بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الرئيس

هذا ... أو الطوفان

أخاطبك لأنك ستحمل وحدك المسؤولية فيما ستقود إليه قومك وأمتك من تحرير , أو دمار , ولأنك صرحت بالأمس أن سورية تعاني من الضغوط الأمريكية ماكان يعانيه الرئيس صدام والنظام العراقي قبل غزو العراق

ولعل الكلام يكون شديد اللهجة , لا يتناسب مع مقام الرئاسة , لكن كما يقول المثل : أخاك من صدَقك لا من صدّقك

والأمة والشعب جميعاً يحسون بما تحس به , وأمامك طريقان لا ثالث لهما

الأول : الطوفان , وهو الطريق الذي اختاره الرئيس العراقي , ورضي أن يبقى مع نظامه وحزبه يحمل المسؤولية وحده , وأحرى انتخابات تشريعية , وكانت المعجزة الخالدة أن النتائج بلغت مائة في المائة , ولأول مرة في تاريخ العراق , وكانت النتيجة : الدمار الذي حل بالأمة , والكارثة التي نزلت بالعرب والمسلمين , والمجازر التي تجاوزت المائة ألف قتيل عراقي كما ذكرت بعض الصحف الأجنبية  , والهزيمة المعنوية التي حلت بعامة الأمة , ثم استسلام معظم الحكام للنظام الأمريكي , يتسابقون في تقديم الولاء له حفاظاً على عروشهم , ثم البؤس والمعاناة لشعبنا العراقي الشقيق , الذي لم يذق مثله منذ قرون .

هذا هو الطوفان

واختيارك يا سيادة الرئيس هذا الطريق أن تبقى أنت وحزبك ونظامك ؛ الحزب القائد الرائد , قائد الأمة والشعب , وتستطيع أجهزة أمنك أن تحشد بين يديك مئات الألوف تهتف لك , وتنادي بالروح بالدم نفديك يا بشار , بالروح بالدم نفديك يا بعث , وبذلك تختار طريق سلفك السابق , وتستطيع أن تقوم باستفتاء شعبي تفوق نتائجه المائة بالمائة , وتحمل نتيجة إغراق الأمة في بحر من الدماء والخراب والموت , ومن حولك يزينون لك هذا الطريق للحفاظ على مراكزهم وثرواتهم , وتحكمهم في رقاب شعبهم , وأقواته وممتلكاته وهذا هو الرأي الأوحد الذي ليس معه رأي آخر , والذي يقول غير هذا الكلام هو خائن وعميل , بتعاون مع الأجنبي ضد وطنه , المهم أن الحق هو ماتراه ويراه نظامك , وقادة أجهزة أمنك , والزبانية الذين حولك

" قال فرعون : ما أريكم إلا ما أرى , وما أهديكم إلا سبيل الرشاد "

هذا هو الطوفان يا سيادة الرئيس , وستحمل وحدك مصير هذه الأمة كما فعل سلفك من قبل

أما الطريق الآخر , فكم أتمنى أن تصيخ له , وتسمع له بضميرك ووجدانك . وشعورك بالخطر الداهم الذي يجثم بالأمة , هو ببساطة أن تستمع إلى الرأي الآخر الذي أعلنت عنه في خطاب ولايتك للرئاسة .

الذي يمثل الرأي الآخر , ويمثل فصائل الشعب السوري هو هذه الأصوات المتناثرة المرتفعة في كل مكان داخل الوطن وخارجه تقول لك : لا بملء فيها للنظام الجائر الجاثم على صدر سورية منذ عقود .

أتحدث ابتداء عن التيارات الكبرى التي تتوزع الأمة – خارج تيار حزب البعث , والجبهة التقدمية – فالأمة عملياً منقسمة إلى خمسة تيارات كبرى على الساحة

1-      التيار الإسلامي : ويمثله الإخوان المسلمون , وحزب التحرير فيمن يسمى بالإسلام السياسي , ويمثله علماء الأمة ومفكروها الإسلاميون ( تيار المحافظين والإصلاحيين كما يحلو للدكتور حبش أن يسميه) وكبار رجالها الدعاة العاملين في الخقل العلمي والفكري في كل أرجاء الوطن وخارجه , ويجمعهم جميعاً إيمانهم بالإسلام طريقاً للتغيير والإصلاح , وثقتهم بشريعة الله الخالدة , التي تصلح الفساد , وتقوم المعوج , مع الاستفادة من كل معطيات الفكر الإنساني والثقافي , وأساليب التجديد في المجالات الاقتصادية والعلمية والسياسية , والتي لا تتعارض مع مقاصد الشريعة , التي تجعل سعادة الإنسان في دنياه وآخرته هدفها الأول , وأزعم أنهم يمثلون أكثرية الأمة .

2-      التيار الليبرالي العلماني : وهو منبث في صفوف الكثير من دعاة الوطنية والقومية ويرى الليبرالية – كنظام اقتصادي – والعلمانية – كناظم سياسي- يتمثل فيه فصل الدين عن الدولة هو المنقذ للأمة من جراحاتها , والخلوص بذلك من أزماتها الاقتصادية والسياسية والإدارية , وهم منبثون كذلك داخل الوطن وخارجه .

3-      التيار الشيوعي الاشتراكي : وهو الذي لا يزال يعيش في طروحاته القرن الماضي رغم إفلاس الشيوعية العلمية كما يسمونها , وانهيار معسكرها العالمي المتمثل بالاتحاد السوفيتي سابقاً

4-      التيار القومي الوطني الاشتراكي : وهو الذي يلتقي بطروحاته مع كثير من طروحات التيارين السابقين , وضاع في متاهات الأفكار القديمة والجديدة .

5-       التيار الكردي , والذي برز نداً للتيار القومي العربي , والذي لا يقوم على أساس فكري بمقدار مايقوم على أساس عرقي , بغض النظر عن انتماءاته الفكرية , ويريد أن يكون جزءاً من نسيج هذا الوطن , وشريكاً في قراره , بحجم وزنه العددي

هذه التيارات الخمسة ممثلة يا سيادة الرئيس في بعض الأحزاب والمؤسسات والشخصيات , ويمكن أن نشير إليها كما يلي :

1-      الإخوان المسلمون الذين حملوا راية المعارضة للحزب الحاكم منذ أربعين عاماً , ومروا بمراحل من القمع والاضطهاد , والإبادة , حيث تمثل ذروة في ذلك في القانون 49 الذي يحكم بالموت على كل من ينتمي إليهم , وقد حملتهم الدولة زوراً وبهتاناً وزر الثورة المسلحة كلها , وأنزلت مجازرها الكبرى في تدمر , والإبادة الجماعية لعشرات الألوف من أبنائها .

وقد تمثل هذا التيار واضحاً جلياً , بعيدا ‘ن العنف من خلال مشروع الميثاق الذي طرحه كقواعد للتعامل السياسي بين أبناء الشعب جميعاً , ومن خلال المشروع السياسي الذي تقدم به للشعب منذ شهرين تقريباً , والذي يدعو إلى إقامة الدولة الحديثة بمواصفاتها التعددية والتداولية , والمؤسساتية , والاحتكام إلى صناديق الاقتراع , ويطرح الإسلام قاعدة يقوم عليها بناء الإصلاح والتغيير من خلال فقه العصر , ومعطيات الفكر الإنساني المتجدد .

2-      علماء الأمة ومفكروها الإسلاميون الذين يقودون الجماهير من خلال المساجد , ويمثلون توعيتها من خلال الإيمان , ولهم امتدادات على المستوى العالمي فيما يملكون من رصيد ثقافي وفكري إسلامي ويعيش أكثرهم داخل الوطن حيث تتمثل الصحوة الإسلامية فيهم وهم يملؤون كل فج .

3-      وفي المجال النسوي فالقبيسيات ومن وراءهن من الداعيات اللاتي يقدن تيار المرأة المسلمة المعاصرة في هذا العصر , إضافة إلى كل شخصيات وناشطات المجتمع النسوية المنبثة في كل مكان ليكون للمرأة دورها المشارك في الحياة السياسية القادمة .

4-      الموقعون على وثيقة الألف , والتي مثلت نوعيات مختلفة تطالب بإصلاحات أصبحت فيما بعد محل إجماع الشعب فهم ليسوا حزباً محدداً بمقدار ما هم مواطنون يمثلون كل أطياف المجتمع , وهم قادة شعبيون سياسيون , وأعلام فكرية في كل قطاعات المجتمع .

5-      التجمع الوطني الديمقراطي : المتمثل بمجموعة أحزاب قومية ووطنية واشتراكية , ويحملون إيدلوجيات مختلفة تنادي بالإصلاح والتغيير , والانتقال من الحكم الفردي الدكتاتوري الشمولي إلى الحكم الديمقراطي الدستوري العريق , والذين شاركوا في المعارضة طيلة حكم الحزب الواحد , مع بقية أبناء الشعب .

6-      دعاة المجتمع المدني وحقوق الإنسان الذين لم يتراجعوا عن مطالبهم , وعن الدعوة إلى الحرية وإزالة المظالم القائمة , وإقامة مؤسسات المجتمع المدني التي تنتقل بسورية من حكم الفرد إلى دولة يحكمها الشعب بكل أطيافه , وبينهم المعتقلون العشر الذين أطلق عليهم سجناء الرأي , وفيهم نواب سابقون , وأساتذة جامعيون , وخبراء اقتصاديون .

7-      مجموعة الميثاق الوطني التي التقت في لندن , ووقعت على هذا الميثاق والتي تمثل نخبة مفكرة تحمل معظم تيارات المجتمع السوري وأطيافه .

8-       الأكراد والذين بمثلون شريحة تفوق المليون شخص , والذين وقع عليهم الكثير من الاضطهاد خلال الحقبة الماضية وإلى اليوم , ممثلين ببضعة أحزاب مختلفة في الجزئيات ملتقية على الكليات والمطالب الرئيسية , في رفع الحيف عنهم , ومشاركتهم في القرار السياسي .

9-      حزب الإصلاح , والتجمع الذي قاده الغادري , والذين يدعون إلى تحرير سورية في خط يختلف عن بقية المعارضة , ولكنهم شريحة من هذا الشعب العريق

10-          الشخصيات الفكرية والسياسية والاقتصادية والعلمية المنبثة في كل أنحاء العالم داخل الوطن وخارجه

مؤتمر وطني شامل

أدعوك يا سيادة الرئيس إلى أن تقوم بشخصك كرئيس للجمهورية العربية السورية لا كقائد حزبي إلى دعوة ممثلين عن هذه التجمعات والأحزاب يقومون هم بأنفسهم باختيارهم , إضافة إلى دعوة الشخصيات التي تحدثنا عنها , ومشاركة معتقلي الرأي كذلك إلى حضور مؤتمر  في عاصمة وطنهم دمشق , وليكن مؤتمر المائة على سبيل المثال , إضافة إلى ثلاثين يمثلون تيار السلطة الحاكمة , يتحمل هؤلاء جميعاً وهم العاملون في الحقل السياسي والإنساني السوري مسؤوليتهم تجاه وطنهم , ويتحاورون في الحلول العملية لهموم شعبهم الداخلية والخارجية , ويصدرون عن مقررات عملية لإعادة الديمقراطية إلى شعبنا المضطهد , من خلال انتخابات شرعية نزيهة تشرف عليها مؤسسات الأمم المتحدة , والدول الصديقة لا أن تكون في ظل الحراب الأمريكية كما جرى في العراق .

وتسد المنافذ على أي تدخل أجنبي بحجة هذه الذريعة , ويقرر الشعب مصيره كما يريد , ويكون الحزب جزءاً من هذا النسيج , وتلغى المادة التاسعة من الدستور التي تجعل الحزب قائدا ًللدولة والمجتمع, وتلغى قوانين الطوارئ , والقوانين الاستثنائية , ويعمل بالدستور المؤقت للجمهورية العربية السورية ريثما تقوم الهيئة التأسيسية بوضع دستور دائم , والإشراف على انتخابات تشريعية , وانبثاق حكومة تمثل كل شرائح الشعب السوري

وبذلك نضمن سلامة الوطن , وسلامة الشعب ويكون الشعب كله لحمة واحدة في مواجهة أي عدوان خارجي .

هذه هو الطريق الآخر الذي ندعوك إليه يا سيادة الرئيس , لا طريق الطوفان , والسعيد من اتعظ بغيره , والشقي من اتعظ بنفسه , وما أمر العراق بسر , والزمن لا يرحم .

                                                               وهذا .... أو الطوفان

د.منير غضبان

باحث إسلامي سوري