وأزف العام السادس .. والنظام السوري في نقطة الصفر

عام 2000..

أول ما تعرفنا على الرئيس الأسد في خطاب التتويج , سمعنا رأيه على الملأ في مفهوم الحرية والديمقراطية حيث قال :

( إلى أي مدى نحن ديمقراطيون , وما هي الدلائل على وجود الديمقراطية وعدمها ؟

هل هي في الانتخاب أم في حرية النشر أم في حرية الكلام أم في غيرها من الحريات والحقوق ؟

لا واحدة من كل ذلك فهذه الحقوق وغيرها ليست الديمقراطية , بل ممارسات ديمقراطية أو نتائج لها , وهي تنبني جميعها على فكر ديمقراطي , وهذا الفكر يستند على أساس قبول الرأي الآخر , وهو طريق ذو اتجاهين حتما وبشكل آخر , أي ما يحق لي يحق للآخرين , وعندما يتحول الطريق إلى اتجاه واحد يتحول إلى أنانية وفردية ) وقال بشار كذلك : ( الديمقراطية واجب علينا اتجاه الآخرين قبل أن تكون حقاً لنا , الفكر الديمقراطي هو الأساس والممارسات الديمقراطية هي البناء بكل تأكيد جميعنا يعلم أن الأساس عندما يكون ضعيفاً فإن البناء يكون مهدداً بالتداعي أو السقوط عند أول هزه أو من دون أي سبب ظاهر )

 

وتنفس الشعب الصعداء بهذه الإشارة من رئيسه , وراح يبني الأساس للديمقراطية في المنتديات السياسية التي نبتت كما ينبت العشب والزهر بعد وابل المطر , وكان هذا العشب قد تجسد في وثيقة التسع والتسعين , وتحول الزهر إلى ثمر في وثيقة الألف والتي دعت إلى : 1- وقف العمل بقانون الطوارئ . 2- إطلاق الحريات السياسية , ولا سيما حرية الرأي والتعبير , وقوننة الحياة المدنية والسياسية بإصدار قانون ديمقراطي لتنظيم عمل الأحزاب والجمعيات والنوادي والمنظمات غير الحكومية . 3- إعادة العمل بقانون المطبوعات . 4- إصدار قانون انتخاب ديمقراطي لتنظيم الانتخابات في جميع المستويات .5- استقلال القضاء . 6- إحقاق حقوق المواطن الاقتصادية . 7- الإصرار على أن أحزاب الجبهة التقدمية تمثل القوى الحية في المجتمع السوري سيؤدي إلى إدامة الركود الاجتماعي والاقتصادي والشلل السياسي 8- إلغاء أي تمييز ضد المرأة أمام القانون .)

 

ووقفت الدولة ابتداء على الحياد أمام هذه المطالب حتى أني كتبت مقالاً آنذاك بعنوان " مرحبا ببيان الألف , ومرحباً بموقف الدولة منه , وقلت فيه : نحن سعداء بالموقف الجديد للدولة في سورية والحياد الإيجابي من الوثيقة كما عبرت ( الحياة )   عنه , ونعتبر هذا الموقف تعبيراً عن الوعد الذي قطعه الرئيس بشار الأسد على نفسه في خطاب الرئاسة ) واستعمل التقرير السوري  في الحياة جملة نسبها للرئيس الأسد ( لكم أن تراقبوهم , لكن ليس لكم أن توقفوهم )

ولو مضى المسار بهذا التسارع , منذ كانون الثاني 2001 أي بعد ستة أشهر من استلام الرئيس الرئاسة , لكانت سورية اليوم تنعم في حنة الديمقراطية , حيث يشارك الشعب كله في تقرير مصيره , ولما أمكن لبوش وأمريكا أن يهددا سورية بفرض الديمقراطية عليها , وينذراها بفرض الديمقراطية عليها , ولرأيت الشعب ومظاهراته تموج كالبحر في الرد على زعيمة الديمقراطية .

عام2001..

لكن جاء الصقيع الذي ضرب كل الثمار في المهد , جاء في شباط وفي برده القارس على لسان الرئيس الأسد بإتلاف كل هذه الثمار , ووصم وثيقة الألف مثقف بأنهم ( مجموعة باحثين عن موقع على خريطة الزعامة ) كما في المقابلة التي أجرتها (الشرق الأوسط ) بتاريخ 8/2/2001 واعتبر التطوير والإصلاح قائم من الحزب وأتباعه ( لذلك نحن في مسيرة التطوير نستند إلى تجاربنا السابقة ونعتمد على الأشخاص الذين خاضوا تلك التجارب ناجحة أو غير ناجحة في مجالات التطوير المختلفة ) فأين الرأي الآخر إذن ؟ أصبح الرأي الآخر يمس ( الاستقرار على مستوى الوطن ) فهناك احتمالان . احتمال أن يكون الفاعل عميلاً يخرب مصالح دولة ما أو أن يكون إنساناً جاهلاً ويخرب من دون قصد , النتيجة أن الإنسان في كلتا الحالتين يخدم أعداء بلده .

وعدنا إلى النغم الشيطاني الذي حفظناه , المعارض عميل مخرب شاء أم أبى , ولا حرية لأعداء الشعب وكل من يطرح الرأي الآخر غير رأي التجارب والأشخاص السابقين هو عميل , ونُفِذ القرار باعتقال الشخصيات التي تجاهلت التحذير  وتم اعتقال عشرات الناشطين في مجال حقوق الإنسان , والمجتمع المدني بمافيهم نائبان في مجلس الشعب .

بعد عدة أشهر طلعت جماعة الإخوان المسلمين في سورية على الشعب بمشروع الميثاق الوطني وذلك في 3/5/2001 أي بعد شهرين فقط من الصقيع المذكور ( كما دعا التجمع الوطني الديمقراطي في سورية إلى مؤتمر للمصالحة الوطنية تشارك فيها السلطة والمعارضة الداخلية منها والمنفية الإسلامية وغير الإسلامية , وفي إشارة صريحة إلى ميثاق جماعة الإخوان المسلمين ذكر التجمع في افتتاحية نشرته ( الموقف الديمقراطي ) التي صدرت أوائل حزيران الفائت في دمشق أن روحه العامة , وفقراته , وبنوده التفصيلية تعبر عن وعي وإرادة متقدمين للانخراط في العمل السياسي الوطني العلني السلمي الديمقراطي , وقال إن ( الكرة الآن في ملعب السلطة ) كما ذكر الأستاذ ياسين الحاج صالح في مقاله القيم ( هل تتصالح سورية مع نفسها ) وتابع : ( ويحدد الميثاق أسس الحوار المأمول في حرية المواطن , وحقه في المساواة , والمشاركة الإيجابية , والهم حقه في الاختلاف والاعتراف بالآخر الوطني ثم الجدال بالحسنى , والاقتراع الحر النزيه , واستقلال الدولة عن الحكومة )

عام 2002

وتبلور مشروع الميثاق الوطني لجماعة الإخوان المسلمين في ميثاق وطني أعلن عنه في مؤتمر بلندن عام 2001 وفي 23-25 آب أغسطس , وقد شارك في هذا المؤتمر من سماهم الميثاق ( جمعاً من القوى السياسية والشخصيات الفكرية والثقافية والحقوقية ) وهي تحمل مختلف الاتجاهات الفكرية في سورية ؛ إسلامية وقومية وماركسية , والقومية بتفرعاتها المختلفة ؛ ناصرية وبعثية واشتراكية , حيث التقت هذه الشخصيات لتضع ميثاقاً تلتقي عليه الاتجاهات جميعاً يمثل قاسماً مشتركا للعمل السياسي السوري , وفي توصيف الوضع السوري قال المجتمعون : ( إن حالة الاستبداد السياسي , وغياب الديمقراطية , واستمرار قانون الطوارئ والأحكام العرفية ما يقرب من أربعين عاماً , واحتكار السلطة , وفرض الوصاية على الشعب وقواه الحية , قد جسدت حالة من القهر والظلم والاستئثار بالقرار الوطني , وتغييب الآخر وإقصائه وإلغائه , وأدى إلى انهيار وطني شامل تمثل في ضياع الجولان , وتمزق الوحدة الوطنيىة , وضرب قيم السيادة الشعبية والمواطنة , وتغييب الحوار , وصيرورة الفساد منظمة معممة , وغياب الشرعية السياسية )

ويلتزم الموقعون على هذا الميثاق بمواجهة التحديات الخارجية المفروضة على الوطن أياً كان مصدرها وصبغتها ...) وبتقديم مصلحة الوطن العليا على المصالح الذاتية والخاصة في كل الموازنات السياسية ... وبممارسة دورهم في الحياة العامة بشفافية مطلقة , وتحت الشمس , بعيداً عن جميع أشكال التعتيم والسرية ... , وبآليات العمل السياسي الديمقراطي ووسائله ..., وبنبذ العنف من وسائلهم ... , وبالتعاضد على حماية حقوق حقوق الإنسان , والمواطن الفرد , والانتصار للمظلوم والمستضعف , وصون المرأة والدفاع عن حقوقها , والتأكيد على مساواتها مع شقيقها الرجل في اعتبارات الأهلية والإنسانية , والمدنية )

وكان موقف الدولة بكل أسف يعلن من خلال ناطق أمني يرفض هذه القيم والتشكيك فيها واعتبار الدولة دولة أمنية إرهابية لا دولة ديمقراطية سياسية

عام 2003

واستمر الصقيع عاماً ونيف , وخرج من تحت الأنقاض نبت جديد هي وثيقة ال 287شخصية سورية , والتي ساعد على بروزها حرب العراق , حيث تقدم ممثلون عن كل شرائح الشعب وليسو مثقفين فقط يعيدون المطالب السابقة , وكان ذلك في 17/3/2003 أي بعد مرور ثلاثة أعوام على الرئاسة , وعلى التذكير بالعهد الذي قطعه الرئيس على نفسه .

 حيث( وجهت 287 شخصية سورية عريضة إلى الرئيس بشار الأسد طالبته فيها بالعودة إلى مؤتمر حوار وطني , وإطلاق الإصلاح السياسي الشامل في البلاد )ومن بين هؤلاء الشخصيات ( محامون وأطباء ومفكرون وسينمائيون , وأرسلت بالبريد المسجل بدمشق إلى القصر الجمهوري كما ذكرت ( القدس العربي ) في عددها الصادر في 4/6/2003

وأما المطالب فهي :

-          الإفراج عن جميع السجناء السياسيين والسماح بعودة المنفيين قسراً وطواعية خارج البلاد وتسوية أوضاع مواطنينا المحرومين من الجنسية والحقوق المدنية لأسباب سياسية

-                        إلغاء حالة الطوارئ والحكام العرفية , والمحاكم الاستثنائية جميعها .

-                        إلغاء صلاحيات وممارسات الأجهزة الأمنية , ومنعها من التدخل في الحياة السياسية

-                        إطلاق حرية الرأي والتعبير والاجتماع والانتقال والسفر والعمل النقابي والسياسي

-          عقد مؤتمر وطني عام تحضره كافة الشخصيات والقوى السياسية السورية يبحث عن نهج ووسائل تعزيز الوحدة الوطنية , وسبل إخراج البلاد من أزماتها .

 وجاء في الوثيقة : ( ولا يخفى على سيادتكم أن القوة الوحيدة التي تستطيع ذلك هي الشعب الحر , الجهة التي أُخرجت من السياسة والشأن العام , ولا مفر من إعادتهما إليها لتلقي بوزنها لحماية الوطن )

ونعود إلى الرئيس الأسد لنستمع إلى جوابه على هذه الوثيقة وذلك من خلال المقابلة التي تمت مع قناة العربية في 10/6/2003

( المذيع : الآن أود أن أنتقل سيادة الرئيس إلى المواضيع الداخلية لو سمحتم , وفي الآونة الأخيرة سمعنا عن حوالي أو بالأحرى أكثر من مائتين وثمانين مثقفاً سوريا قدموا لكم على ما فهمنا عريضة تحدد المطالبة بالإصلاحات , وبالرؤى الديمقراطية التي يراها هؤلاء الناس وهذه تأتي بعد عريضتين سابقتين كما تعلمون  , هناك ما يسمى عريضة ال(99) وعريضة ( الألف) التي كانت في بداية عهدكم على ما نفهم , كيف ستردون على هذه المطالب الأخيرة ؟

السيد الرئيس : لا , أولاً العريضة الأخيرة ليست عريضة مثقفين , هي متنوعة فيها كل الأشخاص , فيها أكثر من مائتي شخص , لا أعرف العدد بدقة , وهي لا تختلف عن الشيء الذي طرحته أنا وأطرحه أنا , أولاً : في خطاب القسم , وأطرحه بشكل مستمر , طبعاً من الطبيعي أن يكون هناك مطالب ملحة للمواطنين , وهذا ما يجب أن نسعى إليه كدولة , هذا عملنا )

وفي المقابلة نفسها حين سئل عن الحرس القديم الذي يعيق الإصلاح لخص رأيه بقوله ( المشكلة في تيار أخلاقي وربما فكري معين يرى نفسه , ويرى البلد من خلال نفسه ومن خلال مصالحه هذه هي المشكلة ) وحلها عند الرئيس الأسد ليس بتغيير الأشخاص ( بدلنا الكثير من الأشخاص القضية هي قضية نظام عام لابد من تطويره من كل جوانبه )

ونبحث عن هذا التطوير ولا نجد جديداً إلا ( مكانك تحمدي أو تستريحي )

ولو ربطنا بين جملة الرئيس  هذه , وجملته في مقابلته مع صحيفة ( نيويورك تايمز ) في 2/كانون أول /2003 وهي ( المشكلة الرئيسية التي تواجهني بصفتي مسؤولاً في هذا البلد هي مشكلة الكوادر والكفاءة والناس المدربين على تطبيق الإصلاح , وخاصة الإصلاح الإداري , وذلك أنك إذا لم تكن لديك إدارة ناجحة فلن تستطيع في واقع الأمر أن تحقق تقدماً في أي مجال ) تشرين 2/12/2003

نعم يا سيادة الرئيس : لديك إدارة غير ناجحة فلابد من تغيير الإدارة لا من تطويرها , ولن تتغير الإدارة طالما أن الحزب القائد هو صاحب الكوادر والكفاءات , والشعب الرعاع مقاد مدان , فالتغيير وليس التطوير هو الحل , والتغيير ببساطة هو الانتقال من الحزب القائد إلى الشعب القائد , والمشرد قسم كبير منه بكفاءاته تحت كل سماء , ويحملون أعلى الطاقات والكفاءات  لن يعود إلى بلده في ظل الحزب القائد , وحين يتم التغيير السياسي , ويصبح المواطن هو الأساس وليس الحزبي هو الأساس , عندئذ يجدي التطوير .

هذا ولم تنته المقابلة حتى أعطى الرئيس الأسد شهادة حسن سلوك للمعارضة بعد أن كانت متهمة عنده عام 2002 وهي من القسم الذي لم يذكر في تشرين :

 السؤال : السوريون على سبيل المثال يريدون مزيداً من الحرية , هل تعتقد إذا فعلت الولايات المتحدة ما تقوله , ستضغط عليك لتكون أكثر انفتاحاً وتنشر الإصلاح هنا ؟

الجواب : سأقدم لك وجهة نظر المعارضة السورية الموجودة في كل مكان سواء كان داخل سورية أم خارجها , هم لا يؤيدون النظام السوري ولا الدستور ولا الحكومة , ولكنهم ضد ما يقوله الأمريكيون بخصوص نشر الديمقراطية في العراق , أقصد إنهم ضد تصدير الديمقراطية بالقوة أو بأي وسيلة أخرى , هذا هو رأيهم وهو في غاية الوضوح , ويمكنك العثور عليه في التلفزيون والصحف , ويمكنك سؤالهم )تشرين2/12/2003.

نعم يا سيادة الرئيس نحن – المعارضة- لا نستقوي بالعدو , ولا نطالب بتصدير الديمقراطية بالقوة من أمريكا , لكننا منذ لحظة وجودنا نطالب بالديمقراطية في بلدنا , ومن لحظة وجودك على رأس السلطة نطالبك بالحرية , بالديمقراطية , وما ربيع سورية بسر فلو ابتلع العدو سوريا بحجة الديمقراطية , فالسلطة هي المسؤولة , هي التي لم تخط خطوة واحدة خلال قرابة أربع سنوات عند هذا التصريح , وما يقارب خمس سنوات اليوم وهي التي تحمل وزر الإصرار على الرأي الواحد والتفرد والاستبداد .

عام 2004

ونبحث عن قناعات السيد الرئيس بالتطوير والإصلاح والتغيير بعد مرور أربع سنوات على وجوده على رأس السلطة , فيعلنها لنا من خلال مقابلته مع ( قناة الجزيرة) فنرى القناعات في الإصلاح والتغيير لإيجاد الرأي الآخر الحر كما تعهد في خطاب العرش قد تراجعت عن ذي قبل

فالأولوية بعد الإصلاح الاقتصادي: ( بالنسبة للمواطن السوري ما هي أكثر المشاكل عمومية إنها المشكلة المعاشية , خاصة بالنسبة للموظف وغير الموظف , ربما لا يكفي المعاش لنهاية الشهر فمن الطبيعي أن تكون الأولوية هي معاناة المواطنين المعاشية , كيف سيؤمن المواطن دخلاً لأولاده , كيف يؤمن لهم دراسة جيدة , كيف يؤمن لهم طعامهم اليومي ) تشرين 2 آيار /2004

ونسأل عن آثار هذا التركيز بعد سنة تقريباً من هذا التصريح فيكون الجواب بما نقرؤه في صحيفة ( الثورة) في 19/كانون الثاني/2005 ( الأمر الذي أدى إلى انحسار الحركة التجارية يعود إلى أشباه الرواتب والأجور في كثير من بلدان العالم , بل إنها قد تكون أقل من ذلك بكثير فخلال الأسبوع الأول أو الثاني على أبعد تقدير من كل شهر يتبخر الراتب , ويذهب في كثير من الأحيان إلى مطارح لا علاقة لها لا بالمأكل ولا بالملبس ولا بالمشرب , وإنما يتم سدادها أو الجزء الأكبر منها كفواتير للهاتف والماء والكهرباء وغيرها من المصاريف الأخرى ) الثورة 19/1/2005

وماذا عن الإصلاح السياسي ؟

يجيب الرئيس رداً على جماعات المجتمع المدني التي لا تملك الحرية الكاملة للنشاط

( هناك مؤسسات لهذا المجتمع , الحكومة هي مؤسسة مجتمع مدني , مجلس الشعب , الجيش , الشرطة , الأحزاب , الجمعيات الخيرية , المنظمات غير الحكومية , النقابات ,الإتحادات , كلها منظمات مجتمع مدني , هناك   للعمل في سورية , هناك عملية تطوير تتقدم في مجالات وتتأخر في مجالات ..).

 وتقدم الإخوان المسلمون بمشروعهم السياسي لسوريا المستقبل في 17/12/2004 كما ورد في كلمة المراقب العام للإخوان المسلمين :

(إن الحالة الوطنية اليوم بعد مضي ربع قرن على تلك الأحداث الفاجعة الأليمة , وما تواجهه أمتنا من تحديات , وما يتعرض له وطننا من أخطار وتهديدات , يتطلب منا أن نكون على مستوى المسؤولية التاريخية , وأن نراجع سياساتنا ومواقفنا وأن نتجاوز آلامنا وجراحاتنا لنعبر فوق الواقع الوطني المثخن لكل ما فيه , وإن ما قامت به جماعتنا من تقويم لمسيرتها , ومراجعة لمواقفها , وما طرحناه في ميثاق الشرف الوطني من مبادئ , وما نقدمه في هذا المشروع السياسي من رؤى , ما هو إلا إسهام في إعادة بناء الوطن على أسس راسخة متينة , ننطلق فيه من مبادئنا , وننسجم فيه مع منهجنا , ودعوتنا متطلعين بثقة وأمل إلى سورية المستقبل .

إن مشروعنا السياسي يؤكد على بناء الدولة الحديثة التي نراها في تجلياتها المعاصرة ظلاً للدولة الإسلامية , التي تتباعد منهجاً عن الدولة الثيوقرطية بأسسها وأبعادها ,فالدولة الحديثة التي ننشدها تعتبر المواطنة بمفهومها العام أساساً للعدل والمساواة , وتقوم على تفعيل السلطات , وتبنى على أسس التعاقدية والتعددية , والتداولية , والمؤسساتية , إن التحدي الأكبر أمام الأقطار العربية في نظرنا , وأمام قطرنا بشكل خاص هو في إنجاز آلية عملية للتداول السلمي على السلطة , حيث ينبغي أن يكون سلم الديمقراطية ذا اتجاهين دون أن يتاح لأحد أن يعلق هذا السم أو يتجاوزه )

وقد التقى المشروع مع خطاب التتويج : ( وهذا الفكر يستند على أساس قبول الرأي الآخر وهو طريق ذو اتجاهين حتماً وبشكل آخر , أي ما يحق لي يحق للآخرين )

لكن ماذا نرى بعد قرابة خمسة أعوام على هذا الخطاب , وبتحقيق مطالب الأمة بكل أطيافها.

فإذن الحمد لله كل شيء على ما يرام ( الأمن مستتب , قبضنا على القتيل , والقاتل فار)فمؤسسات المجتمع المدني كلها موجودة , فلماذا الديمقراطية , ولماذا الإصلاح , ولماذا التغيير السياسي ؟ المعارضة دعاة التطوير والتغيير هم الانتهازيون أو الخونة ,كما يقول الرئيس الأسد

( لكن هناك نقطة أنا أعطيها الأولوية دائماً في إيقاف وتأخير وإعادة عملية التطوير إلى الخلف هي الانتهازية دائماً , الانتهازيون عندما يركبون موجة التغيير يخربون كل شيء , وهم طبعاً موجودون في الدولة وفي خارج الدولة , وهم يركبون موجة الإصلاح بهدف إما لأسباب ذاتية ترتبط بمصالح خاصة , أو ربما لأهداف تصل إلى حد نسف النظام الحالي , وهذا شيء لا نقبل به , فنحن نسير من خلال قناعات خاصة بنا , ومتأكدون من أنها تسير بالاتجاه الصحيح ... ونوع المشاركة هذا أهم شيء نقوم به , نشارك كل المواطنين , ومبدأ المشاركة هو مبدأ أساسي ..)

ماذا بقي إذن لم يكن رائعاً في الإصلاح السياسي

فكل مؤسسات المجتمع المدني قائمة .

وتشرك كل المواطنين

وغير ذلك أما انتهازيون لمصالح خاصة , وإما يريدون تغيير النظام , وهذا مالا نقبل به

وحتى ( الإخوان المسلمون) المشردون المنفيون تحت كل سماء هم عند الرئيس الأسد :

( هناك عدد من قادة الإخوان المسلمين عادوا إلى سورية , والذين كانوا منغمسين إلى حد ما في الأحداث في ذلك الوقت , عن هؤلاء القياديين الذين أدخلوا إلى السجن , وكانوا مسؤولين عن أعمال تدمير في الثمانينات الآن أخرجوا , وحتى الذين هم في المستويات العليا من السجن خرجوا من السجون والآن معظم الإخوان المسلمين يعيشون حياة طبيعية في سورية  , بالنسبة للموجودين في الخارج عدد منهم كما قلت من القياديين عاد إلى سورية , وعدد آخر من غير القياديين من الأشخاص العاديين المنسبين أو المتعاطفين مع الإخوان المسلمين يعود بشكل هادئ , وبشكل منظم , فالقضية ليست قضية عُقَد من الماضي , لكن هناك أسسا معينة , هناك الاعتراف بأخطاء الماضي , أعمال قتل حصلت ضد المواطنين السوريين , هناك تخريب , العمل السياسي في سورية له أقنية موجودة بشكلها الحالي .. وسيكون هناك شكل آخر لهذه الأقنية , المهم أن هناك إطاراً عاماً للعمل السياسي تحدده الأنظمة والقوانين ) تشرين 2/5/2004

لقد حلت مشكلة الإخوان المسلمين , ومعظمهم يعيشون حياة طبيعية في سورية ., وعشرات الألوف الموزعون في أصقاع الأرض بلا جوازات  , وبلا هوية , هؤلاء عاديون أو متعاطفون , والسبعة عشر ألف المفقودون في غياهب السجون , والذين تم إعدامهم , هم غير الذين شاركوا في عمليات القتل والتخريب , أما الذين شاركوا في القتل فقد خرجوا جميعاً من السجن .

لقد اعترف لنا – حسن خليل – مدير المخابرات العسكرية اليوم أثناء المفاوضات عام 1984م بين النظام والإخوان أننا كنا نعدم كل من قتل أو خطط لعملية قتل , ثم اكتفينا بعد ذلك بإعدام كل من باشر القتل فقط عندما هدأت الأحوال , والذين خرجوا من السجون اليوم ودخلوها في العشرينات , خرجوا كهولاً في الأربعينات معظمهم حبسوا على ذمة التحقيق , أو أنهوا أحكامهم منذ سنين , ولايزال المئات قابعين في أقبية المعتقلات والسجون .

1-       لم يخرج جميع المعتقلين السياسيين

2-       لم يصدر عفو عن المنفيين السياسيين ( طوعاً أو كرها) ولا يزالون بلا وثائق تثبت آدميتهم

3-       لم يلغ قانون الطوارئ ومحاكم الدولة , والقوانين الاستثنائية الأخرى .

4-       لم يصدر قانون انتخابات ديمقراطي لتنظيم الانتخابات

5-       لم يتم إطلاق الحريات السياسية ولاسيما حرية التعبير والرأي وقوننة الحياة المدنية السورية .

6-       لم يتم استقلال القضاء

7-       لم يتم إحقاق حقوق المواطن الاقتصادية

8-       لا يزال الإصرار على أساس أن أحزاب الجبهة التقدمية هي الأقنية السياسية الشرعية .

9-        لم تلغ صلاحيات وممارسة الأجهزة الأمنية , ومنعها من التدخل في الشؤون السياسية .

10- لم يعقد مؤتمر وطني عام تحضره كافة الشخصيات والقوى السياسية السورية في الداخل والخارج .

أفلا يحق لنا أن نقول وقد تجاوزنا منتصف العام الخامس من عهد الرئيس بشار الأسد , إن النظام السوري لا يزال في نقطة الصفر فماذا ينتظر ؟ ينتظر التدخل الخارجي حتى يقود شعبه إلى القبر , أم يأمل في أربعين عاماً أخرى من الحكم ؟!! أليس يرى فيمن حوله عبرة لمن يعتبر ؟؟

د. منير محمد غضبان

باحث إسلامي سوري