سياستنا المبدئية مستمرة ....

حسيبة عبد الرحمن

 

 

جرت العادة  في  محاكمات أمن الدولة _ دمشق_ أن نقف منذ الصباح  أمام المحكمة  إلى حين انتهاء الجلسة، هذا ما فعلناه في جلسة الحكم (6_3_2005) للطالبين مهند الدبس ومحمد عرب ( أوقفا بتاريخ 24_4_2004 )مع جرعة تفاؤل بأن تكتفي المحكمة بمدة التوقيف وهذا التفاؤل أتى بناء على التطورات الداخلية، الإقليمية والدولية لكن الحكم الذي صدر بثلاث سنوات سجن لكل منهما تجاوز التوقعات، ولن أخفي أنني لم أتفاجأ بالحكم وبالأحرى كنت أتوقعه من المحكمة التي  تحكم منذ إنشائها  وفق ارادات الأجهزة الأمنية السورية ومن يعرف آلية تفكير الأجهزة يتوقع منها هكذا حكم، لطالما تصرفت تلك الأجهزة وفق معايير ريفية وبداوة بدل التعامل على أرضية أنهم جزء من دولة لها مؤسساتها وسياساتها لكن الأجهزة الأمنية الآن كما في الماضي تريد أن تثبت  أنها لا تخشى ضغط العامل الخارجي وعلى وجه التحديد ما يتعلق بالداخل السوري بدل التعاطي مع التهديدات الخارجية بانفتاح ديمقراطي نحو جميع  قوى المعارضة من إسلامية وقومية وماركسية وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين  إلى بقية المطالب لتتعزز الداخل  في وجه الضغط الخارجي  الذي تشكو السلطة السورية دائماً منه ، ردت الأجهزة  تلك بورقة الحكم ضد الطالبين واللذين اعترضا على قانون كف يد الدولة  عن توظيف خريجي كلية الهندسة_ أحد أشكال الخصخصة _ لتقول الأجهزة الأمنية  أنها ما تزال الأقوى في الساحة الداخلية وهي صاحبة القرار  وأن ما حصل وما يجري حولها لا يعنيها وما عليها إلا التنازل للخارج عوضاً عن  التوجه للداخل ودفع استحقاقات المرحلة بما يتعلق بالديمقراطية  _سياسة النعامة التي تدفن رأسها في الأرض كي لا ترى  عن قصد !!!.

وهكذا صدر الحكم  وخيبة وحزن في الوجوه فجره بكاء ريما أخت محمد عرب بصوت عال ودموع صامتة  في عيون منال زوجة مهند،

وتحولت كلمات التهدئة لكلتيهما إلى غناء بصوت عال_ ما كنت وقفت بشباك الزنزانة وغنيت لها يمي العسكر بيني وبينك لو طولت بيعلى جبينك_الأغنية التي طالما رددناها نحن جيل المعتقلين فترة الثمانينات من القرن الماضي، أردفت بأغنية الشيخ إمام شيد قصورك وفرد كلابك في الشوارع الخ…وتدخلت الشرطة وفصلت المتضامنين مع الطالبين بالقوة إلى شطرين كل في مكان عندئذ  رفع شابان العلم السوري مع الغناء وارتفعت الأصوات بترديد الشعارات ضد الاستبداد وضد محكمة أمن الدولة والمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ورفع قانون الطوارئ والأحكام العرفية،  وقررنا المضي احتجاجاً على الحكم الجائر بحق الشابين إلى مجلس الشعب، قبل أن نصل وصلت الشرطة  بدروعها وأعدادها التي تفوق أربع أو خمس مرات أعدادنا_ طلبة، نشطاء سياسيون وحقوق إنسان ومناهضو العولمة،وكتاب _ تجمعت قوى الأمن الداخلي وحصرتنا على الرصيف من كل الجهات مع "الدفش " وطلبنا دخول وفد إلى مجلس الشعب، كان جوابهم هاتوا ورقة مكتوبة، تابعنا الاحتجاج في الجلوس على الأرض ثم تفرقتا وسط شتائم المخابرات لكل منا وعيونهم تقدح شرراً وتتوعدنا وكأنا نحن من ينتهك الأمن القومي ومصالح الأمة العليا الحريصين عليها طالما يستنزفون ثروات الأمة  وينتهكون كرامة الشعب الذي هو الجزء الأساسي من الأمة الحريصين على مصالحها العليا_ مصالحهم  البيروقراطية في النهب والفساد والإفساد الخ _ إلقاء التهم علينا وكأننا نحن نهرب الأموال المنهوبة إلى الخارج ولا نعيدها ولو على شكل استثمارات لتخفيف البطالة وإعادة العمال السوريين الذين يضربون كل يوم في لبنان من أجل لقمة العيش التي سرقها من فمهم النهب المستمر لثروات وموارد البلاد.

وإذا سألنا السؤال التالي : لماذا الحكم على الطلاب بثلاث سنوات؟ وما الحكمة من ذلك ؟ هل الخوف من اتساع المعارضة وبالتالي قائمة المطالب التي على السلطة أن تدفعها عاجلاً أم آجلاً ؟ أم أنها تريد أن ترسل رسالة إلى المعارضة السورية أولاً ومن ثم الحركة الطلابية أن السلطة  لم تتغير ولن تغير أساليب عملها باستخدام أجهزة الأمن في التعامل مع الداخل السوري بفعالياته وقواه المختلفة ، وأنها لن تسمح بأي نشاط مهما كان نوعه خارج إطارها مما يزيد من حالة التوتر الذي لا يزال كامناً في المجتمع السوري وقواه السياسية وأخيراً هي محاولة تأديب للحركة الطلابية  باعتبارها أحد أهم القطاعات في الحراك المجتمعي الذي تريد السلطة اجتثاثه وهو في الطور البدائي، رسائل تخويف لا أدري إلى متى تستطيع السلطة  النجاح بها !!!