السوريون في لحظات مدنية : لماذا لا ننهي اغتراب البعض؟

د. عماد فوزي شُعيبي

 

 

أعترف أنني كسياسي محترف للتحليل السياسي وكأكاديمي في مجال علم الاجتماع السياسي في مجال تدريس النظريات الحديثة والمعاصرة في السياسية كالنظرية الميكيافلية والبراغماتية والأداتية والوظيفية، أعترف بأنني لا أميل كثيراً لإعطاء وزن كبير لاعتبارات ما يسمى بالجمهور فقط.

 قرأت غوستاف لوبون في كتابه "سيكولوجيا الجماهير" وكتاب فرويد "الأنا الأعلى الجمعي"، وأقتنعنت بأن هنالك مسافة بين العقل كما هو معروف أو مُعرف باعتباره استخداماً عقلانياً لهذا الوجود الخام، وبين السلوك الجمعي الذي يكون في كثيراً من الأحيان غريزياً ومع ذلك فإن هذا لا يعني بأي صورة من الصور أن نحتقر المجموع أو أن نعطي ظهرنا لهذا المجموع البشري باعتباره منطلق ومثال العملية السياسية. ولكن من زاوية عقلانية للفعل السياسي فإن علينا أن نحاذر من اعتبار بأن النموذج العقلاني إنما يمكن أن يكون متوافراً في النموذج الجماهيري بالفطرة أو على الدوام.

هذه المقدمة النظرية هي بمثابة محاولات لإيجاد مقاربة بين لحظتين:

لحظة الرؤية النظرية الواضحة لمفهوم الجمهور أو التشكيل الجمعي للبشر والثانية هي اللحظة التي يتم الحديث فيها عن أهمية وزن الجمهور في العقل السياسي وهو ما يجب أن نركز عليه هنا.

ما نريد أن نقوله في هذا المجال أنه وبعد اغتيال رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني السابق، حدث شيء مهم من الاعتداء على صورة سورية ومكانتها في لبنان والاعتداء لم ينل من الجيش السوري أو من القوات السورية فحسب بل نال من سورية جمعاء وعلى الأخص نال من عمالنا في لبنان الذين يجب أن ننادي فعلياً بفتح تحقيق جدي يحترم أدمية هؤلاء العمال لمعرفة من قتل بعضهم ومن اعتدى على بعضهم  ومن ضرب البعض الآخر.

هذا حق من حقوق البشر ينص عليه في القانون ويؤيده القانون الدولي ولا يجب أن نعمد إلى أي اعتبار سياسي حتى في لحظة الأزمة بما يستدعي أن نفعل في هذا  الوقت بالذات ضمانا لحقوق عمالنا باعتبارها حقوقاً لمواطنين سوريين تمت عملية إهانتهم وإهانة أدميتهم.

أستطيع جازماً أن أعلن بأن لحظتين شعرت فيهما بأهمية النزوع الجنيني لدى شعبنا في سورية بأنه أقرب إلى أن يكون يكون مدنياً بامتياز. اللحظة الأولى عام 1973 عندما لاحظنا كيف يتجمع السوريون؛ أعني المدنين من السوريين في أماكن عملهم وفي قطاعات مختلفة في المجتمع ليآزروا الدولة في لحظة كان الجميع يتوقون إليها وهي "التحرير".

كان الناس يتجمعون على الأفران بانتظام قل نظيره لا يتجاوز أحدهم الأخر وعندما يمر عسكري ليأخذ قليلاً من الخبز يفسح له المدنيون المجال باحترام شديد وتقدير أشد.

في اليوم الذي تم فيه قصف دمشق عمل جميع سائقي التكسيات في سورية مجاناً وكان الجميع في لحمة وطنية قل نظيرها على الإطلاق وخلال اثنين وعشرين يوماً من العمليات العسكرية لم يسجل في سورية أية جريمة أو جنحة،فالمجتمع بأكمله حقق مفهوم المواطنة.

ماذا تعني مفردة  المواطنة: تعني أن هنالك توافقاً بين الناس على مصلحة وطنية واحدة تتجاوز انتماءاتهم الاجتماعية، رغم انهم  ينتمون إلى مشارب  من الطوائف والعشائر والمذاهب والأقوام والأديان ؛ فهذه انتماءات كينونية تأتي بالولادة، ولكن مصلحة الناس في أن تكون لهم حالة جماعية مشتركة يتوافقون فيها على أن هنالك وطناً واحداً لهم ؛هي الحالة التي تشكل المواطنة. إذاً المواطنة تنبع بالدرجة الأولى من (المصلحة) وباللغة الانكليزية (interest) والمفردة الأخيرة تعني من لهم مصلحة مشتركة؛ أو اهتمام مشترك.

 إنها اللحظة التي يكون فيها السوريون متفقين  جميعاً على أن لهم وطناً واحداً يستطيعون من خلاله أن ينتموا إلى تشكيل جمعي واحد لهم مصلحة واحدة به؛ وهذا يعني أنهم في هذه الحالة يحققون حالة المواطنة.

 اللحظة الثانية شعرتها عندما دخلت إلى قسم علم الاجتماع في السنة الرابعة في كلية الآداب بجامعة دمشق لألقي محاضرتي على مسامعهم.وقد  درجت العادة على أن الطلاب في الربع الساعة الأخيرة من الدرس الممتد على مدى ساعتين يتململون وينظرون إلى ساعاتهم. في هذا الدرس بالذات كان الطلاب  يتسمرون بانتظار أن أنتهي من إلقاء محاضرتي الأكاديمية كي يلقوا على مسامعي مجموعة من التساؤلات ويخوضون بآرائهم حول ما حدث في لبنان. كنت أخشى للحظة أن الطلاب هؤلاء سيسألونني أسئلة من النوع التقليدي أو من النوع الذي يريد أن يفهم فقط ما الذي يحدث لكنني فوجئت بأن الجمع بكامله يتحدث عن سورية البلد المشترك الذي تعرض لعدة إهانات: الاهانة الأولى أن سورية تعرضت لاتهام بغيض لا مبرر له  مع أن كل الدلائل تشير إلى أنها المتضرر الأول مما حدث للحريري، الثاني أن سورية كلها تعرضت إلى تلك الاهانة وإلى تلك الاتهامات وإلى حالة غرائزية توجهت ضد هذا البلد وضد شعبه وضد عماله الذين عملوا هناك. كان الواضح آنذاك أن هنالك حالة جمعية هي ضربٌ  من المصلحة المشتركة اسمها سورية. سورية المستهدفة، وسورية التي يجمع الجميع بعضهم كنت أعرف أنه ينتمي بحسه إلى نموذج من نماذج المعارضة أو على الأقل تكل المعارضة التي لا تخفي نفسها باعتبارها معارضة من النوع غير المنظم. في هذه اللحظة بالذات كنت أجد تشكيلاً مدنياً جمعياً يجمع هؤلاء جميعاً تحت مسمى واحد وهو (سورية الكل الاجتماعي). كانوا يطالبون بدور ما. الكل كان يشعر بأن صوته لم يرتفع،و لم يكن له تلك المكانة التي يجب أن يعرف الآخرون وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبعض اللبنانيين أن هنالك صوتاً للسوريين يحب أن يؤخذ بعين الاعتبار، ويجب أن يكون هنالك وزن له في معادلة الصراع، وأنه هنالك من يريد أن يرفع التهمة وأن هنالك من يشعر بأن سورية المستهدفة يجب أن تقول كلمتها عبر شعبها وعبر ناسها وليس عبر شيءٍ آخر، هذا الموقف المدني توجه السوريون يوم ألقى الرئيس الأسد كلمته، فأغلب الذين أحاطوا بمجلس الشعب لم يدعهم أحد. أحد طلابي أسر لي أنه ذهب واصدقائه وحدهم ليهتفوا مع الرئيس وسورية وهو يشعر أنه يجب أن يُحيط بالرئيس  في هذا اليوم وكان يصرح منددا ببعض القادة اللبنانيين . في هذه اللحظة اقترب منه رجل أمن وقال بلطف أدهشه: لا داعي لشتم أحد فإجابه الطالب بحنق أريد ان أرفع صوتي ولصوتي اليوم قيمة، فتركه رجل الأمن محترماً تلك اللحظة الصادقة، وهي نفسها اللحظة التي خرج فيها السوريون في مظاهرتهم الأخيرة وأغلبهم خرج طوعاً. من المهم أن نعزز دور هذا المجتمع المدني الذي يخرج طوعاً ولا يُساق كالأغنام . هذه المعادلة تستحق الاهتمام، وتستحق الاحترام بذات الوقت فأولئك الذين عرفنا أنهم كانوا طلاباً عودونا على عدم الاهتمام حولوا تلك  الأوقات إلى سجال وطني فريد لم أسمعه منذ فترة طويلة،ذكرتني بحادثة وقعت معي قبل أيام، إذ اتصلت بي ابنة صديق لي كان والدها ووالدتها يشكوان من أن هذه البُنية لا تهتم  إلا بالأغاني والعبث ، على الرغم من أن والديها يهتمان بهذا الشأن أيما اهتمام، فهي خريجة مدرسة قناتا الاسترايك والمزيكا وغير ذلك من القنوات الفضائية، هذه الصبية اتصلت كي تقول لي بكلمة:" يا دكتور أنا أريد أن أستنكر هذا الهجوم على سورية وعلى رئيسها وعلى شعبها". كان واضحاً أن هنالك ألماً يعتصر هذه الصبية التي نادراً ما اهتمت بالشأن العام،و كان واضحاً أيضاً أن هذا الاهتمام هو اهتمام جدي ويستحق أن يحترم في هذه اللحظة المشتركة التي جمعت تلك الصبية في ذهني مع طلابي مع مساحة كبيرة من أهلنا وشعبنا.

 لم أكتم أن أعبر بصوت عالٍ عن أن استهداف سورية هذا يمكن له أن يجعلنا نفكر في كيفية تطوير آليات عمل مجتمعنا المدني، فهؤلاء هم جزءٌ من المجتمع كله،و لديهم المصلحة المشتركة للعيش معاً تحت سماء واحدة اسمها "سورية". هنا نتجاوز وضعية أن سورية هي أرض وانتماء وتاريخ ومشاعر مشتركة ووجدان وهذا كله ضروري ولكنه لا يشكل عنصراً كافياً للمواطنة-المصلحة المشتركة للعيش معاً في سورية. سورية التي تستحق أن تكون دولة لكل مواطنيها بالتساوي هذا كله يقودنا إلى أهمية تفعيل المؤسسات ، ليخرجوا. كان يجب أن تكون لدينا الآليات الكافية للقول بأن هنالك مجتمعاً مدنياً في سورية لا يجب أن نحولهم إلى مجتمع يمكن أن يبقى في حالة التلقين، هؤلاء الذين رأيتهم أشعروني بأن هنالك أملاً كبيراً، وأن الموقف لا يمكن أن يكون موقفاً وجدانياً فحسب بل هو موقف يستند فعلياً إلى إمكانيات متوافرة لدى هذا  الشارع السوري الذي يستحق كل احترام.

لا يجب علينا أن نعيش عصاب الكلمات فمفردة المجتمع المدني الذي يعني النقابات والجمعيات ... التي تتوسط بين الدولة والمجتمع والتي تم تسييسها من البعض لا تعني أنها مرزولة ، بل يجب أن نعتمد عليها لأنها أحد التعبيرات عن المواطنة-المصلحة بين السوريين جميعاً.

غرفة تجارة حمص التي دعت إلى سحب الأموال السورية وإعادتها إلى دفء وطنها ،وقبل ذلك كانت بعض المحاولات من غرفة التجارة في دمشق، وأعتقد أن هذا التوجه موجود في أكثر من مكان في سورية،هؤلاء يستحقون ألف تحية ولا يكفي هنا أن نتوجه إليهم بالتحية بل علينا أن نقول بأن  على الدولة أن تسارع لاغتنام هذه الفرصة التاريخية.

 وأوجه في هذا المجال دعوتي للسيد رئيس الوزراء كي يتخذ كافة الإجراءات المطمأنة للمال السوري المهاجر، لأن هنالك لحظة تاريخية بكل المقاييس  يشعر فيها هؤلاء الذين يمتلكون المال، بأن سورية أحق بهذا المال من أي مكان آخر .

هذه اللحظة لا يجب أن تضيع وإذا ضاعت كسواها من اللحظات فإننا سنكون قد خسرنا حالة من أهم الحالات التاريخية التي يمكن أن تساهم في بناء البلاد. فإذا كانت التقديرات للأموال المهاجرة تقع ما بين90-120 مليار دولار  فإن نصفهم على الأقل ،إذا دخل سورية خلال الفترة الحالية، سيوفر وفرة من النقد ووفرة من الأعمال ووفرة أيضاً من الإمكانيات المتاحة لبناء البلد، بما يعتمد على جهود أبنائه. إنها مسألة وطنية بامتياز وتستحق أن تفرد لها الحكومة جلسات سريعة لتنهي فيها غربة طويلة لبعض المال السوري عن وطنه.

لا يجب أن نتأخر فجزء مما نعاني منه اليوم يكمن في أننا نتأخر، وحركتنا بطيئة واستجابتنا ليست بمستوى الأحداث ولا بمستوى حالة الناس. لا يجب أن نفقد هذا الرصيد فالسوريون يسـاهلون أن يكون العمل باتجاههم بمستوى وطنيتهم وغيريتهم.

غربتان يجب أن تنتهيا: غربة مجموعة البشر التي تشعر بأن سورية مستهدفة، وهي بعيدة عن أن تجد وسائل تعبيرية، وغربة البعض عن بلادهم يجب أن تحل مشكلاتهم بسرعة. وغربة المال التي طالما شكونا منها والأفضل في هذا اللحظات ألا نمارس نوعاً من النصح بعد،  ولكن يجب علينا أن نقول بكلمة بأن من لا يستثمر تلك اللحظات فإنه يضيع الوطن والمواطن.