لبنان على صفيح ساخن!؟

 

تعتبر تظاهرة الجموع الغفيرة في بيروت، والتي هبت تأييداً لسوريا اليوم 2005-03-08، علامة فارقة في التاريخ الحديث للبنان بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

 

فدلالات التظاهرة التي حشدت مئات الآلاف من أهل لبنان، تتجاوز هذه المرة صراعاً محدوداً على السلطة بين موالاة منتفعة ومعارضة منافسة لها لاهثة وراء بعض الأطماع، أو بين من يريد أن يقذف بالنفوذ السوري وكل ملحقاته إلى خارج لبنان وإلى الأبد، وبين من يستنصر به ويجده حاجة ملحة لاستمرار امتيازاته.

 

فقد ألقت التظاهرة التي خرجت في بيروت وهي تموج كيوم الحشر تساؤلات عديدة عن مصير لبنان، بل حتى عن ماهيته، ولا أشك للحظة أن أباطرة الساسة في لبنان سيتوقفون أمام دلالات تلك التظاهرة الملفتة للنظر طويلاً!

 

فلبنان صنّع خصيصاً لغير ما رأينا من مشهد، فقد راعت اتفاقية سايكس بيكو عند تقسيم لبنان وفصله عن محيطه الطبيعي سوريا،  مارونيّته بشكل واضح، حتى سمّت فرنسا راعية الانتداب في لبنان والأم الرؤوم للموارنة شرطاً نشازاً في الدستور، يحتم تمذهب مرشح الرئاسة بالمارونية حصراً، كما ادُّعِي آنذاك أنّ المسلمين هم أقلية في لبنان وبذلك منحوا دوراً هامشياً محدوداً فيه، حتى بات الموارنة يتصرفون ولعقود طويلة مع غيرهم وكأنهم أصحاب الدار والبقية أغراب عنها، وأنّهم ورثة الانتداب الذي مكنّهم من كافة أجهزة الدولة الحساسة، وكان على كل من أراد حصة أو نصيبا في هذا البلد أن يتزلف إلى أرباب هذه الطائفة، أو يصيبه التهميش والتشكيك بأهليته، فيفقد حقه بأن يكون من أهل السياسة والرياسة فيه.

 

وما زلت أذكر في نقاش مفتوح في تلفزيون ال ب س على الهواء قول أحد النواب الموارنة حين نوقش موضوع التعديل الطائفي للتركيبة السياسية إضافة إلى قضية التجنيس في لبنان موضحاً "إن إلغاء شرط مارونية الرئاسة وامتيازات الموارنة ومنح الجنسية اعتباطاً يعني تغييب المسحة المارونية في لبنان وبالتالي إلغاء لبنان الذي صنع على هذا الأساس".

 

ولعلّ إحدى أهم دلالات ما حصل اليوم، هو إبراز لبنان آخر غير المتوارث والمألوف، في صورة مقلقة بلا شك لفئة تعتبر أن البلد لبنانها هي! في الوقت الذي يقف فيه السيد حسن نصر الله في ساحة رياض الصلح يخطب بتظاهرة بلغت المليون وستمائة ألف حسب إحصائيات المنظمين لها، وهو يبسمل ويحمد الله، لابساً العمة السوداء مخاطباً تلك الحشود برسالة مفادها: لا لفرنسا ومن يستند إليها، ولا لمن يطمع بإعادة انتدابها إلى لبنان. بل ويفرض بقوة الإرادة الشعبية والجماهير الغفيرة مشيراً إلى أن الوقت قد آن لتطبيق كل اتفاقية الطائف بكل تفصيلاتها ملمحاً إلى إلغاء الطائفية السياسية مما يعني إلغاء امتيازات الموارنة، الطفل المدلل لدى فرنسا.

 

لا شكّ أن هذه الصورة ستقرع بشدة كل أجراس الخطر لدى كافة قوى الموارنة في لبنان، وهو ما سيجعلهم يحولقون طويلاً أمام هذا المشهد، الذي سيحارون معه كيف يردون اعتبارهم بعد أن باتوا أقلية واضحة، والذي عجز ساساتهم عن التعليق عليه بشيء ذي قيمة عند محاورتهم على الهواء لعظم الأمر على نفوسهم.

 

من المفيد بمكان إدراك أن صراع الطوائف في لبنان  لم يكن يوماً من أجل الوطن كما يدعي أغلبهم، إنما كان من أجل الحفاظ على مصالح الطائفة ومستحقاتها من كعكة الدولة ومميزاتها، لذلك فإن التظاهرة الأخيرة تلقي بعلامات استفهام كثيرة على مستقبل لبنان! وتدندن بمعزوفة لا يمكن تجاهلها، عمّا إذا كان ما زال الوضع المرسوم دستورياً بأيدي فرنسا قبيل الحرب العالمية الثانية، أيصلح لإنفاذه بعد في أرض الواقع!؟

 

وأشد ما سيحدد طبيعة مستقبل لبنان في الفترة المقبلة هو تلك القوى الدولية المتصارعة فيه وعليه وعلى المنطقة وعلى الشرق الأوسط الصغير منه والكبير، والتي تتنافس في لبنان من خلال رجالاتها والقوى الممالئة لها، مما سيبقي الساحة ساخنة ومفتوحة على مصراعيها أمام كثيرٍ من الاحتمالات.

 

 ففي لبنان هناك رجالات لإسرائيل، وآخرون معروفون لفرنسا، كما أن هناك من ورث ارتباطه ببريطانيا كابراً عن كابرٍ، ولا ننسى بالطبع الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة النفوذ الأقوى فيه، والمتجسد بالسلطة الرسمية ورجالاتها، بالإضافة طبعاً إلى الملاينة الواضحة والضمانات الاسترضائية الكثيرة والأكيدة من قبل النظام في سوريا صاحب النفوذ الأمني والسياسي الأكثر فاعلية على الأرض في لبنان.

 

 ولذلك فإننا نستطيع أن ندرك أبعاد الصراع الدولي القائم في لبنان متجسداً بين أوروبا مشهراً بعنوان هو فرنسا، وعلى الطرف الآخر أمريكا، تلعب بينهما إسرائيل بما يناسب مصالحها. ذلك هو خلفية الصراع الفئوي الحاد في لبنان، والذي تغذيه حثيثاً تحركات سياسية مكثفة ودوائر استخباراتية تابعة لتلك الدول.

 

والخلاصة أن أمريكا وفرنسا على غير وفاقٍ بشأن لبنان كما هو الحال في العراق وفي مناطق أخرى في العالم عكس ما تصرحان به وتدعيانه على الملأ، حيث لا يعدو ذلك عن مزايداتٍ إعلامية واحتواء ديبلوماسي لا أكثر، ففرنسا العجوز باتت نداً شرساً لأمريكا الفتية،  والتي سجلت بفتوتها على ما يظهر إلى الآن نقاطاً جديدة لصالحها على أوروبا القديمة المهترئة بعد تلك التظاهرة.

 

 على كل، وإن كان يظهر أن الوضع قد حسم لدرجة كبيرة لصالح استقرار النفوذ الأمريكي في لبنان، حيث تخطط الولايات المتحدة لتسير في عملية التسوية الشرق أوسطية بحسب مخططاتها ووفق ما يحقق مصالحها، إلا أن هذا لا يمنع إنكلترا الماكرة وفرنسا العنيدة وحليفتهما إسرائيل اللعوب من إعداد مفاجآت غير متوقعة، لترد اعتبارها ولتفرض على أمريكا الاستمرار في التوافق الأوروبي الأمريكي الذي سارت فيه أمريكا خطوات قدماً مؤخرا بعد غرقها في المستنقع العراقي، ولكنها لم تتمه بعد، والذي يهدد انهياره أكثر بكثير مما يبشر بوئامه وتمامه فضلاً عن استمراره.         حسن الحسن         2005-03-09              a_l_hasan@yahoo.dk