في وقت تبسط دمشق يدها لواشنطن....

ما يزال النظام يشد قبضته على الشعب السوري....

الطاهر إبراهيم

العريضة التي رفعها ،إلى الرئيس السوري بشار الأسد، معتقلون سابقون، وأذاعتها قناة الجزيرة القطرية، كما نشرتها صحف منها "القدس العربي" في عدد يوم 10 شباط الجاري، أعادت إلى الأذهان تساؤلا، ما يزال الجواب عليه يصنف في خانة الحاضر الغائب الأبرز في أجندة حزب البعث منذ استلم الحكم في سورية بعد انقلاب 8 آذار عام 1963.

 واستطرادا فإنه لا يمكن أن يقال أن في سورية حرية وديموقراطية في وقت ما يزال الاعتقال والسجن هما لغة الحوار المفضلة عند نظام حزب البعث مع المواطن السوري، لا يستثنى من هذه اللغة حتى الطبقة المثقفة التي تعتبر ضمير الأمة وقلبها النابض عند اشتداد الأزمات.

وإذا كان اعتقال إنسان ما، يشكل ضربة قاصمة توجه إلى مستقبل المعتقل وأسرته، فإن الإفراج عنه لم يكن هو الفردوس الموعود كما كان يظن وهو في السجن. فما تكاد تنقضي الأيام الأولى بعد إطلاق سراحه، حتى تنطفئ الفرحة من وجهه، ويركبه الهم من جديد، بعد أن يجد كل شيء في حياته قد تحطم:

زوجته التي تركها في ريعان صباها، عاد إليها وقد غابت البسمة عن محياها، وتغضنت قسمات وجهها،بعد أن اضطرها اعتقال زوجها أن تحمل دور الأب والأم أثناء وجوده في غيابة السجن.

أولاده الذين كبروا وتشكلت نفسياتهم في غيبة من إشرافه ورقابته عليهم، أصبح ينكر تصرفاتهم التي وجدها على غير ما كان يرغب، بل ما عاد يعرف أحدا منهم.

عمله الذي كان مورد رزقه،انقطع بعد أن سرح من الوظيفة إن كان موظفا، أو تخرّب عمله إن كان رب عمل، أو توقفت دراسته إن كان طالبا.

وبالجملة فإن حياته وحياة أسرته انقلبت رأسا على عقب، إلا ما كان يجد من حنانٍ في نظرات زوجته رغم الهمّ الذي كان يغلفها.

صحيح أن نفسه قد أنعشتها الأريحية التي قوبل بها من معارفه وجيرانه. وهي أريحية حدّث عنها ولا حرج في المجتمع السوري .فقد بقيت الأطباق والصواني،من كل صنف ولون، تتوارد إلى بيته من بيوت جيرانه،حيث تقدم للمهنئين في الغداءوالعشاء حتى انقطع أو كاد سيل الزوار. لكن الذي صدمه وبعنف أنه وجد أبواب الرزق تكاد تكون موصدة في وجهه.فقد صدر أمر تسريحه من وظيفته بعد شهر من اعتقاله. كما منع من السفر خارج سورية، بعد أن أصبح في أمس الحاجة إليه ليداوي مجموعة الأمراض التي رافقته من معتقله.

وفي هذا الجو المكفهر الذي خرج إليه مَن أُطلِق سراحه، لم تحاول السلطة أن تقدم له يد العون،

بل لم تحاول القيادة السورية أن تقدم له ولو "عكازةً" يتوكأ عليها في ليل الحياة المظلم الطويل بعد خروجه من السجن. بل الأسوأ من ذلك أنها حاولت أكثر من مرة أن تقف في وجه من أراد منهم أن يتكسب بنفسه حتى لا يكون عالة على غيره.

بعض المعتقلين المفرج عنهم ،بعد أن ضاقت به السبل، وجد في الكتابة متنفسا له يخفف بها عن نفسه.في البداية كان يكتب لمجرد الكتابة، ونزولا عند نصيحة إخوانه أرسل بعض ما يكتب إلى بعض الصحف، والقليل من تلك الصحف قبلت أن تنشر له، خصوصا التي لا تطمح في توزيع أعدادها في سورية، أو التي تصدر على الإنترنت. وكأن الرقابة الأمنية ساءها هذا الأمر واعتبرت هذه الكتابة خروجا عن سلطانها، فأرسلت تستدعي بعضا ممن أطلق سراحه وكتب ونشرت له الصحف، وكان منهم المفكر الكاتب "ياسين الحاج صالح"، الذي استدعاه أحد فروع الأمن ولنتركه ينقل لنا ذلك:

( كان استدعاء 29/1/2005 هو العاشر إلى فرع أمن في دمشق منذ أيلول 2001. لكنها المرة الأولى التي يعرض علي "التعاون لخير هذا الوطن" منذ خروجي من السجن آخر عام 1996. لقد ذكرني العرض ب"المساومات" الأمنية التي كنا نتعرض لها في السجن علىيد لجان مختصة :"تتعاون معنا مقابل الإفراج عنك". كان الخيار المطروح علينا أن نكون سجناء أو أذلاء، إما أن تخسر حريتك أو كرامتك، ولا مجال لأن تكون حرا وكريما في الوقت ذاته في بلدك، "الوطن". وكانت "المقدمة النظرية" الدائمة لتلك المساومات هي أن المرحلة حرجة والأخطار محدقة في البلاد..، وأن "التعاون" والوشاية ببعضنا بمواطنينا هو دورنا، نحن السجناء، في المعركة الوطنية...) ( كلنا شركاء 31/1/2005 ).

هذا الأسلوب الأمني الرخيص لم يتبع فقط مع "الحاج صالح" فقط، بل هو سياسة نمطية تستخدم مع جميع المفرج عنهم. وقد قرأنا لآخرين كان منهم الكاتب "لؤي حسين" الذي وصف لنا مرة القلق النفسي الذي كان ينتابه كلما "زار" فرعا للأمن بين فينة وأخرى.  إنها –فروع الأمن- تعرض عليهم أن يكون عملاء ومخبرين ضد مواطنيهم أي يتعاونون معها، وكأنها لم تيأس من أن هذا المعتقل المسرح لو كان بإمكانه أن يفعل ذلك لكان اختصر مدة سجنه التي طالت حتى أكثر من عقد أو عقدين.

 في الدول الأخرى التي تحترم الإنسان،ولو بحدود الاحترام الدنيا، يتم تأهيل السجناء المجرمين حتى يتم إعادتهم إلى المجتمع كأعضاء نافعين بعد خروجهم من السجن.وللأسف فإن هذه الثقافة غير موجودة لدى أجهزة الأمن في سورية، التي لا تفهم إلا ثقافة "الكرباج" والصعق بالكهرباء. وحياة المواطن رخيصة لديها، لدرجة أن تهدر ،بجرة قلم من رئيس الفرع الأمني، سنواتٍ من عمره قد تصل إلى ربع قرن، هذا إذا قيض له أن يخرج حيا.

ونحن عندما نشير إلى ما تقوم به فروع الأمن تلك، فإنما نعني أن النظام السوري يصر على اللغة الأمنية مع المواطن ويرفض لغة الحوار أسلوباً للتعايش على أرض الوطن الواحد. بينما هو يسعى جاهدا للحوار مع أمريكا التي لا تقبل إلا لغة الإملاءات. 

فقد جاء في مقابلة للسفير السوري في واشنطن مع "سي أن أن" قوله: (مستعدون لفعل كل ما هو ضروري لخفض التوتر مع واشنطن ،وحينما تطلب الولايات المتحدة مساعدة سوريا في قضايا يحتاجون فيها لمساعدتنا فإننا على الفور نتعاون مع الولايات المتحدة.).

فلماذا إذن لا يسعى النظام إلى خفض التوتر مع المواطن، بإلغاء أسلوب الاستدعاءات الأمنية، ولا يعمل على مساعدة المواطن السوري في القضايا التي يحتاجها، وهو إنما يطلب أقل مما تطلبه أمريكا بكثير؟!.

 

    كاتب سوري        عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام