مقدمات حول تحولات القضية الفلسطينية

بين

الحق والحلم والممكن

الدكتور عبدالله تركماني

بعد صراع دامٍ لأكثر من خمسين سنة أضحى من شبه المؤكد أنّ الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، مثله مثل كل نظائره في العالم، لا يمكن حسمه حربا مهما طال الزمن، حيث تختلط فيه اعتبارات الجغرافيا والتاريخ والثقافة والدين والهوية والمصالح . فإذا اقتنع الرأي العام الفلسطيني والإسرائيلي بهذه الاستحالة، سيجدّ صناع القرار ويجتهدون في الوصول إلى تسويات ومصالحات تاريخية، تحفظ ماء الوجه و كذلك الحد الأدنى من المصالح والكرامة لكلا الطرفين، وتضع حدا لسفك الدماء والخراب . ويبدو أنّ الوصول إلى مصالحة تاريخية حقيقية يفترض توفر معطيات كثيرة، سأحاول في هذه المقدمات الإشارة إليها، على أمل تناولها بشكل أعمق في مقالات لاحقة .

ونقطة البداية هي أنّ ثمة منهجا واقعيا جديدا يتبلور على الساحة السياسية الفلسطينية، عبرت عنه غالبية جموع الناخبين الفلسطينيين في انتخابات الرئاسة بانتخاب أبو مازن الذي لا يرى في " عسكرة الانتفاضة " نفعا للفسطينيين، حيث الآلة العسكرية الإسرائيلية أقوى مما لدى عسكريي الانتفاضة من أسلحة خفيفة وصواريخ القسام . إضافة إلى بدايات تبلور رؤى واقعية لدى أوساط من الرأي العام داخل إسرائيل، وكذلك لدى أوساط يهودية مؤثرة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا .

ومن المؤكد أنّ الرئيس الفلسطيني أمامه تحديات كبيرة‏‏ تمثل كل منها معادلة صعبة‏‏ بات عليه مسؤولية حلها‏،‏ وصولا إلى تحقيق الحلم الفلسطيني وفقا لمشروع إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف والحل العادل لقضية اللاجئين‏،‏ وفي مقدمتها معادلة العلاقة بين السلطة والفصائل الفلسطينية المسلحة للقضاء على الفلتان الأمني، وضرورة التوصل إلى رؤية مشتركة تحقق إبرام هدنة مع إسرائيل لوقف متبادل لإطلاق النار‏‏ يهيء المناخ لبدء المفاوضات حول قضايا الحل النهائي للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي .‏ إضافة إلى ضرورة العمل لرفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني وتحسين مستوى معيشته‏ .

وإذا كان صحيحا أنّ السياسة هي " فن الممكن "، لا بد أن تراعي الوقائع وموازين القوى، فإنها أيضا استشراف وبناء وحسن استكشاف، وإلا تحولت إلى نمط من الاستجابة الميكانيكية الآلية لمعطيات وظروف ضاغطة . وفي هذا السياق، من حق القيادة الفلسطينية الجديدة السعي لإخراج الوضع من مأزق امتد طيلة سنوات خمس متتالية، خلّف آلاف الشهداء والأسرى والمعوقين والآرامل، وأفضى إلى تدمير البنى التحتية الفلسطينية، بإحياء مسار المفاوضات والتسوية .

إنّ الفلسطينيين يتوقعون من الرئيس أبو مازن تحسين أوضاعهم المعيشية والأمنية وتحسين ظروف تحركهم في أرضهم واستعادة حريتهم، كما يتوقعون أن تنعكس أموال المساعدات على هذه الظروف والحد من الفساد، كما أنهم ضاقوا ذرعا بفوضى السلاح وأهدافه، إلى حد لم يعد تعرف معه حدود المواجهة مع القوات الإسرائيلية والتسلط على الناس وفرض الخوات وأعمال الخطف والابتزاز . ولا شك أنّ هذا التحدي، وإن ترابط وارتبط بتحديات أخرى كفرض سيادة القانون والتعامل بحكمة مع الأوضاع الداخلية، إلا أنه يبقى التحدي الذي يأتي أولا في الترتيب الزمني .

(1)

 إنّ إنهاء العنف المتبادل سيكون مهما لأية مفاوضات يمكن أن تؤسس لمصالحة تاريخية حقيقية، إذ تمثل " عسكرة الانتفاضة " من جهة، و " إرهاب الدولة " الذي تمارسه قوات الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى، مربط القضية أو لبها الأساسي . وبعيدا عن الحديث عن الاحتلال ومع التعامل معه باعتباره قائما في خلفية المشهد، ورغم التبريرات التي تقدم لفكرة العسكرة كونها رد فعل على الاحتلال، فإنّ العسكرة تحولت، في ظل آلة إعلامية ضخمة وظروف دولية غير مواتية وتحركات غير محسوبة في بعض الأحيان فيما يخص التوقيت والمستهدف من العمليات، إلى‏ عقبة‏ رئيسية في سبيل التسوية، وأصبحت كافة الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة تؤكد علي ضرورة ترك الفرصة للمفاوضات وإنهاء العنف‏ .

باختصار، القضية أنّ أبا مازن فاز في الانتخابات، ومن حقه أن يختبر برنامجه السياسي وأدواته لتحقيق هذا البرنامج، وليس من حق أية قوة سياسية فلسطينية، شاركت في الانتخابات أم لم تشارك، أن تضع الـ " فيتو " على تطبيق هذا البرنامج الذي منحه الناخب الفلسطيني ثقته.  خاصة أنه لم يتكلم بلسانين في الحملة الانتخابية، فقد كانت مواقفه واضحة، وحاز على ثقة الناخب الفلسطيني بناء على هذا البرنامج الذي يقول بالثوابت الفلسطينية:  انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي المحتلة عام 1967، وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وإزالة المستوطنات، وحل مشكلة اللاجئين حلا عادلا .

ومهما كان الخلاف مع خط التسوية يتوجب إعطاء فرصة للقيادة الجديدة لاختبار إمكانية الوصول لصيغة حل مقبولة ترضي مطالب الشعب الفلسطيني الأساسية عن طريق التفاوض وثقل الديبلوماسية الدولية . فلا بأس ولا ضرر من ترك القيادة الفلسطينية تجرب خياراتها وخططها التفاوضية، على أن تحفظ لقوى المجتمع المدني الفلسطيني حقوقها في ممارسة خياراتها النضالية السلمية ضمن ضوابط وحدة الصف والتنظيم الديمقراطي المفتوح والحر.

ويبدو أنّ الرئيس أبا مازن يريد للفلسطينيين أن يعطوا صورة شعب مسؤول، يتجنب العنف ويتمسك بالديموقراطية ويستحق أن يُقبل به كشريك، سواء بالنسبة لإسرائيل أم على الصعيد الدولي . ولطالما آمن أبو مازن بأنّ استخدام السلاح ضد إسرائيل - المتفوقة جدا - أمر يشبه الانتحار، وبأنّ تغيير السياسة الإسرائيلية لا بد أن يأتي نتيجة صراع القوى داخلها .

(2)

تواجه القيادة الفلسطينية مجموعة من التحديات الهامة على الصعيد الداخلي، سواء فيما يتعلق ببنية النظام السياسي الفلسطيني نفسه أو في العلاقة بين النظام وبين الفصائل المسلحة‏ .‏ وتمثل هذه التحديات في مجملها قضية التحول من نظام سياسي فلسطيني لـ " الثورة " إلى نظام مختلف لـ " الدولة " قائم على المؤسسات الدائمة الحضور وليس على الأشخاص الزائلين ‏.‏ مما يفرض ضرورة تفعيل المؤسسات وتحديد الأدوار والسلطات، خاصة وان فترة الزعيم الراحل ياسر عرفات بما حملته من إيجابيات فرض القضية الفلسطينية كرقم صعب في معادلة الشرق الأوسط، ومن سلبيات شخصنة النظام السياسي الفلسطيني وتهميش مؤسساته قد انتهت . إلى جانب أن الاستناد على مؤسسات فعالة في اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بمراحل التسوية القادمة تعد هي الحل الأساسي، سواء للتفاوض أو التطور السياسي الفلسطيني‏ .‏ وخلال فترة تفعيل المؤسسات وإعداد النظام السياسي الفلسطيني للمرحلة القادمة فإنّ أحد الاستحقاقات التي لابد من إنجازها تتمثل في شعور الفلسطينيين بوجود تغيير نحو الأفضل، وهو ما يستلزم تحقيق إنجازات محسوسة على مستوى الحياة وتخفيف المعاناة .‏ إذ أنّ الفلسطيني العادي ينتظر محاربة الفساد، وخلق فرص العمل، وإعادة تأهيل المؤسسات التعليمية، وفرض الأمن ووقف المظاهر المسلحة لـ " الزعران "، الذين يرعبون الناس بحجة المقاومة .

لقد كانت الديموقراطية الفلسطينية - ولا تزال - أحد المكونات الأساسية للهوية الوطنية والرابط الأوثق بين الأطياف الواسعة من الآراء والاتجاهات السياسية . كما أنها كانت أحد أسلحة المواجهة مع العدو الإسرائيلي، فضلا عن كونها إحدى وسائل البقاء في عالم أضحت فيه الديمقراطية عنوانا بارزا . وبعد رحيل الزعيم الذي قاد النضال الفلسطيني لعشرات السنين يبدو أنّ الشعب الفلسطيني بات مقبلا على مرحلة جديدة، تتطلب تعميق عملية تنمية تقاليد ديمقراطية حقيقية وبناء مؤسسات راسخة تكون قادرة على تسريع وتيرة الإصلاح الداخلي الذي طال انتظاره وترتيب أوضاع البيت الفلسطيني على أسس راسخة .

 وغني عن الذكر أنّ إجراء الانتخابات التشريعية القادمة ستساهم في تعميق الشرعية، وفي صيانة الوحدة الوطنية والصمود أمام الضغوطات الدولية والإقليمية، كما تعتبر خطوة أساسية على طريق الإصلاح والتغيير الداخلي وإقامة مؤسسات وطنية منتخبة هي بمثابة أغصان جديدة في شجرة الديمقراطية التي نأمل أن تكون نامية في فلسطين .

وفي كل الأحوال فإنّ الفلسطينيين معنيون بالمضي في نهج الواقعية السياسية، باعتباره النهج الذي يمكّنهم من تأكيد حضورهم كشعب في المعادلات السياسية الإقليمية والدولية، وإظهار إسرائيل على حقيقتها كدولة استعمارية استيطانية عنصرية في المنطقة . إذ بينت التجربة أنّ الصراع المعقد والمضني مع إسرائيل، لا يرتبط بقيم الحق والعدالة فقط، وإنما يتطلب أيضا التعامل مع واقع السياسة باعتبارها حقلا لصراعات موازين القوى والمعطيات الدولية والإقليمية . وإزاء ذلك بات من المهم أن تضع  القوى الفلسطينية أجنداتها الخاصة جانبا، لاسيما في هذه الظروف الدولية والإقليمية العصيبة والفريدة، وإعادة النظر بخطاباتها وأشكال عملها الخاصة، والالتفاف حول برنامج الإجماع الوطني، برنامج الحرية والاستقلال، المتمثل بإقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، باعتبارها خطوة مهمة على طريق تقويض المشروع الصهيوني، المرتكز على إنكار وجود الشعب الفلسطيني وتغييب وجوده الاجتماعي والسياسي .

(3)

 إنّ الاهتمام العالمي الجامح الذي قوبل به نبأ مرض الرئيس الراحل ومن ثم رحيله، إنما هو دليل على ترسخ القضية الفلسطينية في الوعي العالمي والوجدان الإنساني، كقضية شعب يناضل من أجل الحرية والاستقلال . فهذا الاهتمام لم يكن مجرد ردة فعل على غياب زعيم لعب دورا مهما في الساحة الشرق أوسطية على مدى أربعة عقود وحسب، وإنما يعتبر أيضا اهتماما عارما بأهمية القضية الفلسطينية ومدى تأثيرها على السلام العالمي . فهل ستتمكن القيادة الفلسطينية من توظيف هذا الوعي العالمي للقضية الفلسطينية بصورة تتناسب وعدالة هذه القضية، قضية شعب يناضل من أجل الحرية والاستقلال ودحر الاحتلال ؟ .

إنّ الكفاح المشروع من أجل الحق يجب أن يقرأ حسابا للواقع والتحولات الإقليمية والدولية التي تساهم في صناعة واقع مختلف لا يستجيب - بالضرورة - إلى مصالح الطرف صاحب الحق، مهما كان متمسكا بحقه ومناضلا من أجل استعادته وفرضه . فالسياسة هي في النهاية فن الممكن، ورؤية موضوعية لواقع التحولات الدولية، والتفاوض مع العقبات والمراوغة المشروعة من أجل إحباط مخططات العدو.

وعليه، فإنّ الفلسطينيين يحتاجون، في هذه المرحلة المصيرية المهمة من تاريخهم، إلى قادة يستمدون شرعيتهم ووطنيتهم من مصارحة شعبهم ومواجهته بالحقائق والتعامل بواقعية ومرونة ووعي وحكمة مع الأوضاع الفلسطينية البالغة الصعوبة والخطورة والتعقيد ومع المعادلات الإقليمية والدولية، وهم ليسوا بحاجة - إطلاقا - إلى مسؤولين يبيعون شعوبهم الأوهام ويتمسكون بشعارات ومطالب هم غير قادرين على تأمين أي منها وهي غير قابلة للتحقيق أساسا، فيقودون الفلسطينيين -  حينذاك -  من كارثة إلى أخرى ومن واقع سيئ إلى واقع أسوأ.

إنّ الأوضاع الفلسطينية كلها أوضاع استثنائية‏،‏ وصعبة،‏ ومعقدة‏،‏ وفيها قوى دولية وأطراف إقليمية ومحلية،‏ واحتلال يمارس " إرهاب الدولة " إلى أقصى درجة‏,‏ ويستند إلى تأييد الإدارة الأمريكية وصمت دولي‏‏ وعجز عربي . وكل هذا يفرض على الفلسطينيين أن يكونوا في منتهي اليقظة والوعي‏،‏ وأن يحسبوا لكل خطوة حسابها،‏ وألا ينساقوا وراء الشعارات والانفعالات‏،‏ وأن يسيروا وراء قيادتهم الحكيمة دون أن تبدد قواهم الخلافات،‏ لأنّ العالم ينظر إليهم وينتظر ما سيقومون به ليحكم لهم أو عليهم،‏ وليساعدهم أو يتخلى عنهم‏،‏ وليؤيدهم أو يشارك في إدانتهم‏ .‏

إنّ الانتقال السلمي للسلطة بعد وفاة الرئيس عرفات، ثم الانتخابات الرئاسية الديموقراطية الشفافة والنزيهة وإعلان نية إجراء انتخابات تشريعية في 17 تموز/يوليو المقبل واستكمال الانتخابات المحلية، كل ذلك من شأنه أن يضع القيادة الفلسطينية على أرضية صلبة في تعاملها مع إسرائيل ومخاطبتها المجتمع الدولي، كما سيوفر للقيادة موقعا ممتازا لمخاطبة العالم لأنها تطالب بتطبيق نصوص الشرعية الدولية وقراراتها .

(4)

 إنّ القرارات والإجراءات التي اتخذها الرئيس الفلسطيني تضع شارون في مأزق، ومن هنا مصدر القلق على أبي مازن، فاليمين الإسرائيلي يشعر بحرج حقيقي من سياساته العقلانية التي تدفع باتجاه السلام والحوار، وهو ما لا يريده المتطرفون الإسرائيليون .

إنّ الفرصة سانحة لتحقيق الأمان للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، لكنها ستضيع إذا لم تكن مبنية على اعتراف متبادل بالمساواة التامة بينهما وعلى تبادلية وتزامن توقف العنف . إذ أنّ توقفا متبادلا متزامنا لإطلاق النار من شأنه أن يمكّن رئيس الحكومة الإسرائيلية شارون من أن يقول إنه حقق الأمن لشعبه، كما يمكّن الرئيس الفلسطيني من أن يحقق في المقابل الأمان لشعبه وتخفيف معاناته عن طريق إنهاء إسرائيل احتلالها للمدن الفلسطينية، وإزالة حواجزها العسكرية وترميم الاقتصاد وتحسين الأحوال المعيشية وتحرير الأسرى والتركيز على الإصلاحات الداخلية . وبعدئذ يمكن، بل يجب العمل، على ربط انسحاب إسرائيل من قطاع غزة وأربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية بمرحلة المفاوضات حول القضايا النهائية من " خريطة الطريق "، وبما يحقق الدولة الفلسطينية المستقلة والقابلة للحياة .

وأظن أنّ الرئيس الفلسطيني لا يحمل أوهاما حول المدى الذي يمكن أن تصل إليه التحركات السياسية الجديدة، ولكنه يسعى إلى تقليص الخسائر الفلسطينية وتوسيع جبهة الأصدقاء وتحسين وضع الفلسطينيين قدر المستطاع . إذ من المرجح أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون لن يقدم غير " الدولة المؤقتة " التي تترجم مشروع الحل الانتقالي البعيد المدى، مما سيجعل مخاوف الفلسطينيين مشروعة، يجدر وضعها في عين الاعتبار والتفكير الجدي في الطريقة المناسبة للتعامل معها .  

وهكذا، هل يمكن للرئيس الفلسطيني أن يحقق برنامجه المعلن للشروع في مفاوضات لها معنى ؟ . وهل ستساعده قوى المعارضة الفلسطينية في التغلب على العقبات وتساند توجهاته وتقوي موقفه في الساحة الدولية أم أنها ستضعفه وتزيد في الخسائر الفلسطينية ؟ .

في كل الأحوال لا وقت للخلاف الفلسطيني - الفلسطيني، تحت الاحتلال الإسرائيلي، وتحت هراوة شارون .

 

تونس في 7/2/2005                         الدكتور عبدالله تركماني

                                          كاتب وباحث سوري مقيم في تونس