في"موسم الكرز" العراقي

أصوات إيديولوجية متناكفة تراهن على "قطاف" مهول.!!

 

 بقلم: فيصل جلول

كاتب وصحافي لبناني مقيم في باريس

 

أكبر الظن أن الحاج فيصل كان يهتم ببعض الماركسيين ( لينينيون ـ تروتسكيون ـ جيفاريون ـ ماويون ـ ألبانيون  ـ كوريون ـ تيتويون) من باب إشاعة الاستقرار و الطمأنينة في لبنان عموما وفي المنطقة التي يعيش فيها خصوصا والأرجح انه كان يرصد بعض أفكارهم بفضول لا يرتقي إلى حد التوقع بأن يرى بعضهم ذات يوم يحث الخطى أمامه في "موسم الكرز" العراقي وهو العنوان اليساري أو التروتسكي على ما يظهر لحملة الانتخابات العراقية  الجارية. ذلك أن في أجندة الحاج فيصل "ترميدور" آخر لا جامع يجمعه مع "ترميدور" صاحب "الثورة المغدورة".

 

 يعتقد الحاج أن " ترميدور" الأثني عشرية بدأ مع التنكر ل"بيعة الغدير" وكل ما حصل ويحصل منذ ذلك الحين حتى اليوم ـ بما في ذلك انتخابات نهاية الشهر الجاري ـ هو من التفاصيل التي تسترعي الاهتمام لكنها في نهاية المطاف ضئيلة الأثر, فالأصل يكمن في عودة "الغائب" ليملأ الأرض عدلا ونورا بعد أن ملئت ظلما وجورا..ولو وجد الحاج وهؤلاء في بيئة أخرى غير البيئة اللبنانية لربما تجاوز الأمر الرصد العادي للأفكار والمواقف إلى عقبى غير محمودة.."أي نعم" بلا حسد فنحن في لبنان هذه الأيام أبناء بيئة فينيقية عبقرية معمرة منذ عشرة آلاف سنة (لماذا ستة فقط؟) طبعا قبل القرار 1559 وستعمر بحول الله بعده إلى أن يرث الخالق الأرض وما عليها بما في ذلك الأصوات الإيديولوجية المشاركة في احتلال العراق وفي انتخاباته "الديموقراطية" كذا. 

 

ويتراءى لي أن السيد علي وهو وريث السيد محمد حسن في انفتاحه وسعة افقه وصدره ما كان  بوسعه هو الآخر أن يتخيل ذات يوم أن يرى "ضرّيبة" يساريين (جمع ضرّيب مع تشديد الراء ) في الاقتراع العراقي الموعود ومن بينهم "ضرّيب" تروتسكي يهتف للسيد السيستاني "الأكثر إثمارا" وفي أقصى ذاكرته "شهيد" المكسيك الذي هوى تحت ضربات "منكوش" قاتل ستاليني وما كف رفاقه منذ ذلك الحين عن الرجاء "بفوز عظيم"  تكلله شيوعية نموذجية في فضاء شامل لا تغيب عنه الشمس.

 

وأتخيل أن توفيق على الرغم من الغثيان الذي يصاب به لدى ورود أنباء الذبح والقتل المنسوبة ظلما للمقاومة العراقية قد ذهل عندما قرأ تصريحات لتروتسكي آخر هو العراقي  كنعان مكية يرى فيها أن أطنان القنابل التي  نزلت على بغداد من القاذفات الأمريكية العملاقة أشبه على نفسه بوقع موسيقى روسيني في "حلاق اشبيلية" ف "مكية" يفخر على ما يبدو ب"حلاق واشنطن" قدر افتخاره ب "بومارشيه"  الذي كان يشتري أسلحة لليعاقبة في فرنسا علها تنقذهم من أل"ترميدور" الأصغر القادم مع "مجلس الإدارة"  والأكبر مع نابليون بونابرت.

 

نعم لقد أصبح بعض التروتسكيين, قبل حرب العراق وانتخاباته, نجوما بعد أن انتصروا على النظام السوفيتي بواسطة "حرب النجوم" ونجمها اللامع رونالد ريغان. قدم الانتصار برهانا عظيما على ما ذهب إليه ليون تروتسكي في صراعه مع جوزيف ستالين حين أكد أن الاشتراكية لا تنتصر في بلد واحد وأن انتصارها التام رهن ب"ثورة دائمة" تفضي إلى السيطرة  الشيوعية على العالم بأسره. في هذه السيرورة فقط يمكن لمجتمع من "كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته" أن يصبح حقيقة واقعة و أن ينتهي التاريخ  فعلا وليس بقول مستعجل للعم فوكوياما.

 

لكن ما الذي يفعله ورثة "الثورة الدائمة" بانتصارهم؟ تختلف الأجوبة باختلاف التروتسكيين فالسيدة آرليت لاغييه زعيمة "حركة النضال العمالي" في فرنسا ما فتئت تخوض الانتخابات وفق برنامج يقضي بإلغاء الملكية الخاصة في بلادها ويعمل منافسوها في "الرابطة الشيوعية الثورية" في الاتجاه نفسه ويعارض الطرفان حرب العراق واحتلاله.في حين يعمل السيد ريتشارد بيرل في أمريكا مع المحافظين الجدد على نشر "الحرية" في العالم بأسره فهي كالاشتراكية لا تنتصر في بلد واحد. وحتى لا يداعب الشك رؤوس السامعين ردد جورج بوش كلمة الحرية أربعين مرة في خطاب التنصيب ربما بما يعادل أربعين حربا قادمة إذا أطال الله بعمره وعمر مستشاريه "اليساريين" الجدد. نعم الحرب الدائمة كالثورة الدائمة أما الاشتراكية الأممية الشاملة فلها "موسم قطاف" خاص قد يحل في الألفية العاشرة بعد انتشار الحرية والليبرالية وزوال القوميات والهويات والأعراق و سيادة المتشابهين على الأرض بأسرها.

 

في عالمنا العربي يبدو أن القبضة المعروفة والمتنافرة من هذا التيار لا تجمع على خيار واحد كما أعضائه الحاليين أو السابقين في العالم بأسره. فالبعض مازال يطرب لإيقاع آلة الحرب الأمريكية في العراق والبعض الآخر يعارض الحرب والاحتلال لكنه يؤيد الانتخابات ويشد على يد المرجعية الشيعية في ممارسة "الإقتراع التعددي الأول" بعد انهيار "الطغيان البعثي" باعتبار أن الاحتلال ليس طغيانا وأن الانتخابات الحالية لا تتم في ظل الطغيان الأمريكي بل ربما هو بنظر هؤلاء "طغيان ديموقراطي" أو "إحلال" على ما يلح أحد المنافقين العرب في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

  هكذا يجذب "موسم الكرز" العراقي أصواتا أيديولوجية متناكفة في حالتها الطبيعية و تنتظر القطاف في انتخابات يراهن المحتل من خلالها على تأبيد الانقسامات العراقية وتشريعها ومن ثم البقاء إلى ما شاء الله على خطوطها الفاصلة.ذلك هو "موسم الكرز" العراقي فيه يحرس المستر"هايد" صناديق الاقتراع  فيما الدكتور "جيكل" يلوح من وراء المحيط بفرنكشتاين تارة وبأبي مصعب الزرقاوي تارة أخرى. في هذا الموسم المهول حيث تتشابك الحدود الإيدويولجية يصح العجب باللهجة العراقية " هم تروتسكي وهم أمريكي كمان"!!

 

انتهى.