حمى الله لبنان... وكان في عون أمته العربية.....

عبد اللطيف مهنا

 

الحدث اللبناني، بل المصاب الجلل، الذي ألمّ بهذا البلد العربي الصغير والجميل والقلق، هو أبعد بكثير من فداحة جريمة اغتيال شخصية سياسية مرموقة، لها حجم ومكانة وتأثير وحضور رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، بما له وبما عليه، وما له كان  الكثير، وهو الذي أجمع عليه خصومه ومريديه. وأبعد من مجرد استهداف خطر لركيزة غدت في حكم الأساسية، بل من أهم ركائز المعادلة القائمة في الحياة السياسية اللبنانية الضاجة والمعقدة والهشة، كما كانت دائماً، وخصوصاً في مرحلة ما بعد توقف الحرب الأهلية بويلاتها وتداعياتها المعروفة. وإنما، ونظراً، لاستهدافات من دبّر الحدث أولاً، ومن أفاد منه ووظّفه ثانياً، ونعني هنا، من سارع إلى ذلك مستثمراً إياه في الصراعات السلطوية الدائرة على أبواب الاستحقاق الانتخابي المقترب، أو من تضرّر منه ثالثاً، وأخيراً من تمّت المسارعة إلى إتهامه والدمّ لم يجف بعد، وهؤلاء إن شئنا الموضوعية والدقة مواقع مختلفة يجب ملاحظة الفرق بينها، يعد هذا الحدث بمثابة اغتيال وطن بامتياز، بل ويتعدى ذلك لاستهداف أمةً بكاملها... والأخطر أنه كشف عن أزمة وطنية عميقة عمق الهاوية التي حفرتها وتحفرها الحسابات الطائفية الضيقة، أو هذا المرض المزمن الذي رافق الكيان اللبناني منذ نشوئه وغدا سمة من سماته. وعن هشاشة قومية مستفحلة استفحال وتفاقم العجز العربي الضارب أطنابه في سائر خارطة الأمة العربية، والذي بلغ مبلغاً يطرح وجودها ورسالتها ومستقبل أجيالها قيد البحث. كما كشف أيضاً، عن تكالب دولي فجّ وواضح، يذكرنا بأيام التكالب على ما كان يسمى بتركة الرجل المريض،  أواخر الحقبة العثمانية، والذي عمل مبضعه الشره نهاية الحرب العالمية الأولى في الجسد العربي تمزيقاً وتفتيتاً وتجزئةً، وأدى فيما أدى إلى قيام واسطة عقد كل الشرور التي لحقت بالأمة، والتي لا تزال وستظل تدفع ثمنها باهظاً، أي اغتصاب فلسطين وقيام الكيان الصهيوني...

أي أن الحدث أكبر بكثير من لبنان، لأنه  له علاقة جلية وملحوظة  بإعادة رسم خوارط  بل جدولة منطقة برمتها، وأكثر، صهينتها إن أمكن.

كان أول سؤال طرح، ودم الضحايا في هذه الفاجعة لم يجف، وأغلب الجرحى لم يصل المستشفيات بعد، من اغتال الحريري؟

لعل هذا السؤال كان منطقياً وموضوعياً، لكن ربما الأهم منه كان، لماذا اغتالوه؟!

والأغرب أن السؤال الأول قد أتبع، ومنذ اللحظة الأولى، بإتهام صريح من قبل المعارضة للسلطة، ومن بعدها ومن خلالها إلى سوريا، ولم يطرح السؤال المنطقي والمفترض، ومن المستفيد من هذا الاغتيال؟

واستطراداً، السؤال: ولماذا، الآن، وفي أوج الاحتقان اللبناني الداخلي المحتدم؟

أو السؤال بلغة أخرى: ترى من هو المتضرر؟

وأكثر: وما سر هذا التناغم المرعب بين بعض الداخل المسارع للإتهام والدم لم يجف بعد، وهذا الخارج المتلطي وراء يافطة المجتمع الدولي، التي تذكرنا بمسميات أخرى غير بريئة، مثل، التحالف الدولي، والمسارع أيضاً بدوره  للدعوة لإقامة الحد على المتهم سلفاً، والتحقيق في الجريمة لم يبدأ بعد، أو هو قد بدأ لتوّه فحسب؟!

لمقاربة مثل هذه التساولات يمكن التوقف ملياً أمام حقيقة تقول إن اللبنانيين يجمعون اليوم موالاة ومعارضة على أمر واحد، هو أن الحريري كان يمثل الاعتدال اللبناني بامتياز، وإنه من ثم كان يمثل جسراً يقرب بين فريقين باعد الاحتقان السائد بينهما. هذا الاحتقان الذي هو أصلاً من صنع الموالين والمعارضين على السواء، أي ما أتاح الفرصة لخارج متربص سعّره وأججه واستخدمه وغذاه... يزكي ذلك أن عائلة الفقيد، في بيانها السياسي الذي أصدرته في ختام أيام العزاء، كانت رغم أحزانها أكثر أطراف المعارضة اعتدالاً وتعقلاً، حيث بدا ذلك منها بوضوح في تمسكها باتفاق الطائف، أو وثيقة الوفاق الوطني، الذي أنهى التوصل إليه الحرب الأهلية، والذي يعد اليوم القفز عنه قفزاً إلى المجهول، والراحل كما هو معروف واحد من صنّاعه ومهندسيه... إذن أوليس هذا سبباً كافياً، لاغتياله، بهدف خلط الأوراق أولاً، وقطع الجسور بما يباعد بين طرفي الصراع  ثانياً، وبالتالي إشاعة الفوضى في مجتمع انقسم جدياً على نفسه إلى فريقين وكان في حاجة لفريق ثالث، أي ما تم تغييبه، من شأنه محاولة ما يرأب الصدع ويوصل ما بين النقيضين؟!

...وعليه، من المستفيد إذن، سوى أولئك المتكالبين على رسم الخوارط وصهينة المنطقة، وخلق الذرائع للإجهاز على بقايا نقاط الممانعة في وجه عولمة الهيمنة الزاحفة؟!

أو من هو المتضرر، سوى لبنان، وسوريا، وفلسطين، والعراق... وكل الأمة، التي هي الآن قيد الجدولة وبرسم الصهينة؟!

إذن، وإذا ما طرحنا الأمر على هذا المنوال، قد لا يعد السؤال: من هو الفاعل، أو من هو المجرم، ومن هو البريء، مهماً، لأن الصورة تغدو جلية، ومن ثم الإجابات في حكم تحصيل الحاصل... ويبقى السؤال المهم أو الموضوع الآني هو: وحدة لبنان أولاً، بما يعني ضمانة أن لا عودة للحرب الأهلية، وكيف السبيل لتفادي تداعيات هذا الحدث الجلل، أي بما يفوّت على مدبريه استهدافاتهم التي كانت وراءه، فيقطع على المكيدة السبيل، ويحفظ لبنان لأهله وأمته؟ أي كيف السبيل للخروج من مقولة: إن التاريخ اللبناني يعيد نفسه؟ الأمر الذي يواصلنا إلى أسئلة عاجلة وملحة وخطيرة مثل:

إلى أين سيجر هذا الاستقطاب الحاد والمتسارع بين الاصطفافين اللبنانيين النقيضين، أو هذين الفريقين اللذين يبدوان، حتى الآن على الأقل، أن لا جامع بينهما ؟ ماذا سيحل بسلاح المقاومة المستهدف من قبل خارج القرار 1559 وداخل المستقوين به، هذا إذا ما جرت رياح المؤامرة، ونصر على مصطلح المؤامرة هذا، إلى مداها؟! ...وإلى أي جحيم سيقاد لبنان! وإلى أي موقع معاد سوف يتم نقله في هذا الشرق الأوسط الموسع، سعة أحلام المحافظين الجدد في واشنطن، وأطماع صهاينة تل أبيب؟

هي جملة أسئلة تداهم كل من قيّض له أن يتابع المشهد اللبناني الراهن، لا سيما عبر الجنازة الشعبية الحاشدة للفقيد المغدور، والتي سار فيها اللبنانيون جميعاً تقريباً وليس المعارضة وحدها، التي هي ليست نسيج وحده، رغم ما تحاول أطرافها الإيحاء به، وإنما كان المشيعون عموماً هم:

بعض من استغل الجنازة محملاً  كاهل من يشيّعه وينعاه أكثر مما يريده أو يحتمله، أو معلقاً علي استشهاده آمالاً لم يكن الراحل يأملها أو يرضاها، بل ويسيء لروحه عندما يستقوي بالحدث ويتكيء على الخارج ويراهن عليه، وبعض جيشته عاطفته الصادقة وإحساسه بخطورة الفراغ الذي خلفه الفقيد، وآخر هاله تغييب الزعامة الوحيدة الفاعلة لطائفته... أي أنها كانت جنازة وطنية أكبر بكثير من المعارضة بتلاوينها وحساباتها الطائفية المختلفة التي حاولت احتكارها، ورغم كل ما ادعته لنفسها نيابة عن كل اللبنانيين.

لعله من نافل القول أن الاحتقان الداخلي هو من هيّء الفرصة لمن أراد النيل من هذا البلد، الذي تعد الطائفية بليته المسؤولة أولاً وأخيراً عن كل مآسيه، أي ما أتاح لهذا الجاني الوقت المناسب لأن يرتكب جريمة هذا الاغتيال الذي استهدف الوطن قبل الأشخاص. كما يمكننا الجزم بأن تصحيح الأخطاء المتراكمة ضرورة لبنانية وواجب وطني، لكن ذلك لا يأتي عبر الاستقواء بالخارج، لدرجة المطالبة بالانتداب والوصاية الدولية، ولا التصعيد والاستفزاز وصولاً لإعلان ما دعي بانتفاضة الاستقلال، إذ يكفي أن يفكر هؤلاء فيما قاله الرئيس بوش مجيباً على أسئلة تتعلق باستدعاء السفيرة الأمريكية في دمشق، حين برّر ذلك لسائليه بأن "العلاقات السورية لا تتحرك قدماً"، سائقاً جملة من تحفظاته على تلك العلاقة، والتي تجعلها عنده لا تتحرك قدماً، مثل الموقف من احتلال العراق، ومن حزب الله، والمنظمات الفلسطينية، أي لأسبابه هو وليس من أجل سواد عيون المعارضة اللبنانية!

...هناك أمر له دلالاته، وهو أن أول ما استدعاه سماع نبأ الاغتيال هو العودة الفورية بالذاكرة إلى حادثة اغتيال الزعيم اللبناني الصيداوي معروف سعد، أو الحدث الذي كان الشرارة التي أوقدت لهيب الحرب الأهلية اللبنانية... وأضيف إلى ذلك... أنه وأنا أتابع المشهد اللبناني الحزين، وتلك الجنازة غير المسبوقة في بيروت بشعاراتها وهتافاتها، والتي منعت الدولة من المشاركة فيها، كان أول ما تبادر إلى ذهني مشهد آخر قيض لي أن أراه في بودابست عام 1989... كان الاتحاد السوفييتي حينها عشية الانهيار الكامل، أي أواخر أيام الشاهد على تلك الدراما وآخر حكامه غورباتشوف، وكان العالم يتهيأ موضوعياً لحقبة ما بعد الحرب الباردة، وعهد وحدانية القطبية... وأمام هذه اللوحة، تسنى للمعارضة المجرية، التي انبثقت فجأة من ما يشبه العدم، والمستقوية موضوعياً باللحظة أو المستندة عملياً إلى الخارج، أن تفرض على النظام أجندتها، وأولها، القبول بإعادة الاعتبار لامري ناجي رئيس الوزراء المجري الذي تمرد على موسكو في الخمسينيات وأصبح رمز ما عرف حينها بالثورة المضادة، والذي أعدم في حينه، عبر تشييع جنازته وإعادة دفنه مرة أخرى... اشترط المشيعون غياب الدولة والحزب الحاكم كلياً عن الجنازة، ومن يحضر فبصفته الشخصية، وأن يغطي الإعلام الرسمي، وكان الوحيد أيامها، الجنازة... واستجيب لاشتراطاتهم، واختاروا الانطلاق من مكان أو ساحة تاريخية تسمى "ساحة الأبطال"، ليسيروا في مسيرة قطعت أطول وأوسع شوارع العاصمة إلى حيث المقبرة، ملوحين بالعلم المجري الذي كان قد قدّ وانتزع منه شعار الحزب الحاكم إبان تلك الأحداث وهرّب مع الهاربين إلى الخارج واستحضر يومها من كندا... غابت الدولة يومها تماماً، واحتلت الجنازة الإعلام، وسمعنا شعارات أشبه بشعارات بعض المعارضة اللبنانية، وكلام عن العهد البائد... بعدها وبفترة لم تطل اجتمع الحزب الحاكم فحل نفسه، ثم عاد فاستجمع صفوفه وغيّر اسمه، والطريف أنه كان أمينه العام الجديد هو نفس وزير الخارجية في العهد القديم أو النظام البائد جيولا هورن، الذي استبق انهيار حائط برلين بفتح الحدود للألمان الشرقيين الفارّين إلى الغرب عبر النمسا، ومن اتهم الفلسطينيين بالقتال مع جهاز السكوريتاتا أو رجال شاوشيسكو إبان الانتفاضة ضد الأخير... فيما بعد سعت أحادية القطبية المتغولة تطبيق مثل ذلك، مع الاختلاف، في أماكن من العالم مهيأة لمث ذلك لأسباب موضوعية وإن اختلفت مثل: جورجيا وأوكرانيا... هل يريدون تكرار مثل تلك المحاولة راهناً في لبنان؟!

المثال اللبناني مختلف بحيث لا مجال للمقارنة، وإن شاؤوا المحاولة قسراً، لأن في المشهد اللبناني ما هو الأقرب لأن يعيدنا إلى تداعيات اغتيال الزعيم الوطني الصيداوي معروف سعد، وليس إلى ما تطالب وتحلم به المعارضة، أي إلى مثال حل فيه الحزب الحاكم نفسه وغادر السلطة إلى البيت مفسحاً المجال إلى معارضة أحضرت علمها القديم من كندا... الحدث اللبناني جلل، والساحة اللبنانية أكثر تعقيداً مما يبدو، وما ينتظر اللبنانيين أشد خطورة...  فهل من مبادرة عربية أو تحرك ما على الصعيد القومي ينقذ  للعرب هذا البلد الصغير والجميل والقلق من غوائل ما يدبر له... حمى الله لبنان، وكان في عون أمته العربية.