لبنان... العرب... بين تظاهرتين!

          عبد اللطيف مهنا

 

هذه المرة جاءت من الاتحاد الأوروبي، برلمانه يصوّت بأغلبية 473 نائباً ومعارضة ثمانية فقط وامتناع ثلاثاً، مطالباً "بوضع حد لأنشطة حزب الله الإرهابية"... البرلمان الأوروبي هو الأكثر اتزاناً عادة حيال قضايا العالم من سائر مؤسسات الاتحاد الأخرى، لأنه يضم كافة التيارات السياسية الأوروبية يميناً ويساراً، ومن بينها ما هو الأكثر تفهماً للقضايا العربية... وعليه محصلة هذا التصويت تقول لنا ما يلي:

أولاً: خطل المراهنات أو التمنيات التي تراود البعض حول التمايز الجدي بين المواقف الأمريكية والأوروبية، عندما يحين الجد، أو يتعلق الأمر بالأمور الاستراتيجية المشتركة بين الطرفين، وخصوصاً ما له صلة بقضايا العالمين العربي والإسلامي... وإضافةً يمكن القول، زيف الأوهام ذات الصلة بما يعرف بالرأي العام الدولي، وعبثية استماتة الواهمين منا في محاولاتهم الدونية غالباً لكسبه.

ثانياً: أنه أما وقد كان القرار السوري الواضح، والذي تم البدء في تنفيذه فوراً، المتعلق بالانسحاب العسكري والأمني من لبنان، تنفيذاً لاتفاق الطائف، وبالتالي للقرار الأممي 1559، فإن المؤشر الأوروبي هذا هو في الغالب بداية تمهيدية للخطوة التالية للخطوة السورية، التي يستهدفها القرار إلا وهي وفق تعبير البرلمان الأوروبي "وضع حدٍ للأنشطة الإرهابية لحزب الله"، أي نزع سلاح المقاومة اللبنانية، ومعها سلاح فلسطينيي المخيمات اللبنانية.

قد يقول القائل: إن هناك من التلميحات الأمريكية والأوروبية ما توهم بتأجيل مثل هذا الاستحقاق، الذي غدا بموجب القرار الأمريكي المتبنى دولياً سيفاً مسلطاً ينتظر استخدامه الفروغ من الاستهداف الأول، وهو الخروج السوري ومن ثم العبور الأمريكي على إيقاعات قرع طبول زجّالي معارضة ساحة الشهداء، أو ما يحلو للأمريكان والغرب عموماً تسميته ب"ثورة الأرز". إلا أنه لا يخفى إلا على السذج، أو دافني رؤوسهم في الرمال، أن الأمر لا يعدو الرغبة في تهدئة مؤقتة لا بد منها مع حزب الله على ذات الطريقة التي تم فيها إخراج تهدئة شرم الشيخ مع المقاومة الفلسطينية، وكلاهما، أي التهدئتين، هما وفق الرؤية الأمريكية الشارونية، ومعها الأوروبية، ليست إلا إلى حين.

المتمسكون بأهداب تلك التلميحات الخادعة بنو تمسكهم هذا على أسطر في صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، عندما تحدثت عن "قوة حزب الله السياسية الهائلة في لبنان"، مشيرة إلى تظاهرة 8 آذار/ مارس المليونية التي قادها الحزب إلى ساحة رياض الصلح، باعتبارها كما قالت "الأكبر في تاريخ لبنان المعاصر". أي بلغة أخرى تقول لنا الصحيفة ومن يراهن على ما تقوله أن الأمريكان يعترفون بمكانة هذا الحزب الشعبية، وبالتالي، وإذا كان الأمر كذلك، هل هم في وارد التعامل معه كأمر واقع في الحياة السياسية اللبنانية؟

يمكن الإجابة على هذا السؤال بالسؤال التالي:

أوليست هذه المكانة لقوة مقاومة وطنية ذات شعبية هائلة حققت أول انكفاء استراتيجي للاحتلال الإسرائيلي، وبالتالي أثبتت حقيقة هي عجز المشروع الصهيوني عن مزيد من التوسع، أو رسمت حداً للقدرة العسكرية التي يمتلكها في الاحتفاظ بما احتلته، سبباً كافياً للإصرار على نزع سلاح هذا الحزب كهدف تال، لكن في الوقت المناسب، أي بعد إخراج سوريا، ودخول أمريكا وانتقال موقع لبنان النهائي إلى الضفة الأخرى، أي الجبهة النقيضة لراهنه.

ويمكن تعزيز ما ذهبنا إليه بالإشارة إلى العروة الوثقى التي تربط الأمر بالورطة العراقية، والمعضلة الفلسطينية، وأحلام الشرق أوسط الموسّع الإمبراطورية الأمريكية، والتمترس الأمريكي الفرنسي خلف القرار 1559 ومجلس الأمن في الصراع الدائر على لبنان. وكذا الأمر في الانتباه إلى أحاديث متناثرة، مثل قوات أطلسية أو دولية، لملء الفراغ في لبنان عند الضرورة في مرحلة ما بعد الخروج السوري، واحتمالات توسيع مهمة "اليونيفيل"، أو قوات حفظ السلام الموجودة حالياً في جنوب لبنان، وتهافت الاتحاد الأوروبي، وليس الفرنسيين، أو الألمان، أو البريطانيين وحدهم، في دعوته للمزيد من الضغوط على سوريا لتنفيذ القرار الأممي أياه... وأخيراً مشروع "قانون تحرير لبنان وسوريا" المنوي تقديمه إلى الكونغرس الأمريكي لإقراره، الأمر الذي يذكرنا بمشروع آخر أقره هذا الكونغرس وعرف أيامها بقانون "تحرير العراق"!

إذن هذا هو حال العامل الخارجي في الأزمة اللبنانية، حيث العامل الإسرائيلي يظل في المقدمة كجزءٍ منه أو يتكامل معه ويسعى لتصعيده أو يستثيره كالعادة... والحديث الإسرائيلي الذي توارد في الصحف عن اتصالات قامت بها بعض أطراف المعارضة مع أوري لوبراني منسق أنشطة الاحتلال الإسرائيلي السابق في لبنان، قد قرع آذان الجميع في لبنان والمنطقة، بحيث لا حاجة للتعرض لمثل هذا العامل، الذي كان لتعابيره الفجة ما استثار غضب الحلفاء الأمريكيين ليطلبوا بالتالي من حلفائهم المبتهجين، وفق التسريبات الإسرائيلية نفسها، قليلاً من التكتم، أو تخفيفاً من تصريحات وزير خارجيتهم شالوم، وسائر مظاهر الفرحة والتشفي السائدة هذه الأيام لديهم، لما لذلك من أثر عكسي على صورة المعارضة وضد السياسات الأمريكية ومعها الأوروبية في المنطقة.

...والآن، ما هو حال المعادلة القائمة في لبنان الداخل، التي عليها وحدها تدور الدوائر، ولها وحدها، رغم خطورة العامل الخارجي، الكلمة الفصل في سياق الحرب على لبنان، ومن ثم الحروب على المنطقة بأسرها؟

مالذي ستقود إليه عملية تجاذب كرة النار الدائرة راهناً بين المعارضة المستقوية برياح الخارج العاصفة في مناخات شرق أوسطية بوش الموسّعة، وأنواء ديمقراطية الدبابات، وإرتال حملة راية تعويذة الحرية الإمبراطورية الزاحفة تحت وابل من الأكاذيب المبرمجة، والممانعة المتجذرة في مواجهتها؟!

لا أحد ينكر اليوم أن هناك لبنانان: لبنان فورة ما بعد اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، وركوب متن موجتها، من قبل ائتلاف معارضات لا جامع بينها سوى الإفادة من قميص عثمان هذا الحدث الجلل... ونقول ائتلاف معارضات لأن ساحة الشهداء جمعت حول قبر الراحل إشتاتاً تتراوح بين محزوني هذا الحدث بحق، ومطالبي إصلاح النظام والعلاقة مع سوريا بحق أيضاً، إلى انتهازييه وحتى رافعي صور العميل عقل هاشم، والمطالبين بإعادة الاعتبار لاتفاق 17 أيار، وأخيراً معيدي الاتصال بلوبراني... ولبنان الثوابت الوطنية والقومية، والانتماء العربي، والمقاومة... أو الحالة الخاصة، التي تقول أن لا لبنان إلا بجميع اللبنانيين... أي لبنان ساحة رياض الصلح أو المظاهرة المليونية التي أدهشت نيويورك تايمز واستثارت عقد البرلمان الأوروبي الدفينة!

إذن، لبنان ساحة تجاذب بين تظاهرتين متجاورتين في قلب أميرة المدائن العربية، تظاهرة ساحة الشهداء الحاشدة، وتظاهرة ساحة رياض الصلح المليونية، بما يحمله هذا الاسم الأخير من رمزية. وإذا كانت الأولى قد مضى عليها حين من الزمن، وقيل فيها الكثير، فإن الثانية تستوجب بعض التوقف أمامها، لا سيما ونحن إزاء منعطف بالغ الخطورة يستهدف مستقبل وطن، وله من التداعيات ما سوف يطال مستقبل أمة برمتها...

رفعت هذه التظاهرة... التي يكمن وراء تدافع موجات جموعها الحاشدة، إلى جانب أهمية موقع وفاعلية من دعي إليها وقادها، إحساس شعبي عميق بالخطر الداهم القادم، خصوصاً وقد استفز كثير من المشاركين فيها شعارات من سبقتها، وايقظ فيهم الإشفاق على هوية لبنان العربية، والخوف على سلمه الأهلي، وخياراته الاستراتيجية، بما في ذلك العداء للإسرائيليين، ورفض الهيمنة الأمريكية المكشرة عن أنيابها... رفعت ما يلي:

رفض القرار 1559 أو التدخل الأجنبي الذي بدأنا بالحديث عنه، بمعنى آخر رفض نزع سلاح المقاومة، وإعلان الإصرار على مواجهة احتمالات 17 أيار جديد، تلوح بشائره مجدداً على لسان من وقّعوه في ذلك الحين. والمطالبة بترسيخ الوحدة الوطنية على قاعدة اتفاق الطائف، وكشف مدبري ومنفذي جريمة اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، وأخيراً إبداء نوع من الوفاء المفترض للتضحيات السورية المتمثلة في دماء شهداء الجيش السوري المسالة دفاعاً عن لبنان، ودور سوريا الحاسم في إيقاف الحرب الأهلية، ومن ثم إعادة بناء الدولة اللبنانية، وإنتهاءً بنصرة المقاومة ورعايتها وحمايتها حتى تحرير الجنوب وطرد الاحتلال... كانت باختصار نوع من استنفار جاء رداً على استثمار لحدث جلل. فهل هذه التظاهرة هي، كما وصفها البعض، نقطة تحوّل قد تؤرخ لنهاية مرحلةٍ حبلى بالأخطاء، وبالتالي إرهاص لبداية مرحلة تقطع مع ما قبلها، أي تقول للجميع أن لبنان لا زال بخير؟!

في خطابه أمام المتظاهرين حدد الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله المواقف والشروط، ووجه رسائل للجميع خارجاً وداخلاً، داعياً الشركاء في الوطن إلى الحوار، داخل حكومة اتحاد وطني، أو حول طاولة مستديرة. بيد أنه وضع سقفاً وسياقاً لهذا الحوار تمثل في رفض القرار 1559، والتمسك بالتطبيق لكامل بنود اتفاق الطائف وليس الانسحاب السوري فحسب... والآن وبعد أن عاد رئيس الوزراء المستقيل عمر كرامي من جديد على رافعة هذه التظاهرة، لتشكيل، وفق ما أعلن، وزارة وحدة وطنية لا تستثني أحداً، منادياً بما نادت به المظاهرة، الأمر الذي أثار استياء لندن وتحفظ واشنطن، وتشكيك المعارضة، هل ستبقى هذه المعارضة كما هو عليه حالها، أم إنها ستتحول إلى معارضات؟

هل في الأفق ما يبعث الأمل في التقاء المعارضة والممانعة أخيراً على كلمة سواء تنقذ لبنان من مكائد الخارج واحتراب الداخل؟

قد لا يكون الجواب في بيروت، وإنما في العواصم التي تجول فيها راهناً رسل هذه المعارضة... وإلى حين الحصول على الإجابة، يظل لبنان... بل والعرب، بين تظاهرتين: واحدة سبقت في ساحة الشهداء والأخرى لحقت في ساحة رياض الصلح... الأولى استثمار والثانية استنفار... مرة أخرى حمى الله لبنان، وكفى العرب شر ما يحاك له ولهم!