قمة وانعقدت... ورسائل لم تصل!

                                                                                     عبد اللطيف مهنا

 

عقدت القمة العربية السابعة عشر في الجزائر العاصمة، أصدرت إعلانها وانفض مؤتمروها، وعادوا أدراجهم إلى عواصمهم، وبعد عام من هذه الأيام لسوف تعقد تابعتها الثامنة عشر في العاصمة السودانية الخرطوم ربما لتصدر إعلاناً شبيهاً إن لم يكن نفسه. قيل وقد لا يقال الكثير بعد في هذه القمة، وما قيل وقد يقال ربما سبق وقيل مثله في سابقاتها أو الأقربين من تلك السابقات على الأقل. وهي، أي القمة، كمؤسسة قومية عليها أكثر مما لها تظل مثار جدل ومادة لغط لجهة الفارق الضوئي بين المأمول المعلق عليها بالنسبة للشارع العربي والمردود الناجم عنها أو ما عكسه بيانها الختامي. وعلى أية حال سبقت بعض الفضائيات العربية أعمالها فاستفتت الشارع العربي حول ما ينتظره هذا الشارع منها، وكان الجواب الذي لا مفاجأة فيه، سلفاً: أنه لا كثير، إن لم يكن ليس هناك ما يمكن انتظاره..!

كل ما تقدم ، لا جدة فيه ولا مستغرب، إذا ما انطلقنا من منطق يقول أن هذه القمة وسابقاتها ولاحقاتها لسن إلا محصلة منطقية وموضوعية رسمية للمعادلة العربية القائمة فيما يدعى النظام العربي القائم. وبلغة أخرى، أوليست تلك القمة تعبيراً دقيقاً وواقعياً لواقع عربي رسمي لا يسر، ومحصلة جمعه وطرحه لن تأتي بأكثر ما تأتي به حالة تنادي مثلها، تجمع دورياً رؤوسه العديدة المتباينة  في ذلك المنتدى الذي غدا الأشبه بمهرجان سنوي رسمي؟!

قد يكون هذا الكلام متشائماً، ولكنه في مطلق الأحوال ليس سوى توصيف صريح لا أكثر لحال عربية يمكن القول في ترديها ما هو أكثر بكثير مما قاله أو خطر على بال مالك قوله في الخمر!  وهو توصيف معروف أنه محل إجماع شعبي وحتى رسمي، بل لعلها الحالة الوحيدة التي يجتمع فيها هذين الشقين الشعبي والرسمي على توصيف حقيقة واحدة، لا من خلاف حولها!

لنبدأ بالإيجابيات، وهي ليست معدومة تماماً لحسن الحظ، ومنها:

أنها من حيث المبدأ قد عقدت في موعدها، وهو إنجاز على أية حال إذا ما تذكرنا ما واجهته سابقتها في هذا المجال... وبعد أن عقدت، يحسب لها التزام القادة فيها بما أعده  وزراء خارجيتهم لهم فلم يخرجوا عليه، وإنها أيضاً قد حافظت على هذا اللقاء السنوي بإعلانها إن لاحقتها قادمة في الخرطوم بعد حول بإذن الله. وهي إذا عقدت فقد اتخذت سيلاً من قرارات إصلاح الجامعة العربية أو التعبير الآخر الرديف للواقع الرسمي العربي، وزادت فعالجت، ولو مؤقتاً وبالمسكنات، عجزها المالي المزمن، الأمر الذي دعا أمينها العام للعودة عن تهديد بالاستقالة... والأهم أنها رممت ما وصفت في حينه بمبادرة عربية للسلام كان قد عفا عليها الزمن، وسبق وأن وضعت أو وضعها من توجهت له أصلاًَ على الرف منذ أول أيامها أو ساعة إبصارها للنور، حيث يقال أنها، أي المبادرة، سوف تبعث للحياة، ولو في جانبها العربي لا أكثر، عبر لجنة لم يتفق على تسمية أعضائها لاستبعاد المعنيين مباشرة من عضويتها، فأحيل الأمر برمته إلى رئيس القمة ليجد لذلك مخرجاً.

قد يقول قائل: إن هذا الترميم لما يطلق عليه المبادرة العربية للسلام، التي سبق وأن دفنتها سريعاً دبابات شارون وهي تصول وتجول في عدوان السور الواقي، في حينه، لم يأت إلا في سياق محاولة إعادة تأكيد عليها من قبل المؤتمرين لصد تداعيات مقترحات تطبيعية داهمت أروقة القمة ففاجأتها وأحرجت أول ما أحرجت القطر المستضيف لها، وهذا الصد على أية حال ربما يعد أهم منجزاتها أو ما قد يحسب لها.

...ويمكن إضافة بعض الإيجابيات الأخرى أو هي تجاوزاً إيجابيات، بل هي ملتبسة أقرب إلى السلبيات من حيث حقيقتها، عندما نلاحظ أنها أول منتدى عربي يؤمه جمع غير مسبوق من أقوام شتى من غير العرب، جاءوه زرافات ووحدانا، بحيث حفل الافتتاح بلغات شتى بدت العربية، وفق ما لاحظ البعض، غريبة مستوحشة بينها، إذ اجتاح منبرها لفيف من خطباء رسل الأمم الرسميين ومعهم الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان، حيث انهال على دنيا العرب من على ذلك المنبر المجتاح سيل من النصائح الدولية تمحورت، مع سبق الإصرار، حول الإصلاح المنشود والديمقراطية العزيزة وشجون مكافحة الإرهاب وكيفية صناعة ناجعة للسلام المفقود... باختصار كان الناصحون المخلصون ليسوا سوى رسل للشرق الأوسط الموسع، وكان رئيس الوزراء الإسباني من بينهم المميز الذي زايدت مواقفه الدافئة من قضايا العرب على العرب أنفسهم... ولعل إيجابية مثل هذه الإيجابيات، إن صح التعبير، هو غياب الأمريكان المباشر عن هذه القمة، التي صادفت في انعقادها مرور ستين عام على إنشاء الجامعة العربية، لغياب رسلهم عنها، وحسناً فعلوا، حيث يصادف انعقادها أيضاً، الذكرى الثانية لاحتلالهم للعراق!

هذه هي الإيجابيات إذن، يضاف إليها ما اعتادته هذه القمم من مظاهر التضامن السلبي، أو ما يمكن وصفه بالقفز مؤقتاً فوق الخلافات، والذي مداه عادةً لا يتجاوز عمر المناسبة فحسب... فماذا عن السلبيات؟

أنها تتمثل في أمرين:

الأول: أن المؤتمرين يؤثرون، كما جرت عادتهم، ما لا يختلف عليه على ما لا يتفق عليه، ولذا غابت عن قمة العرب أهم قضاياهم، رغم اللغة المنمقة الجميلة التي حفلت به سطور إعلانها، الذي يعوزه، كالعادة، المضمون الحقيقي المرتكز على أرضية إرادة سياسية مفتقدة، هي بلا ريب ألف باء الالتزام المفترض بتطبيق ما ورد فيه. غاب العراق الدامي المدمر، والذي هو برسم التفتيت ويعيش تداعيات ردود فعل تعثر المشروع الإمبراطوري الأمريكي المستفز. ولبنان الذي في سبيله للاختطاف إلى حيث الموقع النقيض، بمعنى غياب التعريب المفترض أو الأقل خطراً في أسوء الأحوال من دواهي التدويل. ولم يجد السودان الفاقد لمناعته الكيانية جنوباً وغرباً وشرقاً ما يواسي أو يشد الأزر. أما قضية قضايا الأمة في فلسطين فليس ثمة ما يوحي بما قد يرد غوائل التهويد الزاحف على قدسها، أو ما يمنع أسوار شارون التهويدية العازلة عن ابتلاع ما لم يبتلع بعد منها، سوى محاولة إعادة ترميم مبادرة عربية سبق وإن  نسيها أصحابها وعادوا اليوم يتذكرونها في مواجهة ما يطرح عليهم من مقترحات تطبيعية... غابت الإصلاحات المنشودة بعد أن فاخر بعض القادة العرب من على منبر القمة بالديمقراطية العربية غير المتوفر مثيلها في الغرب، بل زاد فحذر من يهمه الأمر في هذا الغرب  بأن البديل هو ما دعاه "الإرهاب الإسلامي"، بعد أن تبرع فرفض مقولة الإرهاب الدولي!

والأمر الثاني: أن هذه القمة، أما وقد دفعت أو أجبرت على إعادة ترميم مبادرتها التي كانت قد أطلقتها في بيروت، والمشار إليها، قد وجهت رسالتها لمن يهمه الأمر، لكن للأسف لم تصل للمرسل إليه، أو لم يتلقاها من يعنيهم الأمر، أو هم لم يقبلوا بأن يتلقوها، أو هم في الواقع رفضوا استلامها من فورهم... من هم؟

الإسرائيليون، ولعلهم لم يكونوا في قائمة من أرسلت لهم، لأنهم أصلاً كانوا قد رفضوها، كما قلنا، منذ أن أطلقت وفور هذا الإطلاق في بيروت، لكن ردود أفعالهم عليها كانت مجدداً أكثر رفضاً، ولدرجة يمكن وضعها بلا تردد في قائمة ما يعدّ تبجهاً ومهيناّ.

فمن ذلك مثلاً قولهم:

" أن قرارات هذه القمة التي يجب أن تقرأ بالإجماع تعكس حتماً أدنى قاسم مشترك وتعبر عن وحدة عالم عربي هي بصراحة وهمية"... وزادوا : أن "الجامعة العربية توهم نفسها بالوحدة الظاهرية بتبنيها قرارات تتعارض مع التقدم الذي تحقق خصوصاً من قبل مصر والأردن، وهي مرفوضة كلياً".

إذن، قرارات القمة مرفوضة كلياً من الجانب الإسرائيلي، بل لعل من السخف انتظار قبول إسرائيلي للمبادرة المعاد ترميمها، كما كان يتوقع أو يعرف سلفاً المؤتمرون قبل سواهم. لكن ما ورد على لسان سلفان شالوم وزير خارجية إسرائيل، ومثله من قبل شمعون بيرز الشريك الرئيس في الائتلاف الحاكم، ارتقى إلى الاستهتار والاستهانة، ولم يتورع شالوم المعبر عن خيبة أمله، ربما لأن القمة لم تتبن جدولاً إسرائيلياً مثل سابقتها المصغرة في شرم الشيخ، من نعت الجامعة العربية بالمهترئة، بل تحدى الممانعة العربية التي تبدت قائلاًً وهو يخاطب الكنيست: عليكم أن تفهموا أننا لسنا على خلاف مع غالبية الدول العربية"!

... الأمريكان من جانبهم، الذين يطالبون حزب الله مثلاً، بعدم التدخل في الشؤون اللبنانية، رأوا في القمة مجرد "فرصة ضائعة" وقالوا بأن بيانها الختامي "لم ينطو على شيء جدير بالملاحظة". إذ يقول نائب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية أدم إيرلي مثلاً حول المبادرة إياها:

"لست مدركاً بأن هذا الاقتراح سيؤدي الآن إلى أي مكان". وأعاد إلى الأذهان أسس الرؤية الأمريكية للصراع، أو لما هو مطلوب من العرب، عندما قال أن "الولايات المتحدة تدعم انطلاقاً من سياساتها، أوسع اعتراف ممكن بإسرائيل".

... بقي الرباعية، لصاحبتها الولايات المتحدة الأمريكية، والتي هي دوماً رهناً بالهامش أو الدور المعطى لها إسرائيلياً، وهي أذهى كذلك، فما المنتظر منها، وقد غفت دهراً، وحتى الآن ما نطقت حتى ولو كفراً، ولا حتى يتذكرها إلا العرب والفلسطينيون عندما يعز النصير ويفتقد المتفهم، وهي لم تكن يوماً لا نصيراً ولا متفهماً... أو لم يعد الأوروبيون مثلاً، عن تحفظهم على ترشيح وولفيتز نائب وزير الحرب الأمريكي ومهندس غزو العراق لمنصب مدير البنك الدولي بأسرع وقت متوقع، ولم يجدوا غضاضة في تكرار مطالبة سوريا بالانسحاب من لبنان، بعد أن شرعت فعلاً في هذا الانسحاب؟!

... وأخيراً، يكفي ونحن بصدد القمة ورسائلها متعثرة الوصول، أن نتسائل: ترى أين أصبحت لجنة القدس؟ هل هناك من لا زال يتذكرها؟!

لعل أهم إيجابيات القمة العربية، وربما الإيجابية الوحيدة، كانت خيبة أمل الإسرائيليين فيها، وعدم عثور الأمريكان على شيء جدير بالملاحظة في بيانها الختامي!