المسألة القومية في فكر الياس مرقص

 

جاد الكريم الجباعي

يعد المفكر العربي الراحل الياس مرقص من المفكرين العرب القلائل الذين أطلقوا عملية عقلنة الفكر العربي المعاصر، وتحديثه، وحاولوا إخراجه من أسر الأزواج التناقضية - التعادمية، أو النقائض، من نوع: حداثة / تقليد، أصالة/ معاصرة، عروبة / إسلام، دين / دولة، شرق/ غرب، مادية/ مثالية... الخ، متجاوزين السجالات والصراعات الأيديولوجية التي وسمت الحياة الثقافية والسياسية العربية، وأدت إلى ثقفنة الصراع الاجتماعي - السياسي بأبعاده العالمية  والقومية المحلية، ومتجاوزين كذلك حدود التمذهب والتحزب بنقد جميع "المذاهب" نقداً ذهب إلى أساسات بناها المعرفية والفكرية والأيديولوجية، بدلالة مشروع نهضة الأمة وتقدمها ووحدتها، وبأدوات تحليل حديثة أحسنوا فحصها ونقدها وشحذها، ونزعوا عنها طابعها الأيديولوجي، وعن المفاهيم والمقولات ومفردات اللغة طابعها الصوفي والرمزي ، أو الشييء والصنمي، وشحنتها الشعورية.

وإذا كانت الماركسية قد طبعت بطابعها أدوات التلحليل المعنية، فإن ماركسيته وضعته في موقع بين الفلسفة ومشروع تحقيقها، فلا هو ذلك " الفيلسوف " المنقطع إلى التأمل، يحل الواقع في الفكر المجرد، ولا هو ذلك "السياسي" المتحزب، أو المتمذهب المنقطع إلى "النضال" يحل الواقع في الأيديولوجيا. فلقد عمل طوال حياته بدأب ومثابرة وصدق ونزاهة وتواضع لكي لا تكون الفلسفة فلسفة فحسب، ولكي تنبني الحقيقة السياسية على الحقيقة الفلسفية بوصفها الحقيقة الواقعية.

الإشكالية التي وجهت فكره وعمله، الهم الذي لم يزايله حتى وفاته، عطشه الفاوستي الذي لازمه وأقض مضاجعه كان إعادة تأسيس العقلانية في الفكر العربي المعاصر، وإعادة بناء الوعي العربي والارتقاء به من وهدة التأخر والفوات إلى مستوى العصر الحديث، ومن حالة الشقاء أو الاستلاب إلى المطابقة، مطابقة الواقع بثلاثة أبعاده: التاريخي والكوني والمنطقي وقد جسد هذه الإشكالية في العمل على محورين متلازمين تلازماً ضرورياً: النقد والتأسيس أو الهدم والبناء فقد كان من القلائل الذين نقدوا الفكر القومي على اختلاف تياراته وتلاوينه بالعمق والجدية اللازمين، وذلك في كتابه الشهير "نقد الفكر القومي عند ساطع الحصري"، (و إما أنه ثنى، أو كان سيثنى بنقد الفكر القومي عند ميشيل عفلق) ، وفي نقده عبد الناصر والناصرية في مناسبات كثيرة أهمها دراسته المنشورة في العدد الأول من مجلة "الفكر الاستراتيجي العربي". كماكان من السباقين إلى نقد الماركسية، ولا سيما الدوغمائية الستالينية ونسختها العريبة، وكشف النقاب عن طابع الأخيرة الاقتصادوي ومنهجها الوضعاني، وذلك في عدد كبير من مؤلفاته وترجمته، ومنها: "تاريخ الأحزاب الشيوعية في الوطن العربي"و" الماركسية في عصرنا" و"الماركسية والمسألة القومية" و" نظرية الحزب عند لينين والموقف العربي الراهن"و" نقد برنامج الحزب الشيوعي اللبناني"و" والماركسية السوفياتية والقضايا العربية المعاصرة"، وصولاً إلى كتابه الهام المخطوط في نقد الفلسفة الستالينية "نقد المادية الجدلية والمادية التارييخية".

وقد كان لنقده المبكر والجسور معايير واضحة أهمها أولوية الحقيقة، وجدلية العلاقة بين الفكر والواقع، وكون الفكر مرشداً للعمل وموجهاً للممارسة، ولا يمكن أن يكون كذلك ما لم يكن هو نفسه نتاج الممارسة، أي إن معاييره تتلخص في الديالكتيك، بصفته مذهب العقل والعقلانية من أفلاطون إلى ماركس وأنجلز مروراً بهيغل، على الصعيد المعرفي والفكري، وقضايا الإنسان ومسائل الواقع العربي والعالمي على الصعيد السياسي. وجدير بالذكر أن الروح النقدية التي وسمت فكره، وتجلت في سائر مؤلفاته وأثاره، ماكان يمكن أن يكون لها هذه الأهمية، وهذه القيمة المعرفية والفكرية والأخلاقية والسياسية، بالتالي، وفي المحصلة، لو لم تكن ضرباً من النقد الذاتي النابع من إيمان عميق بجهاد المعرفة لكي تستطيع تجاوز ذاتها وتخطي حدودها باستمرار، وبالتالي لكي تستطيع مقاربة الواقع المتحرك المتغير باستمرار، وذلك هو السند العقلي، المنطقي والتاريخي للنقد الذي يستحق اسمه، أي النقد بوصفه وظيفة العقل الذي ينفي باستمرار ومن قناعة راسخة بضرورة " الجهاد الأكبر"، وأهمية جهاد النفس الأمارة بالسوء، وجهاد الذات، الفردية والحزبية والقومية و الدينية،..في نزواتها وفي جموحها وجنوحها، وبضرورة الجهاد الأكبر  في السياسة بوجه خاص. ذلك لأن الخطأ والباطل ملازمان ضرورة للمعرفة والحقيقة، فالحقيقة التي لا يلازمها باطل تنتج إيماناً لا يخالطة شك ومؤمناً لا يحتاج إلى العقل.إن فكر الرجل وإشكاليته وروحه وعطشه لا تستنفد في كونه مفكراً قومياً أو ماركسياً، ديمقراطياً أو ليبرالياً، مادياً أو مثالياً..، ولا بالأحرى في أي من هذه الصفات، وهي وغيرها، بالطبع، على اختلافها وتعارضها الظاهري صفات فكره وحدوده، و الصفة لا تستنفد الموصوف، ولا الخبر يستنفد المبتدأ لكن الصفة حدُّ وفرق، والخبر توصيف، وتعيين. وهما لازمان لأية معرفة شريطة الحذر من سحر الكلمات، كما كان يردد دائماً، فهذه الصفات وغيرها من المفاهيم والمقولات كسائر مفردات اللغة هي أولاً كلمات تنتمي إلى الفكر، وإلى الكلي، وليست مقدسة ولا رجيمة ولا حسنة ولا سيئة ولا نبيلة ولا وضيعة..، لكنها تصبح كذلك عندما تندرج في الأيديولوجيا وتتحول إلى رايات وشعارات ورموز، وإلى ملائكة وشياطين لذلك ميز الياس مرقص في نقده تيارات الفكر العربي ومذاهبه بين الفكر والأيديولوجيا، وحذر من الخلط بينهما.

ويمكن القول إنه، في كل ما كتبه، كان يجمع بين النقد السياسي والنقد الفكري، مع حضور ما محدود ومضبوط للنقد الأيديولوجي. وكان النقد السياسي بالمعنى الضيق للكلمة، أي السياسوي، والنقد الأيديولوجي يتقلصان ويضمران عاماً بعد عام، في حين كان الفكري يتعمق ويتجذر. ولكن، دون أن يلغي السياسي أو يحذف الأيديولوجي ويمكن الادعاء بأن الأيديولوجي والسياسي كانا يظهران، فقط، من خلال الفكري، وفي نطاقه، وتحت رقابته، وهذا ما يمكن أن ندعوه بعقلنة السياسة والانتقال بها من المستوى السياسوي الذي لا يعنى إلا بما يطفو على سطح المجتمع، إلى مستوى السياس/ تاريخ بمفردات ياسين الحافظ. ويمكن لمن يقرأ مؤلفاته كلها أو بعضها أن يلاحظ هذا الاتساق والتناغم بين هذه المستويات: الفكري والسياسي والأيديولوجي، ذلك لأن منطقها الداخلي، الضمني، واحد أو مشترك ألا وهو الديالكتيك، والنزوع الأصيل إلى ربط الفكر بالواقع. ولا بد أن يلاحظ أيضاَ ذلك التطور اللولبي، إذا صح التعبير، الذي كثيراً ما يظنه القارئ المتسرع تكراراً فمساره الفكري كان صعوداً وارتقاء، والصعود نزول إلى مستوى الجذور والأساسات، والتأسيس من جديد على مبادئ قابلة للبسط والإنماء في جميع الاتجاهات وإلى ما لا نهاية.

لقد شغلت المسألة القومية، بوصفها واحدة من أهم مسائل الواقع العربي ببعديه  التاريخي والعالمى، موقعاً هاماً، بل محورياً فى فكره وعمله. فقد كانت أهم المعايير التي نقد في ضوئها الماركسية الدوغمائية الاقتصادوية الوضعانية، في إهابها العربي. فقد تتبع في مؤلفاته التي وقفها على نقد الماركسية مواقف الماركسيين عموماً، والماركسيين العرب خصوصاً من مسألة الاستعمار والإمبريالية وبالتالي من مسألة الاستقلال السياسي والتحرر من التبعية، ومواقفهم من قضية الاندماج القومي والوحدة العربية، ومن الصراع العربي - الصهيوني بما هو مظهر من مظاهر صراع أمتنا ضد الإمبرياليةوهي أهم مفردات المسألة القومية في بعدها السياسي، أو الفكري - السياسي، إشارة إلى وجوب ارتباط الفكر بالسياسة والسياسة بالفكر وفي سياق عملية التتبع والنقد والتأسيس جمع الياس مرقص، على نحو خلاق، بين الماركسية والقومية بالمعنى الحديث للكلمة، فقد كان ماركسياً بقدرما كان قومياً، وكانت " ماركسيته" قومية بقدر ما كانت "قوميته" ماركسية.

ويمكن القول إنه تناول المسألة القومية بطريقتين: مباشرة، تتجلى في المؤلفات التي خصصها لهذا الموضوع مثل: "نقد الفكر القومي عند ساطع الحصري" و "الماركسية والمسألة القومية" و" في الأمة والمسألة القومية والوحدة العربية" مع مكسيم رودنسون وإميل توما، و "عفوية النظرية في العمل الفدائي" و " المقاومة الفلسطينية والموقف العربي الراهن" وسلسلة من المقالات والدراسات. والثانية طريقة غير مباشرة تتجلى في عدد كبير من الآراء والأفكار والملاحظات مبثوثة في ثنايا مؤلفاته الأخرى كتباً أو مقالات ودراسات ذلك لأن قضيته المركزية كانت قضية الفكر والواقع والشعب بالتلازم الضروري، قضية العرب والأمة العربية في عالم اليوم وفي إطار قضية الإنسان وتاريخه ومصائره. ويمكن القول بلا خوف من المبالغة إنه وقف حياته على خدمة هذه القضية بدأب وشرف وثبات.

لقد اكتست المسألة القومية عنده طابعاً جديداً، واغتنت بمضمون حديث قد لا نجدهما بمثل هذه الصراحة والوضوح لدى غيره من المفكرين سوى نفر قليل. فالمسألة القومية عنده هي مسألة وعي الذات، مسألة وعي الأمة ذاتها، وكذلك الأفراد والفئات الاجتماعية والحزاب.. الخ إنها بالأحرى مسألة الهوية والهوية عنده رابطة " رابطة الهو مع الكون والعالم، مع الإنسان والتاريخ كتقدم وكمسائل، رابطة محددة دائماً ومعينة ومفتوحة على اللانهاية" هكذا في راية " الهوية الفردية المليئة حقا لشخص لشعب، لأمة لحزب، لطبقة لجماعة حية ولبشرية بالكامل" وعلى هذا الأساس الهوية توجه وتطلع، نزوع إلى مستقبل ممكن وواجب الهوية بالمعنى الآخر، أي بمعنى الخصوصية والانغلاق على الذات الإثنية أو الدينية أوالمذهبية أو الطبقية أو الحزبية، تجريد ميت، لا هوية بهذا الفهم للهوية كان يعارض مبدأ الهوية الجوهري أو مبدأ " الجوهر" من جهة، والعدمية القومية لدى الأحزاب الشيوعية العربية أو جماعات الإسلام السياسي الارتدادية من جهة أخرى. وليس من خيار آخر، لتجديد الفكر القومي سوى نقد الفكر القومي ذاته ولا سيما شطره المرتكز على مبدأ الجوهر أولاً ودحض العدمية القومية وتفنيدها ثانياً.

فالفكر القومي التقليدي والتقليدي الجديد واقع تحت سيطرة " الجوهر"، و"الجوهر" أخو السرمدية، إذا يناقض مقولة الشكل المؤدي إلى تشكل، ومقولة التكون المؤدي إلى كائن. ففي مذهب الهوية الجوهري:

1 ـ" العروبة " جوهر" والإسلام تجليه وهذا الموقف يستند إلى واقعة تاريخية كبيرة جداً، لكنه، أي الفكر القومي يأخذها في مذهب خاطئ وعقيم تماماً من البداية.

2 ـ العرب" مادة الإسلام" وهنا مادة بمعنى Substance، إذن العرب جوهر الإسلام لكن هذه الصيغة إذا جمعت مع مدلول جوهر Essence المثالي السابق تحمل تأليها للعرب ولطابعهم القومي.

3 ـ  تاريخ هو أشكال للجوهر أو الماهية، وأشكال ظاهرية مادية، وما ليس جميلاً في هذا التاريخ يصبح مظاهر ثانوية تافهة مخالفة للجوهر الباطن، وذلك رغم طول عمر هذا القبيح " الانفصال والانفصالات، اللاوحدة، والاستبداد والقمع..

4 ـ إذن، عملياً جوهر عظيم وواقع فاسد، أمة صحيحة وواقع مريض.

5 ـ  يراد تحقيق، أو توقيع الجوهر: الوحدة تحقيق الأمة، اللغة توحد والمصالح تفرق الرموز القطرية ( مثلاً أعلام الدول وأناشيدها الوطنية) سبب وعلة الانفصال والتجزؤ. والنعرات الطائفية والعشائرية تدان بعنف، ومجتمع الطوائف، العشائر لا يدرس، طائفية المجتمع، كون الطوائف، الكينونة الاجتماعية لا ينظر فيها.

6 ـ الجوهرية موقف واضح عند أصحاب العقائد القومية والقطرية الانعزالية، والمساجلة بين القومي العربي العام الوحدوي، والقومي القطري الإقليمي الخاص تصبح مساجلة بين جوهرين ماهويين.

7 ـ وقد يصل القومي العربي في نهاية عمره إلى أن الواقع فاسد والجوهر فاسد.." (عن العقلانية العربية م).

وفي مواجهة العدمية القومية أكد أن الأمة العربية تكونت خلال تاريخ طويل و "إن القسم الأكبر، والأكثر حسماً في هذا التكون التاريخي الطويل هو التكون التاريخي لحقبة ما بعد الإسلام فالأمة العربية ليست امتداداً في الزمان لأمة سامية عامة غير موجودة، وليست تمدداً في المكان لمعين قرشي أصلي. إن أبناءها.. " ينتسبون إلى عدنان وغسان" في اللغة، والباقي (الإنتاج والثقافة) لا ينبع" من اللغة. الموقف المعاكس هو نفي لوجود تقدم حقيقي، لنمو بما يتضمنه هذا المفهوم الفلسفي من تغير في طبيعة الشيء.." (الأمة والمسألة القومية - ص 82).

وإن الوجود القومي العربي قد ارتكز على تشابه قديم في أسلوب الإنتاج و الملامح النفسية - الثقافية واللغات، وتحقق على أساس لغة محددة قديمة وثابتة هي اللغة العربية، لغة قريش. هذه اللغة تاريخها اللاحق الوحيد هو تاريخها الخارجي، أي تاريخ انتشارها وصيرورتها لغة عشرات الملايين من البشر، لغة لاقتصادهم وثقافتهم وعلاقاتهم وحياتهم، أي تاريخ صيرورتها لغة قومية. أما تاريخها الداخلي، أي تاريخ تكونها كلغة، تاريخ نشوء مفرداتها الأساسية وقواعدها فهو يرجع إلى ما قبل التاريخ المعلوم".
(
المصدر السابق ص 84 - 85).

و " إن تاريخ نشوء وتكون الأمة العربية يبقي شيئاً عصياً على الفهم إذا لم نضع العنصر السياسي ( الدولة) والعنصر الأيديولوجي ( الدين) في مكان الصدارة. لولا الإسلام والقرآن، حافظ اللغة، ولولا الدولة العربية - الإسلامية الأولى، وبقاء الطابع العربي للحكم قروناً طويلة بعد انقسام هذه الدولة الواحدة، لما كان لدينا اليوم أمة عربية ممتدة من الخليج إلى المحيط. تلك عناصر لا تنحل في مقولة الاقتصاد ومن العبث - من غير المجدي على صعيد تلمس تاريخ الأمم ومصيرها - أن نعتبر الاقتصاد سبباً، محض سبب، والدولة والأيديولوجية نتيجة، محض نتيجة، ومن العبث أن نقول إن الأمة تخلق الدولة القومية، وإن الدولة القومية لا تنشئ الأمة إن التاريخ يخطئ هذه النظرة الأحادية الجانب، يخطئها بدرجات متفاوتة، لكنه يخطئها دائماً". (المصدر السابق ص 86).

وإذا يخلط الفكر القومي التقليدي بين الهوية والأصل، أكد الياس مرقص أن الأصل والهوية شيئان مختلفان وليسا شيئاً واحداً، وأن "الشد إلى الأصل ليس إلغاء للوجود، بل هوإلغاء للأمة" ولعل مفهوم الأصل يحيل على العرق والشعب العريق، وعلى اللغة مجرد اللغة، أو الدين.. أي على الجوهر الثابت المتعالي على التاريخ، وعلى الوجود الماهوي، والرسالة الخالدة..

إن مفهوم الأصل الذي يحيل على الجوهر الثابت، أو الوجود الماهوي، يوجه عملية وعي الذات نحو الماضي ونحو التراث والثقافة التقليدية والدين وينتج أوهاماً شتى حول العلاقة بين القومية والدين أو العروبة والإسلام، ويحل مفهوم الجماعة، أو مفهوم الملة الدينيين محل مفهوم الأمة العلماني.

أن قومية العرب لا تتقوم بانتسابهم إلى عدنان  أو غسان أو قحطان أو إبراهيم.. ولا في كونهم مسيحيين أو مسلمين، ولا حتى بالتكلم بلغة واحدة...، بل في حريتهم واستقلالهم، وإنتاجهم شروط حياتهم ووجودهم، وتطلعهم  إلى مستقبل ممكن وواجب لذلك كان من الضروري تمييز أو فرز مفهوم القومية عن مفهوم الأمة فالقومية التي تحيل على مفهوم القوم بكل حمولته الرمزية والأيديولوجية واللغوية والإثنية  القارة في اللاشعور الجمعي، والمخيال الاجتماعي هي شعور بالانتماء إلى الأمة يمكن أن يرقى إلى مستوى الوعي الذاتي مع تقدم الأمة وتفتح إمكاناتها، ووعي الأفراد حقيقة العلاقات القائمة فيما بينهم بوصفها الشيء العام المشترك بينهم والذي هو جوهرهم وماهيتهم. هذا الشعور بالانتماء القومي هو محصلة سيرورة تاريخية هي سيرورة تكون الأمة أو تشكلها، تسنده ولا شك وحدة اللغة والثقافة والتجربة التاريخية. وهو أحد العوامل الجاذبة في السيرورة الوحدوية - حسب ياسين الحافظ - أما الأمة فهي مقولة اجتماعية وسياسية وثقافية، تاريخية، تدل على جملة من الروابط والعلاقات الواقعية المتغيرة بين الأفراد والجماعات والفئات والطبقات والمذاهب والتيارات والأحزاب.. التي هي أجزاء الأمة وتجسيدها العياني. وهي مقولة مرتبطة أوثق ارتباط وأشده بمقولة العمل، والإنتاج الاجتماعي - الإنساني ، إنتاج الوجود البشري، والخيرات المادية والثروة الروحية. القومية بما هي شعور، أو وعي ، تنتمي إلى دائرة الذاتي، في حين تنتمي الأمة ( المجتمع المدني والدولة) إلى دائرة الموضوعي، وجدل الذات والموضوع هو الذي يضبط العلاقة بينهما منطقياً و تاريخياً إن التأمل، والتفكير، في القومية هو بالأحرى من قبيل تأمل الذات في ذاتها ( على طريقة "نرسيس")، تأملاً ينتج الشوفينية وأوهام الخصوصية وروح الانثناء والانغلاق على الذات  لذلك انصب اهتمام الياس مرقص على الموضوع، أي على الأمة في سيرورة تكونها، وتطورها التاريخي، سيرورة نموها وتغيرها.. إن سؤال الهوية، في نظره، لايجد له جواباً منطقياً وتاريخياً إلا في المجتمع، بل في المجتمع المدني والسياسي ودولة الحق والقانون فالقومية، وكذلك الأمة، عام لا بد أن يتخصص، أي لا بد أن يتجسد واقعياً وعيانياً، ولا يمكن أن يتجسد إلا في المجتمع، وهذه نقلة نوعيةهامة نحو الواقعية والراهنية في المسألة القومية فالمجتمع في رأيه أعظم إنتاج بشري، أو أعظم اختراع بشري فقد عرف التاريخ ثورتين كبريين أولا هما ظهور النوع البشري، والثانية ظهور المجتمع، ومنذ ظهور هذا الأخير أصبح التاريخ تنويعة على أشكال الاجتماع، أو سمفونية متموجة على لحن الاجتماع. ليس ثمة من وجود حقيقي متعين أو عياني للأمة من دون المجتمع المدني ودولة الحق والقانون، أو الدولة الأموية أو القومية. والمجتمع الذي تتحقق فيه الهوية القومية هو مجتمع التعدد والاختلاف، والتناقض أو التعارض الذي يصنع التاريخ الداخلي للأمة. فالوجود الفعلي، الواقعي للأمة هو اختلاف الأفراد والجماعات والفئات والطبقات والشعوب والأقاليم.. هذا الاختلاف هو الذي يفرض التحول والتغير " لا هوية بلا اختلاف" المقولة تفرض ضدها دائماً.

وخلافاً للرؤية التوتاليتارية الشمولية التي تذوب الفرد في الجماعة فتلغي فرادته وحريته واستقلاله، أي تلغي شخصيته وذاتيته تحت عناوين مختلفة دينية ووطنية وشعبية وطبقية وثورية...الخ، أكد أن المجتمع هو أولاً وقبل أي شيء آخر مجتمع الأفراد، والأمة أمة الأفراد، وإلا فلا معنى، ولا معقولية وكما يكون الأفراد يكون المجتمع وتكون الأمة. فالمجتمع الذي يلغي حرية الأفراد واستقلالهم وذاتيتهم إنما يلغي حريته واستقلاله وذاتيته. إن إلغاء الفردي والخاص هو إلغاء للعام. ومن البدهي أننا بإلغاء الفردي والخاص لا نلغي وجودالأفراد، بل نلغي العلاقات التي تشكل جوهرهم وماهيتهم، أي نلغي الأمة، وننتج حالة من التناثر الاجتماعي والقومي أشبه بحالة اجتماع حبات الرمل أو أفراد القطيع. يقول الياس مرقص: "إذا ما ألغينا الأفراد وأكدنا الهوية لن يكون لدينا أي تطور، ولن يكون لدينا سوى " جوهر" وهمي للأمة، عندئذ لا نكون إزاء مسألة الهوية، بل بالأخرى إزاء عقدة الهوية، والفرق كبير إلى ما لانهاية بين الهوية وعقدة الهوية، الهوية ذاتية حقيقية، ثقة بالذات، استقلال فعلي، حرية، حرية للإنسان فرداً ومجتمعاً وأمة". في هذه اللمحة يتجلى الديالكتيك، وديالكتيك الفردي والخاص والعام، ويتجلى المضمون الواقعي ، والتاريخي لحقوق الإنسان والمواطن، وهي أهم ضمانات بناء الأمة الحديثة وأهم مقوماتها، وبالتالي أهم مضامين المسألة القومية والوحدة العربية وتتجلى كذلك الروابط الضرورية بين المسألة القومية والمسألة الاجتماعية بوصفهما بعدين متلازمين للكينونة الاجتماعية.

أجل، إن إلغاء الفردي والخاص هو إلغاء للعام، إن إلغاء حرية الأفراد والجماعات والفئات والطبقات والأحزاب والنقابات... الخ هو إلغاء للمجتمع والأمة، ونكوص إلى ضرب من سديمية قطيعية قوامها علاقة الراعي والرعية، والسلطان والعبد، سديمية وقطيعية تقيمان الاستبداد الذي ليس سوى لحمة وهمية لوحدة المجتمع والأمة إن مجتمع الاستبداد هو، بالأحرى مجتمع يعيش وهم الحرية في حرية الوهم ووهم التقدم في تقدم الوهم.

كتب الياس مرقص، في تعليقه على ندوة العقلانية العربية يقول: " حين ندرك أن الأمة العربية أكثر من /200/ مليون " أنا " ، تكون قضية الوحدة العربية قد خطت خطوتها الأولى إن فقدان الـ " أنا أفكر " سبب ضياع الـ نحن وتبديده". وأضاف: " الأمة وفاق أو توافق، أو معية الأمة موافقة وهي لا تفرض شيئاَ على أفرادها، ربما على ملايين منهم، انتم أحرار في الرأي، أحرار في حياتكم الشخصية، في إنشاء ما تشاؤون من أحزاب معارضة، لكن، تحت القانون وتحت الحق. وبعد ذلك، بعد ذلك فقط، توجد أكثرية وأقلية إن تضخيم مقولة الأكثرية والأقلية عند بعضنا حماقة مناوئة للديمقراطية، ومربوطة غنوزيولوجياً ( معرفياً) باللامفهومية، واللامنطق، وبانحطاط الرياضة إلى حساب".

ما تقدم يقود، بالضرورة، إلى القول: إن مفهوم الأمة عند الياس مرقص مؤسس على مفهوم الديمقراطية بكل منطوياتها المعرفية والفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، الديمقراطية بما هي أولاً حقوق الإنسان، ثانياً حقوق المواطن، وثالثا فكرة الأكثرية الانتخابية الحرة التشكلية، إذن حق الاجتماع وحق تشكيل الجماعات بلالبس. والديمقراطية في نظره أيضاً هي الليبرالية + مفهوم الشعب، وهذا الأخير مؤسس على مفهوم الوطن والمواطنة، و " نفي الحرب خارج المدينة" وخارج حدود الوطن ونطاق الأمة، وعلى التناقض الداخلي العلني والصريح الذي يدفع إلى الامام وإلى الأفضل والأرقى.

الديمقراطية هي شكل ممارسة الحرية في المجتمع والدولة، إذن هي الشكل الذي تتخذه الذاتية، أي شكل الكينونة الاجتماعية و القومية. فهي ليست شيئاً مضافاً إلى القومية، من خارجها، بل هي قوام الأمم الحديثة وعامل حيويتها وشرط تقدمها. من دون ديمقراطية ليس ثمة أمة حديثة ولا وحدة قومية، وما أشكال الاستبداد وصور الشوفينية والتعصب القومي والنزعات العرقية، وغيرها من التشوهات والانحرافات في المسألة القومية سوى نتاج ضمور الديمقراطية أو غيابها فالنازيّ، يقول الياس مرقص، ليس مع الأمة وإن تاجر بها، النازي مع الشعب - العرق... والنازية لم تكن امتداداً للأمة الألمانية، بل كانت اتقضاضاً عليها، ثورة يمين، ثورة مضادة جبارة على الأمة وعلى كل المؤسسة التاريخية لأمة الألمان.. وهناك من أنقذ شرف الأمة ( بمقاومة النازية) : شيوعيون واشتراكيون ورجال دين بروتستانت وكاثوليك ونبلاء بروسيون وبورجوازيون غربيون.."

إن مسألة الأكثرية والأقلية السياسيتين، ومسألة الأقليات القومية والإثنية والدينية والمذهبية.. مسألة قومية بامتياز لأنها مسألة الاندماج القومي، المقدمة اللازمية للتقدم، والشرط الضروري لوحدة الأمة. في ضوئها تقاس حداثة الأمة، ويختبر وعيها لذاتها. من دون اندماج قومي ليس ثمة شعب، وأمة، بل بالأحرى متحدات اجتماعية مغلقة متنافرة ومتحاجزة؟ لقد قفز الفكر السياسي العربي فوق مسألة الأقليات وتجاهلها أو جلهلها مرتين، مرة بوصفها مسألة قومية تتعلق بالاندماج القومي ومرة بوصفها مسألة.. ديمقراطية تتعلق بالمساواة، والحرية وروح المواطنة، فكان الجزاء التاريخي في لبنان والسودان ومصر والعراق والجزائر.. وغيرها وكان الاستبداد وستظل الحرب الأهلية، حرب التدمير المتبادل، وتدمير المجتمع والدولة والأمة، كامنة هنا ومتفجرة هناك ما لم تجد هذه المسألة حلها العلماني - الديمقراطي في إطار الثورة الديمقراطية العربية. إزاء هذه المسألة القومية - الديمقراطية لم يكتف الياس مرقص بإدانة الاتجاه الذي يضخم مقولة الأكثرية، بل رأى أن حق الأكثرية نابع من حق الأقلية، وإلا كان تسلطاً واستبداداً فالديمقراطية هي حق الآخر وحريته أولاً، هكذا المنطق والعقل، وما عداه اغتيال للعقل والمنطق واغتيال للأمة وقد أوضح في هذا الصدد مفهوم " جدلية القهر " وحقيقة ان شعباً يضطهد غيره من الشعوب لا يستطيع أن يكون حراً، وأن شعباً من الشعوب لا يستطيع إن يفرض السعادة على غيره دون أن يقوض شروط سعادته ذاتها، وأن الأكثرية، من أي نوع كان، التي تضطهد الأقلية إنما تدمر شروط وجودها ناهيك عن تقدمها وقوتها ومنعتها. ثمة مفكرون قوميون يهونون من شأن هذه المسألة، وآخرون يفصلون الديمقراطية عن المسألة القومية، والوحدة العربية، ويعارضون أحياناً الديقراطية بالوحدة من دون أن يدركوا أن التضحية بالديمقراطية من أجل الوحدة العربية هي تضحية بهما معاً.

وثمة مثقفون كثيرون يفصلون الديمقراطية عن جذرها العلماني وروحها الإنساني محولين الديمقراطية إلى مجرد شعار سياسي، ونسق يعيد إنتاج الاستبداد. العلمانية مربوطة بالعقلانية على نحو لا يقبل الفصم،  وهي المدخل الضروري إلى القومية وإلى مفهوم الأمة ومقولة الشعب والوطن و المواطنة، وهي جذر الديمقراطية معرفياً وتاريخياً بما هي موقف منفتح للروح إزاء مسائل المعرفة ومسائل الواقع وقضايا الإنسان. إن مجتمعاً يعاني تأخراً تاريخياً، وتكسراً أو تخلعاً اجتماعياً، هو أحوج ما يكون إلى الاندماج القومي، والعلمانية رافعة الاندماج القومي وشرط الديمقراطية. ومن غير الممكن تحقيق الاندماج القومي من دون أيديولوجيا حديثة وفكر حديث يتجاوزان حالة التشظي الفكري والثقافي والأيديولوجي. فماذا تعني وحدة اللغة والتاريخ لقوم أو جماعة إذا كان أفرادها غير متفقين جوهرياً في فهم تاريخهم ولا سيما في تقويم رموزه وأبطاله كلهم أو معظمهم اتفاقاً أساسياً؟ وماذا تعني الأرض إن لم تكن وطناً يتعلق به المواطنون ويحبونه ويدافعون عنه ويعمرونه ويتغنون بجماله ويضفون عليه خصائصهم وينطبعون بطابعه؟ ففي غياب مقولة الوطن المقترنة بمقولة الشعب منطقياً وتاريخياً، قد تكون الجغرافية الطبيعية عامل إعاقة في السيرورة الوحدوية، ولا سيما الهوى الصحراوية الواسعة الفاصلة - الواصلة بين المدن والواحات والأرياف والتجمعات السكانية.

المسألة القومية، في نظر الياس مرقص، أهم مسائل الواقع العربي، والوحدة العربية أهم قضايا الثورة الديمقراطية ذات الأفق الاشتراكي. والوحدة العربية لا تنبع من وحدة اللغة، ووحدة الأرض، ولا من مجرد الوجود القومي الذي هو حقيقة تاريخية لا مراء فيها، فالوجود شيء الوجود المتعين، الواقعي، شيء آخر. ليس كافياً أن نقول إن الأمة العربية موجودة، ثم نضفي عليها ما نحب من صفات العظمة والعراقة والمجد والقوة والتفوق الحضاري... الخ، بل المهم أن نحدد شكل هذا الوجود، وأن نعرف كيف هي الآن، وكيف ستكون غداً؟

الأمة العربية موجودة، أجل ، ولكن متأخرة مجزأة ومستباحة مهزومة من الداخل والخارج. ألا يعني ذلك شيئاً، أم يكفي مجرد الوجود الذي يتغنى به الشعراء؟ الذين يبنون مفهوم الأمة على مبدأ الوجود الماهوي، مبدأ الجوهر، يفوتهم أن هذا المبدأ يلغي التاريخ والجغرافية والثقافة ويلغي الأمة.

لقد رأى الياس مرقص أن الوحدة العربية شرط التقدم العربي، اللازم ولكن غير الكافي وأن سيرورة تكون الأمة العربية وأشكال وحدتها قد ارتبطت بمراحل النهوض والتقدم، كما ارتبطت التجزئة تاريخياً بالانحطاط والتراجع، وبالهيمنة العالمية لدول كبرى وقوى أجنبية وأن النزوع الوحدوي لم يصبح واضحا وجدياً في العصر الحديث إلا عندما نمت حركة الجماهير المعادية للإمبريالية، ولا سيما عندما أدركت قيادة 23 تموز، يوليو، في مصر أن استقلال مصر الحقيقي يقتضي تصفية النفوذ الاستعماري في الوطن العربي، وعندما أدركت الجماهيروالقيادات السياسية السورية أن درء الخطر الخارجي ومقاومة الأحلاف المشبوهة غير ممكنين إلا بالوحدة، فكانت وحدة 1958 بين سورية ومصر التي اغتيلت وسحقت بسبب طابعها القومي التقدمي المعادي للإمبرالية والصهيونية، فضلاً عن نزوعها إلى الاشتراكية والعدالة الاجتماعية. تلك التجربة القصيرة، والغنية تعلم أننا لن نتقدم ثانية في طريق الوحدة العربية ما لم تتمكن قوى الثورة العربية من إعادة بناء الوعي القومي على اسس إنسانية وعلمانية وعقلانية وديمقراطية، حديثة، وما لم تضع قضية الوحدة في محور عملها الاستراتيجي، وما لم تع أن السيرورة الوحدوية هي حركة جماع الأمة وليست مقصورة على طبقة أو فئة أو حزب، وأنها بالتالي صيحة احتجاج جماعية ضد التأخر والتجزئة والهيمنة الامبريالية والاحتلال الاستيطاني الصهيوني.

يلاحظ مما تقدم غلبة الجانب الفكري ـ التأسيسي على المسألة القومية ومفهوم الأمة، وبالتالي على قضية الوحدة العربية. ذلك لأن تاريخ قرن ونصف القرن من التجارب، تجارب الثورات ومحاولات النهوض، ما نجح منها وما فشل، والتي كان الاخفاق والانحطاط محصلتها النهائية حتى الآن، هذا التاريخ يطرح على الوعي العربي حقيقة اختلاف الأهداف عن النتائج. فالأهداف غير الوافع الموضوعي أولاَ، والمسار المنطقي هو أن تنطلق قوى التغيير من الواقع إلى الهدف وليس العكس، ثانياَ الأهداف غير النتائج، الأولى أي الأهداف تنتمي إلى دائرة الذاتي، والثانية تنتمي إلى دائرة الموضوعي. الأهداف ذاتية والنتائج موضوعية. هنا في النتائج الموضوعية يتجلى مكر العقل ومكر التاريخ. الأهداف التي يضعها البشر أفراداَ وجماعات وأحزاباَ ودولاَ.. مهما تكن نبيلة ومشروعة ومبررة أخلاقياَ وفكرياَ، تختلف قليلاَ أو كثيراَ عن نتائج أعمالهم، أو لا أعمالهم، والعقلانية، في التحليل الراجع، هي تقارب الأهداف والنتائج وتوافقها . ولكن حين تتسع زاوية الاختلاف حتى تصل أحياناَ إلى / 180 / درجة كأن نطلب الوحدة فنصل إلى الانفصال، ثم نبرره ونسميه تقدمياَ يبرز التناقض بين الأهداف والمناهج. أهداف ثورية ومناهج تقليدية، تلك هي أزمة قوى الثورة العربية، التي لا يمكن الخروج منها إلا بتحقيق قطيعة منهجية مع التقليد، وتحرير العقل من مسبقاته وافتراضاته الأيديولوجية، و"العلمية". وقد كان عبد الله العروي، وياسين الحافظ والياس مرقص ممن دشنوا هذا الاتجاه في الفكر العربي المعاصر، اتجاه القطيعة المنهجية مع التقليد، ونقد الأيديولوجيا السائدة التي تعيد إنتاج التأخر، مع الاحتفاظ، بالطبع، بإشكالية النهضة العربية ومسائلها. وهذا ما يفسر ميل المفكر الراحل في كتاباته الأخيرة إلى التعميق والتجذير الفكريين وقد بدا هذا الميل واضحاَ في سلسلة المقالات التي نشرها في مجلة الواقع ومجلة الوحدة ومجلة الفكر العربي وفي المخطوطات التي لا تزال تنتظر النشر ولا سيما "العقلانية العربية" و "نقد  المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية" وبدت كذلك الأهمية التي أولاها للوعي المطابق ودوره في تحقيق أهداف الامه العربية. إن وعي الذات هو، في الجانب الأهم منه، وعي ضرورة الوحدة العربية وأهميتها، فتحقيق الوحدة مرهون، بين جملة شروط أخرى، بوعي الشعب العربي ضرورتها وأهميتها.

"الوحدة العربية ضرورة تاريخية، يجب أن توعى في عصر نمو التجزئة" (مجلة الواقع عدد 5 ـ 6 ) لاشك أن الوحدة العربية لا تنبثق من الوعي، وإن كان مطابقاَ لحاجات الواقع، ولكن الوعي المطابق شرط أولي لازم وليس كافيا~. كتب الياس مرقص يقول: "الأمة العربية حقيقة واقعية، فعلية، وجود يجب أن يغيّر، ولكي يعرف يجب أن ينال الاعتراف بوجوده خارج الفكر وإزاءه. هذا هو الخيار الوحدوي، والخيارات المخالفة ليست خيارات، بل تعويضات ضارة وقاتلة. إن ردود الأفعال أسوأ أشكال التبعية".

ولقد ألح، منذ سنوات، على وجوب الاختيار أختيارا~ أوليا~ ومبدئيا~ بين الوضعانية والديالكتيك، وبين الليبرالية والديمقراطية. إن المسألة القومية، ولاسيما قضية الوحدة العربية، محكومة بهذا الاختيار، بل إن التقدم في طريق الوحدة العربية متوقف عليه. فالوضعانية والليبرالية تتفقان ومنطق التوسع الرأسمالي، والهيمنة الامبريالية، ومعروف أن تجزئة الأمة العربية والوطن العربي، من أهم قوانين عمل الامبريالية في الوطن العربي.

ورأى "أن قضية الوحدة يجب أن تخرج من أسرها في الجانب السياسي، فكرة الدولة والولاية على البشر، يجب أن ننفذ إلى دائرة الكائن التاريخي ككل ، إلى مستوى الكينونة الاجتماعية للبشر ، فهو حاكم على مستوى الدولة أو الولاية على البشر حكم الكل على الجزء. ومهما تكن أهمية هذا المستوى و فاعلية هذا الجزء، يجب ترك التصور الروحي والنظري الذي يذوب فكرة التجزئة ونقيضها في الجانب السياسي، ثم يذوب أيضاً هذا المستوى نفسه في الحدود السياسية للدول، في الرمزية الخريطية" (المصدر السابق) . غير أن دعوته إلى إخراج الوحدة العربية من أسرها في الجانب السياسي لا يعني بأية حال إخراجها أو نبذها من السياسة وحصرها في مستوى الفكر والثفافة، بل يعني إعادة تأسيس الوعي السياسي القومي الوحدوي على أسس معرفية وفكرية جديدة، من أجل وحدة الفكري والسياسي ووحدة النظر والعمل. وهذه الدعوة لا تقلل من أهمية االجانب السياسي عموماً والدولة خصوصا. فجدالاته حول علاقة الدولة بالأمة، وعلاقة الدولة بالمجتمع المدني معروفة وكثيرة. والدولة في نظره هي الشأن العام، الجمهورية (Republice). وإذا استخدمنا ديالكتيك الخاص والعام لوجدنا أن كل فرد من أفراد المجتمع هو خاص، وبما أن هؤلاء الأفراد في علاقة، فثمة بينهم عام مشترك، هذا العام هو جوهرهم، إنه المجتمع السياسي  والدولة.

الدولة هي شكل حقوقي، وسياسي من أشكال وجود الأمة، عندما نتحدث عن وجود معين وموضوعي. "ففي تاريخ البشرية، كسمفونية متموجة،كانت فكرة الدولة وفكرة المفهوم تنموان معاً، وتتقلصان معاً. الفلسفي والسياسي أخوان، وكذلك المنطقي والاجتماعي".

لقد نقد الياس مرقص، من منظور قومي ديمقراطي، رؤيتين خاطئتين للدولة، إحداهما ترى إلى الدولة على أنها فكرة الحكم والسلطة، وهي رؤية حسية بسيطة أقرب إلى تراثنا، وقد جاءت الماركسية الشهيرة لتعزز هذا المنحى الطبيعي بالطبقية، وهذا خرب المفهومية. والثانية تشن حملة شعواءعلى الدولة القطرية باسم الوحدة العربية، من دون أن تميز بين الدولة وطابعها القطري.

إن مفهوم الأمة لا ينفصل عن مفهوم الدولة، لأنه لا ينفصل في المبدأ والأساس عن مفهوم المجتمع المدني الذي تشكل الدولة تتمته السياسية. والدولة في الأمصار أو الأقطار التي تتوفر على ضرب من اكتفاء كياني، وحيث لا تكون شديدة الاصطناع، كما في الإمارات والمشيخات والدويلات والسلطات العشائرية ليست عقبة في طريق الوحدة، إن طابعها القطري هو العقبة فحسب. وهذا الطابع القطري للدولة هو نتيجة التمحور على الذات القطرية وعلى الخارج في المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. الدولة القطرية مظهر من مظاهر التكيف مع منطق التوسع الرأسمالي وشروط التبعية، أي مظهر من مظاهر نقص استقلال الأمة واستلاب حريتها وقدرتها على السيطرة على مواردها وثرواتها ومقدراتها. وما أن تأخذ العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية منحى قومياً في هذه الأٌقطار حتى يتغير الطابع القطري، وتبقى الدولة ضرورة واقعية. لذلك فإن على قوى الثورة العربية أن تكون مع الدولة أولاً وبإطلاق، وبعد ذلك تكون مع دولة معينة أو ضد دولة معينة.

الوحدة العربية، ودولتها المركزية ليست تصميماً قبلياً، إنها بالأحرى سيرورة نمو وتقدم تحكهما جملة من الشروط الموضوعية والذاتية، أهمها نمو الشغل والإنتاج الاجتماعي وزيادة الإنتاجية على الصعيد الموضوعي، ونمو الوعي بضرورة الوحدة وأهميتها على الصعيد الذاتي، والشروط الباقية تابعة. وعليه فإن الوحدة ممكنة، والانفصال ممكن واستمرار الأوضاع القائمة ممكن ونمو التجزئة ممكن أيضاً والتاريخ توقيع لممكنات، ولعل عنصر الوعي، الوعي المطابق لحاجات التقدم، والمشاركة الشعبية، أي دور الشعب العربي في صنع تاريخه وصوغ مستقبله، هي التي ترجح احتمال الوحدة. فمن البدهي " أن وحدة تفتقر إلى قسط كبير من شروطها الموضوعية... تحتاج إلى أقصى ما يمكن من الوعي، أقصى ما يمكن من الوعي والتنظيم، وهذا ما نستخلصه من الوحدة السورية المصرية عام 1958".

إن إرساء مفهوم الوحدة على أساس من التعدد والاختلاف والتعارض، يجعلنا ننظر بمزيد من الواقعية إلى الوطن العربي، أو العالم العربي، من الزوايا الجغرافية والتاريخية والاقتصادية والسياسية لنعي حقيقة تنوع المناطق والأقاليم وتعدد الفئات الاجتماعية وتمثيلاتها الأيديولوجية والسياسية، وتفاوت النمو، وشكل توزع الثروات.. ونعي بالتالي مقومات الوحدة الفعلية الكامنة خلف هذا التنوع والتعدد، وانتظام الفعالية الإنساية واتساق البشر الكامن خلف فوضى الأحداث وعشوائيتها، ونعي على نحو أوضح ما سماه ياسين الحافظ بالعوامل الجاذبة والعوامل النابذة في السيرورة الوحدوية وربما كانت شعارات أمة عربية واحدة، وشعب عربي واحد، ودولة واحدة... الخ أكثر ارضاء لمشاعرنا القومية، وأكثر اتساقاً مع اليوتوبيا الوحدوية التي صاغها الفكر السياسي العربي، وأكثر اتساقاً أيضاً مع حاجات الأيديولوجيا الكفاحية، ولكن أما آن أن نقيم الحد (حسب تعبير الياس مرقص ) على الأيديولوجيا ونعارضها بالفكر والنظر العقلي ومنطق الحياة والواقع، منطق التاريخ والتقدم ؟ فالواحد متعدد، والتعدد قوام الوحدة، ذلك هو مبدأ الفكر القومي الحديث والسياسة العقلانية، ومضمونها الديمقراطي ، وضمان استبدال السياسة بالحرب وإطلاق حركة التاريخ الداخلي للأمة مع فكرة الإنسان، والكلي ومقولة التاريخ والتقدم. هذا المبدأ هو الذي يجعل الديمقراطية تعني حقوق الآخر وحريته، لأن هذا الآخر هو أنا فلا أستطيع أن أسلب حريته وأهدر حقوقه دون أن أسلب حريتي وأهدر حقوقي، ولا يمكنني إلغاء هذا الآخر من دون أن ألغي ذاتي...

هذا أحد ملامح مشروع الياس مرقص وياسين الحافظ، ربط الفكر بالسياسة، وربطهما معاً بالواقع والشعب، عقلنة الفكر العربي وتحديثه من أجل عقلنة السياسة العربية وتحديثها، في سبيل عقلنة المجتمع العربي وتحديثه. هذا النضال الذي خاضه الياس مرقص على جبهة الفكر والعقلانية والمعقولية لم يكن فقط نوعاً من جهاد المعرفة، أوالجهاد الأكبر، بل كان نضالا قومياً ديمقراطياً وحدوياً بامتياز. "لقد عاد الياس بالعلاقة مع الحقيقة من مستواها السياسوي إلى مستواها الفلسفي، فرفض استقلالية المستوى الأول رفضاً باتاً، لازمه إلى نهاية حياته، وأكد أشد التأكيد على أولوية الصعيد الثاني، فكان حرصه الشديد على وضع أبسط تفاصيل الحياة السياسية في سياق فلسفي يقابل أحياناً بعدم التفهم من مستمعيه ممن كانوا يرون ثمة تفسيرات مباشرة وسهلة لما تقع أعينهم عليه من أحداث، ويرون أنه يمكن شرح الظواهر السياسية دون العودة إلى أية خلفيات فلسفية أو نهاجية" (ميشيل كيلو ـ مجلة الوحدة ـ العدد 81 )

قد تفاجئنا وتدهشنا، مثلاً، قولة الياس مرقص "الحقيقة فوق الأمة، ومن أجل الأمة أيضاً، من أجل الأمة أولاً". أجل تفاجئنا وتدهشنا لأن كلمة الأمة لدى القوماويين منا مقدسة طاهرة ليس فوقها شيء ولا قبلها شيئ ولا بعدها شيئ ( كل شيئ يتغير إلا وجه الله ووجه الأمة ). عندنا الأمة فوق الحقيقة والطبقة فوق الحقيقة والحزب فوق الحقيقة والثورة فوق الحقيقة.. ولذلك كان الاستبداد فوق الحقيقة. وقد كتب يقول: "إذا كنا نريد إقامة العقل للفكر العربي والشعب العربي علينا أن نقيم معه، أي مع العقل، مقولات كثيرة: العقلانية والعلمانية، مدخلاَ إلى القومية وإلى مفهوم الوطن والمواطن ومفهوم الأمة، الأمة كمقولة ثقافية واجتماعية وسياسية، ضد الأمة العرق أو الشعب العريق، وأن نتبنى الحقيقة مبدأ أعلى وغاية ومسعى دائماً. الحقيقة فوق " العلمية" وأن نعتبر الإنسان مقياس كل الأشياء، الإنسان ككائن مفكر مقياس كل الأشياء ( ومقياس كل القيم )، تأسيس الأمة العربية، ودخول العالم عند هذا المفترق الأكبر.

ويمكن القول أن رؤيته للمسألة القومية رؤية عقلانية تتخذ من الحقيقة مبدأ ومسعى وغاية وترى أن الحقيقة في متناول الإنسان العامل والناظر، وفوقه وأمامه في آن. ونقطة انطلاق هذه الرؤية القومية الديمقراطية العقلانية هي ضرورة وعي العالم من أجل وعي العرب وواقع العرب، اتخاذ العالم، الإنسان والفكر بدايةمن أجل نهاية هي العرب، وهذه النهاية بداية أيضاً.. ولعل هذا البعد الكوني، العالمي، هذا الوعي الكوني للمسألة القومية، مضافا إلى البعد التاريخي والوعي التاريخي، والبعد المعرفي والمنطقي أوالعقلي تشكل ركائز رؤيته، مع ملاحظة أن التمييز بين هذه الأبعاد التي للواقع، واقع العرب والبشرية، لايعني إمكانية الفصل بينها من دون تشويش الوعي أو تعكيره أوتزييفه، فهي مترابطة ترابطاَ ضرورياَ. في رأيه  " ليس العرب هم المبدأ أوالمركز، والغاية والنهاية هم أمة وحضارة وثقافة من حملة أمم وثقافات وحضارات، هم بالنسبة إلى الفكر والعلم مرحلة وسيطة ووسطوية. فإذا كنا نستطيع إدراك الواقع أوالعالم ككون مع الإختلاف، وكتاريخ مع التغير والارتقاء معاَ في وقت واحد فنحن مخطئون " .

لقد حمل الفكر القومي التقليدي الاستعمار ثم الامبريالية والصهيونية وزر التجزئة، وهذا نصف الحقيقة، فأنتج حالة نفسية هي حالة كره الاستعمار بدلا من مقاومته، حالة هي ضرب من مفارقه: كره للامبريالية وتكيف مع قوانين عملها ومع علاقاتها ونمط إنتاجها: ولكي يموه هذه المفارقة نقل الصراع إلى المستوى الثقافي والايديولوجي وصار العدو شيئ غير محدد اسمه " الغرب " وصارت القومية هي الأصالة والخصوصية والتراث والدين والرسالة الخالدة والعدو هو العقلانية والعلمانية والحداثة والديمقراطية والماركسية والاشتراكية. إن حركات الاسلام السياسي الارتدادية والظلامية لم تولد من العدم والفراغ، بل هي ربيبة هذا الفكر الهجين وسياسته اللا عقلانية.

لقد رأى الياس مرقص أن " التجزئه العربية كانت قبل الفتح الاستعماري تتصل بأسلوب الإنتاج البدائي، وعلاقات الإنتاج البدائية وشبه الإقطاعية، فأصبحت بعد الفتح الاستعماري ترتبط بالدرجة الأولى وعلى نحو متزايد بعلاقات عصر الامبريالية " واستنتج أن تعميق التجزئة العربية هو القانون الموضوعي لعمل الامبريالية في الوطن العربي. فقد أطلقت أوروبا حركة النهوض والتقدم في البلدان الاوروبية، وهذه حقيقة واقعية لا يقبل بها الكثيرون. " لقد كان الاستعمار - يقول الياس مرقص - ظاهرة حاسمة في تاريخ النوع البشري، رافقت ولازمت تكون الرأسمالية في أوربا الغربية " ولازمت تطورها .. إنه، أي الاستعمار ظاهرة شاملة متنوعة تحوّل حاسم نحو تاريخ عالمي خلق أوضاعاَ جديدة لا رجوع عنها. حتى إذا انتكست جميع شعوب آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية فهي لن تعود إلى ماكانت عليه قبل القرن الخامس عشر أو الثامن عشر. الأرجح في حالة الانتكاس أنها ستعود إلى الوجه القبيح في ماضيها، لكن في اطار جديد، وعلى قاعدة متقدمة، ستعود مثلاَ إلى " الاستبداد الشرقي " لكن في إطار، وعلى قاعدة توتاليتارية حديثة، امبريالية، موضوعية.

لقد دشنت أوروبا العصر الحديث وفرضت نفسها عليه، وأقحمت الشعوب غير الأوروبية في تاريخ عالمي هي ، أي أوروبا، مركزه ومحركه، بعد أن قطعت تلك الشعوب عن تاريخها وحولت تخلفها إلى تأخر حسب عبد الله العروي وياسين الحافظ ولجمت إمكانيات تطورها الداخلي المستقل، وأدمجتها في نظامها الرأسمالي العالمي واستتبعتها بوسائل وأساليب مباشرة وغير مباشرة. لقد وحدت الرأسمالية العالم توحيداً تناقضياً، ولا تني هذه الوحدة تتقدم. وقد أقحمت أمتنا قسراً في هذا التاريخ العالمي، وهذا النظام الرأسمالي العالمي، وأصبحت مادته وموضوعه وأصبحت تجزئتها ونهب خيراتها مظهرين من مظاهر تبعيتها، وحالة خاصة من حالات نهب العالم الثالث وتناثره، وأصبحت بالتالي المسألة القومية جزءاً أساسياً من الثورة الديمقراطية العربية المعادية للاستعمار والإمبريالية والصهيونية والعنصرية وليس أمام أمتنا في هذه الحال سوى أحد خيارين لا ثالث لهما: إما أن تبقى مادة وموضوعاً، أو أن تتحول إلى ذات فاعلة حرة ومستقلة. الخيار الأول هو التكيف مع النظام الرأسمالي العالمي، مع الإمبرالية وقوانين عملها، وبالتالي التكيف مع أوضاع التأخر التاريخي والاستبداد الشرقي المنبعث من جوف التاريخ، ومع التجزئة القومية والتحول تدريجياً إلى سماد لتاريخ الآخرين. فالإمبريالية ضد الاستقلال التام وضد الوحدة القومية وضد الديمقراطية للعرب وغير العرب في أطراف النظام الرأسمالي العالمي على طول الخط. والخيار الثاني، وهو الخيار الوحدوي، القومي الديمقراطي، خيار مقاومة الإمبريالية والتحرر من التبعية للمراكز الرأسمالية. إن التجزئة الحديثة هي، كما عرفها ياسين الحافظ، محصلة التأخر التاريخي والأوضاع الإمبريالية الناجمة عنه والمسألة القومية هي واحدة من أهم مسائل عصر الإمبريالية تتصل بصورة وثيقة بالتقسيم الدولي للعمل، وبقانون التطور اللامتكافئ، وتفاوت النمو، وتدهور شروط التبادل، ونمط توزيع عوامل الإنتاج ومن ثم الثروة والدخل بين الأمم والشعوب... ومادام العرب قد أقحموا في تاريخ عالمي، خارجي، لم يكونوا مصدره أو ذاته، وأقحموا، بالتالي، في حلبة الصراع العالمي، فإن خوض الصراع العالمي يحتاج إلى نظرية عالمية وإلى وعي كوني وتاريخي. هذه النظرية مثلها مثل الصراع الواقعي تتخصص محلياَ أي قومياَ، عربياَ.

لقد كشف الياس مرقص عن دور الاستعمار والامبريالية والصهيونية في تعميق التجزئة العربية، ولكنه أكد أيضاَ مع ياسين الحافظ وعبد الله العروي، وآخرين، على الدور الأساسي الذي يلعبه التأخر التاريخي للشعب العربي، وهشاشة بنى المجتمع وتقليدوية الحركة السياسية العربية..، في إعاقة السيرورة الوحدوية أو لجمها، وفي إعادة إنتاج الاستبداد والتخلف والتبعية. وأكد بالتالي أن المشروع القومي الديمقراطي العربي الوحدوي هو بالاحرى مشروع نهضوي يهدف إلى تصفية سائر البنى والتشكيلات والعلاقات ما قبل القومية، وتجاوز أسوار التأخر الذي يتركز في المستوى الايديولوجي - السياسي.

وخلاصة القول : إن الياس مرقص نقل المسألة القومية بكل منطوياتها، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وبكل مسائلها، من حقل التأمل النظري والتطلع الرومانسي  والحنين إلى الماضي والتعلق بالتراث والتقليد، إلى مستوى الواقعية والراهنية والمعاصرة والحداثة، مع فكرة الإنسان والتاريخ والتقدم. فقد نقلها من مستوى الوجود المجرد، الجوهري، اللاتاريخي، إلى الوجود المعيّن، فوضعها في إطار المجتمع المدني ودولة الحق والقانون، مؤكداَ مضمونها العلماني الديمقراطي واتجاهها المستقبلي وبعدها الانساني. ومؤكداَ أن الوحدة العربية ممكنة بقدر ما تتجسد في وحدة اتجاه الحركة السياسية العربية، وبمدى نضالها ضد الامبريالية والصهيونية، وضد التأخر والاستبداد، فالوحدة شرط التقدم العربي ورافعته.

إن المبدأ الموجه للفكر العربي ومشروع تحديثه وعقلنته هو وعي الذات من أجل وعي الواقع، واستقلال الوجدان وجهاد المعرفة وطرح المسائل والسعي إلى الاجابة عنها. وهذا يقتضي :

1 ـ نقد الكلمات وإقامة الحد على كبرياتها.

2 ـ إدانة فكرة العمل البراغماتية، وفكرة التسييس المباشر.

3 ـ الاعتراض على فكرة المعرفة كشيئية ومحسوسية تحل فيها الكلمات محل الأشياء ويتحول فيها الواقع إلى أشباح

4 ـ رفع لواء الفكر والمعرفة، ورايات الديمقراطية والإنسانية والعقلانية والعروبة والتقدم مع التأكيد أنها رايات وكلمات ومعضلات هي معضلات واقعنا وراهننا.

ففي ظل التأخر التاريخي للشعب العربي، وفي ظل الهيمنة الإمبريالية والاحتلال الاستيطاني الصهيوني، ليس من خيار سوى الجذرية والراديكالية. ليس من حل آخر، ولا فائدة من الذهاب إلى فروع وحقول بدون الأصول والاساسات . ولا سبيل إلى تحقيق الاتصال والاندماج بين الفكر العربي والشعب بدون التجرد والاستقلال ( الذاتية بالمعنى الخلاق ). مؤكد أن الفكر لا يصنع التاريخ، ولكن ليس من تاريخ ممكن بدونه، خصوصاً الآن لن يكون للعرب نهوض مما هم فيه إذا لم يقم الفكر بمهمته كفكر إن غاية الفكر هي بناء صورة الواقع، القبض على الواقع بالمفاهيم، وغاية الفكر العربي يجب أن تكون بناء صورة الوطن العربي كأمة حية وكعالم، راهن ومجتمع واقع، أي بلوغ الموضوع كجملة حية وكل،  كذات وحياة. إن حقب تاريخناً عديدة ، مناطقه متنوعة ثمة تواصلات وانقطاعات.. المسائل معقدة، لكنها تذهب  من مسألة المنهج والطريقة وصولاً إلى تاريخ حقبة محددة لبلد أو منطقة، فلا يمكن الذهاب إلى تاريخ شعبنا كمعرفة علمية وكجدوى عملية في بناء روح الشعب مع الاعتقاد، مثلاً، بأن هذه الأمة صخرة صلبة وعاتية منذ أقدم العصور وألعوبة في أيدي الشياطين منذ أقدم القصور أيضاً، وإن من يعتقد أنه  تاريخنا بدون أن يعرف تاريخ أوروبا، وتواريخ أمم وعوالم العالم، بدون أن يكون عنده تصور عن أمة آدم في التاريخ، يكون واهماً. إنه لا سبيل إلى وعي الذات إلا بدلالة الآخر.