المخرج السوري من المأزق السوري (2)

من المستفيد يا سيادة الرئيس؟

 

عبّر الرئيس السوري في خطابه عن موقف ممتاز فيما يخص الانسحاب السوري من لبنان. إذ استخدم اتفاق الطائف ذريعة لتخريج الرضوخ للمطلب الأمريكي ـ الأوروبي الداعي للانسحاب الفوري. وسينسحب الجيش فوراً، ولو أنه سيتوقف لبضعة أيام في البقاع. 

وقال جادّاً بلهجة المزاح ما مفاده (مهما يكن موقفنا، فستقول عنه الولايات المتحدة "لا يكفي"). قال هذا لأنه يدرك عمق المشكلة: سواء صمتت الولايات المتحدة أو قالت ما تنبأ بقوله، فإنها ستطالب سوريا بمطالب جديدة. ولعل أحد هذه المطالب، إن لم يكن أهمها، "مسألة الديموقراطية".

الانسحاب السوري الحالي لا يحسّن صورة سوريا في المجتمع الدولي قط، لأنها انسحبت تحت الضغط. أما لو انسحبت قبل ستة أشهر مثلاً، لكان الفرق هائلاً. وكذا الأمر فيما يخص الديموقراطية. فعندما تصير مطلباً أمريكياً سيراها الشعب السوري والمجتمع الدولي رضوخا، حتى لو انطلقت من رغبة النظام فيها. ولن يفيد الرئيس وقتها أن يذكّر الشعب والعالم بأنه ألمح في خطابه إلى أن الشأن الداخلي سيناقشه المؤتمر القطري لحزب البعث بعد عدة أشهر. فهذا وقتها سيكون تخريجاً للرضوخ، كتخريج الطائف. لا بل إن تخريج الطائف أكثر إقناعاً لأن فيه بنوداً، أما هذا التلميح فمجرد إيماء. والإيماء لا يرقى حتى إلى مرتبة الوعد.

لن أسأل الرئيس إن كان رئيساً لكل الشعب أم لحزب البعث فقط، وهل الديموقراطية لكل الشعب أم لحزب البعث فقط، حتى يقررها حزب البعث فقط. لن أسأله لأننا عشنا في سوريا بلا ديموقراطية لأكثر من أربعين عاماً. ومر حينٌ كانت فيه الديكتاتورية سافرة، بينما نحن الآن بألف نعمة لدى المقارنة. ولهذا لن نختلف على ستة أشهر أو سنة أو اثنتين. لكن اليوم الواحد مهم عندما يسبقنا فيه الأمريكيون ويطالبون بها جديّاً. وقتها لن يرى أحد أن القيادة السورية حكيمة، تتفهم ضرورات الحياة المعاصرة التي تستدعي الديموقراطية. وأعتقد أن هذا ما تتمناه الولايات المتحدة، أي عدم مبادرة السلطة في موضوع الديموقراطية. فعدم المبادرة يشجع الأمريكيين على الضغط فيه بشكل رئيسي لأنهم مأزومون في العراق، أي لـ"يشتغلوا" بالنظام السوري. ومن جهة أخرى كي يبدوا وكأنهم الطرف الوحيد الذي يمتلك أدوات فرض الديموقراطية، على العكس من أساليب الأوروبيين المائعة.

فالرئيس الأمريكي يشيد بخطوات السعودية التافهة نحو الديموقراطية لسببين: أولاً لأن السلطة السعودية تشن على الأصولية حرباً ضروساً، ليس فقط كرمى للأمريكيين، بل الأهم لأنها خطر حقيقي عليها. ولهذا تتغاضى الولايات المتحدة عن تسلل السعوديين إلى العراق، لأنهم يتسللون برغم أنف السلطة السعودية. وثانياً لأن الولايات المتحدة ترجّح أن الضغط على السلطة السعودية في مجال الديموقراطية السياسية سيقود إلى تفجر الوضع فيها لصالح الأصولية. فبنية المجتمع السعودي قابلة للتفاعل مع الأصولية، وهذا ليس من مصلحة الولايات المتحدة.أما الوضع في سوريا فمختلف. بنية المجتمع بعيدة عن التجاوب مع الأصولية، ولو أنها ليست كتيمة. ولهذا لا تقبل الولايات المتحدة في سوريا ما تقبله في السعودية، لا تقبل استمرار السلطة باللاديموقراطية مقابل قيامها بتسليس مصالح الولايات المتحدة واتخاذها إجراءات أمنية تجاه المقاومة العراقية مثلاً.

فعلى المستوى الاقتصادي (وسأقتصر عليه مع أنه يبتسر الصورة) الولايات المتحدة تريد الديموقراطية عندنا والأوروبيون يريدونها ونحن نريدها، فهي ضرورة للجميع. وكونها ضرورة، لا يعني تماثل ما يريده منها الجميع. فهي مجرد قاسم مشترك، كل منهم يريدها بالاتجاه الذي يخدم مصلحته. فهي إذن نقطة لقاء وصراع. ولأنها كذلك، يمكن لقرار السلطة عندنا بالمبادرة فيها أن يكون حاسماً باتجاه تفويت الفرصة على الأمريكيين.

الأمريكيون والأوروبيون يريدونها لأنها تعني الاستقرار والشفافية. ففي ظل الاستقرار يمكنهم الاستثمار. وعبر الشفافية يمكنهم رؤية اتجاه حركة القوى الاجتماعية التي تعبّر عنها التيارات السياسية، وبالتالي لا تؤخذ استثماراتهم على حين غرة. ونحن نريد الاستقرار كغاية بذاته، ولأنه يمهد الطريق أمام الاستثمار، طالما أن التطور بات مستحيلاً في ظل الاعتماد على الذات. إذن لو أن الشروط الأمريكية للتعامل مع مجتمعنا مساوية للشروط الأوروبية، فالأمر سيان بالنسبة لنا. لكنها ليست كذلك بتاتاً. وقد سبق وأوضحت الفارق بين النهجين وأسبابه في كتاب "سوريا إلى أين"، لذا لن أكرر.  

ولأن شروط التعامل مختلفة جداً، فضد مصلحتنا أن نقع في شرك الأمركة. وتأجيل مبادرة السلطة في موضوع الديموقراطية، سيرجح إمكانية وقوعنا فيه. لنتذكر أن الأوروبيين رعوا سوريا الرئيس بشار لمدة أربعة أعوام. ولما لاحظوا أن ما تحقق في مجال الديموقراطية والإصلاح طفيفا، عبروا عن انزعاجهم بطرح القرار 1559. فهذا القرار كان رسالة قوية، ليس إلا، طالما أنه وحده لا يقلقل الوضع في سوريا. ومالم تبادر السلطة عندنا في موضوع الديموقراطية، أي إذا سبقنا الأمريكيون بالمطالبة به، فقد نشهد المزيد من وحدة المواقف الأوروبية ـ الأمريكية ضدنا.

تحدث الجميع عن فعل القرار 1559 في رأب الصدع بين ضفتي الأطلسي، وهذا صحيح لأن السياسة السورية في سوريا ولبنان لم تساعد الأوروبيين على استمرار دعم سوريا. لكن الصدع لم يرتئب. لقد حدث الصدع جرّاء العراق، ولم يؤيد الأوروبيون الولايات المتحدة فيه إلى الآن. كل ما قدموه خلال زيارة بوش الأوروبية مساعدة رمزية، الموافقة على تدريب بعض وحدات الجيش العراقي. لماذا؟ لأن الموضوع موضوع مصالح، والعاقل لا يؤيد أحداً ضد مصلحته.

للأوروبيين مصلحة عندنا، وبالتالي معنا، ومصلحتنا معهم وعندهم، ونحن وهم والأمريكيون نريد الديموقراطية عندنا. فلماذا المماطلة طالما أنها لا ريب فيها؟ إن لم تتحقق لمصلحتنا نحن والأوروبيين فستتحقق لمصلحة الأمريكيين، فمن المستفيد يا سيادة الرئيس؟   

                                                                                                                         علي الشهابي

دمشق /  6 آذار 2005

* يرجى ممن يتفق مع هذا الرأي بالعام إرسال الموافقة عليه مع اعتراضاته التفصيلية على أي جزء منه، إن وجدت، إلى alisha_alisha101@yahoo.co.uk  وممن لا يتفق معه ويرغب بالرد عليه إلى alisha_alisha101@hotmail.com  مع الشكر الجزيل في كلتا الحالتين.