الطريق الثالث لسورية بدلا من تكرار كارثة العراق

15 مارس 2005

د. أميمة أحمد الجزائر

 

هل حقا سورية وراء اغتيال رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني السابق  في 14فبراير 2005 ؟ للأسف ، لا يزال قسم من الرأي العام اللبناني ،  وقد صدمته عملية الاغتيال الوحشية ، مقتنعا باتهام سورية . ولم تجد نفعا التصريحات الرسمية السورية باستنكارها الشديد لحادثة للاغتيال ، لا في إقناع المصدومين من اللبنانيين ولا الرأي الدولي ، فقد ذهب الإعلام الدولي بما فيه بعض الإعلام العربي إلى التشكيك ببراءة سورية ، بما يشبه الحرب الإعلامية التي تسبق عادة الحرب الفعلية كما حصل مع العراق  ، وراح يسوق الدوافع المحتملة للجريمة ، منها ، رغبة  النظام السوري في هيمنته على لبنان ، حيث ينتظر موعد الانتخابات التشريعية  في مايو ( أيار) 2005 ، لفرض أغلبية نيابية موالية له ، كما فرض من قبل تمديد الفترة الرئاسية للرئيس اللبناني إميل لحود الموالي لسورية ، لثلاث سنوات ، خارقا بذلك الدستور اللبناني ،( ونبهنا لمخاطر تلك القفزة بالمجهول ، بأنه سيكون له مالها على سورية ، وكان ما توقعناه ) فضلا عن مسائل أخرى وجد بها الإعلام قرائن ضد النظام السوري ، وهي علاقته الفاترة مع الرئيس الحريري رحمه الله ، بعد التمديد للرئيس لحود ، بأنه كان وراء صدور قرار مجلس الأمن 1559 في سبتمبر 2004 ضد سورية ، بدعم فرنسي أمريكي ، وقد حرّك  أصدقاءه ومنهم الرئيس الفرنسي جاك شيراك ، ( والقرار يدعو لإجراء انتخابات رئاسية حرة في لبنان ، ويطلب انسحاب جميع القوات الأجنبية من لبنان ، ونزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية )، والقصد حزب الله والفصائل الفلسطينية المسؤولة عن حماية المخيمات الفلسطينية ، طبعا إسرائيل المحتلة لمزارع شبعا اللبنانية لا تجد نفسها معنية بالقرار ، لأنها- حسب تصريح لكوفي عنان أمين عام الأمم المتحدة -  أوفــت بجميع التزاماتها بالانسحاب من الأراضي اللبنانيــة وفـق قرار مجلس الأمن 425،  والذي لا يشمل مزارع شبعا المحتلة منذ 1967 ، تبقى ضمن مفاوضات ما يُسمى  بسلام الشرق الأوسط ، والذي بدأت انطلاقته في مدريد عام 1992 أعقاب الحرب على العراق  .

لاشك ، أن اغتيال الحريري يوفر ذريعة إضافية للإدارة الأمريكية  للضغط على النظام السوري ، فقد استدعت سفيرتها في دمشق من أجل " مشاورات عاجلة " قلّل النظام السوري من شأن الأمر ، واعتبره أمرا عاديا- حسب تصريح وزير الخارجية السوري فاروق الشرع- ، وهذا ما يثير الدهشة والتساؤل  كيف يتعامل النظام السوري مع أزمة تكاد تعصف بالوطن بهذه " العادية " وكأني به أنه لم يعرف بعد ، أن العالم تغير من أقصاه إلى أقصاه في زمن الإمبراطورية الأمريكية ، الساعية بنشاط دؤوب للسيطرة على مفاصل النظام الدولي الجديد الذي تبشر له ، وتقود لأجله حربا مفتوحة تحت شعارات مختلفة " محاربة الإرهاب " ، "العدالة والحرية " ، " الديموقراطية وحقوق الإنسان "  ، وغيرها من شعارات أطلقتها إدارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 .

ومن جهته وليم بيرنز نائب وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط ، وخلال مشاركته في جنازة  المرحوم رفيق الحريري ، صرح : " إن موت رفيق الحريري  يجب أن يعزز العمل الجاد من أجل لبنان حر ، سيّد ، مستقل ، يعني ذلك تطبيقا فوريا لقرار مجلس الأمن 1559 ، بالانسحاب السوري الفوري والكامل من لبنان "  ونسي السيد برنز أو تناسى أن بلاده اجتاحت العراق واحتلته دون موافقة الأمم المتحدة . ويبدو أنه نسي أيضا أن الوجود السوري في لبنان كان بإرادة أمريكية أيضا ، عام 1976 ، وغضت الطرف عن عدم التزام النظام السوري بتطبيق اتفاق الطائف ، الذي حدد الخروج السوري عام 1992 وفق جدول زمني تتفق عليه الحكومتان السورية واللبنانية ، ونسي برنز أيضا أن بلاده باركت توريث الحكم في سورية عبر إرسال وزيرة الخارجية آنذاك مادلين أولبرايت شخصيا لتشارك في جنازة الراحل حافظ الأسد عام 2000 ولتقدم العزاء إلى الرئيس الشاب ابنه بشار الأسد . ليس مهما ما يتذكره أو ينساه السيد برنز ،  لكن المهم الآن أن الولايات المتحدة الأمريكية انقلبت على أصدقائها وحلفائها ، بعد انتهاء دورهم في مشروعها الجديد المسمــى " الشرق الأوسط الكبير " .

وقد بدأت الضغوط الأمريكية على سورية  سافرة قُبيل احتلال العراق ، حيث اتهم رامسفلد وزير الدفاع الأمريكي دمشق بمساعدة الجيش العراقي أثناء الحرب ، وتزويده بالمناظير الليلية ، واستخدام الأراضي السورية كقاعدة دعم لوجستي ( للإرهاب ) ويقصد المقاومة العراقية ضد جيش الاحتلال الأمريكي ( أصبحت مقاومة الاحتلال والتوق للحرية والاستقلال إرهابا وتهمة يعاقب عليها القانون في الزمن الأمريكي ) ، وامتلاك سورية لأسلحة الدمار الشامل ، وتهريب أسلحة الدمار الشامل العراقية إلى سورية ، قال هذا في مؤتمرات صحفية دون أن يرف له جفن بأن قوله  يجافي الحقيقة ، ولم تتوقف الإدارة الأمريكية عند التصريحات ، بل أرسلت وزير خارجيتها كولون باول إلى دمشق في مايو 2003 ، ليبلغ الرئيس السوري بشار الأسد شخصيا بهذه الاتهامات وغيرها ومن المآخذ السابقة ، منها ، تحالف دمشق وطهران ودعم حزب الله الذي صنفته  الإدارة الأمريكية بين المنظمات الإرهابية ،  وإيواء بعض القيادات العراقية ، وزوجة الرئيس العراقي صدام حسين وبناتها .

في مثل هذه الظروف العاصفة هل يُعقل أن تُقدم سورية على اغتيال الحريري إلا في حالة واحدة ، الرغبة في الانتحار ، ولا نعتقد أن النظام السوري المتمسك بالسلطة لثلاثة عقود ونصف ، عبر أجهزة أمنية قضت على الحرث الزرع والضرع لدى الشعب السوري ، وقضت على كل معارضة في الداخل ، على مبدأ من ليس معي فهو ضدي ، لأن النظام وحده يمتلك الحقيقة وهو الوطن ، وكل من يعارض النظام فهو ضد الوطن ،والحالة هذه ليس من مصلحة النظام السوري البتة دفع الوضع في لبنان إلى التدهور ، بتورطه باغتيال الحريري ، بل نعتقد أن هذه  التهمة الفاضحة لسورية سعى إليها منفذو الاغتيال باعتبارها الهدف الأمريكي بعد العراق .

ولسنا ندري الآن على وجه الدقة الأهداف الفرنسية الأمريكية في لبنان ، وقد التقت مصالح الدولتين بعد خلاف حول احتلال  العراق ، وخلافهما بالحقيقة لم يخرج عن دائرة المصالح واقتسام غنائم العراق . لكن الآن اتفقت الدولتان على تحرير " لبنان المحتل " فنتسـاءل هل يمكن للمجتمع الدولي أن ينسى أن الجولان السوري ، والضفة الغربية ، والقدس الشرقية، وغزة ، لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967 رغم قرارات مجلس الأمن الدولي ؟ وهل ينسى أن العراق يرزح تحت الاحتلال الأمريكي بدون تفويض دولي ؟ لا غرو أن نرى تلك الازدواجية في المعايير الدولية ، ولعل منها ما يثير الغثيان من تلك الشرعية التي ترى بمقاومة فلسطيني أو عراقي للاحتلال إرهابا ، وتغض الطرف عن الدبابات والصواريخ الإسرائيلية والأمريكية ضد شعبي فلسطين والعراق تمزق أشلائهما تمزيقا ، وتدمر المنازل على من فيها  ، وتراه تلك الشرعية الأمر دفاعا عن النفس ، والأنكى من هذا كله أن  الحكام العرب  يدينون ويستنكرون بشدة عمليات المقاومة الفلسطينية والعراقية ويطيبون خواطر المحتل  المعتدي .

كل هذا معروف ، ولا يخفى على أي طفل عربي في أزقة المدن العربية من الماء إلى الماء ، لكن مالا نعرفه كيف يتصرف النظام السوري للخروج بأقل الخسائر من أزمة محدقة ليس به كنظام ، بل تهدد الوطن تهديدا حقيقيا ؟ وبنفس القدر تهدد لبنان  من تجدد الحرب الأهلية في لبنان ، لتعم الفوضى في كل حدب وصوب في سورية ولبنان معا . وهو ما تريده أمريكا لفرض قوات دولية ، ولعل الأقرب للتصور إنشاء قواعد أمريكية في المناطق اللبنانية المناهضة للوجود السوري في لبنـــان  ،  تحت ذريعــة حماية لبنــان  والإشراف على " الديموقراطية في لبنان الحر المستقل "  ، وهذا يتقاطع مع تصريح وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس بعد الانتخابات العراقية " لقد جرت انتخابات حرة ونزيهة في أفغانستان ، وجرت في العراق انتخابات حرة ونزيهة ، وستجري في لبنان انتخابات حرة ونزيهة " يومها كان الحريري على قيد  الحياة ، يسعى لخروج سوريا خروجا مشرفا من لبنان  ، درءا لمخاطر تلوح في أجواء المنطقة .

ونعتقد أن اغتيال الحريري لم يخرج عما انطوى عليه ذلك التصريح لكونديليزا رايس ، ليكون اغتياله بوابة تدلف منه المنطقة برمتها إلى جحيم لا يعلم مداه إلا الله  بعد رحيل الحريري ، وبتلك الطريقة الاستعراضية المذهلة ، التي تدل على حداثة أجهزة التفجير لدى منفذي الاغتيال ، ولا نظن أن بلدا عربيا لديه تلك الأجهزة التي بمقدورها تعطيل أجهزة حراسة الحريري .

يبدو واضحا الآن ، أن الضغط الأمريكي يستهدف سورية وحليفتها إيران ، المعلنتين منذ زمن ضمن دائرة " دول الشر"  حسب تعبير الرئيس الأمريكي دبليو بوش وسورية باعتقادنا هي الآن الحلقة الأضعف  ، ويبدو جليا أن مدبري اغتيال الحريري ، قدموا مصير سورية على طبق من ذهب إلى المجتمع الدولي .

فماذا أنت فاعل سيادة الرئيس بشار الأسد والحال أصبحت فيه سورية بين فكي كماشة ؟

فالسعي لإرضاء أمريكا بمزيد من التنازلات قد تصل للتخلي عن الجولان وإبرام "سلام مشوه" مع إسرائيل ، أو الاستنجاد بدول أوربية و آسيوية ، فالكل يبحث عن مصالحه تحت المظلة الأمريكية سيدة العالم بلا منازع . وكما ترى أن الوضع العربي قدم نصائحه " العظيمة " كما قدموها من قبل للرئيس العراقي صدام حسين ، ومفادها اذهب وربك فقاتل ، لن يتحرك أحد منهم لنجدة سورية ، فإن فعلوا للعراق وفلسطين سيفعلون لسوريا ، الشاطر يريد سلته بدون عنب ليأمن غضب أمريكا عليه ، وضمان بقائه في السلطة ، وبعضهم  ارتضى لنفسه أن يكون  "سفيرا "  لها لتبليغ تهديدها ضد هذا البلد أو ذاك .

فطريق التنازلات لا يحمي الوطن ، والاستنجاد بقوى خارجية أيضا لا تحمي الوطن ، فمصالح الجميع  تتقاطع مع المصالح الأمريكية لاقتسام الغنائم .  فلدينا الطريق الثالث ، ولا مناص منه ، وهـو : المصالحة الوطنية لحماية الوطن .

الآن وفي هذه اللحظة التاريخية الحرجة والخطيرة من تاريخ سورية ، نقولها ملء الفيه ، عفا الله عما سلف ، فالوطن فوق الجميع ، ونسمو على جراحات تسبب بها النظام على مدى ثلاثة عقود ونصف ضد أبناء سورية في الاعتقال  ، والتشريد ، والقمع ، والقهر ، في ظل أحكام عرفية خارجة عن القانون ، نترفع عن الحساب والوطن يُساق إلى الذبح .

لا نريد تكرار كارثة احتلال العراق  بكارثة احتلال سورية ، وقوة سورية تكمن في شعبها وقواه الحية من معارضة ومثقفين وسياسيين ، فلتكن الخطوة الجريئة الـرد على تلك المخاطر ، وتكون باعتقادنا :

1-      عقد مؤتمر مصالحة وطنية يشمل السلطة  والمعارضة بجميع الطيف السياسي السوري وبينهم الأحزاب الكردية .

2-      إنهاء حالة الطوارئ  ووقف العمل بالأحكام العرفية .

3-       إطلاق سراح سجناء الرأي الحاليين من السجون السورية .

4-       عودة المنفيين إلى وطنهم سورية دون مساءلة أجهزة الأمن ، ودون أية قيود أو شروط.

5-      تعويض السجناء السابقين المفرج عنهم سابقا ، والحاليين الذين سيفرج عنهم ، ومنحهم كافة الحقوق المدنية والسياسية لهم وللمنفيين .

6-      إقالة ومحاكمة رموز الفساد ، وأنت تعرفها بالاسم ، وكنت سيادة الرئيس قبل استلامك السلطة من قاد حملة ضد الفساد في دواليب الدولة .

7-   إطلاق الحريات العامة بتعددية حزبية   وإعلامية  حقيقية معبرة عن تيارات الشعب السوري  ، ستكون الخطوة الجادة لانتخابات حرة ونزيهة وشفافة في البلاد .

8-      استقلال القضاء  استقلالا  تاما عن أجهزة الاستخبارات وأي جهاز آخر بالدولة ليكون سلطة مستقلة ، تقضي بالعدل بين الناس .

هذا  ، باعتقادنا ،  ما ينقذ سورية من بين فكي الكماشة الأمريكية في الميسرة ( العراق) والإسرائيلية في الميمنة ( فلسطين ). قد يسقط النظام ، وهذا أفضل ألف مليون مرة من سقوط الوطن ، فسقوط النظام والشعب ملتف حوله وفق مبادئ ترضي الجميع ، يفرز ، ولاشك ، مقاومة شعبية سورية للمحتل ، تتضافر مع المقاومة العراقية والفلسطينية واللبنانية ولا نستبعد المقاومة الإيرانية فهي أيضا مهددة   ، آنئذ  يستحيل على أي مغامر أن يقترب من منطقة ، خلف كل زاوية في أزقتها مقاتل ومقاوم حقيقي .

صدقا ، هؤلاء الذين يبذلون الآن حولك  معسول الكلام من المستفيدين من خيرات النظام ، ويجيشون مسيرات التأييد في محافظات القطر السوري بإكراه الناس تحت التهديد  للخروج إلى الشارع ، سيكونون أول المهزومين وقت الدفاع عن الوطن ،  ولا نستبعد أن يكونوا هرّبوا عائلاتهم وأموالهم المنهوبة من كتف الشعب إلى الخارج ، تحسبا للخطر القادم .

فليس أمامنا سوى  تحرير الشعب السوري من أجهزة القمع المخابراتي ،  لدحر مؤامرة تتجاوز تصريحات سدنة النظام ، والشعارات الجوفاء ، فهؤلاء عبيد مصالحهم ، والعبد لا يحمي وطن سيادة الرئيس بشار الأسد  . اللهم اشهد أني قد بلغت .