في الحرية عامة وحرية الفرد الخاصة

بقلم د: جاد الكريم الجباعي

ثمة في المجتمع المدني تعارض دائم بين الفرد الطبيعي المسوق بسائق حاجاته ورغباته وأهوائه ونزواته ومصلحته الشخصية، والمواطن الذي يتطلع إلى الحرية والمساواة والعدالة، وإلى حياة مدنية وإنسانية لائقة، وهو ما يعبر عنه عادة بالتعارض بين الفرد والمجتمع، و بين الفرد وسلطة الدولة. وقد رأينا أن اختلاف الأفراد وتعارض مصالحهم هو ما يوجب العقد الاجتماعي، وأن ما هو مشترك بينهم جميعاً، على اختلافهم، هو ما يجعل العقد ممكناً. وأن العقد الاجتماعي في حقيقته هو التجريد القانوني والحقوقي لما هو مشترك بين جميع الأفراد وجميع القوى والفئات الاجتماعية، وهذا المشترك هو ماهية هؤلاء وجوهرهم، ومن ثم فإن العقد الاجتماعي عقد ماهوي أو جوهري أو نوعي؛ وهذا ما يجعل الاجتماع البشري مختلفاً نوعياً عن الاجتماع الطبيعي لدى الحيوان.

كل ما هو عام ومشترك بين الأفراد يغدو قانوناً عاماً، لا يخلو أن يكون قوة منع وكبح، وقيداً على الحرية الفردية، بما هي حرية ذاتية، أو مطلق ذاتي. بيد أن مجال الاختلاف لا يقل اتساعاً وعمقاً وتجذراً في الطبيعة الإنسانية، وهو مجال التفرد والفرادة والإبداع والنفي والتجديد، كما أشرنا، ومع ذلك، هو المجال الذي يُخضَع للمواضعات والحدود والقيود والأعرف والقوانين، ولكنه لا يني يقاوم ويعاند ويتمرد ويثور، وذلكم هو الوجه الآخر لماهية الإنسان. ولعمري إن جدل التماثل والاختلاف هو ما يجعل قضية الحرية غاية في التعقيد والتناقض، فأي الحريتين هي حريتنا الفعلية: أتلك التي أقمنا بها العقد الاجتماعي (المجتمع والدولة) طوعاً واختياراً، بحسب افتراض جون لوك وروسو وغيرهما، أو خوفاً وإشفاقاٌ من الهلاك وفقدان كل شيء في حرب الكل على الكل، بحسب مكيافلي وهوبز وغيرهما؛ أم تلك التي ترى في العقد الاجتماعي، وفي أي عقد أو قانون عام ، أو مؤسسة، قيداً لا بد من كسره وحداً لا بد من تجاوزه؟! وأي الشخصين أنا: أالمواطن الذي نسبنا إليه الفضيلة السياسية، أم الإنسان الذي تكمن جميع فضائله في كونه إنساناً فحسب، والذي هو، من ثم، معيار جميع القيم والفضائل؟

 قد لا يشعر أحدنا بلذع السؤال وحرقته إلا حين يجد نفسه وجهاً لوجه في معارضة العرف والعادة والتقليد والقانون والسلطة السياسية، أي في مواجهة السلطة، ولا سيما السلطة الممأسسة التي لا غنى للفرد عنها: سلطة الأسرة والعائلة الممتدة وسلطة الجماعة والمجتمع، أو الأنا الأعلى، وسلطة الطبقة أو الجماعة المهنية وسلطة النقابة وسلطة الحزب وسلطة المؤسسة الدينية وسلطة المعرفة وسلطة الثقافة وسلطة الدولة، وغيرها. السلطة التي هي، على اختلاف أشكالها وصورها ودرجاتها، شكل من أشكال الاستلاب والاغتراب؛ فما بالكم إذا كانت سلطة مستبدة؟.

وما من شك في أن مسالة الحرية هي مسألة الوعي، أو لنفل: إن سؤال الحرية هو سؤال الوعي. وهذا، أي الوعي، هو الوجود مدركاً على نحو ما، ومن ثم، فإن مسألة الحرية هي مسألة الوجود مدركاً على نحو ما. ونقول: "على نحو ما" لكي نضع الوعي نفسه تحت السؤال، فيفصح عن درجة مقاربته للواقع، وعن مدى التقارب والتشابه بين صورة العالم في الرأس وصورته الحقيقية.

وما من شك أيضاً أن مسالة الحرية مسألة إشكالية، فثمة الحرية في مقابل الضرورة، وثمة الحرية في مقابل العبودية، وثمة الحرية بما هي موضوعية الإرادة وإمكانية الاختيار. إلا أننا سنتناول الحرية في تعارضها المزدوج مع المجتمع من جهة ومع السلطة السياسية من جهة أخرى، أو ما يمكن وصفها بالحرية المدنية، أوالحرية السياسية، وهذه الأخيرة هي أوضح المعالم المأثورة في التاريخ، كما يقول جون ستيوارت مل[1].

وفي هذا المجال كان الوطنيون العاملون في سبيل الحرية يسعون إلى الحد من تسلط الحكام وتعسفهم، وتقييد سلطتهم، إما "بتحقيق بعض الحصانات التي يعتبر اعتداء الحاكم عليها إخلالاً بواجباته"، مما يجيز معارضته أو الثورة عليه، وإما بإقامة حدود دستورية تجعل إرادة الأمة أو الهيئات التي يفترض أنها تمثلها شرطاً ضرورياً لما يحق للسلطة أن تقوم به من أعمال. ثم ما لبث طلاب الحرية وعشاقها أن كفوا عن التفكير في أنه من الضروري أن يكون حكامهم أصحاب سلطة مستقلة تتعارض مع مصالح المحكومين؛ إذ اتضح لهم أن من الأفضل أن يكون حكام الأمة، على اختلافهم، وكلاء أو مفوضين عنها يجوز للأمة عزلهم متى تشاء[2]. وما دام الأمر كذلك، فلا معنى لتقييد سلطة الحكام، إلا حين تكون السلطة في أيدي حكام لا تتفق مصالحهم ومصالح الشعب في العادة. أما في ما عدا ذلك، فإن الشعوب تسعى إلى توحيد الحاكم والأمة توحيداً يجعل مصلحة الحاكم وإرادته هي مصلحة الشعب وإرادته؛ ومن ثم فلا خوف أن يطغى الشعب بنفسه على نفسه؛ فما دام الحكام مسؤولين أمام الأمة عن تصرفاتهم، ويجوز لها عزلهم متى تشاء، بات في مقدورها أن توكل إليهم سلطة تملي هي عليهم كيفية استخدامها[3]. وليس بوسعها أن تملي عليهم كيفية استخدام السلطة على نحو يجعل الأمة والحاكم شيئاً واحداً إلا حين تكون المؤسسة التشريعية، التي تسن القوانين وتراقب عمل السلطة التنفيذية ومدى التزامها القوانين التي تعين الحقوق المدنية والحريات الأساسية، "تمثل" الشعب تمثيلاً فعلياً.

بيد أن ساطة الشعب، أو حكم الشعب نفسه بنفسه، ليست بعد تعبيراً صادقاً عن واقع الحال، فالذين يباشرون السلطة ليسوا دوماً على اتفاق مع المحكومين، وأن حكم الفرد نفسه بنفسه لم يكن سوى حكم الفرد بمشيئة المجموع، وأن إرادة الشعب، كما تجلت في الواقع لم تكن سوى إرادة القسم الأكثر عدداً أو الأكثر نشاطاً من سائر أقسام الشعب، إي إنها إرادة الغالبية، أو أرادة أولئك الذين يوفقون في إقامة أنفسهم مقامها. ومن ثم فإن تقييد السلطة، خشية استبداد الأكثرية بالأقلية، لم يفقد شيئاً من أهميته، وإن كان القابضون على زمام السلطة مسؤولين أمام الشعب[4]. ولذلك يذهب بعضهم إلى القول إن الديمقراطية هي حكم الأغلبية وضمانات الأقلية؛ بل تراني أذهب إلى ما هو أبعد من ذلك فأقول: الديمقراطية هي حرية الأقلية أولاً، أي حرية الاخر أولاً، على كل صعيد.

طغيان الأكثرية واستبدادها بالأقلية، على الصعيد السياسي، يقابلة نوع من طغيان اجتماعي على حرية الفرد أكثر عنفاً من كثير من ضروب الطغيان السياسي. وهو طغيان مبعثه قوة العرف والعادة وسطوة القيم السائدة، واستهجان أكثرية المجتمع كلَّ جديد في الفكر والعمل، ووصمه بالانحراف والهرطقة والمروق والخروج على الجماعة. وأكثر ما يتجلى هذا الطغيان في ما سماه الكواكبي "الاستبداد الديني"، حين قال: "تضافرت آراء أكثر العلماء الناظرين في التاريخ الطبيعي للأديان أن الاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني، والبعض يقول: إن لم يكن هناك توليد فهما أخوان، أبوهما التغلب وأمهما الرياسة؛ أو هما صنوان قويان بينهما رابطة الحاجة إلى التعاون لتذليل الإنسان؛ والمشاكلة بينهما أنهما حاكمان: أحدهما في مملكة الأجسام، والآخر في عالم القلوب"[5].

"وعلى ذلك لا تكفي حماية الفرد من طغيان الحاكم، بل تجب حمايته أيضاً من من طغيان الشعور السائد والرأي العام، ومن ميل المجتمع إلى فرض أفكاره وعاداته، بوسائل أخرى غير العقوبات المدنية، ووضع هذه العادات والأفكار في مقام القواعد العامة للسلوك، فيعوق المجتمع بذلك نمو الشخصية الفردية التي لا تتفق مع أساليبه في الحياة، بل يحاول، إذا أمكنه، أن يمنع تكوينها، ويجبر جميع الأشخاص على أن يشكلوا أنفسهم وفقاً لمثله ومبادئه. فهناك حد فاصل لتدخل الرأي العام تدخلاً مشروعاً في استقلال الفرد، وتعيين هذا الحد وصيانته من اعتداء الرأي العام عليه أمر ضروري لصلاح شؤون الناس بقدر حمايتهم من الاستبداد السياسي". وإذا كانت هذه القضية لا تقبل الجدل بوجه عام، كما يقول جون ستيوارت مل (1806-1873) فإن المشكلة التي تثير الجدل هي تعيين هذا الحد الفاصل بين استقلال الفرد وسلطة المجتمع، أو سلطة الرأي العام.

ويبلغ الطغيان السياسي والاجتماعي مداه حين ينتهك الحياة الخاصة للأفراد فيعصف باستقلال الفرد ويقمع ذاتيته، ويذيب فرديته وفرادته في سديم اجتماعي وسياسي لا يعدو أن يكون قفراً مجدباً وقاعاً صفصفاً، فتنحل عرى الاجتماع السياسي، وتنحل معها الثقافة والقيم الآخلاقية، ويغلب الهوى على العقل. وفي التاريخ ما يكفي من الدروس لكي نستنتج أن الانحطاط السياسي يلازمه انحطاط ثقافي وأخلاقي. وما الانحطاط السياسي سوى انحلال العقد الاجتماعي الذي أقامه الاختلاف.

لقد جرى الناس، حتى يومنا على معارضة حرية الفرد بحرية المجتمع والدولة، وحقوق الفرد بحقوق المجتمع والدولة، انطلاقاً من مفاهيم المصلحة العامة والإرادة العامة والخير العام، والحفاظ على وحدة المجتمع وتماسكه واستقراره؛ ولا تزال كثرتهم الكاثرة لا تعبأ بحقوق الفرد وحريته واستقلاله، ولا ترى ضرورة لتحكيم العقل فيها، بل ترى فيها شأناً من شؤون العاطفة فحسب؛ حتى صار المذهب العملي الذي تقوم عليه آراء الناس في تنظيم قواعد السلوك، بما فيها تلك التي تصدر عن نسق التفكير الخرافي، ولا يؤيدها العقل والمنطق، هو شعور كل منهم بأنه يجب على الآخرين أن يتصرفوا وفقاً لهواه، وأن هذا الهوى المعزز بقبول آخرين ومشاركتهم يكفي لتسويغ آرائه في مسائل الأخلاق والذوق واللياقة، مما لم يرد فيها نص صريح في عقيدته الدينية؛ بل إن هواه يغدو دليله في تفسير نصوص عقيدته. وما ذلك إلا لأن المبادئ والمعايير الأخلاقية التي تستحسن في ضوئها الأعمال والآراء أو تستقبح، فيثاب أصحابها أو يعاقبون، ليست سوى مبادئ الطبقة السائدة ومعاييرها، وهي مبادئ ومعايير انبثقت من مصالحها الخاصة وشعورها الذاتي بالسيادة والسمو. مما يحيلنا مرة أخرى على التناقض الرئيس بين عمومية المجتمع والدولة وكليتهما وخصوصية الفئة أو الطبقة الاجتماعية التي تدعي تمثيل الكل وجزئيتها، حتى حين تعترف لها سائر الفئات الأخرى بهذا التمثيل. ومن ثم، فإن عمومية المجتمع والدولة ليست بعد واقعاً فعلياً، ولا بد من كفاح طويل حتى تصير كذلك. وفي اعتقادنا أن حرية الفرد واستقلاله وذاتيته ورفاهته وسعادته هي ما سيجعل عمومية المجتمع والدولة واقعاً فعلياً. ولا يتحقق ذلك إلا حين يعي الناس ويعترفون اعترافاً مبدئياً ونهائياً أن الحياة الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية هي نتاج عمل المجتمع برمته، ونتاج عمل كل فرد فيه، وليست نتاج أرباب المال أو أرباب العقائد فحسب؛ وحين يعون ويعترفون أن كل فرد إنما يقوم بوظيفة ضرورية للآخرين يستحق بها حقوقاً مساوية لحقوقهم. ليس من سبيل آخر لتحقيق عمومية المجتمع والدولة سوى اعترافهما اعترافاً مبدئياً ونهائياً بمشروعية الاختلاف وأفرادية الواقع ومعقولية العالم. وذلكم هو رهان العقل والأخلاق، رهان الديمقراطية، في بعديها المادي والروحي، ولا سيما في بعدها المعرفي / الأخلاقي.

يجب أن يقوم في كل مجتمع من يدافع عن "الشر"، أي عما يظنه الرأي العام شراً. وقد يسأل سائل: هل يمكن أن يكون الرأي العام على خطأ إزاء الرأي الفردي أو رأي أقلية؟ أجيب بلا تردد: أجل. لا لأن ما كان خيراً ذات يوم صار شراً فقط، أو لأن ما هو خير اليوم في نظر المجتمع قد يصير شراً غداً فحسب، بل لأن الرأي العام لا ينطلق في هذه المسألة وفي كثير غيرها من مبدأ عقلي، منطقي وتاريخي، هو مشروعية الاختلاف، بل لأنه لا ينطلق، قبل ذلك من مبدأ الحرية التي ليست بعد سوى حرية الفئات التي تملك وسائل الإنتاج وتستأثر بالثروة والسلطة والقوة والسيادة، وتسيطر على ذرى المشروعية. فضلاً عن كون الرأي العام نتاج ما هو مشترك وتفق عليه، وهذا لا يعدو كونه الجزء الطافي من جبل الجليد قياساً بواقع الاختلاف والتعارض في حياة البشر.

لذا يجب أن تقوم العلاقات الاجتماعية والسياسية على مبدأ الدفاع عن الحرية، حرية الآخر أولاً، انطلاقاً من حقيقة أن كل أنا هو أنا وآخر في الوقت عينه. وأن العقل والعواطف والمشاعر قسمة مشتركة بين بني الإنسان، بل إنها أعدل الأشياء قسمة بين الناس. فإن "مشاعر الحب والبغض في المجتمع أو في بعض أقسامه القوية هي العامل الرئيس لما يحدد عملياً القواعد التي يجب على الناس مراعاتها بوجه عام، وذلك بحكم القانون أو الرأي العام؛ وقد ظل قادة المجتمع في الفكر والشعور بوجه عام لا يتعرضون لهذه الحال من حيث المبدأ، وإن كانوا قد يعارضون بعض ما جاء في تفاصيلها أشد المعارضة، فهم قد شغلوا أنفسهم بالبحث في الأمور التي يجب على المجتمع تحبيذها أو نبذها، بدلاً من أن يبحثوا فيما إذا كانت الأمور التي يحبذها المجتمع أو ينبذها يجب أن تصير قانوناً يحترمه الأفراد؛ ففضلوا السعي لتغيير عواطف الجمهور في بعض الأمور الخاصة التي يختلفون معه فيها بدلاً من أن يشتركوا في الدفاع عن الحرية مع الخارجين على العرف السائد. أما المسألة الوحيدة التي حققت بعض النجاح من حيث المبدأ، واستمرت على الدوام، وتبناها بعض الأفراد، فهي مسألة العقيدة الدينية؛ إذ مالت معظم الشعوب إلى التسامح الديني، واعترفت الديانات الكبرى بالمذاهب التي انشقت عنها، وبحرية أتباع هذه المذاهب في ممارسة شعائرهم وعباداتهم؛ وهي مسألة حافلة بالعظة من طرق شتى، كما أنها مثال واضح على قابلية الشعور العام للوقوع في الخطاً فيما نسميه بالروح الأخلاقية؛ فإن الحقد الذي يحمله المتعصب على من ينكرون مذهبه لمن أوضح الأدلة على هذا الشعور.

 وهكذا نرى أن هذه الحال وحدها هي التي كانت ميداناً للصراع الذي تأكدت فيه حقوق الفرد في المجتمع على أساس رحب من المبادئ العامة، فأنكر على المجتمع دعواه في مباشرة سلطته على الذين ينشقون عليه. وكثيراً ما أكد بعض كبار المفكرين الذين يعزو العالم إليهم الفضل في ما ينعم به من حرية العقيدة أن حرية الضمير حق مقدس، وأنكروا دعوى المجتمع أن الإنسان مسؤول أمام الآخرين عن معتقداته الدينية. إلا أن عدم التسامح أمر طبيعي في الإنسان في جميع النواحي التي تهمه، حتى غدت الحرية الدينية أمراً يصعب تحقيقه عملياً في أي مكان، إلا حيث يساعد على ذلك عدم المبالاة بالشؤون الدينية وكراهة المحاولات الفقهية التي تعكر صفو الناس"[6].

في المجتمعات المتأخرة بوجه عام، حيث لا يزال العرف والعادة والتقليد ونفوذ الكهنة و"رجال الدين" أقوى من القانون، يكره معظم الناس تدخل الدولة في تنظيم شؤون حياتهم، لا لأن قوة العرف والعادة وسلطة رجال الدين أخف وطأة على حرية الأفراد واستقلالهم من سلطة القانون، بل لأنهم لا يرون في الدولة سوى خصم للأمة أو عدو للمجتمع، وهو ما أشرنا إليه مراراً على أنه علاقة تخارج بين المجتمع والدولة التي لم تغد بعد دولة سياسية، أي دولة وطنية تعبر عن الكلية الاجتماعية. في هذه المجتمعات لا يزال اللجوء إلى القضاء، مثلاً، سبباً من أسباب العداوة والشقاق، ينظر إليه على أنه استعانة بقوة خارجية ظالمة. فلم تتعلم غالبية الشعوب المتأخرة أن سلطة الدولة منبثقة من إرادة الشعب. في مثل هذه المجتمعات يمكن أن يكون القانون ملاذاً للأفراد من طغيان المجتمع، وحامياً لحريتهم واستقلالهم، من دون أن نستبعد إمكانية تدخل الدولة في حياة الأفراد الشخصية وتقييد حريتهم. وليس هنالك اتفاق بين المهتمين بهذا الشأن على حدود تدخل الدولة في ما يعده الأفراد شؤونهم الخاصة أو مجال حريتهم الشخصية. والمرجع الأخير في هذه المسألة يفترض أن يكون السلطة التشريعية المعبرة عن الإرادة العامة تعبيراً صحيحاً وفق مبدأ التمثيل النسبي، ووفق قواعد ومبادئ عقلية وأخلاقية واضحة، لا وفقاً للأهواء الشخصية. ونعتقد أنه من الصعوبة بمكان حسم هذا التعارض المقيم بين العقل والهوى. بيد أن القاعدة العامة التي تقتضيها الحياة المدنية هي وضع حد على أساليب الجبر والقسر والإكراه والعقاب المادي أو المعنوي التي يمارسها المجتمع على الأفراد، وتقليصها باطراد، حتى لا يبقى من حد على حرية الفرد سوى ما يلحق الضرر والأذى بالآخرين. على أنه ليس لأي سلطة اجتماعية أو سياسية أن تفرض على الفرد ما تعتقد أنه خير له وأدنى إلى مصلحته، وليس لأي سلطة أن تفرض على الفرد ما تعتقد أنه واجب من واجباته. القاعدة العامة التي تحكم هذا المجال هي أن الإنسان هو سيد نفسه ومسؤول عن أفعاله، وأن الإباحة هي الأصل في جميع الأمور.

 وظيفة أي سلطة منظوراً إليها بمنظار المنفعة هي إحقاق الحقوق وحمايتها أو كفالتها فحسب؛ ذلك لأن الحقوق تنتمي إلى دائرة الموضوعية، بخلاف الواجبات التي تنتمي إلى دائرة الذاتية، أي إلى دائرة الحرية والاستقلال. وبتعبير آخر: إن الحقوق تنتمي إلى دائرة الحرية الموضوعية، أو إلى دائرة الإرادة وقد غدت موضوعية، وتعينت في سلطة، في حين تنتمي الواجبات إلى دائرة الحرية الذاتية والإرادة الذاتية؛ وإن عيب السلطات ومصدر انحرافها عما ينبغي أن تكون عليه، حتى يومنا، هو تلازم الحق والقوة، مادية كانت هذه القوة أو معنوية، وهو مما يطمس الحدود أحياناً بين الحق والواجب. ولما كانت الحقوق محمولة على الإنسان، الفرد الطبيعي والمواطن، فإن حقوق الأفراد هي واجبات السلطة، اجتماعية كانت أم سياسية؛ والسلطة بوصفها شخصاً معنوياً وشكلاً من أشكال موضوعية الإرادة، ليس لها حقوق، بل لها وظائف هي تحقيق المصلحة العامة، وعليها واجبات هي حقوق الأفراد وحقوق المواطنين. وهكذا تغدو الحقوق ذاتها واجبات. وعلى الصعيد الاجتماعي، تغدو حقوق الـ أنا واجبات الـ الآخر. ولما كان كل فرد على الإطلاق هو "أنا" و "آخر"، في الوقت ذاته، فإن الحقوق والواجبات تتحد في هوية واحدة مؤسسة على الحرية التي هي ماهية المواطن، لا على القوة والغلبة والأنانية وغيرها من صفات الفرد الطبيعي قبل أن تهذبها المدنية. وما تعارض الحقوق والواجبات، حتى اليوم، سوى مظهر من تعارض الفرد الطبيعي والمواطن.

قصر جون ستيوارت مل الحرية على الأفراد "الراشدين"، فاسثنى الأطفال والمراهقين الذين لم يبلغوا سن الرشد "التي يحددها القانون". وعلى هذا القياس استثنى من الحرية ما سماه الأمم القاصرة الهمجية التي لم تتعلم بعد كيف تصلح شؤونها بالحوار الذي يقوم على الحرية والمساواة. فهذه الأمم أشبه ما تكون بالقاصرين الذين ما زالوا في حالة تستدعي عناية غيرهم بهم وحمايتهم من إيذاء أنفسهم بأنفسهم. ولعل في هذه الرؤية ما يثلم مبدأ الحرية، ويسوغ الاستبداد بغير الراشدين الذين ليس لهم سوى الإذعان والطاعة لسادتهم، ويشي بنوع من النقص في المبدأ، لسنا في معرض الكشف عن أسبابه ودوافعه.

تتقلص فكرة الحرية، وفق هذا التمييز بين الراشدين وغير الراشدين، إلى فكرة الحق، لا بصفته المجردة، بل بصفته مرتبطاً بالمنفعة التي هي "الهدف النهائي وراء جميع المسائل الأخلاقية"[7]. ولا يخفى ما لعلاقة الحق بالقوة من أثر في توجيه هذا المبدأ وجهة يمكن أن تتعارض مع الحرية في كثير من الوجوه؛ إذ لا تزال فكرة الحق بصفته غير المجردة ذات محتوى اجتماعي (طبقي أو فئوي) يعيِّن مفهوم المنفعة، ويقصرها، في حدود واسعة، أو يكاد يقصرها على الطبقة المالكة للثروة ووسائل الإنتاج. من هنا تبرز، على الصعيد النظري، بوجه عام، وعلى صعيد نظرية المعرفة بوجه خاص، أهمية الانطلاق من مفهوم الحق المجرد، على نحو ما فعل هيغل وماركس أيضاً، بغية تقصي جميع تعيُّناته القائمة والممكنة، وشموله جميع الأفراد وجميع الأمم والشعوب والجماعات والمجتمعات. فبالانطلاق من مفهوم الحق المجرد، بما هو حق الجميع بلا اسثناء ولا تمييز، نصل إلى مفهوم القانون بصفته العامة والمجردة، وبصفته الضرورة التي تحمل الحرية وتفترضها شرطاً لازماً. وإلا فإن فكرة الحرية تغدو انتقائية واستنسابية. وهذا ما وقع فيه جون ستيوارت مل في حديثه عن "الأمم التي يهمنا أمرها"[8]، وهي في نظره الأمم المتمدنة في معارضة غيرها من الأمم الهمجية، وهي القسمة الثنوية ذاتها التي درج عليها الإغريق والرومان، والتي قامت عليها فكرة "المعجزة الغربية" و "المركزية الأوربية".

ولا مراء، حتى اليوم، في ارتباط الحرية بالمسؤولية والجزاء، وهذا ميدان خاص لجدال لا ينتهي حول حدود مسؤولية الفرد، أمام القانون، و أمام الرأي العام، عن أقواله وأفعاله، أو عن الامتناع عن قول أو فعل؛ إذ يؤدي الإقدام على عمل والامتناع عن عمل، في بعض الحالات نتيجة واحدة، هي الإضرار بالآخرين أو التسبب في إيذائهم أو في هلاكهم. فإلى أي حد يعد المرء مسؤولاً عن عدم قيامه بما يحول دون ضرر أو أذى على آخرين؟

وما من شك في أن هذه المسألة من المسائل المتعلقة بالضمير الذي لا سبيل إلى تحديده بغير توسط الوعي الاجتماعي والثقافة بوجه عام.

في حياة أي فرد، على الإطلاق، منطقة لا يحق لأي سلطة أن تتدخل فيها، بما في ذلك سلطة المجتمع والدولة، إذ ليس من مصلحة مباشرة للمجتمع والدولة في التدخل فيها، ما لم يصدر عنها ما يضر بالآخرين، ونفترض أنه لا يصدر عنها شيء من هذا القبيل. هذه المنطقة التي نطلق عليها اسم دائرة الحياة الشخصية، الخاصة والذاتية، هي موطن حرية الفرد الذاتية؛ وبحسب اتساع هذه المنطقة أو ضيقها تقاس حرية الفرد الذاتية التي هي أساس حريته السياسية أو المدنية التي سأغامر بتسميتها الحرية الموضوعية. وإذا شئنا استعمال المعيار الذي اعتمدناه على مدار هذا البحث، يمكن القول إن هذه الدائرة هي دائرة الاختلاف التي بها نقول عن أي فرد على الإطلاق إنه شخص فريد. ميدان الاختلاف، كما أرى، هو ميدان الحرية، ويقابله ميدان الاتفاق الذي هو ميدان القانون. ويحسن أن نشير هنا إلى أن الاختلافات التي لا حصر لها، وما ينجم عنها من ممارسات، تنزع دوماً إلى الانتظام والقانونية، بالمعنى الرياضي للمجموعات الحرة، مما يجعل الحدود والتخوم بين الاختلاف والاتفاق متغيرة وموَّارة. ومن ثم فإن الاعتراف المبدئي والنهائي بالاختلاف والمغايرة وجدل الأنا والآخر هو المدخل إلى الحرية. واستطراداً أود أن أشير إلى أن الديالكتيك هو مبدأ الحرية، ونظرية المعرفة للديمقراطية. وأعلم أن كثيراً من الماركسسن المتحزبين سوف يستهجنون هذا ويرفضونه، من الباب، بقدر ما سيرفضه القومويون الذين لا يرون في الديالكتيك سوى شخص هو شخص العدو، بحكم الحلولية التي تلازم هؤلاء وأولئك على السواء.

تشمل دائرة الحياة الخاصة هذه "المجال الداخلي للوعي"، ويحلو لي أن اسميه مجال الضمير والوجدان أو الروح الفردي، وهي ثلاثة أسماء لمسمى واحد، على ما أعتقد. ففي هذا المجال تتراءى صورة العالم في ذهن الفرد، فضلاً عن الصورة التي ينشئها الفرد لذاته، وتتداخل هاتان الصورتان وتتجادلان على نحو لا نستطيع معه تمييز إحداهما من الأخرى. ومن ثم فإن هناك من "الحقائق" الذاتية بقدر ما هنالك من الأفراد، وجميعها متساوية في القيمة وفي المشروعية، بيد أنه ليس لأي منها قيمة مطلقة، إلا لدى المرضى الذين يمكن سلكهم في سلك المستبدين. الاستبداد على هذا الصعيد مرض خبيث، ولكنه ليس عصياً على العلاج. المستبد هنا هو من يتوهم أن الصورة التي أنشأها في ذهنه عن العالم مطابقة لحقيقية العالم، وهي الصورة الوحيدة التي تتماهى مع الحقيقة، ويريد من الآخرين أن يقتنعوا بهذا الوهم. التوهم، على الصعيد النفسي، هو أسُّ الاستبداد. والمستبد، من ثم، يعاني من عطب ما في الضمير، يفاقمه تصور المستبد الوهمي عن نفسه.

لذلك كانت "حرية العقيدة وحرية الفكر والشعور وحرية الرأي والميول" في جميع المسائل والموضوعات العلمية والعملية والمادية والأدبية والدينية والدنيوية، وحرية التعبير عنها، من أركان حرية الفرد. وتتفرع عنها "حرية الأذواق والمشارب وانتهاج الطرق والأساليب التي يحب الفرد أن تسير عليها حياته الخاصة، بما يتفق مع طباعه وميوله، ويلبي حاجاته الأساسية، المادية والمعنوية؛ والصيغة العملية لذلك هي حرية الأفراد في الاجتماع للتعاون في أي أمر ليس فيه ضرر للآخرين، أعني حرية الأفراد في تأليف الجمعيات وإقامة التنظيمات التي تعبر عن حرية الإرادة، ولا تفتأ أن تتحول إلى نوع من إرادة جماعية هي أساس ما يسمى الحريات العامة أو الحريات الأساسية، ومدخل إلى فهمها. فحين تقوم هذه التنظيمات الإرادية على مبدأ الحرية والمساواة والعدل ترتقي إلى نوع من القوانين والقواعد العامة تلبي مطالب العقل أو مطالب الروح الإنساني، وهذا هو أساس عموميتها، أي أساس ارتقاء ما هو فردي وخاص في معارج العمومية. فكم من أمة تبنت ما كان ذات يوم تصورات وأفكاراً كانت ذات يوم فردية أو خاصة وخارجة على السائد والمألوف، ومعارضة لما يسمى "العقل السليم" الذي ليس سوى الأفكار والآراء والتصورات والعقائد السائدة التي لا يصمد معظمها أمام الفحص والنقد العقليين.

ثمة علاقة ضرورية بين الحرية والضمير تجعلنا نرى في الحرية، في أي مجال من مجالات الحياة الاجتماعية، فعلاً من أفعال الضمير، فنرى من ثم، في الحرية مبدأ أخلاقياً حاكماً يتوسط علاقة الفكر بالسياسة. وفي ضوء هذه العلاقة يغدو التعارض بين الفرد والمجتمع من جهة وبين الفرد والدولة من جهة أخرى لغزاً محلولاً. وفي ضوء هذه العلاقة أيضاً تتعين وظيفة الدولة وسلطتها السياسية، ويفصح الاجتماع البشري عن محتواه، وتتأكد قابليته للتحسن باطراد. وفي اعتقادنا أن هذه العلاقة مما يقيم الحد على تطرف المذهب الفردي من جهة وتطرف المذهب الوضعي الذي قال به أوغست كونت، والذي يرمي إلى تقييد الحرية الفردية بنوع من الاستبداد الاجتماعي يفوق في صرامة أحكامه كل ما خطر في بال الفلاسفة المتعصبين للنظام، من جهة أخرى. ولا تنجلي هذه المسألة في صيغتها العملية إلا حين ننظر إلى درجة التوازن أو اختلال التوازن بين التنظيمات غير الإرادية كالأسرة والطبقة والدولة ومؤسسات السلطة، وبين التنظيمات الإرادية أو الطوعية كالنقابات والجمعيات والأحزاب السياسية. وأترك للقارئ أن يضع المؤسسة الدينية، "الكنيسة" أو مؤسسة الإفتاء و "التشريع"، في أحد هذين النسقين فيقرر ما إذا كان الإيمان الديني فعلاً من أفعال الضمير، وما إذا كان الدين من ثم مبدأ معرفة ومبدأ عمل ومبدأ جهاد (أعني جهاد النفس الأمارة بالسوء)، أم ولاية على ضمائر البشر.

ويتوقف على اختيار القارئ، كما أفترض، موقف مبدئي ونهائي من حرية الفكر التي ترتكز عليها سائر الحريات الأخرى، ولا سيما حرية التعبير؛ إذ ليس من معنى لحرية التعبير، بجميع الوسائل والأساليب المتاحة والممكنة، بغير حرية الفكر، مما يجعلنا ننظر إلى حرية الفكر على أنها مبدأ أولي وشرط لازم لجميع الحريات العامة أو الحريات الأساسية أو الحريات المدنية. ولا تزال المؤسسة الدينية، أو السلطة الدينية، الإكليريكية أو المشيخية قيداً ثقيلاً على حرية الفكر. وليس بوسعنا أن ننظر إلى هذه السلطة على أي نحو سوى كونها سلطة بشرية مستبدة وطاغية.

لم تعد حرية الفكر وحرية الرأي وحرية الاعتقاد وحرية التعبير، ولا سيما حرية الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى، من المسائل التي يتجادل فيها الناس في البلدان المتقدمة، في حين لا يزال الناس عندنا ينظرون إلى حرية الفكر أوحرية الرأي على أنها نوع من الهرطقة والمروق والخروج على السائد والمألوف، سواء في ذلك العرف والعادة والتقليد والأيديولوجيات المذهبية والأيديولوجيات السياسية. والسلطات السياسية التي جمعت بين الرأي والسيف لم تفعل سوى إعادة إنتاج الاستبداد الاجتماعي والاستبداد الديني في الحقل السياسي؛ وبمقدار كبتها حرية الرأي والتعبير واحتكارها للحقيقة تحولت إلى نسق لإنتاج التعصب والتطرف في المجتمع، وباتت حرية الفرد محاصرة بين استبداد المجتمع واستبداد السلطات السياسية.

لو أن الناس جميعاً اجتمعوا على رأي واحد وخالفهم في هذا الرأي فرد بعينه فليس هناك ما يسوغ لهم إسكات هذا الفرد، وليس هناك ما يسوغ لهذا الفرد أن يسكتهم إذا أتيح له ذلك[9]. فإن في كبت حرية الفكر أو حرية الرأي سلباً لحرية الجنس البشري كله، من الأسلاف إلى الجيل الحاضر، سواء في ذلك الذين ينشقون عن الرأي العام أو الذين يلتزمونه. فإذا كان رأي المخاف صائباً فإن الناس يخسرون بكبته فرصة استبدال الصواب بالخطأ، وإذا كان خاطئاً فإنهم يخسرون بإسكاته فرصة لا تقل قيمة هي فرصة التثبت من الحق؛ فالصواب لا يظهر إلا في معارضة الخطأ، والحق لا يظهر إلا في معارضة الباطل. إن حرمان فرد واحد من حريته بغير حق هو حرمان المجتمع المعني كله والبشرية كلها من الحرية.

بيد أن الناس، وإن كانوا يعتقدون نظرياً أنهم غير معصومين من الخطأ والغلط والوهم، لا يقيمون وزناً لهذا الاعتقاد في حياتهم العملية وعلاقاتهم بالآخرين؛ وما أقل أولئك الذين يتحرزون من التردي في الخطأ، أو يعترفون بأن الآراء التي يثقون في صحتها قد تكون خطأ محضاً. فإنه بقدر ما تنعدم ثقة المرء في رأيه الفردي يؤمن بعصمة عالمه الخاص، حزبه أو مذهبه الديني أو طبقته الاجتماعية، من الخطأ. حتى أولئك الذين نصفهم بالتحرر وسعة الأفق، لأن عالمهم يتعدى الحزب أو المذهب الديني أو الطبقة الاجتماعية وما في حكمها ليشمل الوطن كله أو جيلاً بأكمله، قلما يشكون في صحة الرأي الجماعي، مع أنهم يدركون أن هناك ما يخالفه ويناقضه في بلاد أخرى ولدى شعوب أخرى، فيلقون على عاتق العالم الذي ينتسبون إليه مسؤولية مخالفته لمعتقدات العوالم الأخرى، ولا يقلق أياً منهم أن انتسابه إلى أحد هذه العوالم هو محض مصادفة. كما أن الأجيال والشعوب ليست أكثر من الأفراد مناعة على الوقوع في الخطأ؛ فمن المؤكد أن كثيراً من الأفكار السائدة اليوم سوف تنبذها العصور المقبلة، كما ننبذ كثيراً من الأفكار التي سادت في العصور الماضية. والمعول عليه في هذا الأمر هو الاعتراف الراسخ بنسبية الحقيقة واحتمال خطأ الذات.[10]

"وليس هناك افتراض لعصمة السلطة العامة من الوقوع في الخطأ، في أي عمل تقوم به اعتماداً على رأيها الخاص وتحت مسؤوليتها، أكبر (بل أسوأ) من افتراضها العصمة من الخطأ في منع انتشار الخطأ أو الباطل"[11]. السلطة العامة تخطئ، سواء كانت سلطة دينية أو علمانية، ولكنها تخطئ على الطالع والنازل حين تكون مستبدة، وتدعي العصمة، فتمنح نفسها حقاً مطلقاً في محاربة "الخطأ والضلال"، وفي فرض رأيها على الناس، على أنه الحقيقة الكلية الناجزة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. الخطأ ظل العمل، وكل من يعمل معرض للوقوع في الخطأ، وليس بوسعنا أن نتبين خطأ الرأي أو صوابه إلا بمعارضته برأي آخر، فحين تتجابه الآراء تفصح هي نفسها عما تنطوي عليه من أخطاء وأوهام. ليس هناك من يقين مطلق، وليس هناك من فرصة لتعرف موضوع ما بأكمله إلا بتعرف جميع الآراء التي قاربته من جوانبه المختلفة؛ وليس بوسعنا أن نثق بمن يدعي الحكمة ما لم تكن حكمته هي اعترافه باحتمال أن يكون على خطأ، وإصغاؤه للرأي الآخر واعترافه بمشروعيته، وانتفاعه بما فيه من حق وصواب. وليس ثمة من دعامة موضوعية للرأي سوى قدرته على مجابهة الآراء الأخرى التي تسعى إلى إقامة الدليل على بطلانه.

ومن الغريب أن يعترف الناس بصحة البراهين التي تؤيد حرية الرأي وحرية المناقشة، ويعترضون في الوقت ذاته على التمادي في مناقشة الأمور إلى حدودها القصوى، من دون أن يدركوا أن البرهان إذا لم يصدق على الحدود القصوى لا يصدق على الحدود الدنيا أو الوسطى. ومن الغريب أيضاً أن يحرِّموا مناقشة بعض المبادئ والعقائد التي يعدونها حقائق ثابتة، ويتوهمون، مع ذلك، أنهم لا يدعون العصمة. فلا حرية للفكر إلا بنزع صفة العصمة والقداسة عن الأشخاص وعن الآراء والأفكار والمبادئ والعقائد سواء بسواء. ذلك لأن جميع الآراء والأفكار والمبادئ والتصورات والعقائد هي محمولات الإنسان وتحديداته الذاتية، تنسب كلها إليه، وتستمد قيمتها منه.

ويذهب بعضهم إلى أن هناك أفكاراً نافعة للمجتمع، بغض النظر عن صحتها أو عدم صحتها، ومن ثم لا يجوز التشكيك فيها أو نقدها أو تفنيدها حرصاً على تلك المنفعة المزعومة. هؤلاء لا يلتفتون إلى حقيقة أن منفعة الرأي أو عدمها قضية قابلة للنقاش والجدال، وفيها وجهات نظر مختلفة تحيلنا مرة أخرى على وجوب حرية الرأي والفكر، ولكن أليست الآراء والأفكار الصحيحة هي الآراء والأفكار النافعة؟ وهل ينتفع الناس كافة بالأفكار غير الصحيحة؟ هذه قضية شائكة، ولا يجوز التسرع في الحكم فيها، ذلك لأن الآراء والأفكار مرتبطة بالمصالح، الخاصة منها والعامة. ولعله يمكن القول إن الأفكار الصحيحة هي الأفكار النافعة، من وجهة نظر المصلحة العامة ومنطق التقدم ومكر التاريخ الذي يفرض جزاء قاسياً أحياناً على المراحل التي تسود فيها أفكار خاطئة وعلى الشعوب التي تتبناها، وليس من الضروري أن تصح القاعدة نفسها على المصالح الخاصة التي تحرص على أن تقدم نفسها دوماً على أنها مطابقة للحقيقة. ولذلك كان لينين على حق حين أشار إلى أن للخطأ مصدرين: مصدر اجتماعي (طبقي أو فئوي) وآخر غنوزيولوجي، معرفي أو منهجي، من دون أن ندعي أن الخطأ ملازم للأفكار التي تعبر عن المصالح الخاصة. ويبدو لي أن تجابه الآراء والأفكار والتصورات والأيديولوجيات وتعارضها هو في أساسه تجابه المصالح وتعارضها؛ ومن ثم فإن الاجتماع البشري يقوم في كل زمان ومكان على مساومات وتوافقات وصراعات. ولعل هذا الأصل الاجتماعي للأفكار والآراء والتصورات والأيديولوجيات يحتم نزع العصمة والقداسة عن أي منها. فمن ذا الذي بوسعه أن يدعي أن لمصلحته الخاصة قيمة ومشروعية تفوق ما لغيرها من المصالح، ويكون مع ذلك على حق؟ فإذا كان للمصالح قيمة ومشروعية متساويتان، فإن جميع الأراء والأفكار متساوية في القيمة والمشروعية، بغض النظر عن الخطأ والصواب، وعن الحق والباطل. أما هذان الزوجان الجدليان: الخطأ والصواب والحق والباطل، فيتعلقان بتطور المجتمع ونموه؛ وهذان التطور والنمو يتوقفان على قدرة المجتمع على تبين الصواب من الخطأ والحق من الباطل وإدراجهما في فكره وعمله. وليس من الغريب والحال كذلك أن تدعي الفئات أو الطبقات السائدة أن مصلحتها موافقة أو مطابفة للمصلحة العامة، وأن آراءها وأفكارها وتصوراتها مطابقة للحقيقة؛ فتضفي على هذه وتلك قيمة ومشروعية مطلقتين. ومن الجدير بالذكر هنا أن الطبقة الاجتماعية الصاعدة التي تتوافر لها الشروط اللازمة لقيادة التغيير الاجتماعي تقدم نفسها دوماً على أنها تمثل المصلحة العامة والخير العام، وعلى أنها تسعى إلى تحرير المجتمع كله، وأن نجاحها في قيادة التغيير الاجتماعي مشروط باعتراف الفئات الاجتماعية لها بهذا التمثيل وبهذه الوظيفة التحريرية.

الأفكار والتصورات والعقائد التي يظنها الناس نافعة تكتسب لديهم صفة العصمة والقداسة، وتغدو في نظرهم حقائق كلية ثابتة، ويدخل نقدها أو تفنيدها في باب المحرمات، وينظر من ثم إلى من يحاول نقدها وتفنيدها والخروج عليها على أنه خارج على الجماعة لا بد أن يضرب على يده بشدة وحزم دفاعاً عن وحدة المجتمع وقداسة عقائده. والتاريخ حافل بصور اضطهاد المصلحين والعلماء والمفكرين الأحرار الذين لا تلبث مجتمعاتهم أن تعترف بفضلهم وتنوه بمكابدتهم لإظهار الحق، فيدخل في أوهام الناس أن إظهار الحق مقرون بالمعاناة والمكابدة، وأن الحق لا بد أن ينتصر في النهاية؛ ولكن التاريخ حافل بانتصارات الاضطهاد على الحق. ومن السخف أن نتوهم أن الحق ينطوي على قوة كامنة، ليست موجودة في الباطل، تمكنه من التغلب على ضروب الاضطهاد والتنكيل والعذاب. وحين يكون المعيار هو القوة وحدها، فإن للباطل قوة لا تقل عن قوة الحق، بل تفوقها في كثير من الأحيان.

ومن البديهي افتراض أن الناس لا يقتنعون إلا بما يعتقدون أنه صائب ونافع؛ فليس هناك من يرغب في أن يكون على خطأ وضلال؛ وإن اقتناعهم بأفكار وعقائد معينه لا يعني أنهم يدعون العصمة من الخطأ والضلال، إلا حين يحاولون فرض آرائهم وعقائدهم على الآخرين، بقوة العرف، أو بقوة القانون، أو بالقوة العارية. "فمهما بلغ اقتناع المرء بفساد رأي من الآراء، ومهما قوي اعتقاده بما قد ينجم عن هذا الرأي من عواقب وخيمة، بل مهما بلغت ثقته بمخالفة هذا الرأي للدين والأخلاق، لا يجوز له، وفق هذا الاعتقاد الفردي، وإن كان معززاً بالشعور العام في بلده وعصره، أن يحول دون الدفاع عن هذا الرأي، وإلا فقد ادعى لنفسه العصمة من الخطأ"[12]. حتى على صعيد الإيمان الديني الذي يضرب مثالاً على ادعاء العصمة والقداسة نفترض أن حق أي فرد في الإيمان بعقيدة معينة يجب أن يكون مساوياً لحق الآخر في الإيمان بعقيدة أخرى، ومساوياً، في الوقت ذاته، لحق الثالث في الإلحاد. وليس من العدل أن يحرم أي من هؤلاء من حق الدفاع عن رأيه. فإن ادعاء العصمة هو جذر الاستبداد. وللمرء أن يتساءل كم يهدر مجتمع ما، وكم تهدر البشرية، من الفرص بتنكبه وتنكبها عن حرية الرأي والفكر.

سلطان الرأي العام وسلطان "القانون" كلاهما مستبدان وجائران حين يضطهدان الرأي الآخر، وجائران جوراً مضاعفاً حين يكون هذا الرأي محمولاً على من لا سند له من مال أو قوة أو جاه يقيه شر الاضطهاد والتنكيل والحرمان من موارد العيش. فالاستبداد بالعقل هو أس جميع صنوف الاستبداد الذي لا مخرج منه سوى بسلطان العقل على الرأي العام وعلى القانون سواء بسواء. وليس للحرية من سند أخير سوى العقل. فإن إجماع الناس على رأي ما لا يغني عن تأييده بالحجج الواقعية والبراهين العقلية لمن يخالفونه، مهما قل عددهم، ولا يتأتى ذلك إلا بالإصغاء لآراء المخالفين ومناقشة حججهم وبراهينهم التي من دونها لا سبيل إلى التثبت من صحة الرأي السائد وصحة الإجماع عليه. فالرأي إما أن يكون صائباً لا يبين صوابه إلا بمعارضته بالرأي الآخر، وإما أن يكون خاطئاً فيفرض أن يكون هناك رأي آخر هو الصواب، وإما أن يكون في الرأي والرأي المخالف بعض من خطا وبعض من صواب، ولا سبيل إلى التيقن من هذا وذاك إلا بالحوار والنقاش والبحث والتمحيص. فلا يجوز والحال هذه أن يقيَّد العقل بأي قيد، ولا أن يُحدَّ بأي حد.

ولا يمكن أن تقوم الحياة الاجتماعية والسياسية على أساس صحيح ما لم يجتمع فيهما عنصران متضادان ومتعارضان: المحافظة والتجديد، يشتق كل منهما مزاياه من نقائض الآخر ونقائصه، فيغدو في الوقت ذاته محافظاً ومجدداً يميز ما هو جدير بالبقاء والنمو مما هو جدير بالحذف والإلغاء، وإن معارضة كل من هذين العنصرين للآخر هو السبب الرئيس في عدم خروجهما من دائرة العقل الذي ينفي باستمرار. "ونحن نعلم أن الاهتداء إلى الحقيقة في جميع المسائل الحيوية إنما يكون بالتوفيق بين آراء متناقضة، ويندر أن يوجد عقل واحد له من سعة الإدراك وحب الإنصاف ما يمكنه من التوفيق بين تلك المتناقضات توفيقاً عادلاً ودقيقاً، وإنما يهتدي الناس على الحقيقة بفضل الصراع القائم بين خصوم يدافعون عن مبادئ متنافرة؛ وإذا كان أحد الرأيين المتعارضين في بعض المسائل أحق من الآخر بالتأييد، فهو بلا شك راي الأقلية، لأنه يمثل المصالح المهملة والمرافق التي يخشى ألا تنال نصيبها من العناية" .. إن اختلاف الآراء هو السبيل الوحيد لتوضيح الحقيقة ما دام العقل البشري على حالته الراهنة، فكلما وجد من يخالف الإجماع، ولو كان إجماعاً على الصواب، كان من المرجح دائماً أن يكون عند المخالف من الأقوال ما يستحق الإصغاء إليه، فلو نحن ألزمناه السكوت لكان في ذلك خسارة للحقيقة"[13]

يحرص النظام الاجتماعي وسلطاته الاستبدادية، ولا سيما السلطة السياسية، عندنا، على تربية العقول على الطاعة والإذعان، ويتوسل لذلك بتعاليم الدين وآدابه، تلك التعاليم والآداب التي لا توصي المؤمنين بطاعة أوامر السلطان إذا كانت مخالفة لنصوص الدين، ولكنها تأمرهم بالإذعان وعدم العصيان صوناً لـ "وحدة الأمة" ودرءاً للفتنة؛ ولعل في طبع العقول والعواطف بطابع ديني خالص، ونبذ المبادئ الدنيوية التي لم تزل متحدة بالتعاليم الدينية ومتممة لها، من شأنه أن ينحط بالأخلاق إلى مستوى يعجز الناس معه عن إدراك معنى الخير والشرف والفضيلة، وإن اتصفوا بالورع والتقوى. فإن "تقويم الأخلاق لا يتأتى إلا إذا وجدت بجانب الآراء الدينية آراء أخرى دنيوية، ذلك لأن الآداب الدينية لا تخرج عن القاعدة العامة، وهي أنه ما دام العقل البشري لم يبلغ مرتبة الكمال فلا سبيل إلى الحقيقة إلا عن طريق اختلاف الآراء. ومن الواضح أن الاعتراف بصحة الحقائق الأدبية غير الواردة في النصوص الدينية لا يتبعه بالضرورة إنكار شيء من الحقائق الواردة في تلك النصوص. ولا يحسن بك أن تطلب الإنصاف من غيرك ولا تطلبه من نفسك؛ فإذا طلب من الملحدين أن ينظروا بعين الإنصاف إلى ديانة المتدينين وجب على هؤلاء أن ينظروا النظرة نفسها إلى إلحاد الملحدين"[14]. "فالخطورة ليست في احتدام النزاع بين شطري الصواب، بل في إعلان نصف الحقيقة وإسدال الستار على نصفها الآخر"[15]. وإذا كان من الصعب تعيين حدود واضحة لآداب المناظرة وأصول اللياقة، فإن شر ما يرتكب من هذا القبيل هو أن تصم الخصم الذي يخالفك في الرأي بفساد الأخلاق وخبث الطوية، أو بالكفر والخيانة، وأن تدعي لنفسك العدل والإنصاف وتجرده منهما، أو تدعي لنفسك الحق في تمثيل غيرك ممن تظن أنهم يشاركونك الرأي ويشاطرونك المذهب والنطق بلسانهم.

حرية الفكر وحرية العمل

إذا افترضنا أن الفرد حر في تكوين أفكاره وآرائه وتصوراته عن نفسه وعن العالم، وحر في التعبير عنها، بلا أي قيد من سلطة اجتماعية أو سياسية، فإلى أي حد يستطيع أن يكون حراً في نقل هذه الأفكار والآراء والتصورات إلى حيز العمل، وبعبارة أخرى، إلى أي حد يستطيع الفرد أن ينتج ذاته الحرة المستقلة في المجتمع والدولة حتى يكونا على صورته ومثاله، وحتى يكونا عالمه الذي ينتمي إليه انتماء خالصاً، على ما بين الأفراد من اختلافات ذهنية ونفسية ومادية لا حصر لها، وعلى ما بينهم من تنافس وتنازع، وعلى ما بين مصالحهم من تعارض؟

وإذا كان الفكر عملاً بالقوة، والعمل فكراً بالفعل، فإلى أي حد يمكن أن يتطابق الفكر والعمل؟ يحيلنا السؤالان كلاهما لا على علاقة الفكر بالواقع واستحالة مطابقة أحدهما للآخر فحسب، بل على ذلك الفارق النوعي المقيم بين الحرية الذاتية والحرية الموضوعية، أو بين الإرادة الذاتية والإرادة الموضوعية. ويحيلنا مرة أخرى على علاقة الحرية بالمعرفة والوعي. وثمة معايير موضوعية لقياس هذه العلاقة تتلخص في تحليل منتجات العمل في مجتمع حديث يتوفر أفراده على شيء من الحرية، ومقارنتها بمثيلاتها في مجتمع تقليدي يلغي فردية الفرد ويصادر حريته. وبمقارنة منتجات العمل المتحقق بصورتها في ذهن العامل، وهي مقارنة لا يستطيعها سوى العامل نفسه. فحين يصنع أحدنا منضدة لاستعماله الشخصي يدرك فور إنجازها الفارق البين بين صورة المنضدة التي كان يريد صنعها وهذه المنضدة التي صنعها بالفعل؛ ولعله من الصعوبة بمكان أن تتطابق النتيجة والهدف. وعلى هذا الأساس قامت مقارنة باسكال بين عمل النحلة التام وعمل المهندس الناقص، وما ذلك إلا لأن "علم" النحلة تام غير قابل للتطور والتحسن، وعلم المهندس ناقص ولكنه قابل للتطور والتحسن. وهنا يكمن الفارق النوعي بين الفطرة والعقل.[16]

والعمل كما هو معروف نتاج تلك العلاقة الجدلية بين الذات والموضوع، أي بين الإنسان والعالم، قوامه: قوة العمل ومادته وأدواته وأساليبه وغايته. وإذا كانت عناصر الطبيعة هي مادة العمل، فمن الواضح أنها لا تزيد على خمس مقومات العمل البشري، ولهذا دلالة فائقة الأهمية هي التي جعلتنا نرجع مفهوم المجتمع المدني وسائر المفاهيم المحيطة به إلى العمل البشري والإنتاج الاجتماعي، انطلاقاً من حقيقة أن الناس حين ينتجون وجودهم الاجتماعي ومعاشهم، بتعبير ابن خلدون، وثروتهم المادية، إنما ينتجون حياتهم الاجتماعية والسياسية والثقافية وثروتهم الروحية ورأسمالهم الرمزي. فأين تقع حرية الفرد في هذه العملية المعقدة، وما تأثيرها فيها؟

لعل المعيار الأساسي لحرية العمل هو نفسه المعيار الأساسي لحرية الفكر، أي عدم المساس بحرية الآخرين أو الإضرار بمصالحهم أو التسبب بأي أذى لأي منهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. بل إن هذا المعيار الصق بالعمل منه بالفكر. فإذا كان لا يجوز مساءلة الفرد أو محاسبته أو معاقبته على آرائه وأفكاره وعواطفه وتصوراته، في أي حال من الأحوال، فإن هذا الإطلاق لا ينطبق على أعماله. وإذا كانت مسؤولية الفرد عن أفكاره وآرائه ومعتقداته مسؤولية أدبية فحسب، فإن مسؤوليته عن أعماله هي مسؤولية أدبية وقانونية في آن معاً. فكل عمل يمس حرية الأخرين أو يلحق بهم أي نوع من الضرر أو الأذى أو يهدد مصالحهم المشروعة يستوجب تدخل القانون أو تدخل الهيئة الاجتماعية، وكذلك كل عمل يمس الأملاك العامة ويهدد النظام العام بلا مسوغ مقبول ومشروع، أو يتعارض مع القيم الإنسانية ومع منظومة الأخلاق التي تعارفت عليها البشرية المتمدنة، مما يندرج في باب الجناية أو الجريمة في القوانين الديمقراطية. أما فيما عدا ذلك فإن الأسباب التي توجب إطلاق حرية الفكر والرأي والضمير توجب إطلاق حرية الفرد في نقل أفكاره وآرائه وتصوراته إلى حيز العمل. فجدير بالأفراد أن يكونوا أحراراً في اختيار أساليب حياتهم والتعبير عن استقلالهم، ومشروعية اختلاف الأعمال والمسالك لا تقل عن مشروعية اختلاف الآراء والأفكار. ولعل حرية الفرد واستقلال شخصيته تتجليان في تحرير أعماله ومسالكه من النمطية والتقليد والمحاكاة والتكرار ما أمكنه ذلك، وليس لأي سلطة أن تفرض عليه أسلوباً معيناً في الحياة أو نمطاً معيناً في السلوك.

وتجدر الإشارة إلى أن العمل حق من حقوق الفرد، لا واجب عليه، فمن البديهي أن يكون حر التصرف في حقوقه على النحو الذي يوفر له فرص التعبير عن ذاتيته وفرادته واختلافه، وينمي ثقته بنفسه، ويحقق له السعادة، وإلا فإنه لا يكون مسؤولاً عن نتائج أعماله. " وجدير بالملاحظة أن العقبة الكبرى في سبيل تقرير هذا المبدأ ليست في تعيين الوسائل المؤدية إلى تحقيقه، بل في قلة اهتمام الناس بالمبدأ نفسه. ولو كان الناس يدركون أن إطلاق الحرية لنمو الشخصية هو أحد الأركان الرئيسة لإصلاح المعيشة، وأنه يعادل اسم المدنية والتربية، بل هو شرط ضروري لتحقيق هذه الأشياء، وجزء لا يتجزأ منها، لما قللوا من قيمة الحرية، ولما وجدنا صعوبة في تعيين الحد الفاصل بين حرية الفرد وسلطة المجتمع؛ ولكنهم قلما سلموا بأن لاستقلال الشخصية قيمة جوهرية، وبأن هذا الاستقلال جدير بالاعتبار لذاته". وقد عبر عن ذلك الفيلسوف الألماني وليم فون همبولد بقوله: "إن غاية الإنسان، أو الغرض الذي تتجه إليه أوامر العقل الماضية، هي تربية ملكاته على أحكم نظام حتى يتهيأ منها مجموعة كاملة متناسبة، وعلى ذلك يكون الغرض الذي يجب أن يسعى إليه كل إنسان هو استقلال الشخصية في قوتها وفي نموها، وهذا لا يتاتى إلا بتوافر شرطين: إطلاق الحرية وتنويع المواقف، ومن اجتماعهما تتولد الحماسة الفردية وتتألف قوة الإبداع والابتكار"[17].

وما دام الناس عندنا ماضين في تقليد الأسلاف وترسم خطاهم واقتفاء آثارهم وتكرار تجاربهم وتقديس آرائهم وأفكارهم وعقائدهم، سيظل الميت يمسك بتلابيب الحي والماضي يحكم الحاضر ويحجر على المستقبل، وستظل الحرية من ثم مطلباً عزيز المنال. ففي مجتمعاتنا المتأخرة والمستباحة لا يختلف الناس في تعيين الحدود الفاصلة بين حرية الفرد وحرية المجتمع، أو بين حقوق الفرد وحقوق المجتمع، بل يعارضون الحرية بالتقليد، ويرون فيها خطراً على "الهوية الحضارية" وعلى "وحدة الجماعة". ولذلك كان خطاب الحرية في فكرنا الوسيط والحديث خطاباً هشاً ومدلِّساً ومتناقضاً، ولا تزال الكثرة الكاثرة منا تجهل الفرق بين ما يسمى التحرر السياسي (التحرر من الاستعمار) أو التحرر الاجتماعي (التحرر من الإقطاع مثلاً) وبين الحرية. فقد "تحررنا من الاستعمار ومن الإقطاع، ولم نعرف الحرية، ولذلك لا يزال الاستعمار تحت جلودنا والإقطاع في عقولنا؛ ولا تزال القابلية للاستعمار تنمو في مجتمعاتنا، وفي درس العراق عبر لمن يريد أن يعتبر، ويعرف كيف يعتبر.

"ولو فرضنا أن العادات المألوفة (وهي دليل على التجارب) صالحة ومناسبة لظروف الإنسان، فمن السخف أن يتبعها الإنسان لمجرد كونها عادات مقررة، فإن ذلك لا يربي في نفسه شيئاً من الخصال التي تميزه من الحيوان مثل الإدراك والفطنة والتمييز والنشاط العقلي والعاطفة الأدبية، وذلك كله لا يظهر له أثر إلا عند الاختيار والمفاضلة، وهذه الملكات لا تنمو إلا بالتمرين، ولا سبيل لهذا التمرين إذا كان الإنسان يفعل الشيء لمجرد أن الآخرين يفعلونه، كما لو كان لا يعتقد ما يعتقده إلا لأن الآخرين يعتقدونه"[18]. فإن اتباع العادات والأعراف والتقاليد والآراء والعقائد السائدة، أو مخالفتها، على هدي العقل والضمير، خير من ملازمتها ملازمة آلية عمياء. والعقل والضمير حاكمان قويان على العواطف والرغائب والشهوات التي إذا تعهدتها التربية بالرعاية ووفرت لها فرص النمو والاستقلال تؤدي إلى قوة المجتمع وشدة مراسه. وليس بوسعنا الحديث عن شخصية حرة مستقلة بلا عواطف ورغبات وشهوات تعارض محرمات المجتمع التقليدي، ولا سيما في مجالات الدين والحب أو الجنس والسياسة، وتثور عليها. فالحياة هي الحياة، قصيرة ولا تعاش إلا مرة واحدة.

الإرادة، في نظر الدين، هي أكبر خطايا ابن آدم، وكل ما تستطيعه الطبيعة البشرية من الخير ينحصر في الطاعة المطلقة. "فالمرء، بحسب هذا المذهب، الذي قال به كالفن محروم من الاختيار، ليس له أن يفعل سوى ما يؤمر به. فكل ما يخرج عن الواجبات المفروضة ذنوب وآثام. ولما كانت الطبيعة البشرية قد جبلت على الشر، كما يزعم هذا المبدأ، الذي لم يخرج على مألوف العقائد الدينية كافة في هذا المجال، فلا سبيل إلى خلاص الإنسان إلا باستئصال هذه الطبيعة من أصلها؛ لذلك ينبغي محو المواهب والملكات المركبة في فطرة الإنسان، لأنه لا يحتاج، على رأيهم، إلا لملكة التفويض لمشيئة الله، فإذا هو صرف مواهبه إلى غرض آخر غير المبالغة في تنفيذ تلك المشيئة المزعومة، فمن الخير تعطيل تلك المواهب"[19]. ولا يخفى ما ينطوي عليه هذا المذهب من معاندة لقوانين الطبيعة التي هي قوانين العقل، ومن معارضة لما فطر عليه الإنسان من المواهب والملكات تقتضي الحكمة ان يتعهدها المجتمع بالرعاية والتربية، وأن يتعهدها الفرد نفسه بالرياضة والتهذيب.

بخلاف كثير من الافتراضات حول فطرة الإنسان، يميل الكاتب إلى القول: إن الإنسان مفطور على جملة من القابليات أو الملكات المتآزرة والمتكاملة ينبغي لها جميعاً أن تنمو وتزدهر؛ والحرية هي شرط نموها وازهارها معاً، لأنها القاسم المشترك بين جميع هذه القابليات، وإلا كان نمو الشخصية ناقصاً أو مختلاً أو مشوهاً. ولعل السبب الرئيس للاختلالات والأمراض النفسية وانحراف السلوك هو النمو غير المتوازن أو غير المتكافئ لهذه القابليات أو الملكات، أي نمو بعضها دون بعضها الآخر، أو تنمية إحداها على حساب الأخرى. وفي هذا السياق تغدو الحرية مرادفة للإرادة والاختيار. ومن التعسف أن ننسب بعض هذه القابليات إلى "العقل" وبعضها الآخر إلى العاطفة، فإن ذلك من قبيل حكم القيمة الذي يعلي من شأن "العقل" ويحط من شأن العاطفة. وهذا يقتضي تحديداً واضحاً لماهية العقل بوصفه سعي الإنسان، بكل ما ينطوي عليه من قابليات أو ملكات متآزرة، سعياً لا ينقطع، إلى تعرُّف العالم واكتشاف قوانينه والتاثير فيه، وإلى تعرف ذاته في العالم، وتحسينها باطراد. ويمكن القول، بعبارة أخرى، إنه جملة الفاعليات الإرادية، الواعية والهادفة، التي ينتج بها الإنسان ذاتَه في العالم وفي التاريخ، والتي يستعيد بها موضوعية العالم والتاريخ في ذاته، لكي يعيد إنتاجها في العالم وفي التاريخ مرة أخرى، ثم يستعيد موضوعيتهما، وهكذا، مرة تلو مرة، إلى ما لا نهاية. وليس لهذه العملية أن تجري بفعل ما يسميه الناس "العقل" بمعزل عن العواطف والمشاعر والرغبات والشهوات.

هذه العملية أو العمليات الجدلية تنطوي على عملية جدلية أخرى أريق فيها حبر كثير واختلف فيها الناس بين من يفضلون إنكار الذات ومن يفضلون إثباتها وتوكيدها، وهي كما أرى عملية واحدة عملية إنكار وإثبات في الوقت ذاته، فمن ليس في مقدوره إثبات ذاته وتوكيدها ليس في مقدوره أن ينكرها في سبيل هدف نبيل، فإن ما لا يمكن إثباته لا يمكن إنكاره. وفي مسألة إنكار الذات أو إثباتها لا بد أن نميز الأنوية (نسبة إلى الـ أنا) من الأنانية التي ليست سوى أحد أمراض الأنا، ولا سيما حين تكون نفياً للآخرية. الأنوية التي لا بد أن نقدرها حق قدرها هي الذاتية، أي الاستقلال والحرية. والذاتية المليئة والغنية هي سعي دائم للاكتمال بالآخر. " وليس في المبدأ القائل بتنمية النفس وترقية الذات ما يناقض المبدأ القائل برياضة النفس وضبط الذات، بل هما قابلان للامتزاج. وإحراز الإنسان للشرف واستحقاقه للإعجاب لا يكونان بمحو ما فيه من الخصائص، بل بتنميتها على شرط ألا تتعدى مصالح الآخرين وحقوقهم" "[20]. وإن احترام ذوات الآخرين هو أبرز مظاهر احترام الذات وتقديرها حق قدرها. "وكما أن العمل ينم على عامله، كذلك تستفيد الحياة من شرف الأحياء فتكتسب الخصوبة، وتصبح باعثة للنشاط، وحافلة بالغذاء الواقر للخواطر العالية، كما تعمل على توثيق عرى الارتباط بين الفرد والجماعة، لأنه كلما ترقى الجنس في مراتب الشرف كان ادعى للافتخار بالانتماء إليه. وعلى قدر ارتقاء شخصية الفرد تزيد قيمته وفائدته لنفسه، ويصير قادراً على زيادة قيمته وفائدته للآخرين. وكلما كانت حياة الأفراد أكثر امتلاء كانت حياة المجتمع المؤلف من هؤلاء أغزر مادة وأفسح مجالاً".[21]

ولا تصير حرية الفرد على النحو الذي تقدم تفصيله مبدأ عاماً في المجتمع ما لم تتكفل التربية بغرس هذا المبدأ في نفوس الناشئة واليافعين والراشدين ومالم تقم الثقافة بتعزيزه في النفوس على أنه مبدأ يلتزمه الأفراد جميعاً، كل منهم إزاء الآخرين، لتغدو حرية الآخر ضمانة موضوعية لعدم وضع الحرية الفردية في معارضة القانون، ولكي لا تغدو نوعاً من حرية مطلقة ومشرَّعة ذاتياً، بل على العكس من ذلك ينبغي أن تكون الحرية مبدأ من مبادئ التكافل والتعاون والتآزر، ومبدأ من مبادئ وحدة المجتمع وعاملاً من عوامل نموه وتقدمه. الحرية المطلقة عبودية مطلقة، وتلكم هي حال الجماعات ما قبل المدنية التي تلخصها جدلية السيد والعبد. فكل من لا يعترف بفردية الآخر وباستحقاقه الحرية والاستقلال والسيادة هو عبد يتوهم أنه سيد حر. وهنا يجدر بنا تمييز أخلاق العبودية من أخلاق الحرية والسيادة. فالمجتمع الذي لا يعترف بحرية الأفراد وذاتيتهم واستقلالهم، ولا يتوسل بجميع الوسائل اللازمة لتنمية شخصية الفرد وتنشئته على الحرية هو بالأحرى مجتمع عبيد، وقيمه وأخلاقه قيم العبودية وأخلاقها.

وما من شك في أن كثيرين منا لا يستسيغون بعض الأفكار والآراء التي يحملها هذا الفرد أو ذاك، ولا يستسيغون كذلك بعض الأعمال والتصرفات الخارجة على المألوف ولكنها لاتضر أحداً ولا تسيء إلى النظام العام، يقوم بها هذا الشخص أو ذاك، بل لعلهم يستهجنونها وينفرون منها، وهم أحرار في ذلك بلا شك، ولكن حريتهم مشروطة بأن يميزوا عدم موافقتهم أو عدم استحسانهم أفكار هذا الشخص أو أعماله من وجوب توبيخه أو معاقبته عليها من دون مسوغ مقبول أخلاقياً ومشروع قانونياً في الوقت نفسه. وهنا يغدو من الضروري حماية الحياة الخاصة للفرد من تدخل السلطة ومن تدخل المجتمع ومن تدخل الأفراد الذين ينصبون أنفسهم قيمين على الأخلاق أو على الدين.

لا أميل إلى تقسيم أفكار الأفراد وأعمالهم إلى قسم يهم الفرد نفسه ويتعلق بحياته الخاصة، وآخر يهم المجتمع ويتعلق بالحياة العامة، فيكون الفرد عضواً في المجتمع والدولة بهذا القسم وخارجهما أوخارج عليهما في ذاك، فليست هذه القسمة من الواقعية في شيء. ولا أعتقد من ثم أن الحياة العامة هي مجموع حسابي للحيوات الخاصة، وأن المصلحة العامة مجموع حسابي للمصالح الخاصة، بل أعتقد أن المجتمع الذي يقوم على مبدأ التماثل والاختلاف لا يقيم سوراً صينياً بين الحياة الخاصة والحياة العامة، أو بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة،

المجتمع الذي يحمي الحياة الخاصة ويوفر لها سبل التفتح والنمو وشروط الازدهار والسعادة، لا يحمي بذلك حياته العامة فحسب، بل يغذ السير على طريق التقدم، وذلكم هو المجتمع الغني حقاً والقوي حقاً. ليس هناك ما هو أخطر على المجتمع والدولة وعلى الحياة العامة من تقفير الحياة الخاصة للأفراد وإفقارها، على نحو ما فعلت ولا تزال تفعل الدول الشمولية والتسلطية التي حاولت وتحاول عبثاً إلغاء الاختلاف والتنوع، أي حاولت إلغاء قوانين الطبيعة، وهذا هو مصدر عبثية محاولاتها، من دون أن ننكر أن الاضطهاد تغلب على الحق زمناً طويلاً راح ضحيته جيل أو جيلان، ليس بوسع أحد أن يحسب مدى خسارة المجتمعات التي ابتليت بهذا الداء العضال.


 



[1] - جون ستيوارت مل، عن الحرية، ترجمة عبد الكريم أحمد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2000،

[2] - راجع ستيوارت مل، المصدر السابق، ص 58-59

[3] - المصدر نفسه، ص 60

[4] - راجع المصدر السابق، ص 62-63

[5] - راجع، عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، دار العلم للملايين،بيروت، 1982 ص .34

[6] - راجع جون ستيوارت مل، المصدر السابق نفسه ص 68-69

[7] - المصدر نفسه، ص 74

[8] - راجع المصدر نفسهن ص 74

[9] -  راجع جون ستيوارت مل، المصدر السابق، ص 83 ، وسوف نقتبس في الفقرات التالية بعض آراء مل، ونناقش بعضها الاخر، لأهميتها ولصوقها بموضوعنا.

[10] - ناقشت هذه المسألة ببعض التفصيل في أحد فصول كتابي " قضايا النهضة"، دار علاء الدين، دمشق، 2003، تحت عنوان: "في مشروعية الحوار"

[11] - جون ستيوارت مل، مصدر سابق، ص86

[12] - راجع المصدر السابق، ص 96

[13] - المصدر السابق، ص 136

[14] -المصدر السابق، ص 140-141

[15] - المصدر نفسه، ص 142

[16] - الفارق بين الفطرة والعقل بقودنا إلى مناقشة أطروحتين شائعتين عندنا حول الدين، تقول إحداهما إن الإسلام دين الفطرة، فهو من ثم منظومة تامة ومغلقة وغير قابلة للنمو والتطور، وهو ما يتعارض مع طبيعة المؤمن. وتقول الثانية إن الإسلام دين العقل، فهو من ثم منظومة ناقصة وقابلة للنمو والتطور، وهو ما يتعارض مع فكرة الوحي.

[17] - المصدر السابق، ص 145-146

[18] - المصدر نفسه، ص 147

[19] - المصدر نفسه، ص 151

[20] - المصدر السابقن ص 152

[21] - المصدر نفسه، ص 152