل التجزئة الداخلية كانت ولا تزال أقوى من العوامل الخارجية؟

حقاً إن أوضاع "الدول" العربية القائمة تنتج مفاهيم مثيرة للجدل في مجال دراسة المجتمع المدني والأمة والدولة القومية والوطن والوطنية، لا مع الفكر القومي التقليدي والرومانسي فحسب، بل مع الفكر التيولوجي الدوغمائي أساساً. فقد كانت محاولات تعرُّف الواقع العربي وتلمُّس ممكناته واتجاهات تطوره محكومة بثوابت أيديولوجية، قومية وإسلامية واشتراكية دوغمائية، سوى استثناءات نادرة لا تزال على هامش الفكر السياسي العربي. ولا يزال الخطاب السياسي مقيداً بهذه الثوابت، ويعيد إنتاجها، ويشيح عن أي محاولة لنقدها، إن لم يرمها بالكفر والمروق والخيانة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحقل الدلالي الذي تنتمي إليه مفاهيم المجتمع المدني والأمة والدولة القومية وحكم القانون وسيادة الشعب يتعارض على طول الخط مع الحقل التيولوجي والدوغمائي المغلق، سواء كان هذا الأخير قومياً أو اشتراكياً أو إسلامياً أو علموياً.

تنطلق هذه المقاربة من افتراض علاقة ضرورية، منطقية وتاريخية، أي واقعية، بين الأمة والمجتمع المدني والدولة الوطنية، ومن النظر إلى القومية على أنها فضاء ثقافي مشترك بين جميع قوى الأمة وتمثيلاتها، وصفة للدولة المعنية منظوراً إليها من الخارج، أي من غير مواطنيها؛ ومن ثم فإن مفهوم المجتمع تعبير سوسيولوجي، ومفهوم الأمة تعبير ثقافي، ومفهوم الشعب تعبير سياسي عن حقيقة واحدة هي الدولة الوطنية؛ وهذه الأخيرة أي الدولة الوطنية  لا تبدو لمواطنيها إلا في صيغة النظام العام والمصلحة العامة والإرادة العامة، أي في صيغة دولة حق وقانون لجميع مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز.

من زاوية علم الاجتماع الخالص، يمكن الحديث عن مجتمعات في دولة واحدة، كالمجتمعات البدوية والمجتمعات الريفية ومجتمعات المدن .. إلخ، ولكن لا يمكن الحديث عن شعوب في دولة واحدة. فما أن نتحدث عن شعب وشعوب حتى نغادر علم الاجتماع الخالص إلى علم الاجتماع السياسي، وإلى علم السياسة، ونغادر من ثم مستوى الوجود الاجتماعي المباشر إلى أحد أشكاله أو تشكلاته الثقافية والسياسية، أي إلى الوجود الاجتماعي الموسَّط. كما أن الحديث عن شعب واحد في دولتين، أو في عدة دول، يضمر عدم الاعتراف بإحدى هاتين الدولتين، أو بهما، وبتلك الدول. وتلكم هي إشكالية "القومي والقطري" في الفكر السياسي العربي المعاصر، الإشكالية التي لم تجد لها حلاً حتى يومنا، وقد نجم عنها موقف وجداني أو شعوري قوامه رفض الدولة القائمة بالفعل، وعدم الثقة بها، ومن ثم عدم احترامها، والنظر إليها على أنها انحراف تاريخي وعرض زائل عما قريب، ومعارضتها بدولة ليست موجودة سوى في الذهن. القوموي يرفض الدولة القائمة ويعارضها بالدولة "القومية"، دولة الأمة العربية الواحدة؛ ولا يبعد أن ينشئ لها صورة قبلية مسبقة الصنع، مستوحاة، على الأرجح، من التاريخ الباكر للإمبراطورية العربية (هل يقبل أحد من العرب أن نسميها الإمبريالية العربية؟) التي نازعت الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية ودحرتهما. والإسلاموي يرفض الدولة القائمة ويعارضها بدولة إسلامية، بحاكمية الله أو ولاية الفقيه، وينشئ لها صورة مستوحاة هي الأخرى من التاريخ "الإسلامي" الباكر؛ وهي الصورة نفسها التي أنشأها القوموي، مع اختلاف في الصفة التي تأكل الموصوف. والاشتراكي يرفض الدولة القائمة ويعارضها بدولة اشتراكية، أو بدكتاتورية البروليتاريا، وينشئ لها صورة وهمية مستوحاة من "الثورة البولشفية". الغائب الأكبر في الفكر السياسي العربي هو الواقع العياني، وقد جرده الوعي الذاتي من أي مشروعية، مع أنه مصدر جميع المشروعيات، ولا يستمد قيمته ومشروعيته من أي عنصر من خارجه. لذلك لم يعن الفكر السياسي العربي المعاصر بمسألة الدولة ومسائلها عناية جدية، ومن البديهي وهذه الحال ألا يعنى بمسألة المجتمع ومسائله، ولا سيما بمسألة المجتمع المدني وما ينتمي إليها ويتعلق بها من مسائل كالإنسية والعلمانية والعقلانية والديمقراطية وحكم القانون والإرادة العامة والمصلحة العامة وسيادة الشعب.

واللافت للنظر أن الفكر السياسي العربي، كالوعي العفوي السلفي أو الماضوي، لا يأسف على هذه الدولة القائمة بالفعل إذا ما فسدت وانحطت أو تعرضت لهزيمة، أو إذا ما انهارت، كما حدث في العراق، بل تتعزز حجته عليها، ويسارع إلى وصفها بأنها دولة "ضد الأمة"[2]. ومن الظواهر المهمة التي تستحق مزيداً من الدراسة والبحث، في العالم العربي، أن الحرية لا توجد ولا تنمو إلا خارج الدولة وبالتضاد معها[3]، وبالتضاد مع المجتمع المدني بالضرورة. ولعل علاقة التخارج والتضاد بين الدولة والحرية نجمت عن التخارج والتضاد بين "الدولة" الاستبدادية والمجتمع المستبد به. وحين يعارض الفكر السياسي الدولة المستبدة، وقلما يعارضها، لا يميز الصفة من الموصوف، فيرفض الدولة والاستبداد معاً، كمن يرمي الطفل وغسيله الوسخ. ويبدو لي أن الوعي السياسي لم يرق عندنا بعد إلى مستوى يشعر معه كل فرد أنه عضو في الدولة، وذلك لأن المتحدات الاجتماعية التقليدية التي لا تزال توفر للأفراد نوعاً من الأمن والحماية، فيخضعون لعاداتها وتقاليدها وأعرافها لا تزال كل منها بنية موازية للدولة، ولا يزال انتماء الفرد موزعاً بين هذه وتلك. ويتجلى ذلك بوضوح في موقف الأفراد من المتلكات والمرافق العامة، وفي عدم احترام القانون وعدم إدراك عموميته وسموه، إما لتعارضه مع الأعراف والعادات والتقاليد، وإما لتعارضه مع "الشرع". فلا تزال الأعراف والعادات والتقاليد أقوى من القانون، والمصالح الخاصة أقوى من المصلحة العامة، وليس لمفاهيم المجتمع والدولة والقانون والمصلحة العامة وما في حكمها أي قيمة رمزية في وجدان الفرد الذي لم يتخط بعد العلاقات والروابط الطبيعية. ولعل الأسباب العميقة لذلك تكمن في تخلف أساليب الإنتاج وضعف القوى المنتجة.

وقد شاعت في أواسط القرن الماضي مقولة افتخارية مفادها أن "القومية العربية لم تولد في السوق الرأسمالية"، بل في خضم مقاومة الاستبداد العثماني والاستعمار الغربي، واقترنت هذه المقولة بوصف الأمة العربية بأنها "أمة تقدمية" في معارضة الأمم الرأسمالية والإمبريالية التي وصفت بالرجعية. ولا يخفى أن هذا الإيحاء الافتخاري نجم عن موقف أيديولوجي معارض أو معاد للرأسمالية التي التبست بالاستعمار والإمبريالية، وغاب عن أصحاب هذا الموقف أن العمل والإنتاج الاجتماعي هو المبدأ الذي يفسر نشوء الأمم الحديثة، وأن هوية مجتمع ما هي ما ينتجه هذا المجتمع على الصعيدين المادي والروحي.

الوعي القومي، وعي الذات، الذي تشكل تحت ضغط الاضطهاد السياسي والتمييز العرقي والانتهاك الاستعماري، واتسم برد الفعل الشعوري عليها، استمرأ هذه المقولة، وجعل منها إحدى النوى الصلبة للأيديولوجية القومية التي أراحته من عناء فحص مقولاته ومفاهيمه وأدواته المعرفية. ولعله من الجدير بنا أن نفترض اليوم افتراضاً مختلفاً إن لم أقل مخالفاً قوامه أن "القومية العربية" ولدت في سياق التوسع الرأسمالي العالمي، بوجه عام، وفي سياق "المسألة الشرقية" بوجه خاص، وهو ما حدد مضمونها الفعلي.

لم يتنبه الفكر السياسي العربي إلى الدلالة الأعمق لهذه المقولة، وإلى الدلالة الأعمق لنمط الإنتاج الرأسمالي، أعني نمو العمل الاجتماعي وتطوره، وصيرورته عملاً صناعياً ينمو فيه العنصر الذهني باطراد، حتى غدت العلوم والمعارف والمعلومات قوة إنتاج أساسية؛ وأن هذين النمو والتطور ألقيا بظلالهما على شكل الملكية الخاصة وموضوعها وعلى تقسيم العمل وتوزيع عوامل الإنتاج بين الفئات والطبقات الاجتماعية، ومن ثم على العلاقات الاجتماعية وعلاقات الإنتاج وعلى أشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي ومضامينها. ذلك لأنه لم يهتم يوماً بقضية العمل والإنتاج الاجتماعي، إنتاج الثروة المادية والروحية بالتلازم الضروري، فالهوية القومية أو الوطنية ليست عنده سوى هوية مجردة صماء ثابتة ومتعالية على التاريخ وعلى سنن النمو والتطور، لا تمت بصلة إلى واقع المجتمعات الفعلي، بل تحيل على واقع آخر، أو على أصل ما يثوي بعيداً في أعماق التاريخ، فهو لا يميز الهوية من الأصل، بل هما عنده شيء واحد؛ ولذلك تقترن الهوية بالأصل والأصالة والتأصيل والأصولية، ناهيكم عن الخصوصية الفارغة أو العدمية. فلا يعني له شيئاً أن الجزء الأعظم من إنتاج العرب المادي يعتمد إما على السماء وإما على باطن الأرض (النفط خاصة)، وأن هذا الإنتاج إما إنتاج تقليدي كفافي قوامه الكدح، ولا تتعدى وظيفته حفظ الحياة البيولوجية لكتل بشرية ضخمة تعيش "تحت خط الفقر"، وإما إنتاج ريعي لا أثر يذكر فيه للعمل البشري، عمل الرأس واليدين. وإذ تعبر الثقافة التقليدية عن أسلوب الإنتاج الكفافي الزراعي والحرفي على السواء، تعبر الثقافة الاستهلاكية عن أسلوب الإنتاج الريعي، وتعبر الثقافة الجماهيرية القطيعية، ثقافة الكسل العقلي والتكرار الببغاوي وعبادة الفرد عن أسلوب الإنتاج "الاشتراكي" في "دول التسلط والاستبداد، كسورية والعراق السابق وليبيا والجزائر واليمن السعيد. أليست هذه أهم عناصر الهوية القومية اليوم؟!

الهوية الفعلية لمجتمع من المجتمعات، أي لأمة من الأمم، هي ما ينتجه هذا المجتمع أو هذه الأمة، على الصعيدين المادي والروحي، وما يقيمه بنفسه ولنفسه من علاقات وتنظيمات اجتماعية وسياسية، أهمها الدولة؛ وفي ضوء هذا التحديد تغدو الهوية القومية أو الوطنية هوية حية وغنية وقابلة للنمو والتطور. ويبدو لي أن مشكلة الوعي الاجتماعي بوجه عام والوعي السياسي بوجه خاص تكمن في هذه المسألة، مسألة وعي الذات وتعريفها والتعبير عنها، وفي طرائق التعبير وأساليبه. تعريف الذات بدلالة الأصل، أو بدلالة وجود جوهري في تاريخ تصوري أو في عصر ذهبي، هو سمة وعي ماضوي، لا تاريخي، يخبط في الممارسة العملية خبط عشواء، فضلاً عن طابعه الحصري والإقصائي والاستبدادي بالضرورة. الهوية غير الأصل، الأصل مفهوم استاتيكي، ثابت، والهوية مفهوم تاريخي، ناتج وصائر، وقابل للنمو والانبساط، في العالم وفي التاريخ.

الأمة مفهوم مجرد، مثالي، يحيل على كينونة اجتماعية في التاريخ وفي العالم، أي على وجود اجتماعي متعين في الزمان والمكان، ليس لهذه الكينونة الاجتماعية أو الوجود الاجتماعي المتعين من اسم آخر سوى المجتمع المدني الذي ينتج الدولة الوطنية أو القومية، ولا فرق[4]. التعين في المكان يفترض شبكة من العلاقات مع سائر الأمم والدول الأخرى، ولا سيما أمم الجوار الجغرافي ودوله، ويفترض أن الأمة المعنية جزء من العالم المعاصر، والجزء يتحدد بالكل ولا يحدده. والتعين في الزمان يفترض أن تاريخ الأمة العربية جزء من التاريخ العالمي، ولا معنى لأي خصوصية إلا في نطاق العلاقة الجدلية التي تربطها بالعمومية أو بالكلية العينية للجماعة البشرية. ومن ثم فإن للأمة بعداً في المكان الذي هو شكل وجودها، وبعداً في الزمان الذي هو شكل حركتها، وبعداً معرفياً أو منطقياً، أو بعداً في الفكر والوعي، تتحدد في ضوئه وعلى أساسه علاقة الإنسان بعالمه وعصره، وتتحدد في ضوئه وعلى أساسه علاقة الوعي الاجتماعي بالوجود الاجتماعي، وعلاقة الفكر بالواقع. وما أن تتخطى الكينونة الاجتماعية حالتها الطبيعية أو شبه الطبيعية، أي ما يطلق عليه اسم "المجتمع الأهلي"، حتى تغدو مجتمعاً مدنياً قوامه جدل الاختلاف الذي يوجب العقد الاجتماعي والتماثل الذي يجعل العقد الاجتماعي ممكناً، وأعني بالتماثل، التماثل في الإنسانية والمواطنة، وهما صفتان لا تقبلان التفاوت والتفاضل. وأساس هذه الجدل هو جدل الفرد الطبيعي المسوق بسائق حاجاته ورغباته وأهوائه ونزواته والمواطن الذي يتعلق بقيم الحق والخير والجمال ويتطلع إلى الحرية والمساواة والعدالة، بغض النظر عن جميع محمولاته.

المجتمع المدني، مجتمع الشغل والإنتاج، والملكية الخاصة والطبقات أو الفئات الاجتماعية ومصالحها المتعارضة وما ينجم عنها من علاقات وتنظيمات اجتماعية تكتسب جميع مضامينها ودلالاتها من العلاقات المتبادلة بين الفئات الاجتماعية وموقع كل منها على سلم الإنتاج الاجتماعي ونصيبها من عوامل الإنتاج ومن الثروة الوطنية وناتج العمل الإجمالي؛ أجل هو مجتمع الشغل والإنتاج والطبقات والثقافة التي تعبر بها هذه الطبقات عن نفسها والطرائق والأساليب التي تعبر بها، والقيم والمعايير التي تتبناها، وهو مجتمع الحاجات وسعي الأفراد إلى تلبيتها وإشباعها، وميدان التعاون والتآزر، وميدان الأنانية والتنافس والتنازع، ذلكم هو الواقع العياني، أما الدولة التي تمثل المصلحة العامة أو المصلحة الجماعية فهي تجريد العمومية التي هي ماهية الأفراد والجماعات والطبقات أو الفئات الاجتماعية، وهي من ثم الاستلاب السياسي لهذه الماهية. وبهذا المعنى يمكن أن تصير الدولة "سماء الشعب"، بحسب تعبير كارل ماركس، تحتاج عملية أوسيرورة إعادتها إلى حياة الشعب إلى كفاح طويل. إن استعادة الدولة إلى المجتمع حتى تصير دولته حقاً وفعلاً، وإعادة إنتاج السياسة فيه بما هي محصلة جميع فاعلياته وقواه، وعقد لواء السيادة للشعب هي أهداف السياسة العقلانية في أي مجتمع يتجه إلى المستقبل.

وإذا كان لا يمكن رد المجتمع إلى أي عنصر غير اجتماعي، طبيعياً كان هذا العنصر أو تيولوجياً، كما لاحظ ألان تورين، فإن العنصر الاجتماعي الأكثر جذرية والذي ينطوي على سائر العناصر الأخرى بالفعل وبالقوة هو العمل. والفارق النوعي بين عمل الإنسان وعمل الطبيعة أو عمل الحيوان هو كونه اجتماعياً، فمقولة العمل، بصفته الاجتماعية، تقبع في أساس مقولة الإنتاج الاجتماعي، إنتاج الثروة المادية والروحية على السواء، وإنتاج العلاقات والبنى والتنظيمات الاجتماعية والسياسية، ولا سيما الدولة، سماء الشعب، السماء التي يفضي نقدها إلى نقد السياسة.

إرجاع الاجتماع البشري إلى العمل، وإرجاع مفهوم المجتمع المدني إلى مفهوم العمل والإنتاج الاجتماعي هو المدخل الذي نقترحه لتأسيس مفهوم المجتمع المدني ومفهوم الأمة وتتبع مراحل تطورهما وتلمس الفروق بين مختلف تعييناتهما في العالم وفي التاريخ، وتصنيف المجتمعات بحسب نمو العمل، لا بحسب تعاقب أنماط الإنتاج، كما يقترح الكثيرون. ولما كان العمل يتضمن: 1) مادة العمل أو موضوعه (عناصر الطبيعة). 2) وأدوات العمل (الآلات والمكائن). 3) وأساليب العمل أو طرائقه. 4) ونتائج العمل. 5) وأهدافه وغاياته، فإنه يتضمن الفكر بالضرورة، فلا عمل بلا فكر، ولا فكر بلا عمل، وتبدو عبارة الفكر هنا قاصرة عن المعنى الذي يتضمنه العمل والذي أميل إلى التعبير عنه بعبارة الروح التي تبدو لي أكثر اتساقاً مع مفهوم العمل الذي يحمل في أحشائه جميع قوى الإنتاج، ما عرف منها وما سوف يعرف في المستقبل. فالعمل الذي امتاز به الإنسان من الحيوان هو الوساطة التي بها يتموضع الروح الإنساني في العالم وفي التاريخ، حتى يغدو بوسعنا أن نعرف الإنسان بأنه عالم الإنسان (المجتمع والدولة)، ويغدو بوسعنا تعريف المجتمع بأنه الإنسان مموضعاً، كما عرفه ماركس. العمل أبو التاريخ البشري، والطبيعة أمه. ولعل عبقرية آدم سميث وعبقرية ماركس الذي سار على خطاه، في هذه المسألة، تكمن في إرجاع مفهوم القيمة، ونضيف: وجميع القيم، إلى العمل. أما عبقرية ماركس فتكمن في اكتشاف حقيقة تحول القيمة الزائدة أو فائض القيمة، أي "العمل المتراكم" إلى رأسمال، فضلاً عن نقده الاقتصاد السياسي الذي تقبع في أساسه مقولة المجتمع المدني وكل ما يتصل بها من مقولات ومفاهيم.

ومن الجدير بالملاحظة أن واحداً فقط من عناصر العمل البشري، أو العمل الاجتماعي، وهما صفتان مترادفتان للعمل، يرجع إلى الطبيعة، أعني مادة العمل أو موضوعه، أما العناصر الأخرى، وهي أربعة أخماس العمل، فترجع إلى الإنسان العامل المنتج، ومن ثم فإنه ليس هناك أي مبالغة في القول إن الإنسان كائن معرف بالعمل والإنتاج، ولأنه كذلك يمكن القول إنه معرف بالعقل، على أن نلاحظ أن العقل وكل ما ينتمي إليه كالذكاء والفكر والعاطفة والخيال يعتمد في وجوده وفي نموه وانبساطه على العمل. بالعمل فقط أسس الإنسان نفسه في العالم وراح يتعقَّله شيئاً فشيئاً، حتى ليمكننا القول إن قوانين العقل هي قوانين العالم. وبالعمل فقط كان بوسع الإنسان أن ينتج ذاته في العالم وفي التاريخ ويستعيد موضوعيتهما في ذاته مرة تلو مرة، حتى غدا العالم عالمه والتاريخ تاريخه، وحتى غدا الإنسان ذاته عالمياً وتاريخياً. العالم هو حقيقة الإنسان والتاريخ ظله. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الوجود الاجتماعي المتعين في العالم وفي التاريخ هو أساس الوعي الاجتماعي، لا العكس، والواقع هو أساس الفكر، لا العكس.

ليس للدولة بوصفها تجريد العمومية أي مضمون طبقي خاص أو جزئي، وإلا لكفت عن كونها دولة بالمعنى الحديث للكلمة. بيد أن الطابع الطبقي الذي ينسب للدولة هو طابع سلطتها السياسية فحسب، أي طابع ما يطلق عليه اسم الحكومة، وما من شك في أن هذه السلطة السياسية تطبع الدولة بطابعها إلى هذا الحد أو ذاك، بحسب ما تكون عليه علاقاتها مع بقية فئات المجتمع المعني، وحين تتماهى السلطة والدولة تضمر الدولة حتى تطابق حدود السلطة، ويغلب الخاص على العام والجزء على الكل، وذلكم هو مبدأ الاستبداد وعلته.

ارتبط مفهوم الدولة الحديثة منذ نشوئه بمفهوم المجتمع المدني على الصعيد الاجتماعي، وبمفهوم الأمة على الصعيد الثقافي، وبمفهوم الشعب على الصعيد السياسي، وإنه لضرب من العبث نفي علاقة التسبب بين الدولة والأمة، ولكنه من العبث أيضاً وضعهما في علاقة كعلاقة الدجاجة والبيضة، ما دام لا بيضة بلا دجاجة ولا دجاجة بلا بيضة. ولعل ما يعزز الميل إلى إرجاع المجتمع المدني والدولة إلى العمل والإنتاج الاجتماعي هو قابلية العمل والإنتاج للقياس والتحقق الإمبريقي، مما يسمح بوضع معايير علمية للحكم على درجة تطور المجتمع المعني.

الهوية هي وعي الذات الذي يحدد زاوية النظر إلى الكون والعالم وإلى الإنسان، وعي الذات ليس مرتبطاً بالعمل فقط، بل هو أهم نتاجات العمل والإنتاج الاجتماعي، بدءاً من إنتاج الإنسان ذاته. الإنتاج لا يقتصر على إنتاج الثروة المادية، بل يتعداها إلى إنتاج الثروة الروحية، وإلى إنتاج المجتمع ذاته وإعادة إنتاجه، وإلى إنتاج العلاقات والتنظيمات الاجتماعية والسياسية وإنتاج الدولة. إذا صح أن الهوبة هي وعي الذات، وأن هذا الوعي أهم نتاجات العمل والإنتاج الاجتماعي، نكون قد اقترحنا مدخلاً منطقياً لتحديد الهوية القومية للأمة على نحو تبدو معه التحديدات المألوفة التي درج عليها الفكر السياسي العربي، القومي والإسلامي خاصة، مجرد أوهام ذاتيه، لذلك لم تفض إلى شيء سوى إلى إعادة إنتاج التأخر والاستبداد والتجزئة والتبعية، وإلى الهزائم المتتالية، من هزيمة حزيران 1967 إلى احتلال بغداد في التاسع من نيسان 2003. ألا يكفي ذلك، وقد حددت ثلاثة العقود هذه مصير ثلاثة أجيال، الجيل الذي قبلها والجيل الذي ولد في أثنائها والجيل الذي بعدها؟! بكم جيل ينبغي أن تضحي الحركة القومية والحركة الإسلامية حتى تثوبا إلى الرشد، وكم هزيمة تحتاجان إليها حتى تعترفا بالواقع كما هو؟!

وعلى المتن نفسه استطراداً: جميع مؤسسات الدولة مؤسسات عامة، أي مؤسسات وطنية أو قومية، وهما هنا بمعنى واحد، وكذلك دستورها وقانونها، لا نشيدها وعلمها فقط. وهذه المؤسسات تستمد عموميتها ووطنيتها أو قوميتها من عمومية الدولة ذاتها ومن وطنيتها أو قوميتها. هذا التحديد الواقعي، المعترف به نظرياً عندنا، يكشف عن قصور مفهوم القومية ومفهوم الأمة، كما استقرا حتى اليوم في الوعي السياسي، ويكشف عن طابعهما الحصري ومن ثم الإقصائي، ويعري العناصر العرقية والدينية أو المذهبية التي لا تزال تلابس مفهوم القومية العربية ومفهوم الأمة العربية. ولعل مفهوم المجتمع المدني ومفهوم الدولة الوطنية، تتمته الضرورية منطقياً وتاريخياً، أي واقعياً، تساعدنا اليوم في إعادة تعريف الأمة والقومية بدلالة مفهوم المواطنة من جهة وعمومية الدولة من جهة أخرى، والمواطنة بالتعريف هي العضوية في الدولة الوطنية. وعلى سبيل "التمرين الذهني" سأسأل القارئ سؤالاً محرجاً: لنفترض أننا تمكنا، بقدرة قادر، من إقامة دولتنا القومية الحديثة، دولة الأمة أو الدولة الأمة، فما هي وضعية المواطنين غير العرب، إثنياً، كالكورد والأرمن والشركس والتركمان والفرس وغيرهم في دولتنا القومية؟ هل هم مواطنون متساوون مع المواطنين العرب وأعضاء كاملو العضوية في الدولة؟ وإذا كانوا كذلك فهل هم في عداد الأمة؟ وإذا كانوا كذلك، فماذا تعني الصفة الوطنية أو القومية للدولة؟  ماذا يعني الأمريكيون مثلاً حين يتحثون عن الشعب الأمريكي والأمة الأمريكية؟ ونضرب الأمركيين مثلاً لأن الولايات المتحدة الأمريكية تمثل الحد الأقصى في التنوع الإثني والديني واللغوي والثقافي. الأسئلة محرجة، ولكن لا مناص من الإجابة عنها، نظرياً وعملياً، وليست في الواقع من قبيل التمرين الذهني، بل من قبيل تحديدات الواقع وتحدياته، فهل نقبل التحدي؟

لا بد أن نقيم حداً معرفياً ومنطقياً وتاريخياً بين الإثنية والقومية، بمعناها الحديث والمعاصر، ومن دون ذلك ستكون جميع محاولات التجديد محكومة بالإخفاق. والمدخل إلى ذلك هو إعادة الاعتبار للدولة القائمة بالفعل، هنا والآن، والعمل على صيرورتها دولة حق وقانون لجميع مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز، أي العمل على صيرورتها دولة المجتمع وتعبيراً فعلياً عن كليته، وحينئذ فقط ستغدو قضية الوحدة العربية قضية وقت، لأنها ستغدو قضية المصلحة العامة والإرادة العامة، لا مصلحة هذا الحزب أو ذاك وإرادته. وقد كنت ولا أزال ألاحظ أن التناقض الرئيس هو بين حصرية "الدولة / السلطة" وكلية المجتمع، في كل بلد عربي على حدة. وقضية فلسطين تابعة لقضية الوحدة العربية.

لكي تقيم دولة "قومية" نقية عرقياً ودينياً ومذهبياً ولغوياً وثقافياً، لا بد من ممارسة جميع أشكال التمييز والاضطهاد، ولا بد من ممارسة التطهير العرقي والديني واللغوي والثقافي، وقد جربت ذلك جميع الأمم بدرجات متفاوتة وأساليب مختلفة، ولم تنجح. وإذا كان لعدم النجاح المتواتر أي قيمة معرفية أو بيداغوجية أو أخلاقية فإن العقل يحكم بعدم تكرار ما ثبت خطؤه وإخفاقه، ناهيك عن وهم أن هذا النقاء يمكن أن ينفي اختلافات وتعارضات أخرى لا حد لها، قد لا يكون بعضها أهون من الاختلاف الإثني أو الديني أو المذهبي. وبكلمة، إن محاولات إلغاء الاختلاف أو السيطرة عليه هي من أكثر المحاولات عبثية ولا عقلانية ولا أخلاقية بالتساوي. وإذا كان الأمر كذلك فإن مشروع الدولة القومية، ولنسمها الدولة السياسية، كما سماها ماركس، يظل مفتوحاً على ثلاثة احتمالات، أحدها إعادة إنتاج الأوضاع القائمة، وهو ما ترجحه حتى اليوم البنى الاجتماعية والأيديولوجية والسياسية، ناهيك عن التاخر التاريخي الذي يتكثف في هذه البنى. أما الاحتمالان الآخران فهما متضادان ومتعاكسان، أولهما إطلاق سيرورة تفتيت وتذرير تقيم كيانات "سياسية" عشائرية وإثنية ودينية ومذهبية يناقض مضمونها معنى السياسة ومعنى الدولة على طول الخط، وهو ما تعمل من أجله إسرائيل، يؤازرها التأخر العربي والليبرالية الجديدة للعولمة الاقتصادية. والثاني هو ما يحاول هذا البحث تلمس مبادئه وخطوطه العامة، أعني إعادة الاعتبار للمجتمع المدني والدولة الوطنية، أو إنتاج عقد اجتماعي جديد يغتني شكلاً ومضموناً بثروة التطور الذي تحقق على الصعيد العالمي.

المجتمع المدني، على ما فيه من تنوع واختلاف وتعارض، هو التجسيد العياني للأمة، ولنقل هو الواقع المادي الكثيف للأمة، والأمة هي تجريده المثالي، أو تعبيره الثقافي، أي التعبير النظري عن وحدته التناقضية؛ وفي التجريد المثالي والتعبير الثقافي كليهما تختفي أو تكاد تختفي الفروق والتعارضات الملازمة للكينونة الاجتماعية، أو للوجود الاجتماعي المباشر. لو كان البشر ينتجون اختلافاتهم وتعارضاتهم في المجالين الثقافي والسياسي، كما هي في وجودهم الاجتماعي المباشر وعشوائية حياتهم اليومية واختلاف غاياتهم وتناقضها وتضادها، لما كان هناك اجتماع بشري، بل اجتماع طبيعي فحسب. وهذا يضع فرقاً جوهرياً بين فكر سياسي قومي أو إسلامي يستمد مقولاته ومبادئه من ذاته، وفكر سياسي، بلا أي صفة أخرى، يستمدها من الواقع العياني، بين فكر مشدود إلى الماضي، وآخر مندرج في الحاضر ومتجه إلى المستقبل. ولا شك في أن الدلالات التي تحملها مقولة الأمة مثلاً تختلف جذرياً في الثاني عنها في الأول، وكذلك سائر المقولات "القومية".

ولكن كيف يستقيم أن تمثل الدولة تجريداً لعمومية المجتمع المعني في الوقت الذي تمثل فيه سلطتها السياسية مصالح طبقة اجتماعية بعينها، أي كيف يستقيم أن تكون الدولة عامة وكلية وسلطتها السياسية خاصة وجزئية؟ وهل بوسع الخاص والجزئي أن يطبع العام والكلي بطابعه من دون أن يكون فيه عنصر عمومية وكلية، أم إن عمومية الدولة هي التي تطبع السلطة السياسية (الحكومة) بطابعها، فتجعل منها شيئاً عاماً؟ وأين تكمن بالضبط عمومية الدولة؟ سنترك الإجابة عن بعض هذه التساؤلات لكارل ماركس من دون أن نقوله ما لم يقل: يقول ماركس: "إن كل طبقة جديدة تحتل مكان طبقة كانت سائدة قبلها مضطرة، ولو لمجرد تحقيق أهدافها، إلى تمثيل مصلحتها على أنها المصلحة المشتركة لجميع أعضاء المجتمع؛ يعني أنه ينبغي لها، إذا شئنا أن نعبر عن ذلك على صعيد الأفكار، أن تعطي أفكارها شكل العمومية، وأن تمثلها على أنها الأفكار الوحيدة العقلانية، الأفكار الوحيدة الصالحة بصورة شاملة، إن الطبقة الثورية تمثل منذ البداية، لمجرد أنها تعارض طبقة أخرى، ليس على أنها طبقة، بل على أنها ممثلة المجتمع بأسره؛ إنها تتجلى على أنها الكتلة الكاملة للمجتمع في مواجهة الطبقة السائدة، وإنها تستطيع أن تفعل ذلك، بادئ ذي بدء، لأن مصلحتها أوثق ارتباطاً بعد بصورة فعلية بالمصلحة المشتركة لجميع الطبقات غير السائدة الأخرى، وذلك لأن تلك المصلحة لم تسنح لها الفرصة بعد، تحت ضغط الأوضاع القائمة، حتى ذلك الحين، كي تتطور على أنها المصلحة الخاصة لطبقة خاصة؛ وبالتالي فإن انتصارها يعود بالمنفعة أيضاً على أفراد كثيرين من الطبقات الأخرى التي لا تتوصل إلى السيطرة، لكن بقدر ما تجعل هؤلاء الأفراد في مركز يمكنهم من الانتساب إلى الطبقة السائدة"

[5].

لا بد من التساؤل: هل أعطت الفئات الوسطى التي احتلت الحقل السياسي في الدول العربية "التقدمية" كما وصفت نفسها، أفكارها صفة العمومية، وهل قدمت مصلحتها على أنها المصلحة العامة واعترفت لها بذلك سائر الفئات الاجتماعية الأخرى؟ يعتقد الكاتب أن الإجابة عن هذا السؤال حاسمة. فقد تكشف الإجابة عن الفروق بين سياسيات المرحلة الناصرية، وسياسات المرحلة ما بعد الناصرية، بل قد تشير إلى عوامل الشمولية والاستبداد في المرحلة الناصرية ذاتها. ونحن نفترض أن عمومية الدولة وشموليتها ضدان، العلاقة بينهما علاقة تناسب عكسي. العمومية هي مبدأ الجمهورية، وهي المقابل السياسي للعمومية، والشمولية مبدأ الاستبداد. السؤال والجواب معاً ينطويان على مطلب فهم العلاقات الاجتماعية عامة والعلاقات المتبادلة بين الفئات الاجتماعية خاصة، لتفسير تحول الكتلة الأساسية من الشعب في كل بلد على حدة إلى "جماهير"، أي إلى "شعب الدولة"، المقابل الشمولي لدولة الشعب. والحالة الجماهيرية هي النتيجة المنطقية والتاريخية لتدمير البنى الاجتماعية وإعادة تنسيقها، وإدماج مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في مجال واحد هو مجال السلطة الشمولية التي لم يكن بوسعها أن تكون كذلك لولا سيطرتها المحكمة على جميع مفاصل الإنتاج الاجتماعي، المادي الذي لم يعد له من وظيفة تتعدى ضمان البقاء البيولوجي للشعب، سوى زيادة ثراء أهل الحكم وأرباب الدولة وزبنها وزيادة قوتهم وطغيانهم. أما سائر فروع الإنتاج الأخرى فقد أخضعت جميعها لهذا المعطى، أي إن وظيفتها صارت مقصورة على ضمان استمرار السلطة الشمولية وديمومتها وإعادة إنتاجها، إلا ما قل وندر مما يقع في باب الممنوعات والمحظورات التي لا تبيحها أي ضرورة، بما في ذلك ضرورة الدفاع عن استقلال الوطن في وجه الغزاة والمحتلين. وقد بينت تجربة العراق الأخيرة أن السلطة الشمولية صارت أهم من الوطن والشعب، بعد أن اختزلتهما إلى حزب قائد وزعيم ملهم. فما أن اختفى الزعيم حتى اختفى الحزب واختفت الدولة التي كان قائدها وقوامها، واحتل الوطن واستبيح الشعب، وانقلبت "جماهير" القائد والحزب القائد ضدهما بين ساعة وأخرى. تلكم هي أهم الظواهر التي تحتاج إلى تأمل وتحليل، لا في العراق فحسب، بل حيثما وجدت السلطات الشمولية واستبيح المجتمع المدني. السلطة الشمولية أو الدولة التسلطية والمجتمع المدني ضدان، الأولى لا تقوم ولا تستمر إلا على أشلاء الثاني. ولجهلها وجاهليتها ولا عقلانيتها لا تدرك أنها حين تدمر المجتمع المدني وتهمشه إنما تدمر الدولة وسلطتها السياسية، فلا تعود السلطة توصف بأنها سلطة سياسية بأي معنى من المعاني. السلطة السياسية لزيمة الدولة السياسية، أي الدولة الوطنية.

ليس بوسع أي طبقة أن تهيمن ثقافياً وتسيطر سياسياً من دون أن تتسنم ذروة من "ذرى المشروعية العليا"[6] التي هي التعبير العملي عن العمومية، وهو ما يجعل جميع الفئات الاجتماعية الأخرى تعترف للطبقة المهيمنة ثقافياً والمسيطرة سياسياً بأنها تمثل المجتمع كله، ولذلك كانت الطبقات الاجتماعية القديمة في حاجة ماسة إلى الدين بوصفه ذروة من ذرى المشروعية العليا. وتحت هذه القشرة المثالية يقبع الاحتياج المتبادل بين الأفراد والجماعات والفئات الاجتماعية. ومنذ بدايات الثورة البورجوازية التي نجمت عن تحول نوعي في بنية العمل البشري صار الاحتياج المتبادل أكثر قوة ووثوقاً، وأكثر شفافية، بقدر ما كانت المجتمعات تتخطى الحدود المحلية، وبقدر ما كانت الجماعات تخرج من عزلتها وتودع انغلاقها على ذاتها إلى غير رجعة. ولذلك وصف هيغل المجتمع المدني بأنه منظومة الحاجات والطبقات، والإنتاج الذي يلبي تلك الحاجات؛ ومن ذلك حاجة البورجوازية إلى الطبقة العاملة التي لم تكن تقل عن حاجة الطبقة العاملة إليها، وحاجتهما معاً إلى الفئات الوسطى في المدن والأرياف، وحاجة هذه الفئات الوسطى إليهما؛ وأجنة العمومية لا تنمو إلا في تربة الاحتياج المتبادل والاعتماد المتبادل. كل شيء يتوقف على كل شيء، تلكم هي القاعدة التي تجعل الظاهرات المعزولة والمجالات المخصوصة وجميع أجزاء الكل أقل من الكل. فما بالكم إذا كان هذا الجزء عشيرة أو طغمة أو حزباً سياسياً أو تحالف أحزاب، يفرض نفسه كلاً بالقوة العارية التي تنمو طرداً مع ضمور عنصر الكلية في فكره وفي روحه، كما هي الحال في "العالم العربي"؟

 

 



[1] - من أبشع النزعات الحصرية ما مارسه البعثيون في سورية والعراق خاصة، لا حيال المواطنين غير العرب، كالأكراد مثلاًن فقط، بل حيال المواطنين الذين لا ينتمون إلى الحزب القائد والذين لا يؤيدونه ناهيكم بالذين يعارضونه، فالبعثيون وأقرباؤهم وأنسباؤهم هم المواطنون أعضاء دولة البعث، ومن عداهم ليسوا مواطنين في الدولة وليس لهم أي من حقوق المواطنة.

[2] - هذه المقولة مركزية في كتابات برهان غليون، استاذ علم الاجتماع السياسي، ولا سيما في "مجتمع النخبة" و "اغتيال العقل"، ولدى كثيرين غيره.

[3] - راجع، عبدالله العروي، مفهوم الحرية

[4] - لم يكن هناك أي فائدة من اشتقاق معنى الأمة من بطون المعجمات العربية وكتب التراث، على نحو ما فعل الأرسوزي وغيره، أو من النظريات القومية التي شاعت في أوربة في القرن التاسع عشر، على نحو ما فعل الحصري، ولا يزال هذا التقليد سارياً لدى معظم الذين يتناولون هذا الموضوع.

[5] - كارل ماركس وفريدريك إنغلز، الأيديولوجية الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب، دار دمشق، دمشق، بلا تاريخ نشر، ص 57-58

[6] - راجع محمد اركون في "تاريخية الفكر العربي"