المخرج السوري من المأزق السوري.......

علي الشهابي

 

لاشك في أن سوريا ستنسحب من لبنان بفعل الضغوط الدولية، مهما حاولت تمويه ذلك. فقد مثّل اغتيال الحريري "ضربة معلم" ليس ضد الوجود السوري في لبنان فحسب، بل ضد استقرار سوريا ككل. ولأن هذا الموضوع بهذه الأهمية، ولأن التعامل الرسمي معه يتسم إلى الآن بالخراقة، فلابد من تعديله حتى يتم التعامل مع هذه الضغوط بشكل عقلاني لإخراج سوريا من المأزق الذي باتت فيه جرّاء وجودها في لبنان. وهذا التعديل يتطلب فعلاً تتكامل فيه السياسة الخارجية والداخلية.

على الصعيد الخارجي:

لابد أن ينسحب الجيش السوري من لبنان فوراً، سواء كان هذا الانسحاب لصالح اللبنانيين فعلاً أو ضد مصلحتهم. فقطاع واسع منهم يريد هذا الانسحاب، والأمريكيون والأوروبيون يريدونه، فليتحمل كل هؤلاء مسؤولية ما يريدون. فسوريا ليست أحرص من اللبنانيين على مصلحتهم، بغض النظر عن كيفية رؤيتهم لها، كما أنها ليست أحرص من المجتمع الدولي على استقرار لبنان. وحتى لو كانت أحرص، فهي أعجز من تحقيق هذه المصلحة وذاك الاستقرار في ظل رفضهم لدورها فيه.

هذا هو جوهر الموضوع، والسلطة السورية تعلمه علم اليقين، لكنها تتعامل معه بطريقة خاطئة لأنها تريد أن تبدو كأنها تتصرف بمعزل عن هذه الحقائق ـ الضغوط. فنراها تقول بأنها تسحب جزءاً من قواتها تنفيذاً لاتفاق الطائف، وأنها ستعرض موضوع انسحابها على مؤتمر القمة العربية القادم لأنها دخلت لبنان بقرار عربي، إلى آخر هذه الذرائع. لسنا ضد هذه الذرائع لو أنها تخدم في تغيير حقيقة اضطرارها للانسحاب في ذهن أيٍ كان، لكنها لا تخدم بل تسئ. إنها تسئ لأنها تؤخر الانسحاب، فمع كل يوم يمر على وجود الجيش السوري في لبنان يزداد الوضع السوري سوءاً في لبنان وسوريا معاً. كيف؟

لقد أعلن وزير الخارجية السوري في 27 شباط 2005 أنه "ليس لدى سوريا أية شروط للانسحاب من لبنان"، وهذا الموقف صحيح فعلاً ولا ينقصه إلا التنفيذ الفوري لتفويت الفرصة على الأمريكيين. لقد طالب الأمريكيون والأوروبيون، أثناء جولة بوش الأوروبية، بضرورة انسحاب الجيش السوري من لبنان. وكان يجب أن تنسحب فوراً لتفويت الفرصة على مطالبتها لاحقاً بتنفيذ القرار 1559، أي على مطالبتها بضرورة "دعم الجيش اللبناني في تجريد الميليشيات اللبنانية من أسلحتها قبل الانسحاب". الأمر الذي يضعها إما أمام المواجهة مع حزب الله ولهذا تبعاته، وإما أمام تحدي إرادة المجتمع الدولي ولهذا تبعاته. وقد بدأ الأمريكيون يطالبون بتنفيذ القرار 1559 حرفياً، أما الأوروبيون فما زالوا إلى الآن يطالبون فقط بالانسحاب. وعلى سوريا الاستفادة من عامل الزمن للانسحاب، قبل أن تجد نفسها وجهاً لوجه أمام توحد الأوروبيين والأمريكيين خلف القرار المذكور.

فتصريح وزير الخارجية الآنف صحيح بالمطلق لأنه يعني أن لبنان ليس رهينة بيد سوريا، مستعدة للإفراج عنه مقابل كذا وكذا. وحبذا لو انسحب الجيش السوري قبل ذلك، لأنه كان سيخرج سوريا من ورطتها الحالية ويخدم في مواصلة هجومها السلمي على إسرائيل بمحاولة إمساك شارون من لسانه عندما صرّح بأنه "على استعداد لمواصلة الحوار مع سوريا في حال انسحابها من لبنان". فقد كان يمكن لسوريا أن تتذرع بالقول "إن من بين أسباب وجود الجيش السوري في لبنان حماية سوريا من أي هجوم إسرائيلي عليها من حدودها مع لبنان، ولكن بما أن شارون يقول كذا فإننا ننسحب من لبنان للتفاوض مع إسرائيل على السلام، طالما أن المفاوضات خير طريق لإنهاء الحرب، وبالتالي لإنهاء التدابير الاحترازية لها". على كل حال لم يفت الوقت للانسحاب، وهو اليوم أفضل من الغد وغداً أفضل من بعد غد. ولكن ليس إلى نهاية السلسلة، لأن التأجيل كارثة سيتحمل وزرها المجتمع السوري ككل.

يظل هناك احتمال أن تكون سوريا قد دفعت الحكومة اللبنانية إلى الاستقالة لتتشكل حكومة انتقالية تقوم تحت ضغط المعارضة اللبنانية بمطالبة سوريا بالانسحاب كي تنسحب. وهذا تكتيك سياسي ممتاز لأنه يخرج سوريا من لبنان، وهذا هو المهم والأهم. وهنا برز شرك مغرٍ لسوريا ينبغي ألاّ تقع فيه، وهذا الشرك فرضه واقع الحال في لبنان بعد استقالة الحكومة.

فقد بدأت المعارضة اللبنانية تتكلم عن تشكيل حكومة مؤقتة تتلخص مهمتها الفعلية، أي بعد تجريدها من الخطابة عن اغتيال الحريري، بإدارة شؤون البلاد حتى إجراء الانتخابات. مما يعني أنها لا تمتلك صلاحيات مطالبة الجيش السوري بالانسحاب. وهذا شرك مغرٍ لسوريا قد تقع فيه لأنها يمكن أن يحلو لها أن تفكر بالانسحاب من لبنان عبر مفاوضات مع حكومة شرعية. وبهذا تتصور أنها تخرج من لبنان بشكل يحفظ لها ماء الوجه شكلياً، فطالما أنها دخلت إلى لبنان بطلب من حكومة شرعية ستخرج منه بطلب من حكومة شرعية. ومما يعزز من إمكانية وقوعها فيه تقارب موعدي الانتخابات اللبنانية ومؤتمر القمة العربي.

ليس مهماً بالنسبة لسوريا رأي المعارضة اللبنانية في هذا المجال قط، بل المهم الموقف الأمريكي. فالمعارضة اللبنانية ليست من يهدد استقرار سوريا، بل الولايات المتحدة. والولايات المتحدة لا تأبه بمواقف هذه المعارضة، وبالتالي لا قيمة عندها لأي اتفاق تعقده سوريا مع أي طرف لبناني لأن لها إيجندتها الخاصة في المنطقة. ولتفويت الفرصة عليها، يجب أن تنسحب سوريا.

ولكن "لماذا أخذت المعارضة تطرح هذا الطرح"؟ بديهي ليس للإيقاع بسوريا. فالهم الرئيسي لهذه المعارضة يتلخص في الخلاص من الوجود السوري في لبنان، لكنها بدأت تطرحه لشعورها بهزالها النسبي في الساحة اللبنانية ككل. فوجود حكومة كرامي كان بمثابة الجدار الذي تقوى بمناطحته، عبر حديثها عن اغتيال الحريري وضرورة التحقيق، وعن الاحتلال السوري وضرورة الاستقلال..إلخ. أما بعد زوال هذه الحكومة فانتهت فاعلية هذه الخطابة، وبذلك وجدت نفسها في فراغ سياسي مفاجئ غير قادرة على ملئه.

لقد وجدت نفسها وجهاً لوجه أمام حقيقتها، مجرد طرف رئيسي غير موحد بين أطراف لبنانية أخرى لا تؤيدها، وبعضها يعاديها. وبعض هذه الأطراف أكثر منها عدداً ووحدة وقوة وتماسكاً وتنظيماً. لن أتحدث عن حزب الله، ولا عن قدرتها على السيطرة على بيروت وحدها، بل ماذا تستطيع هذه المعارضة أن تفعل على الأقل مع جماهير طرابلس التي خرجت إلى الشارع فور استقالة حكومة كرامي؟

فالوجود السوري في لبنان هو الملاط الرابط للمعارضة، لأن المطالبة بخروجه هي القاسم المشترك بين أطرافها. ليس هذا فحسب، بل إن الأزمة الحالية كشفت عما هو أمر وأدهى، كشفت أن الوجود السوري بات يمثل أكبر نقطة ضعف سياسي لمؤيدي سوريا في لبنان، ولكل معارضي المعارضة. إذ لم يجرؤ أحد منهم على الدفاع عن وجودها فيه، ولا حتى سوريا نفسها تجرأت.

فالانسحاب الفوري من لبنان، بغض النظر عن مهمة وصلاحيات الحكومة الانتقالية، في ظل هذه التيارات السياسية المتعاكسة فيه، والتي محصلة قواها الداخلية ليست في صالح المعارضة، وفي ظل المأزق المستعصي على المدى المنظور لتحقيق حد أدنى من الانسجام والتناغم بين الأطراف السياسية اللبنانية المتناقضة، من ميشيل عون إلى حسن نصر الله، هذا الانسحاب كفيل بإرباك القوى التي تربك سوريا الآن في لبنان. فلتنسحب سوريا فوراً، وليتفضل من لا يرتبك ليحل محلها!

من الواضح أن ضرورة انسحاب سوريا من لبنان ليست ناجمة عن فعل موازين لبنانية داخلية ـ ولهذا عليها ألا تأبه بما يحدث من اتفاقات تسوية بين اللبنانيين، ناهيك عن أن تبرم هي أي اتفاق يؤجل خروجها ـ بل تنجم من ضرورة العمل على تجنب العواقب الأمريكية. وفي سياق إدراك هذه الضرورة أعلن الرئيس السوري "إن الولايات المتحدة تضغط على سوريا بنفس الطريقة التي كانت تضغط بها على العراق قبل غزوه". فلنتوقف قليلاً عند هذا الإدراك ـ الحقيقة.

إن إدراك هذه الحقيقة في غاية الأهمية، والجرأة على الاعتراف بها ليست أقل أهمية. لكن الأهم بما لا يقاس ألاّ يتعامل النظام السوري مع هذه الضغوط بالطريقة التي تعامل بها نظام صدام. فالشكل البارز لتعامله إلى الآن يذكّر بآلية تعامل نظام صدام مع القرارات الدولية: كلما كانت الولايات المتحدة تطالبه بطلب، كان يرتبك قليلاً ويتلكأ ثم يتجاوب معها ضمن الحدود الدنيا، ليتجاوب بعدها تجاوباً تاماً وكاملاً. وبهذا كان يمهد الطريق أمام الغزو وهو يظن أنه يحاول أن يتفاداه، لأنه كان يتصرف أولاً تحت الضغط فقط وثانياً ضمن الحدود والآلية التي ترسمهما له. وكي لا يتكرر السيناريو العراقي في سوريا، أي حتى نخرج من إطار الحدود التي ترسمها الولايات المتحدة لفعلنا ورد فعلنا، على السلطة عندنا أن تبادر إلى التعامل مع هذه الدربكة الأمريكية بطريقة تخرج سوريا من هذه الآلية.

وهذه المبادرة تبدأ بسياسة خارجية تباشر بالانسحاب الفوري من لبنان وترك مجريات الأمور فيه للبنانيين. إن انضبطت الأوضاع فيه بجهودهم فهذا جيد، وأشك في هذا. وإن لم تنضبط فلتسعى لضبطها الولايات المتحدة أو فرنسا أو من يستجير به بعض اللبنانيين، وليتحمل كل اللبنانيين ومن سيضبط الأمور معهم تبعات هذا الضبط. هذه السياسة الخارجية لابد أن تتكامل مع سياسة داخلية مدروسة تفعل فعلها في تحسين صورة سوريا أمام المجتمع الدولي، وهذا ما قد ينقذ سوريا.

على الصعيد الداخلي:

إذن، بغض النظر عن الشكل الذي ستخرج فيه سوريا من لبنان، فمعلوم أن السبب الحقيقي لخروجها هو الضغط الدولي عليها. لذا لا يمكن النظر إلى هذا الخروج باعتباره دليلاً على توجه جديد عند السلطة السورية يفعل فعله في تحسين صورتها الدولية. هذه الحقيقة تعني أن الضغوط ستزداد عليها بعد خروجها جرّاء غياب الديموقراطية فيها، أو بذريعته. ولأن السلطة السورية تعلم أكثر من غيرها أن الولايات المتحدة لم تأبه بكل تنازلاتها لها، وخصوصاً أنها لم تتنازل إلا تحت الضغط، لذا ليس من مصلحة المجتمع السوري أن تبدأ الولايات المتحدة بالضغط الجدّي على السلطة السورية في موضوع الديموقراطية لسببين متكاملين:

1ـ لا يمكن للسلطة عندنا إلا أن تستجيب لهذا المطلب لأنه مطلب حق، سواء كان يراد به باطل أم لا. واستجابتها له تحت الضغط لن تفعل فعلها وقتها في تحسين صورة النظام السوري في الخارج، على العكس ستزيدها قتامة لأنه سيظهر بأنه لا يقدم أي تنازل حتى لشعبه إلا تحت التهديد. وهذا ما يفتح شهية الولايات المتحدة إلى المطالبة بالمزيد، إن كانت تخطط فعلاً للتدخل العسكري في سوريا. 

2ـ إن الاستجابة للديموقراطية بهذه الحال سيعني للمجتمع أن السلطة في منتهى الضعف. ولأنها ستكون فعلاً كذلك، أو سيراها المجتمع كذلك، من المرجح أن تفلت الأمور وينقسم الشارع، ومن ثم الجيش، بين مؤيد للولايات المتحدة وداعٍ للاستفادة منها ومعادٍ لها ومؤيد للسلطة ومعادٍ لها..إلخ. وهذا الاحتمال مرجح جداً وخصوصاً في ظل هزال المعارضة السورية وافتقارها لأي برنامج واضح المعالم. ومما سيغذي هذا الانقسام وجود حزب الإخوان المسلمين كحزب طائفي، فمجرد وجوده سيدفع الطوائف الأخرى إلى التكتل على أسس طائفية. كل هذا من المرجح أن يحدث حتى بدون تدخل الولايات المتحدة عسكرياً.

باختصار شديد، إن التفكير بطريقة "إن أمريكا إذا أرادت التدخل العسكري في سوريا فسوف تتدخل مهما فعلت السلطة السورية" غير صحيح. بل الصحيح إن الولايات المتحدة كلما كانت الثغرات عندنا أوسع، كلما استسهلت إقناع المجتمع الدولي بضرورة قيامه، أي قيادته، "لتخليص الشعبين السوري واللبناني من النظام الديكتاتوري الداعم للإرهاب والمحتل للبنان والرافض لتنفيذ القرار الدولي الداعي لتجريد حزب الله الإرهابي من أسلحته التي زوّده بها هو نفسه، إلى آخر هذه المعزوفة".

صحيح أن سد الذرائع لا ينتهي، ولكن ليس كل ما ينبغي القيام به يدخل في نطاق سد الذرائع، وإنما يدخل جلّه في نطاق حياة مجتمعنا أو موته، بمعزل عما تريده الولايات المتحدة. فمستقبل سوريا القريب قاتم، مالم تبادر السلطة إلى الانسحاب فوراً من لبنان وإلى طرح ملف الديموقراطية السياسية على جدول أعمالها. كيفية الانسحاب لا تحتاج نقاشاً، أما كيفية طرح ملف الديموقراطية والتعامل معه فمن الضروري طرحه للنقاش.

يرجى ممن يرغب من القراء الأعزاء الذي يتفق مع هذا الرأي بالعام إرسال موافقته عليه مع اعتراضاته التفصيلية على أي جزء منه إلى alisha_alisha101@yahoo.co.uk 

        وممن لا يتفق معه ويرغب بالرد عليه، إرسال الرد إلى alisha_alisha101@hotmail.com  مع الشكر الجزيل في كلتا الحالتين.     

                                                                                                                                                                                  علي الشهابي      

                                                                                                                                دمشق

                            2 آذار 2005