"يد واسم"... فماذا عن المحرقة الفلسطينية الحية؟!

عبد اللطيف مهنا

 

"أقرباؤنا المقتولون مجندون كي تتمكن إسرائيل من مواصلة الاستهتار بالقرارات الدولية ضد الاحتلال الإسرائيلي"... هذا الكلام هو لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، جاء في تعليق لها على الاحتفالات الإسرائيلية الأخيرة بافتتاح ما عرف ب"يد واسم" في القدس المحتلة، أو المتحف الجديد في سلسلة متاحف "يدفاشيم" الدولية، تلك التي بدأت في التكاثر في عواصم العالم، وآخرها كان في نيويورك، وكلها أقيمت، كما هو معروف، لكي تخلد ما عرف بالمحرقة، أو ما ارتكبه النازيون من إبادة ضد اليهود في أوروبا قبيل الحرب العالمية الثانية... الاحتفال حضره منذوبون مشاركون لأكثر من أربعين دولة، أغلبهم كان على مستوى الرؤساء أو وزراء الخارجية وفي مقدمتهم يوشكا فيشر وزير الخارجية الألماني، ومعهم الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان... وهذا المتحف الجديد كان له من التكلفة ستين مليوناً من الدولارات، وله غاية واحدة، كما تقول الصحافة الإسرائيلية، تكمن في أنه يشكل جزءاً من مسلسل يقع ضمن مسيرة متواصلة لجهد يهدف إلى تكريس تلك المحرقة ""حدثاً عالمياً مؤسساً"، ولتغدو، وفق التعبير الإسرائيلي، "الرمز الصرف للشر الإنساني". لم يحظ الحدث بما يستحقه من دواعي التوقف أمامه وقراءة مراميه في الإعلام العربي، وحتى الدولي، ربما للمفاعيل المعنوية الناجمة عن سطوة قوانين معاداة السامية التي سنها الكونغرس الأمريكي لملاحقة كل من يجرؤ على انتقاد إسرائيل في العالم، علماً بأن التعرض لهكذا حدث لا يعني إنكاراً للمحرقة، التي يكثر الجدل حولها في عقر الدار الأوروبية التي هي من صناعتها، والمعنية وحدها بتحمل مسؤوليتها. كما أنها في كل الأحوال كانت في حينها جرائم أوروبية ضد أوروبيين، ما يعنينا اليوم منها هو فداحة تحميلنا نحن وزرها، بتدفيعنا نحن العرب أثمانها، ونحن لا ناقة لنا ولا جمل بها، خصوصاً عندما يجري تصوير عملية اغتصاب فلسطين وإنشاء إسرائيل على أنقاضها نوعاً من التعويض لليهود على ما لحق بهم على أيدي النازي، علماً بأن وعد بلفور المشؤوم الذي قطع للحركة الصهيونية كان سابقاً بعقود على تلك المحرقة. كما أن الحركة الصهيونية كمشروع استعماري من حيث الأساس بدأ أصلاً كفكرة أوروبية وليست يهودية، كانت أيضاً سابقة على ما لاقاه اليهود على أيدي النازي وعلى وعد بلفور ذاك. بل ويعود الأمر كما هو معروف إلى أيام نابليون بونابرت، وقبله مارتن لوثر... ما يعنينا من الحدث هنا هو عملية توظيفه وفق الذي أشارت إليه صحيفة "هآرتس"، ومحاولة تكريسه "رمزاً صرفاً للشر الإنساني"، بحيث يراد له أن يغطي على كل الشرور الأكثر فظاعة التي ترتكبها إسرائيل بحق شعب عربي شرد من وطنه، ويتعرض منذ أكثر من نصف قرن للإبادة السياسية وتبديد الهوية الوطنية... رغم أنه شعب يقع ضمن أمة لم يعرف تاريخها المديد سوى التسامح، ولم تقع في أيام هذا التاريخ لا محارق ولا إبادات أو تطهير عرقي أو نفي للآخر...

لكي يكرس هذا الحدث "رمزاً صرفاً للشر الإنساني" بل وحيداً، عمل ويعمل الإسرائيليون على طمس أي حدث كارثي آخر شبيهة له أو يفوقه في الكارثية مهما كانت فظاعته، إذا ما كان قد لحق بسواهم، وذلك لتبقى هذه المحرقة حدثاً فريداً خاصاً بهم وحدهم، وبالتالي على أوروبا، والآن معها العالم كله، أن توالى ندمها على حدوثه، وتستمر في التكفير عن ذلك بدفع متطلبات هذا الندم حتى قيام الساعة، ولعل أهمها أن لا تتجرأ مطلقاً على انتقاد سياسات الإبادة والتغييب التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وعليه، من يذكر اليوم، على سبيل المثال، أن النازي أباد فقط سبعة ملايين غجري، وإن الحرب العالمية الثانية تسببت في إبادة خمسين مليوناً من البشر، عشرون منهم فقط كانوا من مواطني ما كان يعرف بشعوب الاتحاد السوفيتي السابق... واستطراداً، من يتحدث اليوم عن مذابح الأرمن سوى الأرمن أنفسهم، وكم من الوقت سيمر حتى ينسى العالم مذابح التوتسي والهوتو في إفريقيا؟!

بيد أن الانتقائية التي تصل حد إنكار أن من حق غير اليهود أن يخلدوا ضحاياهم تتجلى فيما أثارته منتقدةً حتى الصحافة الإسرائيلية نفسها، حول عدم دعوة اليابانيين لحضور الاحتفال... لماذا لم تتم دعوتهم يا ترى؟!

الجواب الإسرائيلي كان واضحاً وصريحاً: أنه ببساطة حتى لا تثير اليابان، في حال حضورها، كارثة هيروشيما ونجازاكي، أو تلك المدينتين اللتين شطبتا من الوجود في رمشة عين بفعل إلقاء القنبلتين النوويتين عليهما من قبل الأمريكان إبان الحرب العالمية الثانية، لا حرصاً على سمعة الأمريكان، وإنما لأنه وفق منطق الإسرائيليين، لا مجال للمقارنة بين الكارثتين اليهودية واليابانية، وإن كانت هذه المقارنة فأنها سوف تشكل إهانة وتقليلاً من حجم الأولى!

إذن، الاحتفال الإسرائيلي هذا يجيء في سياق يخدم ذات الأهداف المشار إليها، ويصار بدأب إلى جعله موضة عالمية ، إذ سبق ذلك بأسابيع فقط الاحتفاء بمرور ستين عاماً على تحرير معتقلي "أوشفيتس" من اليهود، طبعاً دونما فعل ذلك بالنسبة لعشرات المعتقلات النازية التي شملت غير اليهود. كما أن الأمين العام للأمم المتحدة، الذي رفض زيارة الجدار التهويدي العازل الذي يمزق المدن والقرى وسكانها من الفلسطينيين ويلتهم المزيد من الأراضي الفلسطينية، عندما جاء لحضور احتفال "يد واسم"، سبق وأن خصص جلسةً احتفالية هي الأولى من نوعها في الأمم المتحدة لذكرى المحرقة... لكن إنشاء مركز لتخليد الوزير الإسرائيلي العنصري رحبعام زئيفي، داعية الترانسفير والتطهير العرقي أو طرد ما تبقى من العرب الفلسطينيين، يعد قمة هذا السياق الذي لا يعترف بإنسانية الآخرين، ويريد أن يجعل من حكاية المحرقة، على بشاعتها، غطاءً يستر كل الفظاءات التي يرتكبها الإسرائيليون في فلسطين، وسيفاً مسلطاً على رؤوس كل من يفكرون في العالم في انتقاد جرائم دولتهم التي غدت بتواطؤ غربي فوق القانون، والتي لا حاجة للقول أن الغرب يكرسها مع الوقت كمعصومة من أدنى وأرق مظاهر الانتقاد... لرحبعام زئيفي مقولة شهيرة هي: "كل مكان في الشرق الأوسط توجد فيه أثار للشعب اليهودي هو أرض إسرائيل". طبعاً هو لم يلتفت إلى حقيقة تقول أن محاولات مستميتة دامت أكثر من قرن لإيجاد أي أثر يهودي تاريخي في فلسطين فحسب وليس في العالم العربي أو الشرق الأوسط قد باءت بالفشل.

قد يقال الكثير حول تضخيم المحرقة والإفادة المتواصلة من واقعتها في ابتزاز العالم، وقد يكون من حق اليهود التركيز على ما ارتكبه الأوروبيون ضدهم، حتى ولو بالغوا، لدرجة أن يقترح البعض منهم تثبيت لوحاً صخرياً كبيراً في كل بيت أوروبي عاش فيه يهودي، يسجل عليه إلى أين طرد أو كيف قتل، والأمر نفسه يتم تثبيته في كل محطة قطارات أوروبية حيث يدوّن عليه أعداد القطارات الذي انطلقت منها تقلّ يهوداً وإلى أي جهة يتوجه الخ... هذه المحاولات لتكريس ذلك الحدث المطلوب أن يغدو مؤسساً أو رمزاً صرفاً وحيداً للشر الإنساني!

لكن ليس من حق كوفي أنان، المحتفي في القدس المحتلة بذكرى جرائم أوروبية تاريخية ضد أوروبيين حدثت قبل ستين عاماً، أن يشيح بوجهه عن جريمة مستمرة يرتكبها من يفترض أنهم ضحايا تلك الجرائم ضد شعب آخر هو الشعب الفلسطيني، وإن يتعامى هو ومن معه من ممثلي أربعين دولة وهم يقفون على إحدى تلال القدس الفلسطينية المحتلة عن رؤية أسوار "الأوشفيتزات" الرهيبة المتناسلة التي يبنيها أحفاد "أوشفيتز" البولونية حول المدينة المقدسة، وأن لا يلتفتوا إلى غذابات الشعب الفلسطيني المتعرض لمجزرة مستمرة، أو هذه المحرقة الحية المفتوحة التي يواصلها أحفاد تلك المحرقة التاريخية ضده.

قد يكون الإسرائيليون في حاجة إلى متاحف توظف للإفادة من حدث وقع ضد اليهود في أوروبا قبل ستين عاماً لابتزاز العالم وستر عورات احتلالهم لفلسطين... لكن العرب، وهم ليسوا من المعروفين بأنهم من أصحاب الذكرة التاريخية النشطة، ليسوا في حاجة إلى متاحف لتذكرهم أو لكي يثبتوا للغير وقائع أفظع جريمة لا زالت حية ومستمرة، بل لم يعرف لها التاريخ مثيلاً، أدت إلى تبديد شعب كامل، وحولت وطن برمته برسم التغييب وتحت طائلة الإبادة، وتعيش أمة بكاملها تحت طائلة تداعياتها المصيرية، وكل ذلك أمام أنظار العالم وبصره ويتواطئ تام منه... فحيث يوجد مخيم فلسطيني يوجد متحفاً حياً للجريمة الإسرائيلية المتواصلة فصولاً منذ أكثر من نصف قرن.