منطق اللغة وإشكالية النقد

 

المعنى لطيف اللفظ، واللفظ كثيف المعنى

 قال أبو حيان التوحيدي، على لسان أبي سعيد السيرافي النحوي مناظراً أبا بشر متى المنطقي، في مجلس الوزير ابن الفرات: "علم العالم مبثوث في العالم بين جميع من في العالم، وكذلك الصناعات مفضوضة على جميع من على جَدَد الأرض؛ ولهذا غلب علم في مكان دون علم، وكثرت صناعة في بقعة دون صناعة" . والعلم، عند أبي حيان، هو "صورة المعقول في نفس العاقل"، وهو المعنى نفسه الذي يعطيه الفيلسوف الألماني هيغل للعقل؛ إذ يمكن أن نصوغ عبارة أبي حيان بقولنا: العقل هو صورة المعقول في نفس العاقل، دون أن نخل بالمعنى الذي أراد. والعقل، في نظر ديكارت الفيلسوف "أعدل الأشياء قسمة بين الناس". ومن ثم فإن الفكر أو النظر العقلي من أعدل الأشياء قسمة بين الناس، يتجلى لدى كل منهم بحسب ما تيسر له من أمور دنياه، فثم إذاً تماثل واختلاف لا يقوم أحدهما إلا بالآخر ولا يكون إلا به، أي إن ثمة تماثلاً في العقل واختلافاً في القدرة العقلية، أو في التعقل. وهذان التماثل والاختلاف يحددان في التحليل الأخير عمليات التواصل الاجتماعي على اختلاف مستوياتها. فالتماثل والاختلاف بين المتكلم والمخاطب أو بين الكاتب والقارئ ينتجان مستويين مختلفين للبنية النصية الواحدة؛ أحدهما ينتج النص والآخر يعيد إنتاجه بحسب شرطه الاجتماعي وقدراته الذهنية النفسية ونوع علاقته بالمتكلم أو الكاتب وهي العلاقة التي ينجم عنها ما يسمى "سر الخطاب". والنقد قي ضوء ذلك هو إعادة إنتاج تنطوي على عنصر الإبداع، وهو عنصر ذاتي بامتياز. والاختلاف، الذي هو أساس التفارق والتفاضل، هو خروج الأشياء والأفكار والرؤى والتصورات من سديم التماثل، وتعينها في الزمان والمكان. المختلف هو الموجود بالفعل.

والعقل أو الفكر أو النظر العقلي، على اختلاف حدوده ومراتبه، هو، في مستوى آخر عمل بالقوة، مثلما العمل البشري الخلاق هو فكر بالفعل، أو فكر متحقق في العالم وفي التاريخ. والفكر، بصفته عملاً، أو فاعلية خلق وإبداع، إنما يتعين في اللغة، من لغة الإشارة والإيماء والعلامة والرمز إلى لغة الرياضة والحاسوب والموسيقى، مروراً بجميع لغات بني آدم. فاللغة، في ضوء هذا كله، هي إنتاج المعنى وإعادة إنتاجه إلى ما شاء الله. وهي، بإطلاق المعنى، مؤلفة أو مركبة من دال ومدلول يحيلان في وحدتهما الجدلية التي لا انفصام لعراها على المطلق والكلي. فجميع كلمات اللغة، أي لغة على الإطلاق، تنتمي إلى الكلي. الكلمات كليات، والفكر عمل بالمفاهيم أو الكليات. والنقد الأدبي، بصفته فرعاً من فروع النقد المؤسس على جدلية الإثبات والنفي ونفي النفي، هو عمل بالمفاهيم / الكليات، أو لنقل إنه "مشاجرة الكليات"، وفي المشاجرة إحالة على علاقة الفروع بالأصول، أعني علاقة الفروع المركبة بالأصول البسيطة. وفي اعتقادي، أن مسألة النقد الأدبي لا تستنفد في مسألة المصطلح، أو في "نظرية الأدب" أو في "نظريات" النقد. على أهمية هذه المسائل، وأثرها الحاسم حين توضع في موضعها الصحيح، أي حين توضع في نطاق العلاقة بين الإثبات والنفي، بقدر ما يحيل الأول، أي الإثبات، على الوضعية الإيجابية، والثاني، أي النفي، على العقل، أو على العلم بتعبير هيغل وأبي حيان التوحيدي.

وأعتقد أيضاً أن مسألة النقد بوجه عام، والنقد الأدبي بوجه خاص، في ثقافتنا العربية المعاصرة، هي مسألة اختلال العلاقة، أو اضطرابها أو انقطاعها، بين الوضعية الإيجابية والعقل، بين الجزئي والكلي، بين النسبي والمطلق. والسائد في حياتنا العامة هو إحلال "العلم" محل العقل، والجزء محل الكل، والنسبي محل المطلق، ونظير ذلك واضح في حياتنا السياسية، إذ ينوب جزء من المجتمع عن المجتمع كله ويمثله من دون أي تفويض. بل إن للمطلق والكلي سمعة سيئة في ثقافتنا الحالية المأخوذة إما بالمذهب الوضعي الذي أسسه أوغست كونت وإما بمذهب الواقعية الاشتراكية الستالينية. وفي نطاق هذه القضية فحسب تقع إشكالية التراث والمعاصرة، إذ تحيل الأولى على "وضعية" تراثية قطعت جميع صلاتها بمبادئها العقلية المؤسسة، وتحيل الثانية على وضعية غربية مزهوة بذاتها، هي منطق الرأسمالية المتوحشة وأيديولوجيتها الليبرالية الجديدة. وأزعم أن هذه المسألة بدأت بالفصل التعسفي الذي أقامه لويس ألتوسير بين العلم والأيديولوجية في فكر كارل ماركس، وتبعه في ذلك ليفي شتراوس ودي سوسور وغيرهما من أعلام البنيوية، ولا سيما في مجال علوم اللغة أو اللسانيات، وفي مجالات الإناسة وحفريات المعرفة، والإبيستيميلوجيا، في مناخ الرأسمالية الوضعية، في ما كان يسمى العالم الحر، والماركسية الوضعية، في ما كان يسمى العالم الاشتراكي، قبل سقوط الاتحاد السوفيتي وزواله.

يعرف جميع المهتمين والباحثين أن كل واحد من الاتجاهات الأدبية والفنية والنقدية، في الغرب، إنما كان يرتكز على أساس فلسفي؛ أي إن في أساس كل واحد من تلك الاتجاهات، وفي قاعه رؤية إلى العالم تقوم على منهج أو طريق أو طريقة أو نظرية في المعرفة. والمنهج طريق مبدؤها المفاهيم والمقولات وغايتها الواقع، أو العالم، عالم الإنسان، في ما هو عليه، وفي ما يمكن أن يكون عليه. ويعرف جميع المهتمين والباحثين أيضاً أن النقد الأدبي والفني لم يكن لينفصل في يوم من الأيام عن النقد، أعني عن الفكر النظري أو النظر العقلي الذي ينفي باطراد، وهذا الفكر النظري أو النظر العقلي هو محبة الحكمة أو محبة الحقيقة أو الفلسفة. بل أزعم أن هذا كان مطرداً في جميع الثقافات، سواء نظَّرت له هذه الثقافات أو لم تنظر له. ألا تستحق منا النزعة العقلية عند الخليل بن أحمد الفراهيدي، على سبيل المثال، لا على سبيل الحصر، وقفة تأمل؟ حاول الفراهيدي أن يقول لنا إن التفعيلات في الشعر العربي، مثلاً، أشبه ما تكون بالعلامات الموسيقية أصواتاً وسكتات. وهي على محدوديتها في العدد تنتج ما لا حصر له من الأوزان الشعرية، كالعلامات الموسيقية التي تنتج ما لا حصر له من الأنغام والألحان. وإن الأوزان التي استنبطها بطريق الاستقراء هي الأوزان التي اشتقها الشعراء العرب، في زمنه وقبل زمنه، وهذه لا تستنفد أوزان الشعر. فما كان منا إلا إهمال المبدأ البسيط، وترك الاستقراء الذي يحتاج إلى بحث وتنقيب وإعمال نظر وكد ذهن، والخلود إلى الاستنتاج وحده وسادة مريحة لعقل كسول. ومنذ زمن الخليل إلى اليوم نعلم الناشئة أن بحور الشعر ست عشرة، وما خرج عليها بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. وقل مثل ذلك في جميع مبادئ النهضة الفكرية للعرب في ما سماه الجابري "عصر التدوين" والتقعيد.

في المناظرة التي أشرنا إليها بين أبي سعيد السيرافي النحوي، وأبي بشر متى المنطقي، قال أبو بشر متى المنطقي: "لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل والصدق من الكذب والخير من الشر والحجة من الشبهة والشك من اليقين إلا بما حويناه من المنطق ومكناه من القيام به واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده، فاطلعنا عليه من جهة اسمه على حقائقه" (108). وعرف المنطق بأنه "آلة من آلات الكلام يعرف بها صحيح الكلام من سقيمه وفاسد المعنى من صالحه، كالميزان، فإني أعرف به الرجحان من النقصان والشائل من الجانح". وهو إلى ذلك "بحث عن الأغراض المدركة وتصفح للخواطر السانحة والسوانح الهاجسة، والناس في المعقولات سواء؛ ألا ترى أن أربعة وأربعة ثمانية سواء عند جميع الأمم، وكذلك ما اشبهه". (111)

فعارضه أبو سعيد السيرافي النحوي قائلاً: إن "صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوف والإعراب المعروف إذا كنا نتكلم بالعربية؛ وفاسد المعنى من صالحه يعرف بالعقل إذا كنا نبحث بالعقل؛ وهبك عرفت الراجح من الناقص من طريق الوزن، فمن لك بمعرفة الموزون أيُّما هو حديد أو ذهب أو شبه أو رصاص؟ فأراك بعد معرفة الوزن فقيراً إلى جوهر الموزون وإلى معرفة قيمته وسائر صفاته التي يطول عدها؛ فعلى هذا لم ينفعك الوزن الذي كان عليه اعتمادك، وفي تحقيقه كان اجتهادك، إلا نفعاً يسيراً من وجه واحد، وبقيت عليك وجوه، فأنت كما قال الأول: حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء". وكأني بأبي حيان يشير، على لسان أبي سعيد السيرافي، إلى وجهين متكاملين للمنطق: أولهما اتساق الفكر مع ذاته، كما يتجلى في "النظم الذي قال به الجرجاني والجاحظ، والثاني يتجلى في إنتاج المعنى والنظر إلى الأمور من جميع جوانبها. وأكاد أقول: إن الأول يحيل على المنطق الأرسطي، والثاني يحيل على المنطق الجدلي، الأفلاطوني، الذي يعنى بجوهر الموزون وقيمته وسائر صفاته التي يطول عدها. ثم يستأنف قائلاً: " .. والإحساسات ظلال العقول تحكيها بالتقريب والتبعيد مع الشبه المحفوظ والمماثلة الظاهرة". إشارة إلى تمييز الإدراك الحسي من الإدراك العقلي، ولزوم كل منهما للآخر لزوم الظل للجسم. على أن ما يلفت النظر إشارته إلى أن للموصوف، أياً كان نوعه وجنسه، صفات يطول عدها، لا يستنفد الموصوف في أي منها ولا في جميع المعروف منها. ومع أن نحو العربية يؤكد أن الصفات تتعدد وأنها تابعة للموصوف، يجنح النقد، في معظم الأحيان، بل في جميعها، إما إلى استنفاد الموصوف في صفة من صفاته أو في بعض صفاته في أحسن الأحوال، وإما بالانشغال بالصفة دون الموصوف. وقلما يعبأ النقد بالصفة على أنها حد وفرق، وبحقيقة أن كل حد هو تعيين، وكل تعيين هو نفي، وأن كل فرق يضع تعارضاً، وأن التعارضات هي عوامل التطور والتغير والنمو. فلا تزال الصفة عندنا تأكل الموصوف، أو تحل محله. " ولو كانت المطلوبات بالعقل والمذكورات باللفظ ترجع مع شعبها المختلفة وطرائقها المتباينة إلى هذه المرتبة البينة في أربعة وأربعة وأنهما ثمانية، زال الاختلاف وحضر الاتفاق، ولكن ليس الأمر هكذا" . (111) .. " ولكن مع هذا أيضاً إذا كانت الأغراض المعقولة والمعاني المدركة لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف، أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة؟"

ولما كان واضع المنطق رجل من يونان، فإن يونان، في نظر أبي سعيد، " كغيرهم من الأمم يصيبون في أشياء ويخطئون في أشياء ويعلمون أشياء ويجهلون أشياء، ويصدقون في أمور ويكذبون في أمور، ويحسنون في أحوال ويسيئون في أحوال" .. "ومع هذا فالاختلاف في الرأي والنظر والبحث والمسألة والجواب سِنخ وطبيعة، فكيف يجوز أن يأتي رجل بشيء يرفع به هذا الخلاف أو يحلحله أو يؤثر فيه؟ هيهات، هذا محال، ولقد بقي العالم بعد منطقه على ما كان عليه قبل منطقه". يشير أبو سعيد هنا إلى أن المنطق العقلي لا يرفع الاختلاف أو ينفيه، وليس بوسعه أن يفعل ذلك؛ بل إن المنطق العقلي بالأحرى هو منطق الاختلاف والتعارض، ومنطق الاحتمال وعدم اليقين، سوى في البديهيات والمسلمات وما صار في منزلتها.

وقال: "النحو منطق ولكنه مسلوخ من العربية، والمنطق نحو ولكنه مفهوم باللغة، وإنما الخلاف بين اللفظ والمعنى أن اللفظ طبيعي والمعنى عقلي؛ ولهذا كان اللفظ بائداً على الزمان؛ لأن الزمان يقفو أثر الطبيعة بأثر آخر من الطبيعة، ولهذا كان المعنى ثابتاً على الزمان؛ لأن مستملى المعنى عقل، والعقل إلهي؛ ومادة اللفظ طينية؛ وكل طيني متهافت." (115) .. "على أن المعاني لا تكون يونانية ولا هندية، كما أن اللغات تكون فارسية وعربية وتركية" (116)

وحجة المناطقة على النحويين "أن النحوي إنما ينظر في اللفظ دون المعنى، والمنطقي ينظر في المعنى دون اللفظ". وفي نظر أبي سعيد أن "هذا كان يصح لو أن المنطقي كان يسكت ويجيل فكره في المعاني، ويرتب ما يريد بالوهم السانح والخاطر العارض والحدس الطارئ؛ فأما وهو يريغ أن يبرر ما صح له بالاعتبار والتصفح إلى المتعلم والمناظر، فلا بد له من اللفظ الذي يشتمل على مراده، ويكون طباقاً لغرضه، وموافقاً لقصده". (119)

وقال: "إن مركب اللفظ لا يحوز مبسوط العقل؛ والمعاني معقولة ولها اتصال شديد وبساطة تامة؛  وليس في قوة اللفظ من أي لغة كان أن يملك ذلك المبسوط ويحيط به، وينصب عليه سوراً، ولا يدع شيئاً من داخله أن يخرج، ولا شيئاً من خارجه أن يدخل، خوفاً من الاختلاط الجالب للفساد، أعني أن ذلك يخلط الحق بالباطل، ويشبه الباطل بالحق؛ وهذا الذي وقع الصحيح منه في الأول قبل وضع المنطق، وقد عاد ذلك الصحيح في الثاني بعد المنطق". (126)

في هذه الشذرات التي قبستها من المناظرة الشهيرة، يبدو لي أبوسعيد النحوي منطقياً يتعدى حدود المنطق الصوري إلى ما أسميه منطق اللغة بما هي تركيب أو وحدة جدلية بين المعنى العقلي واللفظ الطبيعي منطوقاً كان أم مكتوباً. فإن جدل العقلي والطبيعي هو ما يجعل اللغة نسقاً مفتوحاً على اللانهاية بتوسط العمل البشري الخلاق، عمل الرأس واليدين. ويبدو أبو بشر متى المنطقي نحوياً بالمعنى الذي ساد في ثقافتنا بعد استقرار علم النحو وانغلاقة، ولا يتعدى حدود منطق أرسطو الذي يعنى، فقط، باتساق الفكر مع ذاته وصدور نتائجه عن مقدماتها، وهذه وتلك تجريدات ذهنية أقرب ما تكون إلى الرياضة، في حين يرتبط منطق اللغة بمنطق الواقع، بحكم اقترانه بالعمل، بروابط ضرورية تجعل منه نسقاً مفتوحاً على إمكانات لا حصر لها، مثلما ينطوي الواقع على إمكانات لا حصر لها. والواقع هنا ليس ما تراه العين القاصرة من سطوح الأشياء والظواهر، ولا ما تدركه الحواس فحسب، بل هو جملة تناقضية حية تنطوي على إمكانات واحتمالات لاحصر لها، فضلاً عن تطورها الدائم ونموها المستمر، تحت مقولة الشكل والتشكُّل، والأدب والنقد يقعان هنا تحت المقولة ذاتها، مقولة الشكل والتشكل؛ إذ ينطوي الأدب والنقد دوماً على إعادة تشكيل قائمة على حدس ممكنات العالم بعد إصاخة السمع إلى همس الواقع من تحت مظاهره الصاخبة، وهذه الإصاخة هي نوع من تواصل حميم مع ذاتية العالم وماهية الأشياء القابلة للتشكل إلى ما لا نهاية، ونوع من مغامرة عقلية أو روحية في ارتياد المجهول واكتناه الأسرار في محاولة للتوحد مع اللحظة التي يتعانق فيها العقلي والطبيعي، لحظة امتلاء الذات واغتنائها بموضوعية العالم. منطق الواقع مفتوح دوماً على إمكانات واحتمالات غير محدودة، وكذلك منطق اللغة. ومنطق اللغة هذا حاكم على جميع المناطق. ومن ثم فإن النقد الأدبي، كالنقد بوجه عام، مدعو إلى الخروج من القوالب الجامدة والأنساق المغلقة والخروج عليها، باحتكامه في كل مرة إلى منطق اللغة. النقد الأدبي مدعو إلى أن يكون حراً يبحث عن الحقيقة؛ والحقيقة والجمال صنوان متلازمان. ومن عرف لغة قوم أمن مكرهم. وعلى سبيل تمييز منطق اللغة المفتوح من المنظومة النحوية المغلقة، هل يقبل نحوي من النحويين العرب من مفكر مثل الياس مرقص أن يعرب جملة "ذهب زيد" على النحو الأتي: ذهب فعل ماض مبني على الفتح لفظاً. وزيد فاعل مرفوع. ثم يعرب ما نتج عن الإعراب الأول قائلاً: ذَهَبَ مبتدأ مرفوع على المحل، أو على المعنى. وفعل خبر مرفوع على الظاهر. وماض صفة للفعل، إلى آخر الجملة، على هذا النحو؟ أعتقد أن منطق اللغة يسوِّغ ذلك، بل يقتضيه، فإلى أي الجابين نميل؟

علاقة النقد الأدبي بالنقد بوجه عام تتعين في علوم اللغة العربية، كعلم النحو وعلم المعاني وعلم البيان وغيرها، وهي من ثم علاقة الجزء بالكل الذي ليس جمعاً حسابياً لأجزائه كلها؛ لأنه ينطوي دوماَ على أجزاء وجزئيات أخرى لم توجد بعد، أو لم تعرف بعد، أو لم توضع بعد. وهذه العلوم استقرت على ما وضعه الأولون، فانقطعت عن فاعلية العقل وممارسة المجتمع، واحتجبت مبادئها خلف حجاب التقليد، منذ أغلقت أبواب الاجتهاد. والتقليد هو نفسه التقليد، سواء كان تقليد السلف أو تقليد الآخر الذي هو "الغرب"، والاتِّباع هو نفسه الاتِّباع. في مقابل التقليد هناك الإبداع، أي إعادة الإنتاج، أو إعادة البناء على الأسس والمبادئ البسيطة نفسها أحياناً التي بنى عليها الأسلاف، أو التي بنى عليها الآخرون ممن نتبعهم ونقتدي بهم، أو على أسس ومبادئ جديدة إلى هذا الحد أو ذاك. والمبادئ التي أعني لا شرقية ولا غربية، لا عربية ولا فرنسية، بل عقلية فحسب. من ذلك أن نقول: إن الوحدة الأساسية في كل لغة هي الكلمة. وجميع الكلمات، ما وضع منها وما لم يوضع بعد، هي كليات العقل، وأسماء العالم وسماته ومفاتيح معرفته، لكل منها دلالات عدة، بحسب السياق الذي تندرج فيه. وإن الوحدة الأساسية في الكلام منطوقاً أو مكتوباً هي الجملة، بصفتها قولاً مفيداً. وإن عدداً محدوداً من الكلمات ينتج ما لا حصر له من الجمل المفيدة. فاللامحدود مؤسس في المحدود، واللامتناهي مؤسس في المتناهي، والكلي مؤسس في الجزئي، والمطلق مؤسس في النسبي. ولكن لا وجود لجميع عناصر النسق الأول من دون عناصر النسق الثاني. ذلكم هو المبدأ الذي كان في أساس عمل الفراهيدي الذي ضربناه مثلاً. والجملة على وجه العموم مسند ومسند إليه يقعان، في كل مرة، ضمن شبكة من علاقات التعيين والتحديد، كالظرفية الزمانية والمكانية والحالية والوصفية وغيرها مما يعم ويخص ويقيد ويطلق ويثبت وينفي ويدني ويبعد ويجرد ويشخص ويخيل ويمثل ويقصر ويصل إلى آخر ما هنالك من علاقات، إذا كان ثمة من آخر. وفي اعتقادي أن النقد، في أحد أهم وجوهه، هو الكشف عن هذه العلاقات، والحكم على اتساقها أو عدم اتساقها مع منطق الفكر بوصفه فكر الواقع، أو مع منطق العقل، بوصفه عقل العالم أو عقل الكون. وعلاقة الإسناد التي تقوم بها وعليها الجملة وثيقة الصلة بنظرية المعرفة، بقدر ما هي وثيقة الصلة بالمواضعات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية والسياسية لزمن المتكلم أو لعصره. والقيم الجمالية التي يكشف عنها النقد، أو يؤسسها لا تعدو نطاق التناسب والتناغم والاتساق بين عناصر الجملة وعلاقاتها الداخلية، منظوراً إليها في نطاق الكلية، كلية النص الأدبي، إذا حصرنا اهتمامنا في نطاق الأدب، وكلية النوع الأدبي الذي ينتمي إليه النص: وكلية الأدب القومي الذي ينتمي إليه هذا النوع أو ذاك، وكلية الأدب من دون أي وصف آخر. وذلك انطلاقاً من حقيقة عقلية مفادها أن الكلي لا يوجد إلا في الجزئي والمفرد، وأن العام لا يوجد إلا في الخاص. الجمال هو التناسق والانسجام، فضلاً عن جمال الحقيقة. على أن ارتكاز اللامحدود في المحدود واللامتناهي في المتناهي والمطلق في النسبي هو ذاته مبدأ الحرية بوصفها وعي الضرورة وموضوعية الإرادة وإمكانية الاختيار. والعلاقات التي تقوم عليها الجملة والنص الأدبي والخطاب الثقافي لا تعكس حظ النص الأدبي من الجمال ومقاربة الحقيقة فحسب بل تعكس حظه من الحرية أيضاً. ومن ثم فإن الحرية والحقيقة والجمال هي مقومات  الأدب وينبغي أن تكون مقومات النقد الأدبي ومعاييره.

من كل ما تقدم نخلص إلى مسألتين: أولاهما أن النقد الأدبي قبل أن يصنف ويبوب ويحلل ويحكم، لا بد أن يكشف عن المنهج الذي بنى عليه النص الأدبي والرؤية التي يعبر عنها، وذلك بالكشف عن علاقاته الداخلية، أو منطقه الداخلي، ومدى اتساقها أو اتساقه مع علاقات الواقع ومنطقه. وليس بوسعه أن يفعل ذلك، ما لم يستند هو نفسه إلى منهج مفتوح ورؤية مفتوحة تتجاوز ما كان من محاولات حشر النصوص الأدبية في قوالب مسبقة الصنع، بعد سلسلة من التعسفات. وتتجاوز ذاتية الناقد إلى موضوعية النقد، من دون أن تحذفها، وإلا بات من الممكن أن نترك فاعلية النقد الأدبي اليوم للحاسوب. والثانية هي ربط الخاص، النقد الأدبي، بالعام، النقد بالمعنى الذي أشرنا إليه. فليس من الممكن أن ينشأ نقد أدبي يستحق اسمه إلا في مناخ النقد بوصفه فاعلية العقل الذي ينفي باستمرار وإلى ما لا نهاية.

منطق النص الداخلي هو منطق اللغة بوصفها إنتاجاً للمعنى، ومنطق اللغة هو تلك المبادئ والأسس والعلاقات القابلة لا لإنتاج معاني مختلفة فحسب، بل لإنتاج منظومات فكرية وأيديولوجية مختلفة لكل منها منطقها الخاص المستند إلى منطق اللغة العام. فمنطق اللغة منظوراً إليه على هذا النحو نسق مفتوح ومنتج أو مولد لمناطق (ج منطق) عدة، كل واحد منها هو نسق مفتوح ومنتج ومولد. المناطق الفرعية هذه هي لحظة الوضعية الإيجابية التي لا تعدو كونها لحظة ضرورية في عملية تعرف العالم واستعادة موضوعيته إلى الذات. وخاصية الإنتاج والتوليد ترجع إلى واقع أن جميع عناصر النسق المعني هي عناصر حرة؛ ولولا ذلك، لولا هذه الحرية، لما أمكن أن يكون النسق منتجأً ومولداً. في ظروف التراجع والانحطاط تنغلق جميع الأنساق على ذاتها في محاولة وهمية للدفاع عن الذات إزاء ما يهدد الهوية التي تحتل اللغة فيها موقع المركز. ومع تراخي الزمن يبدو الانغلاق حالة طبيعية، ويغدو من الصعب إعادة الحياة للأنساق المفتوحة التي هي الأصل، إلا بثورة معرفية تقتضي العودة إلى المبادئ العقلية البسيطة المؤسسة. هذه الثورة المعرفية لم تحدث عندنا بعد وإن كنا نشارك البشرية المتقدمة التي أنجزت هذه الثورة بعض ثمارها، فما زلنا نستورد الثمار ولا نستنبت البذور. الثورة المعرفية التي حدثت في العالم هي ثورة العقل البشري، شاركت فيها بصورة مباشرة وغير مباشرة جميع الثقافات الحية، ومن ثم فهي محرز نهائي لبني الإنسان، وإن حاولت المركزية الأوربية أن تدعيها لنفسها وتطبعها بطابعها.

إذا عدنا إلى مثال الفراهيدي، نجد ثلاث لحظات يمكن أن نسميها لحظة العقل ولحظة الفهم أو اللحظة الوضعية الإيجابية، ثم لحظة العقل مرة أخرى، ولكنها مغتنية بجميع منتجات الفهم. وما يجعل لحظة الفهم أي لحظة الاستقراء والتحليل والتركيب واستخلاص النتائج في صيغة "قوانين" جزءاً من عملية تعرف العالم واستعادة موضوعيته، هو كونها تثبت وتنفي، ثم تترك للعقل مهمة نفي النفي. فنفي النفي فاعلية عقلية تتعدى دائرة الفهم ولحظة الوضعية الإيجابية. وبهذه العملية فحسب تغدو جميع العلوم فروعاً من شجرة المعرفة التي استأثر بها أبونا آدم وأمنا حواء، وطردا بسببها من الجنة، كما تقول الأسطورة. والعقل إنما ينفي بدلالة الكلية، فيحرض ملكة الفهم في جميع الفروع. والحديث عن منطق اللغة بصفته نسقاً مفتوحاً، لا يعني حصر المسألة في ما اصطلح على تسميته "المنهج اللغوي"، بل يعني الإشارة ضمناً إلى ما يعتور هذا المنهج من نقص، وما يتسم به من انغلاق.

في ضوء ما تقدم، أفترض أن النقد الأدبي، عندنا، ولد وترعرع ونما في مناخ وضعي حكم على جميع مدارسه ومناهجه بالانغلاق، فضمر فيه عنصرا الحقيقة والحرية، وعجز عن إنتاج قيم جمالية جديدة يتبناها المجتمع. وفي ظني أن غالبية العاملين في حقل الأدب والفن وفي ميدان النقد الأدبي ينتمون ذاتياً، لا موضوعياً، إلى تيار "الحداثة" الذي لا يزال على هامش الحياة العربية، بل إن هذا الهامش يضيق باطراد كلما تردت الأوضاع العربية على جميع الصعد، وكلما تعمق اندماج الوطن العربي في عملية "العولمة الاقتصادية الجديدة" وتداعياتها. ولذلك يذهب بعض الباحثين، اليوم، إلى أن "المصطلح النقدي عنصر أساسي من عناصر قيام نقد أدبي جاد وفعال في دراسة النصوص الإبداعية وإبراز مقوماتها الفنية والفكرية"  وأن له أثراً حاسماً في ضبط المفاهيم وتوضيح الرؤى، ضماناً لموضوعية المقاربة النقدية وتيسيراً للتواصل بين المهتمين والباحثين. والمصطلحات، كما يعرفها عبد العالي بو طيب، "كلمات اكتسبت في إطار تصورات نظرية محددة دلالات مضبوطة أصبحت معها محرومة من حق الانزياح المباح للكلمات العادية، تفادياً لكل ما من شأنه التأثير سلبياً على مهامها الإجرائية. ويدعو إلى توحيد المصطلح النقدي لتحقيق الغايات التي أشار إليها. وفي ظني أن من العبث تناول المصطلح النقدي بمعزل عن المنهج الذي أنتجه والرؤية التي ينم عليها ويشي بها. وإن مجهوداً من هذا النوع لا يختلف عن صناعة السيارات أو صناعة أجهزة التلفزيون في بعض البلدان العربية، وكلنا يعرف مقومات هذه "الصناعة". ويبدو لي أنه لا فائدة من مثل هذا المجهود، في ضوء حقيقة أن كل لغة تنطوي على شبكة من المفاهيم والمقولات والمصادرات المتضامنة تمكنها من تفكيك الوافدات، ولا سيما ما يتعلق منها بالمصطلح، وتعيد بناءها وفق منطقها الداخلي الذي هو منطق تفكير أهلها ومنطق عملهم أو ممارستهم مما نجده مبثوثاً في جميع أعمالهم وآثارهم، في جميع المجالات. ولا يبعد أن تكون بعض هذه المفاهيم والمقولات والمصادرات المتضامنة من معطيات الإدراك الحسي في طفولة اللغة، عصمها تقادم الزمن وقوة العادة من نقد العقل، فغدت بعضاً من مخزون اللاشعور الجمعي. مما يجعل عالم الوعي ملتبساً بعالم اللاوعي، يمتح منه باستمرار، في غياب رقابة العقل. فمفهوم التناص الوافد من النقد الأوربي، مثلاً، قد يلتبس عندنا بوقوع الخاطر على الخاطر، أو بمفهوم السرقة الأدبية، أو بمفهوم الاقتباس ومفهوم التضمين. في حين يمكن لمنطق اللغة أن يضبطه في ضوء صيغة التفاعل التي تعني المشاركة مع الاختلاف. وقل مثل ذلك في سائر المفاهيم والمصطلحات المنقولة بطريق الترجمة أو بطريق التعريب، ونحن نعلم "أن لغة من اللغات لا تطابق لغة أخرى من جميع جهاتها بحدود صفاتها من أسمائها وأفعالها وحروفها وتأليفها وتقديمها وتأخيرها واستعارتها وتحقيقها وتشديدها وتخفيفها وسعتها وضيقها ونظمها ونثرها وسجعها ووزنها وميلها، وغير ذلك مما يطول ذكره". ( 115-116) " إذا سلمنا أن الترجمة صدقت وما كذبت وقومت وما حرفت ووزنت وما جزفت، وأنها ما التاثت ولا حافت ولا نقصت ولا زادت ولا قدمت ولا أخرت ولا أخلت بمعنى الخاص والعام ولا بأخص الخاص وأعم العام، وإن كان هذا لا يكون، وليس هو في طبائع اللغات ولا في مقادير المعاني". ( 112) فليست العبرة والحال هذه في نقل المصطلحات وضبطها وتوحيدها، بل في نقد المبادئ والأسس التي انبنت عليها والرؤى التي استقت منها دلالاتها وقيمها، وتمثلها وإعادة إنتاجها في الممارسة الإبداعية، وإلا انقطعت العلاقة بين اللغة الاصطلاحية واللغة "العادية"، بتعبير الدكتور بو طيب. على أن هذه العلاقة لا تقف عند حدود "تأسيس الأولى انطلاقاً من الثانية" ، بل تتعداها إلى إعادة يناء الثانية انطلاقاً من الأولى، وإلا يفقد النقد وظيفته المعرفية والجمالية، وهي وظيفة اجتماعية، ولا تندمج العلوم في ممارسة المجتمع، فتسهم بالتضافر مع عوامل أخرى في تجديد الوعي الاجتماعي وتحديثه.

وأخيراً لا بد من التساؤل، هل تحل مسألة النقد الأدبي إذا تواضعت الأمة على اعتماد أدق الترجمات للمصطلح النقدي الأوربي، في مجال الرواية وغيرها، وعملت على تعميمها و "توحيدها"، وحالت، من ثم، دون "إعطاء مقابلات عديدة، مختلفة غالباً، لمفهوم غربي واحد، ودون "إعطاء مفاهيم عديدة ومختلفة لنفس الدال الواحد" ؟ لقد أجاب الدكتور بوطيب  عن المسألة بالنفي، من دون أن يدري، حين قرر أن " اللفظ الأدائي في اللغة صورة للمواضعة الجماعية" وأن "المصطلح، في سياق النظام اللغوي نفسه "مواضعة مضاعفة، إذ يتحول إلى اصطلاح في صلب الاصطلاح. فهو إذاً نظام إبلاغي مزروع في حنايا النظام التواصلي الأول، إنه بصورة تعبيرية أخرى علامات مشتقة من جهاز علامي أوسع منه، كما وأضيق منه ذمة. وهو لهذا شاهد على غائب، وهي حقيقة تعلل بصفة جوهرية صعوبة الخطاب اللساني من حيث هو تعبير يتسلط فيه العامل اللغوي على ذاته ليؤدي ثمرة العقل للمادة اللغوية". مع ملاحظة أن الدكتور بوطيب يستعمل، في مقطع واحد من مقالته المهمة، عدداً من المصطلحات، كالنظام الإبلاغي والنظام التواصلي والنظام العلامي والخطاب اللساني، لمفهوم واحد هو النظام اللغوي. ويبدو لي أنه من غير الحكمة أن نظل ننظر إلى الفن الروائي العربي وقد شب عن الطوق على أنه كغيره من فنون الأدب الحديثة، مجرد محاكاة لنظيره في الغرب، ولا بد من ثم من استجلاب "نظريات" النقد الغربية المناسبة، وفق مبدأ "المفتاح باليد"، بحجة أن "تراثنا النقدي لا يقدم لنا الأرضية المنهجية والاصطلاحية الماهدة التي يمكن الانطلاق منها نحو مقاربة وتلقي الأجناس الأدبية الجديدة، وبصفة أخص الأجناس السردية؛ فقد كان هذا التراث منشغلاً طيلة أحقابه وحتى نخاعه بثابتين رئيسيين: الشعر والإعجاز القرآني"، في حين يقرر هو نفسه أن لكل مصطلح نقدي مرجعية معرفية تمنحه كفايته الإجرائية. فالمسألة إذاً مسألة معرفية أولاً وأساساً.

ولا يبدو لي أنه يمكن حل أشكالية النقد بالعودة إلى "نظرية النظم" التي قال بها عبد القاهر الجرجاني والجاحظ، على النحو الذي ذهب إليه عبد العزيز حمودة، في كتابه "المرايا المقعرة، نحو رؤية نقدية عربية". وهو نظير ما ذهب إليه محمد عابد الجابري، على صعيد آخر غير بعيد عن مفهوم النقد، حين دعا إلى إلى العودة إلى ابن رشد، للخروج من "ثنائية الانبهار بالعقل الغربي ومنجزاته واحتقار العقل العربي ومنجزاته" جراء غياب مشروع ثقافي عربي. إذ لا يختلف منطق عبد العزيزحمودة عن منطق التحريض السياسي الذي يسنثير مشاعر الكره للغرب، من دون أن يؤسس لنظرية نقدية عربية إلا بالعودة إلى "نظريات" السلف، لا إلى المبادئ العقلية البسيطة التي انبنت عليها. وسبب العجز عن التأسيس، في اعتقادي، يكمن في المصادرات والضغوط الوجدانية التي تمارسها مقولة التراث حين وضعت في معارضة المعاصرة الحداثة مختزلتين إلى الانتهاك الاستعماري أو التبعية أو الاختراق الإمبريالي أو الغزو الثقافي. فالرغبة والشعور لا يؤسسان نظرية نقدية عربية. والاقتداء بمنجزات "العقل العربي" كالاقتداء بمنجزات "العقل الغربي" كلاهما ينفيان الحرية، صفة العقل الرئيسة، وينفيان من ثم العقل. والحرية هي شرط الإبداع وماهيته. مذهب الفراهيدي والجرجاني والجاحظ وابن رشد هو مذهب الحرية وانبثاق اللامحدود من المحدود واللامتناهي من المتناهي. ومبدأ الحرية هو نفسه مبدأ الإنسية والعقلانية والعلمانية. ولنقل: إنه مبدأ العقل بما هو عقل العالم وعقل الكون. والعقل هنا مصدر، (عقل يعقل عقلاً فهو عاقل وموضوعه معقول)، وهو بتعبير أبي حيان "صورة المعقول في نفس العاقل".

في قضية "منجزات العقل العربي" و"منجزات العقل الغربي" ميز الجابري، بصورة مباشرة، وعبد العزيز حمودة، بصورة غير مباشرة، "العقل المكـوِّن" من "العقل المكـوَّن"، على خطا   لا لاند، فقصرا عمل الأول على ما تجلى أو تعيَّن في الثاني الذي استنفد مفهوم العقل وخفضَّه إلى إبيستيميلوجيا، أي إلى اللحظة الوضعية الإيجابية، على ما في ذلك من إهانة للعقل. وتحولت المسألة إلى مسألة مقارنة ومفاضلة ذات كثافة أيديولوجية واضحة يستحيل معها تأسيس المفاهيم والقيم الحديثة في التراث، كما يريد الجابري، كما يستحيل بناء نظرية نقدية عربية، كما يريد عبد العزيز حمودة.

 

 

 

جاد الكريم الجباعي

دمشق- سورية – تيليفاكس 00963 11 6711599 

E. Mail jebaae@scs-net.org