هل يعيد حزب البعث الديموقراطية إلى سورية قبل أن تعود بدونه؟

 

 

كانت القدس العربي قد نشرت لي في 17 كانون الثاني الماضي مقالا تحت عنوان "هل تنسحب سورية طوعيا من لبنان؟". وقد كان الوضع على الأرض ،في حينها، يوحي بأن النظام السوري ما يزال يعتقد بأن لديه فسحة من الوقت تتيح له المناورة بحيث تتغير الظروف ويُصرف النظر ،أمريكيا، عن تطبيق القرار 1559 . وكانت ككل مرة تأتي قراءة النظام على غير ما يشتهي منذ دخلت أمريكا العراق وأصبحت جارا لسورية.

وكنت كتبت في المقال: "أفضل ألف مرة أن تبادر دمشق إلي سحب الجيش السوري من لبنان من أن يفرض ذلك علي سورية ولبنان من قبل القوى الدولية". ولكن على ما يظهر فإن النظام قد أصم أذنيه عن سماع نصائح الجميع ومنها المعارضة السورية. ولئن أعلن الرئيس بشار الأسد في خطابه الأخير أمام مجلس الشعب السوري أنه سيأمر بسحب الجيش السوري تطبيقا لاتفاق الطائف،فلقد كان هذا الاتفاق حاضرا أمام عيني النظام السوري، ولكنه لم يبصره إلا بعد التهديد الأمريكي بأن على سورية أن تسحب جيشها واستخباراتها تطبيقا للقرار 1559.وبدا واضحا أن إعلان الانسحاب جاء تحت ضغط دولي، وليس تطبيقا لاتفاق الطائف.

ويعتقد المراقبون أن الانسحاب السوري من لبنان لن يتوقف عند منطقة البقاع كماجاء في اتفاق الطائف،وأن دمشق سوف تأمر بالانسحاب إلى ماوراء الحدود السورية مع لبنان قبل الانتخابات النيابية في لبنان في أيار المقبل،وهذا تحصيل حاصل لإعلان مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة "لارسن" بأنه أخذ علما بتطبيق القانون 1559 بعد لقائه الرئيس السوري في حلب وبناء عليه فإنه سيزور سورية في نيسان (ابريل) المقبل لتسلم "جدولة الانسحاب"..

وإذا كان من الحكمة أن يستفيد الإنسان من أخطاء الماضي،فإن من الحكمة أيضا أن يبادر فورا إلى استخلاص النتائج، وتصحيح المواقف بحيث يتم تجنب المنزلقات الخطيرة. وفي هذا السياق فإن المطلعين الاستراتيجيين يعتقدون أن أمريكا لن تكتفي بالانسحاب السوري من لبنان، وأن هناك ملفات أخرى عند المحافظين الجدد بحق النظام السوري.

وعلى ما يظهر فإن لدى دمشق ،ليس إحساسا فقط، بل معلومات تجعلها تشعر بالخوف من أن تقوم إدارة بوش بفتح هذه الملفات بعد إكمال الجيش السوري انسحابه من لبنان. وهذا التخوف عبر عنه معاون وزير الخارجية السوري "وليد المعلم"عندما قال في مقابلة مع الجزيرة:"الخلاف مع أمريكا ليس على لبنان". ما يعني أن دمشق لديها العلم الكامل بما هو مطلوب منها أمريكيا، ولذلك عملت على تسريع الانسحاب من لبنان حتى تسحب الذرائع من يد أمريكا.

وليت دمشق فعلت ذلك قبل أن يصدر القرار 1559 ، خصوصا لجهة تعديل الدستور اللبناني والتمديد للرئيس "لحود"، حيث بدا التعديل والتمديد وكأنهما صرخة تحدٍ في وجه أمريكا. نقول هذا الكلام لا لخفض الصوت في وجه أمريكا، فقد كنا وما نزال نفضل رفع سقف التحدي أثناء التعامل معها. ولكن لأن هذه الأنظمة عوّدت أمريكا أن يكون صوتها عاليا، في سوقٍ كانت فيه الأنظمة تدفع من كرامة شعوبها في مقابل سكوت أمريكا عما تفعله في شعوبها.

وإذا كان الوجود السوري في لبنان هو الذي فتح الاشتباك مع أمريكا، فإن هناك ما هو أهم من الملف اللبناني لدى "بوش" لتبييض صفحته في المنطقة العربية،خصوصا وإن الإعلام الأمريكي المناوئ (واشنطن بوست ونيويورك تايمز) أشار أكثر من مرة إلى قيام الإدارات الأمريكية المتعاقبة بدعم الأنظمة المستبدة.

فقد كتب "باتريك سيل" في الحياة يوم الجمعة 11 آذار الجاري "ابتلع بوش من دون أي تمييز رأي المحافظين الجدد القائل إن الهجمات الإرهابية على أمريكا لا علاقة لها بالسياسات الأمريكية في العالمين العربي والإسلامي، وإنما هي نتاج مجتمعات الشرق الأوسط الخاضعة للخوف والاستبداد". وإذا كان التنويه بدعم أمريكا للأنظمة العربية المستبدة "كلمة حق يراد بها باطل"، فإنه مما لا شك فيه أن هذه الأنظمة خسرت تعاطف شعوبها معها، وأصبحت وحيدة في ساحة المواجهة مع أمريكا.

إن هذا يعني بوضوح أن هؤلاء المحافظين الجدد سيعملون على تغيير الأنظمة التي توصف بالاستبداد. ويضع هؤلاء النظام السوري في رأس قائمة الأنظمة التي سيعملون على تغييرها كما صرح بذلك نائب وزير الدفاع الأمريكي "بول وولفويتز" بعد احتلال العراق عندما قال "سورية تدعم الإرهاب لا بد من التغيير".

ونحن في هذا المقال لا نقوم بتسويق نظريات المحافظين الجدد، ولكننا نعتقد أن احتلال العراق قد فتح شهيتهم على المزيد.كما أن الأنظمة المستهدفة تصبح صيدا سهلا في مرمىأمريكا عندما تنسلخ عن مصدر قوتها وهوالتصاقها بشعوبها،خصوصا وأن بوش جعل من نشر الديموقراطية في "الشرق الأوسط الكبير" هدفه الأهم يسوّقه أمام الشعب الأمريكي، بعد أن بدا ،من حيث الظاهر، أن انتخابات العراق كانت أكثر من ناجحة في نظر إدارته.

ولن أكون منافقا فأزعم أنني أبيت ليلي مكدرا من خوفي على النظام البعثي في دمشق،-واقع الحال أني أبيت ليلي مكدرا مما يصنعه النظام مع الشعب السوري- ولكني أشعر أن أمريكا لا تستهدف هذا النظام لشخصه. فلطالما قدم هذا النظام لها الخدمات، بعضها معروف لكل الشعب السوري، وبعضها ما يزال طي الكتمان ينتظر الوقت المناسب.

وما يثير القلق أن أمريكا استغلت أخطاء النظام السوري في لبنان –وهي التي كانت تملي له- لكي تخلق جوا يزيد من التباعد بين الدولتين والحكومتين والشعبين،ثم تستفرد بعد ذلك بسورية. وإذاما تمكنت منها كما فعلت مع العراق فسيكون قد اكتمل لها المحور الثلاثي من بغداد ودمشق وبيروت وصولا إلى القاهرة عبر البحر الأبيض المتوسط.

وللأسف فإن عقلية النظام القديمة مازالت هي التي تتحكم بقراره وتحركه. فبدلا من أن يعمل على تأليف قلوب المعارضة السورية علىاختلاف أطيافها،ويعلن عن انفتاح حقيقي على الشعب يعيد بموجبه الحرية للمواطنين، لجأ إلى أسلوب تسيير المظاهرات في شوارع المدن السورية، وكأنه يريد أن يقول ،من خلال الحشود، أن الشعب السوري معه ضد أمريكا.

 وقد نسي منظرو المظاهرات وكتاب الشعارات أن الجماهيرالرومانية التي خرجت عام 1989 تستقبل "رفسجاني" وتصفق له ولرئيسها، لم يمنعها ذلك بعد أقل من يومين، من أن تنقلب على "شاوشيسكو"، فصفق الشعب الروماني وهتف ضد الدكتاتور بعد أن تحرر من استعباده ،كما صفق وهتف له بالأمس عندما كان يخشى مخابراته. ولأنه كان طاغيةً مستبدا، فلم ينتصر له أحد عندما زلّت قدماه فاعتقل وحوكم وأعدم.

ورغم وقوف جماهير الشعب السوري وقوى المعارضة فيه إلى جانب الذين نددوا بالاحتلال الأمريكي للعراق، إلاّ أن طروحات الإعلام السوري "المؤمم" لم تستطع أن تجد قبولاعند الشعب السوري في هجومها على الانتخابات التي تمت تحت بنادق الاحتلال الأمريكي،لماذا؟  لأن تلك  الانتخابات ،وإن كان فيها الكثير مما يؤخذ عليها، فإنها أقل سوءا من انتخابات مجالس الشعب السورية التي كانت تعينها القيادة القطرية، رغم مظاهر الانتخابات الكاذبة المفبركة التي كانت تجري أمام عدسات التصوير.

يجب أن تعترف القيادة السورية أنها خسرت معركتها في لبنان، وأنها في طريقها إلى الخسارة على الساحة السورية ما لم تبادر ،وفورا، إلى استدعاء قوى الشعب السوري جميعها من خلال الدعوة إلى انتخابات حقيقية من خلال صناديق الاقتراع الشفافة، وبعيدا عن كل مظاهر التسلط المخابراتية، وأن تتم هذه الانتخابات تحت إشراف دولي وفي حراسة قوى الشرطة السورية،    –ولا أقول القضاء السوري بعد أن هيمن عليه حزب البعث- التي ما تزال بعيدة عن سيطرة حزب البعث، حتى تعود الحرية والديموقراطية إلى سورية تماما كما كانت في أول يوم بعد خروج جيش الاحتلال الفرنسي في 17 نيسان 1946 .

إن هناك فرصة حقيقية أمام حزب البعث السوري لكي يتصرف ،ولو لمرة واحدة، بحكمة، وأن يسلك سلوك الحزب المسئول، قبل أن يخرج من المعادلة السورية كما خرج شقيقه حزب البعث العراقي من المعادلة العراقية. فهل يفعلها الرئيس بشار الأسد قبل فوات الأوان؟،،، 

الطاهر إبراهيم     كاتب سوري يعيش في المنفى   عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام