متابعة لهذا البناء سعت الإدارة الأمريكية نحو توريط المجتمع الدولي في مناقشة وإقرار المشروع، وفتح الباب أمام احتمال " الوصاية الدولية " على المنطقة، حيث ورد فيه " يمثل الشرق الأوسط الكبير تحديا وفرصة فريدة للمجتمع الدولي .وطبقا لما أشرنا إليه سابقا، ليس من المستبعد أن تكون خيوط التقارب بين المشروعين الأوسطي والمتوسطي أكثر من خيوط التباعد . وبالرغم من تميّز المبادرتين الأوروبيتين بالاتجاه نحو " العمل المشترك " والحرص على استبعاد " التوجه الأبوي "، فإنّ ما يربط بينهما وبين المشروع الأمريكي هو وجود اتفاق غربي حاسم على التغيير في الشرق الأوسط . مما يرجح احتمال صياغة مبادرة مشتركة لإنشاء " منظمة للأمن والتعاون في الشرق الأوسط " قريبة من صيغة " مؤتمر هلسنكي " في العام 1975 .

الشرق الأوسط ... إلى أين ؟ !(*)

الدكتور عبدالله تركماني

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق دخلت المنطقة العربية مرحلة دقيقة جدا، مرحلة إعادة ترتيب الأوراق دوليا، وربما إعادة ترتيب الأنظمة والدول والحدود . إذ سوف نشهد ولادة النظام الشرق أوسطي الشامل، الذي سيكون الاقتصاد هو أحد أوجهه، لكنَّ الأولوية فيه سوف تكون للشق والمكوّن الأمني . وفي هذا الجانب سيتم إخضاع قدرات كل دول المنطقة إلى السيطرة الصارمة، بالشكل الذي يضمن رقابة وهيمنة إسرائيل على قدرات المنطقة بما يجعلها " الدولة الإقليمية الكبرى " في إقليم الشرق الأوسط .

فبعد موجة المبادرات الأمريكية والأوروبية والعربية التي أطلقها المشروع الأمريكي حول " الشرق الأوسط الكبير " تتجه الأمور نحو دمج هذه المبادرات وتركيبها في مبادرة واحدة على نمط " معاهدة هلسنكي " لتشكيل " منظمة الأمن والتعاون في الشرق الأوسط " لإحداث التغيير المطلوب في المنطقة العربية .

ويبقى السؤال الجوهري : ما هو السبيل الأقوم للتعامل مع هذا الاحتمال بما يحدث الإصلاح والتغيير، باعتباره حاجة عربية قبل أن يكون مطلبا خارجيا، ويحافظ على المصالح العربية العليا في آن واحد ؟ .

تطور مشاريع الشرق الأوسط

إنّ الدعوة للنظام الشرق أوسطي الأوسع، في بعدها الحالي، ليست فكرة جديدة، حيث عبّرت عن هذا النظام، في الخمسينات، صياغات سياسية وأمنية وعسكرية (البيان الثلاثي، قيادة الدفاع عن الشرق الأوسط، منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط، معاهدة الحزام الشمالي، معاهدة حلف بغداد) ضمن إطار صراعات الحرب الباردة . ولكنّ المشروع امتلك في تسعينات القرن الماضي الكثير من عناصر القوة : الإصرار الأمريكي على السير بالمشروع إلى نهاياته التي رسمت عند انطلاقة مؤتمر مدريد للسلام العربي - الإسرائيلي في العام 1991، واستخدام إسرائيل احتلالها للأراضي العربية كورقة ضغط وإغراء للمساومة، وموافقة معظم الحكومات العربية على هذا المشروع بانخراطها في مؤتمراته الأربعة التي انعقدت ( الدار البيضاء، عمّان، القاهرة، الدوحة ) . إلا أنّ نقطة ضعفه الرئيسية تمثلت في استمرار معاداة أغلبية الرأي العام العربي له، باعتباره مشروعا للهيمنة الأمريكية - الإسرائيلية على العالم العربي . إذ يتضح اليوم أنّ جوهر النظام الشرق أوسطي  يرتكز- أساسا - على نزع سلاح العرب، ووضع قدراتهم العسكرية تحت الرقابة والسيطرة، لضمان أمن إسرائيل أولا، وللحيلولة دون نمو مركز قوة عربية في أيّ جزء من العالم العربي ثانيا .

حول المشروع الأمريكي الجديد للشرق الأوسط الواسع

من المؤكد أنّ الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس بوش الابن قد ضلت الطريق وابتعدت كل البعد عن القانون الدولي والشرعية الدولية ومبادئ الأمم المتحدة، وهي تخطط  - بعد احتلال العراق – لإقامة قواعد عسكرية ثابتة والتحكم في منابع النفط في المنطقة العربية كلها، وفرض الوصاية على حكومات وشعوب العالم العربي، وإعطاء دور كبير لإسرائيل في  الشرق الأوسط الموسع . ‏ وهذه السياسة تعني - بوضوح - عودة الاستعمار القديم بخططه وأساليبه وجيوشه، كما تعني محاولة مفضوحة لقهر البلدان العربية وتجريدها من استقلالها وحريتها وقرارها . وإذا كان من المؤكد أنه ليس هناك سيادة وطنية يمكنها أن تضفي شرعية على الاستبداد في الداخل، فإنه - في المقابل - ما من حرب تشنها قوة إمبريالية يمكن أن تخاض من أجل الديمقراطية والتنمية .

وكما ذكرنا سابقا فإنّ محاولات الولايات المتحدة الأمريكية إعادة هيكلة الشرق الأوسط، بدعوى إصلاحه و تغييره وفرض الاستقرار والازدهار فيه، ليست جديدة، ففي مطلع التسعينيات طرحت إدارة بوش الأب المشروع الشرق أوسطي بالتوازي مع إطلاق مفاوضات مدريد للتسوية العربية – الإسرائيلية في العام 1991 . وبالتالي، فإنّ المشروع الجديد يحاول، بعد جريمة 11 سبتمبر/أيلول 2001 وإعلان استراتيجية الأمن القومي الأمريكي في سبتمبر/أيلول 2002 واحتلال العراق في 9 أبريل/نيسان 2003، ومشروع الحرية الذي أعلنه الرئيس بوش في خطاب تنصيبه للولاية الثانية، أن يبني على ما تحقق في تسعينات القرن الماضي .

أما المشروع الأمريكي الجديد للشرق الأوسط الأكبر‏،‏ والذي ينطوي على اعتبار الإصلاحات السياسية والاقتصادية‏،‏ ومساءلة الحكومات العربية عما فعلته‏،‏ أولوية للسياسة الخارجية الأمريكية‏ .‏ بكل ما يعنيه ذلك – في الجوهر – من تجاوز حدود سيادة الدول على أراضيها‏،‏ وإعادة تشكيل وترتيب الأوضاع بيد قوة خارجية‏ ( ليس المجال هنا للحديث عن التغيّرات التي اكتنفت مفهوم السيادة وتزايد دور العوامل الخارجية في حياة الدول " الضعيفة " خاصة ) .

محاولة توريط المجتمع الدولي

متابعة لهذا البناء سعت الإدارة الأمريكية نحو توريط المجتمع الدولي في مناقشة وإقرار المشروع، وفتح الباب أمام احتمال " الوصاية الدولية " على المنطقة، حيث ورد فيه " يمثل الشرق الأوسط الكبير تحديا وفرصة فريدة للمجتمع الدولي " .

وليس من المستبعد أن تكون خيوط التقارب بين الرؤيتين الأمريكية والأوروبية أكثر من خيوط التباعد، إذ أنّ ما يربط بينهما هو وجود اتفاق غربي حاسم على التغيير في الشرق الأوسط، خاصة بعد تزايد الأعمال الإرهابية . مما يرجح احتمال صياغة مبادرة مشتركة لإنشاء " منظمة للأمن والتعاون في الشرق الأوسط " قريبة من صيغة " مؤتمر هلسنكي " في العام 1975 .

ومن أجل ذلك، بادرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى انتهاج سياسة مرنة في التعامل مع الأطراف الأوروبية، فعقدت مؤتمرات ومنتديات عدة من أجل كسب تأييد هذه الدول لخطتها حول " الشرق الأوسط الكبير "، فقدمت تنازلات لفظية حول أسلوب تطبيق الخطة، مع تمسك عنيد ببنود الخطة نفسها، وقالت : إنها تؤيد التدرج في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، بل وتؤيد أن تكون هذه الإصلاحات نابعة من الدول نفسها وليست مفروضة عليها، وتم تسجيل ذلك في البيانات الرسمية الصادرة عن هذه المؤتمرات والمنتديات والمؤسسات الدولية . ورغم ذلك فإنّ شيئا لم يتغير على أرض الواقع، وبقيت الخطة الأميركية على حالها، وواصلت الإدارة الضغط على كل دولة على حدة من أجل تطبيقها، بما تنطوي عليه من نتيجة نهائية واحدة، وهي أن تصبح هذه الدولة مؤيدة وتابعة للسياسة الأمريكية، وإلا فإنها ستواجه الضغوط، والعقوبات الاقتصادية، والتهديد بمعاداة المجتمع الدولي لها عبر قرارات تصدر عن مجلس الأمن، مع احتمال التهديد أخيرا بشن حرب ما ضدها، مباشرة أو بواسطة إسرائيل ( إيران وسورية مثلا ) .

لقد مثلت قضايا " الشرق الأوسط الكبير " محور محادثات القمة الأوروبية ـ الأمريكية في أواسط فبراير/شباط الماضي، وكانت المواقف وصيغ الحلول والصفقات المقترحة في شأنهـا " أرضية الصلح " بين الجانبين بعد خلافات العامين الماضيين جراء الحرب على العراق .  وثمة مخاوف من أن تكون هذه المصالحة عنوانا لصفقة أوروبية ـ أمريكية تنهي الخلافات الحادة بشأن المسألة العراقية وتفتح الباب لوفاق بين الكبار لتقسيم الغنائم وتبادل المصالح على حساب دول المنطقة التي تتعدد منافذ الضغط عليها‏،‏ سواء في العراق وفلسطين والسودان وسورية ولبنان، أو في إطار عناوين الإصلاح السياسي لنشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحماية حقوق الأقليات‏ في العديد من الأقطار العربية .‏

ومما يزيد المخاطر أنّ قائد حلف شمال الأطلسي، غداة إعلان الرئيس بوش " أجندة عبر الأطلسي " المشتركة مع أوروبا في شأن السلام والديموقراطية في منطقة الشرق الأوسط، أبدى استعداده للمساهمة في تنفيذ الجوانب السياسية والأمنية لدعم التغيير والإصلاح في المنطقة . حيث يتسع دور الحلف الأطلسي – حاليا - من حدود حوار الثقة والتعاون مع بلدان المغرب العربي غربا، حتى إنجاز مهمات تأمين الوضع في أفغانستان شرقا، مرورا بالعراق حيث يشرف على تدريب ضباط قوات الأمن، والمساعدة في تمويل جهود الحلف .

وهكذا، يبدو أنّ ساحة الشرق الأوسط وأسلوب التعامل مع قضاياها ومشاكلها ذات الصلة بالأمن الأوروبي والأمن العالمي قد طرحت في القمة الأوروبية ـ الأمريكية سؤالا بالغ الأهمية هو‏ :‏ كيف يمكن تضييق الهوة بين استحقاقات عصر القوة الأمريكية وبين رغبات أوروبا في أن تكون شريكا أساسيا في صياغة النظام العالمي الجديد ؟ .

ومعنى ذلك أنّ أسباب القلق لدينا على مستقبل المنطقة لم تعد مقتصرة على الشعور المتنامي باستحالة تحييد الولايات المتحدة الأمريكية بعيدا عن الخضوع للمطامع والمقاصد الإسرائيلية‏،‏ وإنما دخل عنصر جديد يتعلق بأهداف ومقاصد أوروبا في المنطقة والتي برزت بوضوح في الإصرار الفرنسي على دفع الملف اللبناني ـ السوري باتجاه التدويل كأحد مظاهر استعادة مناطق النفوذ القديمة في المنطقة ‏.‏

وكان اجتماع الدول الثماني الكبرى في يونيو/حزيران 2004 قد أطلق " شراكة من أجل التقدم ومستقبل مشترك " مع حكومات وشعوب الشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا . واحتل موقعا محوريا في هذه " الشراكة " الجديدة " منتدى المستقبل " الذي عقد أول لقاءاته في المغرب،  باعتباره إطارا على المستوى الوزاري، يجمع بين وزراء الخارجية والاقتصاد وغيرهم من الوزراء في مجموعة الثماني والمنطقة في نقاش متواصل للإصلاح، مع مشاركة قادة الأعمال والمجتمع المدني في حوارات موازية . وسيلعب المنبر دور وسيلة للإنصات إلى حاجات المنطقة، وضمان أن تستجيب الجهود المشتركة بشكل جماعي لهذه الهموم .

إنّ ما نحن بصدده ليس أحداثا يومية، بل إنها تغيّرات كبرى تجري تحت أعيننا . ففي الثالث من أكتوبر/تشرين الأول القادم سوف تبدأ المفاوضات التركية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وبعد خمسة عشر عاما ـ إذا سارت الأمور على ما يرام ـ سوف تصبح عضوا كامل العضوية فيه، أما إذا لم تسر الأمور على ما يرام، فإن ذلك سوف يتأخر خمس سنوات أخرى . ولكن في كل الأحوال فإنّ أوروبا سوف تمتد حتى وسط آسيا، وتصبح في الجوار المباشر للعالم العربي، وعلى التماس مع إيران وفي التخوم مع آسيا الوسطى .

هذا التغيير الاستراتيجي والجيوبولتيكي الهام، ليس حدثا عارضا، وليس امتدادا لحلم أن تكون تركيا جزءا من الغرب، وإنما هو إعادة تركيب لقلب العالم القديم، كما لم يحدث منذ الحرب العالمية الثانية . حيث كان انضمام تركيا إلى الحلف الأطلسي في السابق نقلا فوريا لكل المنطقة إلى قلب الحرب الباردة، والصراع الأمريكي - السوفياتي، وعاش العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط حوله في قلب الأزمات العالمية . ولكن هذه الحالة من " التغيير " في القلب والجوار، لا تجري ضمن الأنساق القديمة القائمة في النهاية على الدولة ـ الأمة ومشتقاتها من أحلاف وتجمعات، وإنما تجري وسط عالم يقوم على التفاعل والتشارك، عابر للقوميات والجماعات بالسلع والأفكار، والأسلحة والعنف والإيدز والإرهاب ! .

ماذا تعني الترتيبات الشرق أوسطية

بداية، من الضروري الانتباه إلى دلالة إصرار الباحثين الغربيين، منذ الحرب العالمية الثانية، على استخدام مفهوم الشرق الأوسط للدلالة على المنطقة العربية . فمن خلال استعراضنا الكتابات الغربية عن الشرق الأوسط تبرز لنا على الفور ثلاث نتائج :

    أ - أنّ هذه المنطقة لا تسمى باسم ينبثق من خصائصها أو طبيعتها، لكن سميت دائما من حيث علاقتها بالغير .

ب - أنّ هذا المصطلح ليس من المناطق الجغرافية المتعارف عليها، بل هو - في المقام الأول - تعبير سياسي، يترتب عليه دائما إدخال دول غير عربية في المنطقة، وفي أغلب الأحيان إخراج دول عربية منها .

ج - أنّ الشرق الأوسط يبدو، في الكتابات الغربية، منطقة تضم خليطا من القوميات والسلالات والأديان والشعوب واللغات، القاعدة فيه التعدد والتنوع والاستثناء هو الوحدة .

ومن الواضح أنّ الترتيبات الشرق أوسطية سوف تؤدي، إن عاجلا أو آجلا، إلى نهاية المفهوم المعروف للنظام الإقليمي العربي لصالح النظام الشرق أوسطي، مما يعني :

أ - تصفية الخطاب القائم على رفض الأيديولوجية الصهيونية، سواء في الخطاب السياسي العربي الرسمي، أو في أساليب التنشئة التعليمية والسياسية .

ب - أنّ نظام الشرق الأوسط الجديد، بوحداته وتفاعلاته ونزاعاته، هو شرق أوسط متعدد الأيديولوجيات والأديان والسياسات والأساطير والقوميات والثقافات، وستشهد المنطقة، في هذا النطاق، صحوة للثقافات والعرقيات الفرعية تحت حماية التنظيم الجديد للمنطقة، وتحول الاهتمام بالأقليات والقيم الفرعية إلى اهتمام عالمي .

ج - تغيّرات في نمط التحالفات في المنطقة، منها تحالف الأقليات القومية والدينية المتعدي للدول القائمة، وهذا سيدفع إلى ضرورة صياغة نمط مختلف من العلاقات السياسية الداخلية مع هذه الأقليات في النظم العربية أساسا، وهو ما قد يشكل مصدرا لانفجارات جديدة في المنطقة .

د - نفاذ دول الجوار الجغرافي إلى قلب المنطقة وصياغة علاقات مختلفة ونافذة معها، فهناك الدور التركي الذي يستهدف أن يكون شريكا وفاعلا في تفاعلات منطقة الخليج والمشرق العربي، خاصة في المسار الفلسطيني – الإسرائيلي، من خلال قضايا المياه وبناء مشروعات مشتركة . وهناك الدور الإيراني أيضا، الذي سيلعب في المنطقتين المشرقيتين، من خلال وزنه بين صفوف الشيعة العرب .

هـ - تلعب إسرائيل دورا فريدا في المنطقة، فهي القطب الأبرز الذي سيلعب دور الدولة الإقليمية الأعظم، ومنظّم المنطقة، ومديرها ونموذجها التحديثي، ووسيطها مع الغرب في مختلف المجالات . وفي مقابل هذا الدور الذي يسير مع التصور الأمريكي لما بعد إنجاز التسوية العربية – الإسرائيلية، يمكن إعطاء دور لمصر كأداة لضبط وتنسيق المجموعة العربية، لتلعب دور المهدئ للصراعات، التي يمكن أن تنشأ في الإطار العربي .

و - نمط جديد للصراعات في المنطقة، لأنّ تسوية الصراع العربي- الإسرائيلي، الذي يمثل أبرز الصراعات الكبرى في تاريخ المنطقة ويستقطب طاقة العنف والنزاع الأساسية، سيؤدي إلى تحولها إلى مسارات أخرى، كالصراعات العرقية والقومية والصراعات حول المياه .. وصراعات داخلية بين المعارضات السياسية ونظم الحكم المختلفة .

ز - ستسود المنطقة نزاعات براغماتية سياسية - بدائية على السلطة والنفوذ، تختلف عن البراغماتية على النمط الغربي، وسيؤدي ذلك إلى تحلل اللغة الأيديولوجية والتهويمات التي ارتبطت بها في الماضي على أساس الصراع العربي- الإسرائيلي .

فما يجري في العراق، وما تم الاتفاق عليه في السودان، يقدم لأول مرة نموذجا جديدا للدولة العربية، يقوم على العلاقات الداخلية المركبة بين الحاكم والمحكوم، والحكومة المركزية والأقاليم، يضاف إلى ذلك اقتسام للسلطة والثروة . مثل هذا المفهوم يختلف كلية مع المفهوم المعروف للدولة العربية المعاصرة، القائمة على الاندماج العضوي للجميع ـ مواطنين وسكان وطوائف ـ في مجال مجرد له قدسية خاصة .

كل ذلك في طريقه إلى التغيير الآن، ففي السودان ستكون هناك فيدرالية، ليس فقط بين الشمال والجنوب، وإنما لكل أقاليم السودان، وسوف تكون هناك نسب وعلاقات في السلطة والثروة . وفي العراق، مهما طال الصراع أو قصر، سوف ينتهي المشهد على تركيب طائفي وإقليمي للسلطة . وسواء كان الحال هنا أو هناك، فإن الموجة العالية قادمة لبقية العالم العربي والشرق الأوسط .

 وهكذا، يتبين أنّ المشروع يهدف، في الواقع، إلى وضع الدول العربية تحت الوصاية الدولية، وهذه الوصاية تتمثل في التخطيط الدقيق لمعالم التغيير الذي تريد الولايات المتحدة الأمريكية تحقيقه في بنية المجتمعات العربية، في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة .

وعلى الصعيد العربي، فإنّ مفهوم الشرق الأوسط يمزق أوصال العالم العربي ولا يعامله باعتباره وحدة متميزة، فهو يدخل - باستمرار- بلدانا غير عربية كتركيا وإيران وإسرائيل، وأحيانا باكستان وأفغانستان وأثيوبيا وقبرص، وربما دول آسيا الوسطى لاحقا، ويخرج منه بلدان المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا، وأحيانا ليبيا والسودان . ولعل ذلك يفسر مصطلح " الشرق الأوسط وشمال أفريقيا " الذي يرد كعنوان للعديد من الدراسات الغربية .

وهكذا يتضح أنّ توارد استخدام هذا المصطلح يستهدف تبرير شرعية الوجود الإسرائيلي، فما دامت المنطقة خليطا من قوميات وشعوب مختلفة الأعراق واللغات والأديان، فإنّ لكل قومية منها الحق في أن تكوّن دولة قومية . وفي هذا الإطار تكتسب إسرائيل شرعيتها كإحدى الدول القومية في المنطقة، وهذا الهدف قد يفسر لنا اهتمام إسرائيل المتواصل بتشجيع مطالب وحركات الأقليات في أكثر من بلد عربي .

وإذا كان مصطلح الشرق الأوسط قد استُخدم ووُظف لتحقيق أغراض سياسية تتضمن، في المقام الأول، طمس الهوية العربية للمنطقة، بإدراجها في مفهوم سياسي غير واضح وغير محدد، فإنّ التطورات التي شهدها ويشهدها العالم ومنطقتنا العربية، منذ نهاية ثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي حتى اليوم، توفر بيئة ملائمة ومشجعة لانتشار هذا المصطلح على نطاق واسع، والأهم من ذلك محاولة ترجمته من " فكرة " إلى " واقع " يتم تأطيره نظاميا، من خلال إنشاء " منظمة للأمن والتعاون في الشرق الأوسط الكبير " .

انتقال مركز الجاذبية إلى بلاد الشام

يبدو أنّ نقاط الارتكاز في السياسة الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط تتجه إلى ثلاثة محـاور :  أولها، الانسحاب العسكري السريع من مواقع التماس مع المقاومة العراقية، وتسليم مسؤولية ذلك لمجموعات الحرس الوطني والجيش، واستعارة استراتيجية " الفتنمة " . وثانيها، استعادة دور أوروبا، وبشكل خاص الدور الفرنسي والألماني، وإشراك الأمم المتحدة، شريطة أن تتماهى مواقفها مع الرؤية الأمريكية، في صياغة السياسة الدولية . وثالثها، انتقال مركز الجاذبية – في المدى المنظور -  من قلب الخليج العربي إلى لبنان وسورية .

ولعل أهم المحطات في هذا الاتجاه هي الهجوم الإسرائيلي على " عين الصاحب " في سورية، وصدور قرار مجلس الأمن الدولي 1559 بحماس فرنسي ودعم أمريكي، والتصريحات المتتالية لمختلف المراكز البارزة في صناعة السياسة الأمريكية المتمثلة بمطالبة سورية بسحب قواتها من لبنان والتوقف عن دعم المقاومتين الفلسطينية والعراقية، وتحقيق الإصلاح السياسي ونشر الديمقراطية في سورية، وأخيرا حملة الاغتيالات والتفجيرات  في سورية ولبنان، وأخيرا اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري .

حدود التداخل والتعارض بين النظام الإقليمي العربي والشرق أوسطية

رأى بعض الخبراء والمحللين أنّ العلاقة بين العروبة والشرق أوسطية ليست بالضرورة متعارضة، بل هي علاقة تعايش على نحو ما، ذلك لأنّ " النظام العربي لا يقوم في منطقة كلها عربية، وإنما في حيّز جغرافي يضيق أو يتسع طبقا لمنظورات سياسية واقتصادية وأمنية متعددة، يعرف باسم الشرق الأوسط، حيث توجد بلدان غير عربية لها بالضرورة مصالح، بعضها مشروع وبعضها غير مشروع في المنطقة، هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى فإنّ العروبة تسجن وتقيِّد نفسها سياسيا واقتصاديا وأمنيا إذا لم تنفتح بأسلوب واعٍ محسوب الخطى، مع كل ما في إقليمها الشرق أوسطي من حضارات وثقافات وهويات وأسواق، وتتبادل معها المنافع . من هنا فإنّ النظام العربي المسؤول مطلوب منه أن يكون بقوته الجماعية شريكا في نظام إقليمي أوسع، والنظام الإقليمي بدوره ليس بديلا عن أي وضع للنظام العربي " .

وفي الواقع، يتنازع المنطقة وقادة الرأي فيها، فيما يتعلق بالاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، تياران : أولهما، يراهن على مصداقية الدعوات الأمريكية الداعية إلى احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة العربية ويرى في الضغوط الأمريكية مخرجا لبعض أزمات المنطقة، خاصة إيجاد الحلول لقضايا الصراع العربي – الإسرائيلي عامة، والصراع الفلسطيني – الإسرائيلي خاصة . وثانيهما، يرى ضرورة تعبئة الإرادة العربية الرسمية والشعبية لتدشين مواجهة ساخنة وحاسمة مع الولايات المتحدة الأمريكية،  مبررين ذلك بأنّ الأخيرة لا تستهدف فقط قوى التحرر الوطني،  بل أيضا وجود الدول العربية ذاته،  والتي يراها أنصار هذا التيار مجبرة على الانخراط في هذه المواجهة كمدخل قومي للخروج من الأزمة الراهنة .

ويعيب هذه الرؤية افتقارها للشفافية في معالجة الأسباب والجذور الحقيقية للأزمة العربية، ومن ثم افتقادها القدرة على تمكين الإرادة العربية من التعامل مع الاستراتيجية الأمريكية بصورة تضمن صيانة المصالح العربية العليا.  إذ أنّ الرؤية الموضوعية والواقعية تقتضي تجنب الانصياع الأعمى للإرادة الأمريكية وكذلك تجنب الدخول في مواجهة معها باعتبار أنّ الإقدام على أحد هذين الأمرين هو انتحار سياسي، الأمر الذي يقتضي حلا عربيا وسطا يمكّن الأمة من التعاطي مع الأخطار المحدقة بها ويقلل من أضرارها، من خلال الشروع في إصلاحات حقيقية تمكّن الشعوب من حماية حقوقها والمشاركة في تقرير مصير مستقبلها.

ومما لا شك فيه أنّ المشروع الأمريكي/الدولي قد يكون له أثر في تسريع التحول الديمقراطي في العالم العربي، ذلك أنّ أمريكا بمبادرتها رفعت الغطاء عمليا عن الأنظمة الاستبدادية في المنطقة بالطريقة نفسها التي رفع بها غورباتشوف الغطاء عن ديكتاتوريات أوروبا الشرقية والوسطى بانتهاج سياسة الانفتاح والتقارب مع الغرب .

ومهما كان الحال، لا يجوز الدفاع عن الأمر الواقع العربي الراهن الذي استنفد طاقة المجتمعات العربية وجعل منها بؤرة للطغيان والإرهاب والفساد، باختصار يدور الأمر حول وحدة معركة الحرية : استقلال الوطن وحرية المواطن والإنسان، التحرر من السيطرة الخارجية لا كبديل عن الحرية السياسية والثقافية وحقوق الإنسان بل كأفضل شرط لتحقيقها . فبكل بساطة لا يمكن للشعوب أن تدافع عن سلطات تجوّعها وتحاصرها وتساومها حتى على حقها في مناقشة الشؤون العامة .

  لا حل أمام هذا الخطر المحدق بالأمة إلا بتفكيك بنية الاستبداد في أغلب الحكومات العربية، وإجراء إصلاحات عميقة وحقيقية : ديموقراطية حقيقية، احترام كامل لحقوق الإنسان، منع الرشوة والمحسوبية والفساد، المساواة التامة بين المواطنين، المساواة التامة بين الرجل والمرأة، تعميم التعليم والمعرفة . وإذا ما فاتنا تحقيق هذا الإصلاح فلن يأتي البديل بيد " عمرو "، بل لا بديل إلا أن نرى أنفسنا وقد تردت أوضاعنا أكثر بكثير وازدادت اتساعا الهوة بيننا وبين العالم المعاصر .

ومن هذا المنطلق لا مناص من الاعتراف بأنّ تطورنا السياسي العربي مازال بعيدا جدا عن الديمقراطية،‏ وإذا كانت الإدارة الأمريكية قد ركزت على هذه القضية فلأنها أضعف ما فينا ونقطة الانكشاف القاتلة في تطورنا المعاصر وهو مالا ينفع فيه الإنكار أو الاستنكار‏ .‏ فالجميع يقول بذلك عربا وأجانب، ولا مناص من مناقشته باستقامة ونزاهة حتى نتعامل مع ما يثيره من قضايا الفكر والفعل بأنفسنا ولأنفسنا ‏.

لقد غدا مطلوبا استعادة خيار القوة، باعتباره خيار مركب من جملة إجراءات وتدابير تمس مجمل حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وخاصة ما يتعلق منها بإطلاق مبادرات المجتمع المدني، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية بفتح المجال لجميع القوى والتيارات الوطنية، بهدف إعادة صياغة المشروع الوطني والقومي على قاعدة ديمقراطية صلبة .

وفي الوقت نفسه، سيصبح ضروريا إعادة تحديد الأولويات ومراجعة الأهداف المزمع تحقيقها، ليتم التركيز على متطلبات الإصلاح السياسي وتكريس القواعد الديمقراطية وبناء المؤسسات الدستورية ومعالجة المشاكل المعيشية وتحديث الهياكل والبنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتحقيق التنمية والارتقاء بمستويات القدرة العربية على الانفتاح على العالم الخارجي والتعامل معها من موقع المساواة والشراكة، في ظل توجهات العولمة التي لم يعد هناك مجال لتجاهل آثارها على الأقطار العربية .

والأهم من ذلك، سيكون العمل على توفير القدرة العربية على التكيّف الإيجابي مع الأوضاع السياسية والاقتصادية والاستراتيجية الجديدة المحيطة بهم، على المستوى الإقليمي المباشر وعلى الصعيد العالمي الأشمل . وهذا لن يكون ممكنا إلا إذا تمكّن العرب، خلال المدى المتوسط، من صياغة استراتيجيات مشتركة تكفل لهم التعاطي المجدي مع التحديات والتهديدات المشتركة، وكذلك اقتناص الفرص المحتملة، بهدف تحقيق الحد الأدنى الممكن من أهدافهم وأولوياتهم ومصالحهم المشتركة .

تونس في 9/3/2005                       الدكتور عبدالله تركماني

                                        كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

(*) – ورقة قدمت في إطار مائدة مستديرة عقدتها الجامعة العربية الحرة للعلوم - تونس في 9 مارس/آذار 2005 .

 

 

 

 

 

لقد مثلت قضايا " الشرق الأوسط الكبير " محور محادثات القمة الأوروبية ـ الأمريكية في أواسط فبراير/شباط الماضي، وكانت المواقف وصيغ الحلول والصفقات المقترحة في شأنها " أرضية الصلح " بين الجانبين بعد خلافات العامين الماضيين جراء الحرب على العراق .  وثمة مخاوف من أن تكون هذه المصالحة عنوانا لصفقة أوروبية ـ أمريكية تنهي الخلافات الحادة بشأن المسألة العراقية وتفتح الباب لوفاق بين الكبار لتقسيم الغنائم وتبادل المصالح على حساب دول المنطقة التي تتعدد منافذ الضغط عليها‏،‏ سواء في العراق وفلسطين والسودان وسورية ولبنان، أو في إطار عناوين الإصلاح السياسي لنشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحماية حقوق الأقليات‏ في العديد من الأقطار العربية .‏لقد مثلت قضايا " الشرق الأوسط الكبير " محور محادثات القمة الأوروبية ـ الأمريكية في أواسط فبراير/شباط الماضي، وكانت المواقف وصيغ الحلول والصفقات المقترحة في شأنها " أرضية الصلح " بين الجانبين بعد خلافات العامين الماضيين جراء الحرب على العراق .  وثمة مخاوف من أن تكون هذه المصالحة عنوانا لصفقة أوروبية ـ أمريكية تنهي الخلافات الحادة بشأن المسألة العراقية وتفتح الباب لوفاق بين الكبار لتقسيم الغنائم وتبادل المصالح على حساب دول المنطقة التي تتعدد منافذ الضغط عليها‏،‏ سواء في العراق وفلسطين والسودان وسورية ولبنان، أو في إطار عناوين الإصلاح السياسي لنشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحماية حقوق الأقليات‏ في العديد من الأقطار العربية .‏لقد مثلت قضايا " الشرق الأوسط الكبير " محور محادثات القمة الأوروبية ـ الأمريكية في أواسط فبراير/شباط الماضي، وكانت المواقف وصيغ الحلول والصفقات المقترحة في شأنها " أرضية الصلح " بين الجانبين بعد خلافات العامين الماضيين جراء الحرب على العراق .  وثمة مخاوف من أن تكون هذه المصالحة عنوانا لصفقة أوروبية ـ أمريكية تنهي الخلافات الحادة بشأن المسألة العراقية وتفتح الباب لوفاق بين الكبار لتقسيم الغنائم وتبادل المصالح على حساب دول المنطقة التي تتعدد منافذ الضغط عليها‏،‏ سواء في العراق وفلسطين والسودان وسورية ولبنان، أو في إطار عناوين الإصلاح السياسي لنشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحماية حقوق الأقليات‏ في العديد من الأقطار العربية .‏لقد مثلت قضايا " الشرق الأوسط الكبير " محور محادثات القمة الأوروبية ـ الأمريكية في أواسط فبراير/شباط الماضي، وكانت المواقف وصيغ الحلول والصفقات المقترحة في شأنها " أرضية الصلح " بين الجانبين بعد خلافات العامين الماضيين جراء الحرب على العراق .  وثمة مخاوف من أن تكون هذه المصالحة عنوانا لصفقة أوروبية ـ أمريكية تنهي الخلافات الحادة بشأن المسألة العراقية وتفتح الباب لوفاق بين الكبار لتقسيم الغنائم وتبادل المصالح على حساب دول المنطقة التي تتعدد منافذ الضغط عليها‏،‏ سواء في العراق وفلسطين والسودان وسورية ولبنان، أو في إطار عناوين الإصلاح السياسي لنشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحماية حقوق الأقليات‏ في العديد من الأقطار العربية .‏وطبقا لما أشرنا إليه سابقا، ليس من المستبعد أن تكون خيوط التقارب بين المشروعين الأوسطي والمتوسطي أكثر من خيوط التباعد . وبالرغم من تميّز المبادرتين الأوروبيتين بالاتجاه نحو " العمل المشترك " والحرص على استبعاد " التوجه الأبوي "، فإنّ ما يربط بينهما وبين المشروع الأمريكي هو وجود اتفاق غربي حاسم على التغيير في الشرق الأوسط . مما يرجح احتمال صياغة مبادرة مشتركة لإنشاء " منظمة للأمن والتعاون في الشرق الأوسط " قريبة من صيغة " مؤتمر هلسنكي " في العام 1975 .متابعة لهذا البناء سعت الإدارة الأمريكية نحو توريط المجتمع الدولي في مناقشة وإقرار المشروع، وفتح الباب أمام احتمال " الوصاية الدولية " على المنطقة، حيث ورد فيه " يمثل الشرق الأوسط الكبير تحديا وفرصة فريدة للمجتمع الدولي " .وطبقا لما أشرنا إليه سابقا، ليس من المستبعد أن تكون خيوط التقارب بين المشروعين الأوسطي والمتوسطي أكثر من خيوط التباعد . وبالرغم من تميّز المبادرتين الأوروبيتين بالاتجاه نحو " العمل المشترك " والحرص على استبعاد " التوجه الأبوي "، فإنّ ما يربط بينهما وبين المشروع الأمريكي هو وجود اتفاق غربي حاسم على التغيير في الشرق الأوسط . مما يرجح احتمال صياغة مبادرة مشتركة لإنشاء " منظمة للأمن والتعاون في الشرق الأوسط " قريبة من صيغة " مؤتمر هلسنكي " في العام 1975 .

 

لقد مثلت قضايا " الشرق الأوسط الكبير " محور محادثات القمة الأوروبية ـ الأمريكية في أواسط فبراير/شباط الماضي، وكانت المواقف وصيغ الحلول والصفقات المقترحة في شأنها " أرضية الصلح " بين الجانبين بعد خلافات العامين الماضيين جراء الحرب على العراق .  وثمة مخاوف من أن تكون هذه المصالحة عنوانا لصفقة أوروبية ـ أمريكية تنهي الخلافات الحادة بشأن المسألة العراقية وتفتح الباب لوفاق بين الكبار لتقسيم الغنائم وتبادل المصالح على حساب دول المنطقة التي تتعدد منافذ الضغط عليها‏،‏ سواء في العراق وفلسطين والسودان وسورية ولبنان، أو في إطار عناوين الإصلاح السياسي لنشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحماية حقوق الأقليات‏ في العديد من الأقطار العربية .‏متابعة لهذا البناء سعت الإدارة الأمريكية نحو توريط المجتمع الدولي في مناقشة وإقرار المشروع، وفتح الباب أمام احتمال " الوصاية الدولية " على المنطقة، حيث ورد فيه " يمثل الشرق الأوسط الكبير تحديا وفرصة فريدة للمجتمع الدولي .خيوط التقارب بين المشروعين الأوسطي والمتوسطي أكثر من خيوط التباعد . وبالرغم من تميّز المبادرتين الأوروبيتين بالاتجاه نحو " العمل المشترك " والحرص على استبعاد " التوجه الأبوي "، فإنّ ما يربط بينهما وبين المشروع الأمريكي هو وجود اتفاق غربي حاسم على التغيير في الشرق الأوسط . مما يرجح احتمال صياغة مبادرة مشتركة لإنشاء " منظمة للأمن والتعاون في الشرق الأوسط " قريبة من صيغة " مؤتمر هلسنكي " في العام 1975 .
ومتابعة لهذا المشروع سعت الإدارة الأمريكية نحو توريط المجتمع الدولي في مناقشة وإقرار المشروع، وفتح الباب أمام احتمال " الوصاية الدولية " على المنطقة، حيث ورد فيه " يمثل الشرق الأوسط الكبير تحديا وفرصة فريدة للمجتمع الدولي . خيوط التقارب بين المشروعين الأوسطي والمتوسطي أكثر من خيوط التباعد . وبالرغم من تميّز المبادرتين الأوروبيتين بالاتجاه نحو " العمل المشترك " والحرص على استبعاد " التوجه الأبوي "، فإنّ ما يربط بينهما وبين المشروع الأمريكي هو وجود اتفاق غربي حاسم على التغيير في الشرق الأوسط . مما يرجح احتمال صياغة مبادرة مشتركة لإنشاء " منظمة للأمن والتعاون في الشرق الأوسط " قريبة من صيغة " مؤتمر هلسنكي " في العام 1975 .