أزمة الرأسمالية المعاصرة

 

جاد الكريم الجباعي

لم يعد أحد يماري في واقع أن الرأسمالية جددت نفسها، ولا تزال، على الأرجح، قادرة على تجديد نفسها، ولا سيما على صعيد النمو المتسارع في قوى الإنتاج. ولكن ما يغفل عنه كثيرون أن كل تطور نوعي في النظام الرأسمالي العالمي الذي تتعمق عالميته باطراد، بغض النظر عن أدلوجة العولمة التي غدت مفهوماً شعبياً يعني كل شيء ولا يعني شيئاً، يؤدي إلى تغير مقابل في نسق العلاقات الدولية، يتظاهر في صيغة أزمة دولية كالتي نعيشها اليوم. وما ذلك إلا بسبب تعمق الطابع العالمي للقيمة، وتعمق الطابع العالمي لتقسيم العمل وتوزيع الثروة وعوامل الإنتاج وصيرورة السوق العالمية المبتورة، كما يصفها سمير أمين، حقيقة واقعية. ومع ذلك لا تكف التناقضات الملازمة للنظام الرأسمالي عن العمل والتأثير في بنيته وأدائه، وفي مقدمها التناقض بين رأس المال والعمل، ولا سيما في ظل الكشوف العلمية وثورة التقانة وتحول المعرفة إلى قوة إنتاج أساسية. وما نمو البطالة والفقر واتساع دائرة المهمشين على الصعيد العالمي سوى بعض مظاهر هذا التتناقض. على أن العيب الرئيس في النظام الرأسمالي كان ولا يزال يكمن في قيادة الاقتصاد سائر مجالات الحياة الاجتماعية وسائر العلاقات الدولية. وقد بلغ هذا العيب ذروة غير مسبوقة في تطرف السوق أو دكتاتورية السوق وتضخم رأس المال المالي وانفصاله النسبي لا عن عملية الإنتاج الاجتماعي فقط، بل عن مجتمعاته ودوله أيضاً. وهذان، تطرف السوق وعدم مبالاة رأس المال المالي بالقيم الاجتماعية والوطنية والإنسانية والأخلاقية من أهم مظاهر أزمة الرأسمالية المعاصرة، بل من أهم مظاهر العولمة.

نعرض في هذه الدراسة رأياً في العولمة الجارية، وفي أزمة الرأسمالية المعاصرة على لسان أحد الأشخاص المعروفين جيداً في عالم المال والأعمال هو جورج سورس [1] الذي وضع في أواخر عام 1998 كتاباً في هذا الموضوع بعنوان: "أزمة الرأسمالية العالمية، المجتمع المنفتح يتعرض للخطر". والذي أنشأ مؤسسة مالية أسماها صندوق المجتمع المفتوح "للمساعدة في فتح المجتمعات المغلقة و في جعل المجتمعات المنفتحة أكثر نمواً وفي تنمية أسلوب نقدي في التفكير .. وانشغل من خلال هذه المؤسسة في تفكيك الاتحاد السوفييتي" [2] وقد دفعني إلى هذا الاختيار رغبتي في أن يطلع القراء العرب،  ولا سيما اليساريون المدافعون عن العولمة بلا تبصر، رأياً لأحد أربابها الأكثر حماسة للنظام الرأسمالي والأكثر توجساً من الفوضى العالمية الراهنة المسماة بالعولمة بحق أو بغير حق، والأكثر توجساً من مفاعيل "حرية السوق" و "قانون السوق"، ومن حلول السوق محل المجتمع والدولة.

يشير سوروس في مطلع كتابه إلى أنه تأثر بأفكار فيلسوف العلم، كارل بوبر" الذي صاغ في كتابه "المجتمع المنفتح وأعداؤه" مفهوم النظامين النازي والشيوعي" اللذين كانت لهما سمة مشتركة هي  ادعاؤهما امتلاك الحقيقة المطلقة و محاولتهما فرض وجهتي نظرهما على العالم بالقوة. فقد انطلق بوبر في رؤيته للمجتمع المنفتح من حقيقة أن فهمنا للعالم الذي نعيش فيه ناقص، وليس بوسع  أحد أن يصل إلى الحقيقة الكاملة. وأن المجتمع الكامل شيء يستحيل تحقيقه. ولذلك فإن الخيار المعقول هو المجتمع الناقص القادر على التحسن باطراد، وذلكم هو "المجتمع المفتوح"، وأعداؤه "هم" النظم الاستبدادية. وإن كان حد الكلام يذهب إلى إقناعنا بالتلازم الضروري بين الرأسمالية والديمقراطية  أو المجتمع المفتوح. وفي هذا الصدد نود أن نذكر القارئ بأن النظامين النازي والستاليني، على ما بينهما من اختلاف، لم يكونا في الواقع، خارج النسق الرأسمالي، وإن كان القاسم المشترك بينهما هو ذلك النوع من "الاشتراكية الوطنية" أو الاشتراكية القومية التي لم تكن في الواقع سوى  رأسمالية الدولة الشمولية المستبدة. ونقطة الضعف الرئيسة، في منطق سوروس كما في المنطق الستاليني، هي تحديد النظام الاجتماعي السياسي بصفة واحدة فحسب هي الصفة الاقتصادية؛ إذ تسيطر الدولة على وسائل الإنتاج ومن ثم على جميع مجالات الحياة الاجتماعية. فالاقتصادوية ليست مجرد نزعة أيديولوجية، بل هي في الأساس نوع من منطق مادوي مقلوب  سمي ذات يوم "المادية المبتذلة"، أي إنها نتيجة التباس في نظرية المعرفة يجعلنا نسمي الشيء نفسه اسمين مختلفين.

ومع أن سوروس يؤكد، بخلاف بوبر، أن الطرق والعايير التي تنطبق على الطبيعة والعلوم المتصلة بها لا تنطبق على العلوم الاجتماعية التي يكون التفكير فيها جزءاً من مادة البحث، ويبني رؤيته الخاصة على ثلاث مقولات أساسية هي: "قابلية الخطأ  والانعكاسية والمجتمع المفتوح" فإنه لا يتجاوز ذلك المنطق المقلوب الذي أشرت إليه. وما تجدر الإشارة إليه أن سورس لا يكتفي مع بوبر بمعارضة المجتمع المغلق بالمجتمع المفتوح، بل يرى أن المجتمعات المنفتحة ذاتها يمكن أن  تتعرض للخطر من جراء "نقص التماسك الاجتماعي وغياب الحكومة" [3]. ويضيف: "إننا نعيش في اقتصاد عالمي، لكن المنظمة السياسية في مجتمعنا العالمي غير ملائمة إلى حد مرعب. ونحن محرومون من القدرة على حفظ السلام وإلغاء الإفراط في الأسواق المالية. وبدون هذه السيطرة فإن الاقتصاد العالمي معرض للانهيار" (14)؛ فليس ثمة تناسب بين تطور الاقتصاد العالمي وتطور المجتمع العالمي، والوحدة الأساسية للحياة السياسية والاجتماعية هي الدولة الأمـة التي تحد من قدرتها السوق المالية غير المستقرة بصورة متأصلة، وثمة حاجات اجتماعية لا يمكن مقابلتها بإطلاق زمام قوى السوق، وهذه العيوب لا يتم الاعتراف بها في ظل اعتقاد واسع الانتشار بأن الأسواق تقوم بالتصحيح الذاتي، وأنه يمكن تحقيق ازدهار اقتصاد عالمي بدون مجتمع عالمي .. (15).

فإن تعصب السوق الذي تحول إلى أيديولوجية سائدة مع مجيء مارغريت تاتشر ورونالد ريغان إلى السلطة عام 1979 و 1980 هو الذي يجعل النظام الرأسمالي غير سليم، وتعصب السوق هو   الذي وضع رأس المال في مركز القيادة. فالقيم النقدية وأسواق الصفقات لا تقدم قاعدة ملائمة للتماسك الاجتماعي، ومن ثم فإن الرأسمالية باعتمادها على قوى السوق تسبب نوعاً مختلفاً من الخطر على المجتمع المنفتح القائم على الحرية والديمقراطية وحكم القانون. وتعصب السوق يشكل اليوم تهديداً للمجتمع المنفتح أكثر من أي أيديولوجية استبدادية. فالإشكالية في نظره ليست التعارض بين اقتصاد السوق والمجتمع المنفتح، بل هي في ترابطهما الأصلي، لكن المشكلة اليوم هي في تعصب السوق أو دكتاتورية السوق، أي في اختلال التوازن بين المجتمع واقتصاد السوق. وهو اختلال يؤسس للقول إن العولمة الجارية هي رأسمالية متطرفة، ومتوحشة، أو شكل متطرف ومتوحش من أشكال الرأسمالية.

يقوم نقد سوروس للنظام الرأسمالي الحالي على دعامتين: نقد آلية السوق وعدم استقرار السوق المالية خاصة، ونقد نقائص قطاع اللاسوق ونقائضه، إي إخفاق السياسة وتآكل القيم الأخلاقية على المستويين الوطني والدولي معاً. ويرى أن "أحد العيوب الكبرى في النظام الرأسمالي العالمي هي  أنه سمح لآلية السوق وحافز الربح أن يخترقا حقول نشاط لا ينتميان إليها بصورة كاملة" (17) فإخفاق آلية السوق أقل خطراً بما لا يقاس من إخفاق قطاع اللاسوق، أي قطاع الاهتمامات الجماعية للمجتمع والقيم الاجتماعية والأخلاقية التي لا تجد تعبيراً لها في السوق. ويميز وضع القواعد من العمل أو عدم العمل بمقتضاها، فالقواعد لا توضع إلا بصورة جماعية ومجتمعية أما العمل أو عدم العمل بمقتضاها فمرده إلى القرارات الفردية فحسب. ويعود إخفاق السياسة وفسادها إلى غلبة مبدأ الربح، بل شهوة الربح على حساب القيم الاجتماعية الجوهرية، "فإن صعود حافز الربح وانحدار تأثير عملية اتخاذ القرار الجماعي قد عزز كل منهما الآخر بطريقة معكوسة، كما أن ترقية المصلحة الشخصية إلى مبدأ أخلاقي قد أفسد السياسة، وغدا إخفاق السياسة هو الحجة الأقوى لمنح الأسواق سلطة أكثر حرية. حتى في المجال الاقتصادي والمالي نفسه يؤدي منح السوق سلطة كاملة إلى الفوضى، وهذه يمكن أن تقود إلى نهاية النظام الرأسمالي.

ويعالج سوروس الفرضية الواسعة الانتشار التي تقول إن الرأسمالية والديمقراطية مترافقتان ومتلازمتان، ويرى أن الرأسمالية في حاجة إلى الديمقراطية لتحقيق التوازن، لأن النظام الرأسمالي وحده لا يظهر إي ميل نحو التوازن. فمالكو رأس المال يسعون إلى زيادة أرباحهم، ولو أنهم تركوا لاستخدام وسائلهم الخاصة لاستمروا في تجميع رأس المال حتى يصبح الوضع غير متوازن. (20). ففي حين ألغت الشيوعية آلية السوق وفرضت السيطرة الجماعية على جميع النشاطات الاقتصادية، يسعى تعصب السوق إلى إلغاء اتخاذ القرار الجماعي وفرض سيادة قيم السوق على جميع القيم السياسية والاجتماعية، وإن الإجراءين كليهما خاطئان. وما يحتاجه النظام الرأسمالي  هو التوازن الصحيح بين السياسة والأسواق، بين وضع القواعد والعمل بمقتضاها. " ولكن حتى إذا اعترفنا بهذه الحاجة، فكيف يمكننا تحقيقها؟ لقد دخل العالم مرحلة عدم توازن عميقة؛ إذ لا تستطيع أي دولة منفردة مقاومة قوة الأسواق المالية العالمية، وليس هنالك عملياً أي مؤسسات لوضع القواعد على المستوى الدولي. وآليات اتخاذ القرار الجماعية للاقتصاد العالمي غير موجودة ببساطة. ومع ذلك تمتدح هذه الشروط على نطاق واسع، بوصفها نصراً لانضباط السوق. ولكن  إذا كانت الأسواق المالية غير مستقرة بصورة متأصلة، فإن فرض انضباط السوق يعني فرض عدم الاستقرار. وما هو مقدار عدم الاستقرار الذي يستطيع المجتمع أن يتحمله؟ (21)

"النظام الرأسمالي شكل مشوَّه للمجتمع المنفتح، فالمجتمع المنفتح يستند إلى إدراك أن فهمنا ناقص وأن أفعالنا لها نتائج غير مقصودة. وكل ترتيباتنا المؤسساتية معرضة للخطأ، وعلينا ألا  نتخلى عنها لمجرد أننا نجدها ضعيفة. علينا بالأحرى أن نوجد مؤسسات ذات آليات مدمجة  لتصحيح الخطأ. وتتضمن هذه الآليات الأسواق والديمقراطية معاً. لكن أياً منهما لن يعمل ما لم  ندرك أننا معرضون للخطأ ونرغب في الاعتراف بأخطائنا". "إننا نحتاج كي نوازن وننظم اقتصاداً عالمياً  حقيقياً إلى نظام عالمي معين في صنع القرار السياسي. وباختصار إننا نحتاج إلى مجتمع عالمي يدعم اقتصادنا العالمي. والمجتمع العالمي لا يعني دولة عالمية. فإلغاء وجود الدول ليس  أمراً عملياً ولا مرغوباً فيه. ولكن ما دامت هناك اهتمامات جماعية تتجاوز حدود الدولة فإن سيادة الدول يجب أن تكون خاضعة للقانون الدولي والمؤسسات الدولية. ومما يثير الاهتمام أن أشد معارضة لهذه الفكرة تأتي من الولايات المتحدة التي باعتبارها القوة العظمى الوحيدة الباقية لا ترغب في إخضاع نقسها إلى  أي سلطة دولية". (22)

ويلفت النظر أن رجل المال والأعمال يؤسس رؤيته وموقفه على جملة من المبادئ الفلسفية، تتعدى مفاهيم "قابلية الخطأ والانعكاسية والمجتمع المنفتح" إلى علاقة الفكر بالواقع وما يتصل بها ويتفرع عنها. فقابلية الخطأ تعني عنده أن فهمنا للعالم الذي نعيش فيه ناقص بصورة متأصلة. وتعني الانعكاسية أن تفكيرنا يؤثر بصورة نشطة في الأحداث التي نشارك فيها ونفكر بشأنها. ولأن هناك دوماً تفاوتاً بين الحقيقة وفهمنا لها، فإن الفجوة بين الاثنين التي يمكن أن ندعوها بانحياز المشاركين هي عنصر مهم في تشكيل مجرى التاريخ. ويستند مفهوم المجتمع المنفتح إلى إدراك قابليتنا للخطأ. فلا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة. (27) وإنه من الحمق عدم تمييز الفكر من الواقع ومعاملة وجهة نظرنا عن العالم على أنها مشابهة للعالم نفسه.

لا يمكن الركون إلى التصور الذي يقول إن انهيار المجتمع المغلق سيؤدي بالضرورة إلى بزوغ مجتمع منفتح وديمقراطي. بل ثمة احتمال ثالث قد يكون هو الأرجح، أي انهيار المجتمع والسلطة وتفسخهما. والدولة الضعيفة ليست أقل خطراً على المجتمع وعلى الديمقراطية من الدولة المستبدة. لذلك يذهب سوروس إلى اعتبار المجتمع المنفتح "يمثل الشروط المقاربة للتوازن" ويحتل موقعاً متوسطاً قلقاً بين عدم التوازن الساكن وعدم التوازن الفعال، وتهدده المعتقدات الدوغمائية المختلفة   التي يفرض بعضها مجتمعاً منغلقاً ويؤدي بعضها الآخر إلى تفكك المجتمع. وإن شروط عدم التوازن الفعال يمكن أن تستمر فتجعل المجتمع يتأرجح على حافة الفوضى دون أن يبلغ النجاح. وعلى  الصعيد العالمي يبدو أن العالم يعيش اليوم حالة عدم التوازن الفعال ويتأرجح في حالة من الفوضى تتعايش  فيها التناقضات والنقائض، ولا يبدو أنه يتجه إلى الاستقرار في المدى المنظور. وإن هذه الفوضى تحمل في طياتها احتمالات خطرة تهدد الديمقراطية وحقوق الإنسان وقد تعصف بغير قليل  من المجتمعات دافعة بعضها إلى الانغلاق وبعضها الآخر إلى التفكك والانهيار.

"في شروط عدم التوازن الساكن يتباعد التفكير والواقع ولا يظهر إي ميل للاقتراب. وفي مجتمع منغلق لا يمكن أن ترتكز التوقعات على الواقع، لأن التوقعات التي تنحرف عن العقيدة الرسمية لا يمكن التعبير عنها. وثمة فجوة بين الشكل الرسمي للحقيقة وبين الواقع، وتسبب إزالتها انفراجاً هائلاً وإحساساً بالتحرر. أما في شروط عدم التوازن الفعال فلدينا الحالة المقابلة للأمور؛ وتتغير الحالة بسرعة تفوق فهم الناس مسببة ظهور فجوة بين التفكير والواقع، ولا يستطيع تفسير الأحداث مجاراة سرعتها، فيرتبك الناس وتخرج الأحداث عن السيطرة، وبذلك لا تتمكن الحقيقة من العمل كمرتكز للتوقعات... وأعتقد أن النظام الرأسمالي العالمي قد انتقل إلى عدم التوازن الفعال". (84) ذلك أن قيم السوق اخترقت مجالات من المجتمعات كانت تحكمها سابقا اعتبارات بعيدة عن قيم السوق، كالعلاقات الشخصية والسياسية والمهن كالطب والقانون  والتربية والتعليم والأمن والقضاء وغيرها. كما كان ثمة تحول رقيق وتدريجي ولكنه عميق مع ذلك في عمل آلية السوق: أولاً حلت الصفقات الفردية محل العلاقات الدائمة، كما تراجع المخزن العام حيث يتآلف المالك والزبون أمام المتجر الكبير، ثم مؤخراً أمام شبكة الإنترنت. ثانياً حل الاقتصاد الدولي محل الاقتصاد الوطني. (85-86) ( أي إن النمط الأمريكي الذي قوامه حلول الصفقات الفردية محل العلاقات الاجتماعية "ورطة السجناء" أخذ يتحول إلى نمط عالمي)  يقوض المجتمع الإجرائي القيم الاجتماعية ويحل القيود الأخلاقية. وتعبر القيم الاجتماعية عن أهمية للآخرين. وتتضمن أن الفرد ينتمي إلى جماعة .. ويجب أن تكون لمصالحها أفضلية على مصالح الفرد. لكن اقتصاد السوق الإجرائي هو أي شيء إلا الجماعة. وعلى أي شخص أن ينتبه لمصلحته وقد تصبح الأمور الأخلاقية عائقاً في عالم شريعة الغاب. (97)

" المجتمع المنفتح معرض للخطر دائماً، لكن التهديد في هذه اللحظة من التاريخ يأتي من عدم الاستقرار أكثر مما هو من الحكم الاستبدادي، ومن نقص القيم الاجتماعية أكثر مما هو من أيديولوجية قمعية، ولا سيما أن الإيمان برأسمالية عدم التدخل قد رفع انعدام القيم الاجتماعية إلى مبدأ أخلاقي. (93). كما أن "المجتمع الذي اتخذ طابع العولمة لم يستطع أبداً إرضاء حاجة الأفراد المثقلين إلى الانتماء، وهو لم يستطع أبداً أن بصير جماعة. إنه كبير فحسب ومتنوع جداً بسبب ذلك، مع العديد من الثقافات والتقاليد المختلفة". (102)

 

ملامح أزمة النظام الرأسمالي العالمي

"إننا نعيش في اقتصاد عالمي يتميز لا بالتجارة الحرة بالبضائع والخدمات فقط، بل أكثر من ذلك بالحركة الحرة لرأس المال. فأسعار الفائدة وأسعار الصرف وأسعار الأسهم في مختلف الدول على علاقة متبادلة وثيقة، وتمارس الأسواق المالية العالمية تأثيراً كبيراً على الشروط الاقتصادية. وإذا أخذنا بعين الاعتبار الدور الحاسم الذي يلعبه رأس المال المالي أو النقدي العالمي في ثروات الدول منفردة فإنه لن يكون أمراً غير ملائم التحدث عن نظام رأسمالي عالمي.

هذا النظام ملائم جداً لرأس المال النقدي الحر في التوجه إلى أفضل مكان يعود عليه بالنفع. وقد أدت هذه الحرية إلى نمو سريع للأسواق المالية العالمية. والنتيجة هي نظام عملاق غير مباشر يمتص رأس المال إلى الأسواق والمؤسسات التي في المركز، ثم يضخه خارجاً باتجاه المحيط إما بصورة مباشرة على شكل اعتمادات واستثمار سندات تجارية، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعددة الجنسيات. وما دام النظام غير المباشر نشيطاً فإنه يتغلب على جميع التأثيرات الأخرى. ويجلب رأس المال العديد من الفوائد، لا مجرد زيادة القدرة المنتجة بل وتحسين طرق الإنتاج والابتكارات الأخرى أيضاً، ويؤدي لا إلى مجرد زيادة الثروة فقط بل إلى زيادة الحرية أيضاً. ولذلك تتنافس الدول لجذب رأس المال والاحتفاظ به وجعل الشروط جذابة لكي ينال أفضلية على الأهداف الاجتماعية الأخرى.

لكن هذا النظام ينطوي على  خلل عميق: فما دامت الرأسمالية منتصرة، فإن جمع المال يتجاوز الاعتبارات الاجتماعية الأخرى، وتغدو الترتيبات الاقتصادية والاجتماعية عاطلة عن العمل. ومن ثم فإن تطور الاقتصاد العالمي لم يتلاءم، ويبدو أنه من الصعب أن يتلاءم مع تطور المجتمع العالمي. وتبقى الوحدة الأساسية للحياة السياسية والاجتماعية هي الدولة الأمة. كما تتفاوت العلاقة بين المركز والمحيط بعمق أيضاً". (109)

"إن كون النظام الرأسمالي العالمي مفهوماً مجرداً لا يجعله أقل أهمية بأي حال. إنه يحكم حياتنا مثلما يحكم أي نظام حياة الناس. ويمكن مقارنة هذا النظام الرأسمالي بإمبراطورية أكثر عالمية في تغطيتها من أي إمبراطورية سابقة. إنها تحكم حضارة كاملة، ومثل الإمبراطوريات الأخرى، يعتبر الذين خارج جدرانها همجاً. وهي ليست إمبراطورية إقليمية لأنها تفتقر إلى السيادة وزخارفها، وفي الحقيقة إن سيادة الدول التي تنتمي إليها هي التقييد الرئيسي لقوتها وتأثيرها. وهي غير مرئية تقريباً لأنه ليس لها بنية شكلية. وأغلب رعاياها لا يعرفون حتى أنهم يخضعون لها، أو يدركون بدقة أكثر أنهم يخضعون لقوة مجهولة ومصدعة أحياناً لكنهم لا يفهمون ما هي تلك القوة.

ويمكن تبرير التناظر مع الإمبراطورية لأن النظام الرأسمالي العالمي يحكم الذين ينتمون إليه، والانسحاب ليس سهلاً. كما أن له مركزاً ومحيطاً مثل الإمبراطورية تماما،ً والمركز يستفيد على حساب المحيط. والأكثر أهمية أن النظام الرأسمالي العالمي يظهر بعض الميول الاستعمارية. وبعيداً عن السعي من أجل التوازن، يميل كثيراً إلى التوسع، ولا يمكن أن يستريح مادامت هنالك أسواق أو مصادر غير مدمجة بعد. (111)

 ومن الصعب تحديد زمن ظهور هذا النظام إلى الوجود، هل كان عام 1989 إثر انهيار الإمبراطورية السوفييتية، أم عام 1980 عند تسلم مارغريت تاتشر ورونالد ريغان السلطة، أم في السبعينات عندما تطورت سوق الدولارات المودعة خارج أمريكا وخاصة في أوربة؟ إن الصفة المميزة للنظام الرأسمالي العالمي هي الحركة الحرة لرأس المال. والتجارة الحرة بالبضائع والخدمات لا تكفي لخلق اقتصاد عالمي، فعلى عوامل الإنتاج أن تكون قابلة للتبادل أيضاً. إن الأرض والمصادر الطبيعية الأخرى لا تتحرك، والناس يتحركون بصعوبة، وقابلية رأس المال والمعلومات للتحرك هي المسؤولة عن التكامل الاقتصادي.

ولأن رأس المال النقدي أكثر تنقلاً حتى من الاستثمار الطبيعي، فإنه يحتل موقعاً مميزاً: إنه يستطيع تجنب دول يخضع فيها لضرائب وقوانين ثقيلة. ولكن حالما يتم بناء مصنع يغدو من الصعب تحريكه. ومن المؤكد أن الشركات المتعددة الجنسيات تتمتع بمرونة تحويل التسعير ويمكن أن تمارس ضغطاً عند اتخاذ قرارات استثمار، لكن مرونتها لا تقارن بحرية الاختيار التي يتمتع بها مستثمرو السندات الدوليون. كما أن سلسلة الفرص المتوافرة تتعزز أيضاً بكونها في مركز الاقتصاد العالمي بدلاً من المحيط. تتضافر هذه العوامل كلها لجذب رأس المال إلى المركز المالي وتوزيعه عبر الأسواق العالمية. ولهذا السبب يلعب رأس المال مثل هذا الدور المهيمن في العالم اليوم، ولهذا السبب يتزايد تأثير الأسواق المالية ضمن النظام الرأسمالي العالمي باستمرار.

في الحقيقة تعتبر الحركة الحرة لرأس المال، على هذا النحو، ظاهرة حديثة نسبياً. مع نهاية الحرب العالمية الثانية كان الاقتصاد ذا طابع محلي إلى حد كبير، وكانت التجارة الدولية في حالة انحسار، كما كانت الاستثمارات المباشرة والصفقات المالية متوقفة عملياً. وكانت مؤسسات بريتون وودز: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، معدة لجعل التجارة الدولية ممكنة في عالم مجرد من حركات رأس المال الدولية. فقد أقيم البنك الدولي لتسوية نقص الاستثمارات المباشرة، وصندوق النقد الدولي لتسوية نقص الاعتماد المالي وتعويض عدم التوازن في التجارة. وكان رأس المال العالمي في الدول الأقل تطوراً مستغرقاً بصورة رئيسة في استغلال المصادر الطبيعية، وبعيداً عن الاستثمار العالمي. كانت الدول المعنية أكثر احتمالاً لمصادرته. فمثلاً تأمم النفط الإنكلو إيراني عام 1951 وكان تأميم الصناعات الاستراتيجية هو الوضع السائد آنذاك في أوربة أيضاً. واتخذت غالبية الاستثمارات في الدول الأقل تطوراً شكل المساعدة من حكومة إلى حكومة، مثل مشروع بريطانيا السيئ الطالع للفول السوداني في إفريقية.

انتعش الاستثمار المباشر أولاً، وانتقلت الشركات الأمريكية إلى أوربة، ثم إلى بقية العالم، ولحقت بها فيما بعد الشركات الناشئة في الدول الأخرى. وتمكنت صناعات عديدة مثل السيارات والمواد الكيمياوية وأجهزة الكمبيوتر من السيطرة على الشركات المتعددة الجنسيات. وكانت الأسواق المالية العالمية أبطأ تطوراً لأن العديد من العملات لم تكن قابلة للتحويل تماماً واحتفظت عدة دول بالسيطرة على صفقات رأس المال.

بدأ النشوء الحقيقي للرأسمالية العالمية التي يطلق عليها اليوم اسم العولمة في السبعينات، فقد ارتبطت الدول المنتجة للنفط في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) ورفعت سعر النفط أولاً عام 1973 من 1.90 دولار للبرميل إلى 9.76 دولار. ثم عام 1979 استجابة للأحداث السياسية في إيران والعراق من 12.70 إلى 28.76 دولار للبرميل. وتمتع مصدرو النفط بفائض كبير مفاجئ في حين كان على الدول المستوردة تمويل عجز كبير. وترك الأمر للمصارف التجارية، مع تشجيع من وراء الستار من الحكومات الغربية لإعادة تدوير الأموال. واخترع الدولار المودع خارجاً وتطورت أسواق خارجية كبرى. وبدأت الحكومات تفرض الضرائب وغيرها من الامتيازات على رأس المال النقدي العالمي لإغرائه بالعودة إلى البلاد. ومما يدعو للسخرية أن هذه الإجراءات أتاحت مجالاً أكبر لمناورة رأس المال الخارجي. وانتهى ازدهار الإقراض الدولي إلى فشل عام 1982 ، لكن حرية حركة رأس المال كانت قد ترسخت جيداً آنذاك. وحظي تطور الأسواق المالية بتعزيز كبير عام 1980 عند تسلم مرغريت تاتشر ورونالد ريغان السلطة مع برنامج إبعاد الدولة عن الاقتصاد، والسماح لآلية السوق أن تقوم بعملها، وفق مبدأ "اليد الخفية" الذي قال به آدم سميث، كأن الرأسمالية تنتكس إلى طفولتها الأولى. كما أن السبعينات شهدت ولادة المعالج الصغري (الميكرو بروسيسور) الذي أحدث ثورة تكنوترونية جديدة في النظام الرأسمالي وأسهم في تعميق عالمية هذا النظام.

الرأسمالية مقابل الديمقراطية

تأرجح ميزان الفائدة حتى اليوم لمصلحة رأس المال المالي بحيث صار يقال: إن الشركات متعددة الجنسيات والأسواق المالية أزاحت الدولة أو اعتدت إلى حد ما على دورها. أما في الواقع فإن الدولة تظل سيدة. إنها تمارس سلطات قانونية لا يملكها فرد أو شركة. ولكن الدول غدت خاضعة لقوى التنافس العالمية بصورة متزايدة. فإذا فرضت حكومة شروطاً غير مناسبة لرأس المال فإنه سوف يسعى إلى الهرب، وإذا خفضت الأجور ووفرت الحوافز للأعمال فإنها تستطيع تعزيز رأس المال. وهكذا فإن النظام الرأسمالي يشكل عدة دول ذات سيادة لكل منها سياساتها الخاصة، لكنها تخضع جميعها للتنافس الدولي، لا من أجل التجارة فقط بل من أجل رأس المال أيضاً. وهناك اعتقاد واسع الانتشار بأن الرأسمالية ترتبط بالديمقراطية، لكن ذلك ليس صحيحاً في دول المحيط ( النموذج الآسيوي)، إذ تتحالف الدولة مع قوى العمل المحلية وتساعدها في جمع رأس المال، وتقوم بالتخطيط الصناعي وتمارس درجة عالية من الفعالية المالية وبعض الحماية للاقتصاد المحلي، إضافة إلى السيطرة على الأجور. وليس في النظام الرأسمالي العالمي قوى تدفع الدول باتجاه الديمقراطية، وغالباً ما تشعر المصارف الدولية والشركات المتعددة الجنسيات بارتياح أكبر مع نظام قوي ولو كان استبدادياً. فالارتباط بين الرأسمالية والديمقراطية ضعيف في أحسن الأحوال، لأن الرأسمالية والديمقراطية تتبعان مبادئ مختلفة. والمصالح مختلفة: في الرأسمالية الثروة هي الهدف، وفي الديمقراطية هي سلطة سياسية. والمعايير التي تقاس المصالح بها مختلفة: وحدة القيمة في الرأسمالية هي النقود، وفي الديمقراطية هي أصوات المواطنين. والمصالح التي تفترض خدمتها مختلفة: في الرأسمالية هي مصالح خاصة، وفي الديمقراطية هي المصلحة العامة. وفي الولايات المتحدة يرمز إلى هذا التوتر بين الرأسمالية والديمقراطية بالنزاعات المشهورة بين وول ستريت ومين ستريت. وفي أوربة أدى توسع الحقوق الدستورية السياسية إلى تصحيح أسوأ تجاوزات الرأسمالية.

لقد ضعفت بشدة اليوم قدرة الدولة على تأمين رفاهية مواطنيها بسبب قدرة رأس المال على التهرب من الضرائب ومن شروط العمل الثقيلة بالانتقال إلى مكان آخر. والدول التي أصلحت ضمانها الاجتماعي وترتيبات عملها، من أولها الولايات المتحدة، قد ازدهرت، في حين تخلفت الأخرى التي سعت إلى المحافظة عليها، مثل فرنسا وألمانيا. وإن تفكك دولة الرفاهية ظاهرة جديدة نسبياً ولم يتم الإحساس بتأثيره الكامل بعد. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية تضاعفت تقريباً حصة الدولة من الناتج القومي على أساس مجموعه، وبعد عام 1980 فحسب تحول المد. وبصورة لافتة للانتباه لم تنخفض حصة الدولة من الناتج القومي الإجمالي بشكل يمكن إدراكه. وما حدث بدلاً من ذلك هو أن الضرائب على رأس المال والتشغيل قد انخفضت في حين استمرت الزيادة في الأشكال الأخرى من الضرائب وخاصة على الاستهلاك. وبكلمات أخرى، إن عبء الضرائب انتقل من رأس المال إلى المواطنين.

دور المال

المبدأ المسيطر في الرأسمالية المعاصرة هو المال. وللمال في الاقتصاد الكلاسيكي ثلاث وظائف هي كونه وحدة للحساب ووسيطاً للتبادل ومخزناً للقيمة. وهو في كل الأحوال وسيلة لغاية، لا غاية في ذاته، لأنه التعبير الأخير عن القيمة التبادلية، لا عن القيمة بوجه عام. أي إن قيمته تعتمد على قيمة البضائع والخدمات التي يمكن مبادلتها. يتساءل سوروس عن القيم الحقيقية التي يجب أن تخدمها الأنشطة الاقتصادية، ويجيب: هذا سؤال مقلق لم تتم الإجابه عنه بصورة مرضية على الإطلاق. فقد قرر الاقتصاديون أنهم ليسوا في حاجة إلى حل هذه القضية. وبوسعهم أن يأخذوا قيم العوامل كما هي معطاة. والمشكلة أن القيم لا تعطى في العالم الحقيقي، لا سيما حين تحل قيم التبادل محل القيم الحقيقية، وينطبق هذا بوجه خاص على نظام رأسمالي يؤكد المنافسة ويقيس النجاح بمصطلحات مالية. وبمقدار ما يريد الناس المال ويرغبون في عمل أي شيء للحصول عليه يكون المال قوة. والقوة يمكن أن تكون غاية في ذاتها. وفي النظام الرأسمالي العالمي الحالي حصل تبدل واضح لمصلحة سلوك زيادة الربح وتصعيد مماثل في ضغوط المنافسة. ولفهم كيفية اختلاف النظام الرأسمالي العالمي  الحالي عن الأنظمة السابقة علينا أن نميز الدور المتنامي للمال كقيمة حقيقية. ولا نبالغ في قولنا إن المال يحكم حياة الناس إلى مدى أكبر مما كان عليه في أي وقت سابق. (115-121)

في زمن القلق يميل رأس المال إلى العودة إلى مكانه الأصلي. وهذا أحد أسباب ميل اضطرابات النظام الرأسمالي العالمي لأن يكون لها تأثير غير متناسب على المحيط أكثر من المركز. وكما يقال: حين يصاب وول ستريت بالرشح يصاب باقي العالم بذات الرئة". (128)

مستقبل النظام

ثمة في النظام الرأسمالي العالمي "منحى سائد" هو التنافس الدولي على رأس المال، و"انحراف سائد" هو إيمان مفرط بآلية السوق، وهذان المنحى والانحراف يعزز كل منهما الآخر، في أوقات الازدهار، ويتفككان معاً في حالة الفشل. وأسباب الفشل قائمة دوماً في التوتر بين النطاق العالمي للأسواق  المالية والنطاق الوطني للسياسة، فضلاً عن التوتر الدائم بين المركز والمحيط.

ومن نافل القول أن مستقبل النظام يتقرر اليوم في ضوء التطرف الحاصل في جميع الميادين: تطرف في التنافس وتطرف في الإيمان بآلية السوق وقدرتها على المواءمة الذاتية، وتطرف في الإثراء ومراكمة الثروة والقوة والسلطة في أيدي قليلة، وتطرف في الإفقار ... وتبدو لي صورة العالم المعاصر أقرب ما تكون إلى صورة إحدى الدكتاتوريات العسكرية أو الدول التسلطية في المحيط، ولعل مستقبل النظام سيتقرر في محيطه وهوامشه. لذلك فإن مقومات الأزمة النهائية ستكون سياسية الطابع، إذ يمكن أن تنشأ حركات سياسية تسعى إلى مصادرة الشركات المتعددة الجنسيات واسترداد الثروة الوطنية. إذ إن تطرف السوق لا يترك أي أمل للمهمشين في المركز وفي المحيط على السواء سوى تحول اليأس إلى شجاعة.

إن انتشار القيم النقدية وأثرها في السياسة يجعل العملية السياسية أقل فعالية في خدمة المصلحة العامة مما كانت عليه عندما كان للقيم الاجتماعية أو "للفضيلة المدنية" أهمية أكبر في أذهان الناس. كما أن العملية السياسية أقل تأثيراً من آلية السوق في تصحيح تجاوزاتها. وكل من هذين الاعتبارين يعزز الآخر بطريقة انعكاسية. فتشدد السوق يقوض العملية السياسية الديمقراطية، ويكون عجز العملية السياسية حجة قوية لمصلحة تشدد السوق. إن مؤسسات الديمقراطية النيابية التي عملت بصورة جيدة لمدة طويلة في الولايات المتحدة أصبحت معرضة للخطر. وعندما تضيع الفضيلة المدنية يصعب استردادها.