هبت رياح الديموقراطية والحكمة في التعامل معها...

د.عماد فوزي شعيبي

الرسالة التي وجهها الرئيس الأمريكي جورج بوش في خاطب تنصيبه للولاية الثانية بإدراج مصر والسعودية في ندائه من أجل الديمقراطية والإصلاح، تم تلقيها بسرعة في القاهرة،وقام الرئيس المصري حسني مبارك الدعوة إلى تعديل المادة الدستورية التي تتصل بالسماح لعدد من الأشخاص بالترشيح لرئاسة الجمهورية، وهو مااعتبر لياقة سياسية ما يكفي (للتكيف ) مع الرياح العارمة التي لم تعد لغة للمحافظين الجدد فحسب ،كلغة إيديولوجية، بل أصبحت بعد زيارة بوش لأوروبا نقطة تقاطع بين أوروبا وأمريكا.

صحيح أن كلا الطرفين يفهمها بطريقته، ولكن الخلاف هو على (الفويرقات)، التي لا تعني أن اندياح لغة الحريات وتداول السلطة لن يكون هو لغة العالم لتشكيل الهوية العالمية للدول، مثلما كانت (الدولة) هي الهوية التي تم التوافق عليها بعد الحرب العالمية الثانية كقاسم مشترك أعظم في المنظومة الدولية.

كان الخلاف بُعيد الحرب العالمية الثانية على مساحة الدولة ودورها في "لعبة الأمم"، لكن الاتحاد السوفياتي الذي أغرق العالم (إيديولوجياً) بلغة (الجماهير)، لم تمنعه ديكتاتورية البروليتاريا الافتراضية، التي كان من المفترض نظرياً أنها ستنهي الدولة، من أن يصنع دولة أشد صرامة من الدولة (الرأسمالية) التي انقض عليها ذات يوم باسم (استقصاءMaximize) الديمقراطية طلباً لحكم الأكثرية القصوى وهي البروليتاريا؟!. فكانت الدولة الشمولية القامعة، وذهبت البروليتاريا ضحيتها!.

إذاً، لم يكن الخلاف على الدولة كهوية إنما على فويرقات في الدولة!. صحيح أنها كانت رياحاً عاتية هبت على العالم كله سبعين عاماً إلا أن أحداً من الطرفين (الاشتراكي والرأسمالي) لم يختلف على قواعد اللعبة المرسومة بعد الحرب العالمية الثانية وهي الدولة والواقعية السياسية ومنع الانفجار بين الكبار...

اليوم، الرياح نفسها تهب ولكن باسم الديمقراطية التي ُجبلت بالحريات ، وأصبح واضحاً أن الفويرقات بين أوروبا وأمريكا لا تمنع من الإعلان عن التوافق على نقل الديمقراطية كهوية سياسية لعالم ما بعد 11 سبتمبر إلى العالم وتحديداً إلى العالم.

صحيح أن سذاجة الإيديولوجيا التي أطلقه المحافظون الجدد، وتقاطعت مع سذاجة (التبشيرية) التي يحميها جورج بوش تيار التمامية المسيحية، تصل إلى حدّ تصوير مشكلات العالم العربي والإسلامي محصورة فقط في طغاة حكامهم وفي تناسٍ (مقصود أو غير مقصود) لمشكلات أخرى لا تقل أهمية، بل وتفوق ذلك تناسٍ لترتيب الأولويات: كالإهانة القومية والانجراح الوطني ممثلاُ في احتلال في إسرائيل للأرض، وفي التفاوتت بين الفقراء والأغنياء،وفي عدم قُدرة الدول على الايفاء بخدمة الشعوب واحترام أدميتهم...، إلا أن هذه السذاجة تحرك البعد الغريزي لدى الناس تجاه الحريات العامة، وتحرك (في العمق) رغبة قطاع من النخب في أن يكون على قمة السلطة؛ إن لاعتبارات ذاتية(قيادية أو استعراضية) أو لاعتبارات أخلاقية  (لتحقيق ما يجب أن يكون) في نزعة رسولية تبشيرية بعالم أفضل.

هذه النزعة التي تحرك الشارع بغريزته أو بنخبه، تتقاطع مع أوروبا بنزوع آخر أكثر عمقاً وأصالة نحو الديمقراطية. صحيح أن أوروبا بحسها الديمقراطي إذا ما كان عليها المفاضلة بين الديمقراطية والاستقرار في جوارها العربي والإسلامي ستختار الاستقرار، وإذا ما كان عليها المفاضلة بين الديمقراطية وبين عدم استلام الأصوليين للحكم، فإنها لن تقول كما قال بوش بأنه مستعد للقبول بحكم أصولي ديمقراطي (وهو الآن يصرخ من النتائج المترتبة على الأكثرية الشيعية التي (نبقت) له فجأة في العراق؟!)، فإنها أيضاً ستختار عدم استلام الأصوليين للحكم كما فعلت إزاء ما حدث الجزائر مطلع التسعينيات.

 كل ذلك صحيح لكن أوروبا تفضل اليوم مداعبة(الثنايا) الديمقراطية على أمل التجريب ودفع الولايات المتحدة إلى المقدمة والواجهة لتتحمل هي بنفسها المسؤولية والنتائج ،فيما سيكون لأوروبا الفرصة من موقع (الحليف طلباً للديمقراطية) أن تخفف من غلواء الجموح الإيديولوجي وأن تجني الثمار إذا ما كان ثمة من ثمار.

ومهما كانت الملاحظات التي تتأتى عن عقل بارد وتاريخي والتي ترى بأن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق بدون مستوى اقتصادي وبدون تحقيق الدولة- الأمة وبدون تعيين مفهوم المواطن...، أي بدون الدولة الحديثة لن تكون هنالك ديمقراطية حقيقة وأن النموذج الديمقراطي في بلداننا العربية سيكون تعبيراً عن الأكثريات المجتمعية( الطائفية، الدينية، العشائرية، الأثنية، المناطقية، الحاراتية..) أي كاريكاتير ديمقراطية، مهما كانت هذه الملاحظات فإن أحداً لن يتوقف عندها لأن الدولة التي نشأت في بلداننا العربية بعد الحرب العالمية الثانية تيمناً بالهوية العالمية (أي الدولة) كانت في أغلبها (كاريكاتيرات دولة).

صحيح أن الشعوب والنخب ستفرح فعلياً (كما الفرح الطفلي) بالحريات: بالقول والتظاهر ... ولكن (المصالح) التي هي عماد الدول وبين الديمقراطية ستكون في مكان آخر. وإذا ما كانت هي الديكتاتوريات قد حكمت مستغنية عن شعوبها بإدارة الظهر لها، فإن الديمقراطيات لن تستغني عن شعوبها!،لأنها ستتحول إلى مجرد... أصوات.

في جوهر القضية ستختلف اللغة، لكن المصالح هي التي ستحدد آليات اللعبة.(وبدون أوهام) نحن ننصح انطلاقاً من عقل بارد سياسي، يتمنى الحريات في وجدانه، وبنفس الوقت يتمنى الاستقرار لدول المنطقة العربية، أن يسارع الحكام لاغتنام الفرصة والدخول في لعبة الديمقراطية ، أقله كي ترضى الشعوب والنخب بالحريات العامة، وأكثره كي تبقى الدول مستقرة.

 فالمسألة السياسة في النتيجة النهائية تكمن في ثنايا المصالح. ومن يقرأ المعادلة جيداً، يوفر على نفسه وعلى شعبه الكثير من الرياح العاتية. صحيح أن دولاً غير ديمقراطية يُغض الطرف عنها ليس فقط لأنها مواليه لأمريكا وحليفة للغرب ولكن لأنها (طرفية) في المعادلة الإقليمية – الدولية ، إلا أن هذا لا يعني أن الدور لن يأتيها ولكن بعد حين، أما الدول المركزية فسواء أكانت موالية أم غير موالية فإنها(مطلوبة) إلى الديمقراطية.

تعلمت في حياتي الكثير من العبر المأزقية أقلها إن دعيتَ إلى التعقل في فهم الديمقراطية والتعامل معها بدون أوهام كتلك الأوهام الخلاصية التي سادت في الستينيات والخمسينيات من (الوحدة ) و(الاشتراكية) و(الصراع الطبقي)... فإنك ستخسر النخب ذات العين الواحدة والمفجوعة بالحرية وكرامتها وأحلامها وآدميتها، وإن أنت مضيت في الدعوة إلى الديمقراطية على عواهنها، فإن المتحجرين المتمرسين في السلطة سيستعدونك، وبالخلاصة فإنك على الطريقين خاسر. فأنت بين أصوليين!!؟.

الديمقراطية كهوية عالمية

د.عماد فوزي شعيبي

لسوء الحظ، المنطقة العربية، وفي أغلب بلدانها تبدو تجربتها السياسية رد فعل أكثر منها فعل.

نقول إنها رد فعل لأنها لا ترسم خطاً استراتيجياً لنموها السياسي، فتعيق بعقلية تمرير المراحل، أو الاندراج على ما سبق إمكانية أن يتحول تطورها السياسي إلى مادة لها، فإذا بها مادة عليها تفرض عليها من الخارج.

فكما كانت منظومة (الدولة) كهوية سياسية عالمية بعد الحرب العالمية الثانية هي السمة التي فرضت على المنطقة فرضاً في سياق توحيد المنتظم السياسي، فإن الديمقراطية هي الهوية السياسية العالمية التي يتم الآن فرضها في سياق توحيد الهوية السياسية في المنتظم السياسي، بعد أن توافقت أوروبا مع (الايديولوجيا) الديمقراطية التي حملها جورج بوش مبشراً في ولايته الثانية في أول زيارة له إلى أووروبا بعد الحرب على العراق، ليعلن من بروكسل أنه توافق مع أوروبا على نشر الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي.

وبغض النظر عن نوعية الديمقراطية في مجتمعات متخلفة وما قبل صناعية، فإن هذا السياق التوحيدي الموجه بالذات إلى المجتمعات العربية بالدرجة الأولى، يشكل استعادة للحظة فرض الدولة على العرب بدءاً من مرحلة الاستقلالات العربية إلى السبعينيات من القرن العشرين حيث غدت الجماعات الخارجة عن الدولة مرذولة وخارجة عن السياق فصفيت الأولوية الحمراء والجيش الياباني ونظيره الإيرلندي ... وصولاً إلى اعتبار أن حركات التحرر العالمية إرهاباً في مطلع القرن الواحد والعشرين، في مخالفة واضحة لشرعة الأمم المتحدة والقانون الدولي، ذلك أن (المقاومة) قد باتت مفهوماً من الماضي أي من ميراث الحرب العالمية الثانية.

بين الدولة والديمقراطية، أي بين منتظمين ُموحدين للعالم خلال أكثر من خمسين عالم هم الفاصل بين الحرب العالمية الثانية ولحظة سقوط البرجين في 11 أيلول /سيتمبر، عاش العرب على مجموعة من المفاهيم التي كرست رد فعلهم وتحول سياستهم إلى (مفعول به) على أنقاض سياسات الآخرين. ففي تلك الفترة نبعت أفكار تم التأثر بها من تجارب إيديولوجية عالمية كالاشتراكية والشيوعية والفوضوية والوجودية والمادية وحروب الأنصار(العصابات)... وكان الواضح أن سمة رد الفعل هي السمة الأكثر أهمية وبروزاً.

اليوم تنداح في المنطقة العربية رياح الديمقراطية، التي ستنصاع لها الدول إن بالمكاسرة أو بالقبول المذعن أو بالقوة، فلا بديل من ذلك مادامت الولايات المتحدة الأمريكية قد توافقت مع أوروبا على ذلك في لحظة غياب روسي وانشغال صيني، وهما الدولتان المتهمتان بأنهما ليستا ابنتين شرعيتين لعصر الشعوب التي تختار زعمائها، مما اضطر الرئيس الروسي بوتين للقول أمام نظيره الأمريكي بأن لروسيا ديمقراطيتها منغِماً على نفس الوتر الذي استخدمه الرئيس الأمريكي في أول خطاب له بعد التجديد لحكمه ولاية ثانية، ليرفع عن إدارته (جزئياً) تهمة الانتقال إلى الديمقراطية بالدول والشعوب بالقوة ونقل التجربة الأمريكية دون الأخذ بعين الاعتبار شروطها المجتمعية.

صحيح أن روسيا على وصفها تستطيع أن تقول (لا) خافتة، إلا أن المنطقة العربية المفتوحة أمام الرياح الأمريكية- الأوروبية لن تستطيع أن تقول شيئاً. وسيغدو تعريفها لديمقراطياتها المشروطة بظروفها الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية، في نظر أولئك الذين ينفخون في (الصور) الديمقراطي، مشجباً يعلقون عليه التأخير في الانتقال إلى الديمقراطية، وهو ما سوف تؤيده النخب العطشى والموتورة طلباً للديمقراطية، فضلاً عن (الغريزة) الشعبية التي تستهديها مفردة الحرية دون أي اعتبارات تتصل بالقانون أو بالدولة أو حتى بالعمق الفلسفي لاستحالة الحرية في عالم الضرورة وفقاً لرؤية فلسفية، ليست لا النخب ولا الشعوب مستعدة لمناقشتها في لحظة فرحها بالخلاص من كل القيود التي غالت إلى درجة استعداء الشعوب في أعماقها ليس على  (الأجهزة ) فحسب بل على مفهوم الدولة والقانون وحتى التعقل والعقلانية.

 

بكلمة وبدون خسارات : هبت رياح عاتية -أيها السادة- تحت عنوان(الديمقراطية) وعلى الجميع أن  ينحنوا إن إجلالاً أو واقعياً. أما نحن كمثقفين فلن نكون أكثر من شهود، والأهم ألا تدفع الشعوب والدول ثمن التحولات القسرية من أمنها واستقرارها ونموها، وباختصار يجب التحرك نحو الحريات العامة لاعتبارات أخلاقية وسياسية... وواقعية.

وليحفظ الله أبناءنا.