سلمى السهروردي

بطاقة تعريف

حمل إليّ بريدي الالكتروني الكثير من الرسائل بعد المقال السابق الذي طالبت فيه الرئيس شيراك باعتذار علني للشعبين في سورية ولبنان. وعدد آخر من الرسائل طالبني بالتعريف بنفسي.

أنا مواطنة سورية أعيش في الغرب ـ غير منفية ـ أنتمي روحياً إلى السهروردي القتيل القائل: (أرى قدمي أراق دمي). أدرس الأدب العالمي أعشق الحرية وأهوم مع صاحب الفتوحات في سماء: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله). لا منتمية سياسياً. لا أحب أن أحسب على غير نفسي، لست مع ولا ضد. وإنما أنا مع ما يخيل إليّ أنه الحق والعدل.

دعوة  إلى تحييد الدبابة

ترجل عن دبابتنا

سلمى السهروردي

أزمة الواقع العربي، والواقع السوري جزء منه، أن الفاعل الوحيد فيه هو (الدبابة)، لا العقائد ولا المبادئ ولا المصالح ولا حتى الإنسان لها أدنى تأثير في واقع العرب من محيطهم الهادر إلى خليجهم الثائر. وأزمة الواقع العربي أيضاً أن ليست فيه من محيطه إلى خليجه دبابة عربية واحدة. موقف أخلاقي عند (العرب) أنهم لا يحبون صنع السلاح وإنما يحبون استخدامه!! تفاخروا بالقديم بسيوفهم الهندية، وسموا أولادهم مهنداً، واليوم يمتطون الدبابات الأمريكية أو التشيكية أو الروسية!!

وحين يكون واقع الأمة محكوم بدبابة، ومرتكز على دبابة، ومحروس بدبابة، فإن التفكير في أي تغيير خارج نطاق الدبابة يصبح مجرد رياضة فكرية كحل الكلمات المتقاطعة، أو كقول ابن الرومي في بعض أهاجيه

مستفعلن فاعلن فعول     مستفعلن فاعلن فعول

بينما واقع الحال يفرض عليك أن تأتم بأبي نواس وهو يقرعك:

دعك لومي فإن اللوم إغراء     وداوني بالتي كانت هي الداء

والتداوي بالداء فلسفياً مذهب هيجل الذي مال إليه ماركس في نظريته عن النقيض الذي يحل نقيضه حتى يصل العالم إلى حالة الفناء والوحدة الصوفيين، من يتكلم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي عن الماركسية يظن أنه مأفون..!!

وحين نطرح الدبابة داء ودواء تتمظهر المتوازنة في معضلة مضحكة مبكية كجواد امرئ القيس

مكر مفر مقبل مدبر معاً

كيف؟! تلك بعض أعاجيب المكر السياسي، الذي يتماهى معه قوم، ويتباهى به آخرون.

فإذا كان اللجوء إلى (الدبابة) جريمة وطنية، وهو كذلك، فمن هو المجرم الأول؟! البيضة أم الدجاجة؟ أعوداً إلى الجدلية البيزنطية القديمة؟!

من المجرم الأول أالذي يقتل الناس ويكسر نفوسهم ويصادر عليهم حقوقهم بدبابة دفعوا ثمنها من مهجهم لتدفع عنهم، أو من يستعير دبابة ليدفع بها عن نفسه شر أخيه الذي اغتصب دبابته؟! معادلة صاغها الرصافي منذ مطلع القرن المنصرم

وأعجب من ذا أنهم يرهبونها     وأموالها منهم ومنهم جنودها

عندما أتساءل من الذي قاد الدبابة الأمريكية إلى العراق؟ أالجلبي أو علاوي أم صدام حسين؟ أجيب الأخير بلا تردد، لأنه هو الذي فرض الدبابة فيصلاً وحيداً على الساحة العراقية. وأمر جميع الناس أن يخضعوا لمجنزراتها. ولو كان هناك دبابة وطنية، ولا أحد يجادلني في حديد وطني، لكان هدف هذه الدبابة حماية كرامة المواطن وحريته لا الدوس عليها.

كمراقبة لواقع لا أحب أن أكون فيه بلهاء، لا تعجبني المواقف القاتمة للمعارضة النخبوية في إظهار الترفع عن التعاطي مع الواقع بروح عملية.

ألف عريضة أخرى من النخب السورية، وألف اعتصام للأكراد والعرب والتركمان والسُّنة والشيعة والسلفية والصوفية لن تزحزح دبابات بشار الأسد شبراً واحداً لا ذات اليمين ولا ذات الشمال، وإشارة من أصبع جندي أمريكي على ظهر دبابة أمريكية تظنها إيماءة الفرزدق وقومه يوم قال:

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا     وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا

وهكذا أومأ شيراك وبوش إلى الجيش السوري في لبنان فقفل راجعاً، وحمل رجل الأمن عصاه على عاتقه ليوفرها لشعب آخر، شعب صمم العالم أن يتناساه..

أتمنى أن يكذبني واقعاً لا دعوى الرئيس بشار الأسد، أتمنى أن يترجل عن ظهر (دبابتنا) لا (دبابته)، وأن يتوقف عن قصم رقابنا من فوقها.

أتمنى أن يفسح لنا على ظهرها مكاناً لنوجهها إلى الوجهة التي أريدت لها.

وأتمنى إذ لم يفعل أن تكون لنا دبابة نسترد بها دبابتنا المغصوبة لندفع بها عن ذاتنا.

أدعوهم إلى تحييد الدبابة الوطنية، وأن نلتقي على المائدة المتربة في الليلة المقمرة نغمس خبزنا بالخل، ونحل صغائر مشكلاتنا النفسية.. لأنني أعتقد أن كل الذي (بيننا) مشكلات نفسية لا مجسم واقعي لها. ولكن أصحاب النفوس الملتوية لا يشعرون.

10/3/2005