هذه ثقافتنا يا أستاذ ياسين

بقلم: إسماعيل أحمد

في مقال له بعنوان (موقع الثقافة في مشروع الإسلاميين السوريين) بجريدة السفير اللبنانية كتب ياسين الحاج صالح مقالا زعم فيه " الثقافة" في "المشروع السياسي لسورية المستقبل" لم تكن ذات دلالة واضحة، وغاب التعريف بالمفهوم في رؤية الإخوان المسلمين لها مع أنهم ذكروها عدة مرات في فقرات تختص بقضايا الشباب والمرأة والإعلام والتربية، وأنها حيثما أتت في مشروعهم كانت ملحقة مرسلة دفاعية تتمحور حول العدوى والتحصين من العدوى! وهذا ما دعاه للخوض في سر في ما افترضه من موقف! وفيما أود تذكير الكاتب القدير أن مفردة الثقافة أحصيتها شخصيا بتسع وخمسين مفردة في المشروع، ليسمح لي أن أخالفه الرأي في ذلك الاستبطان والخوض في أسرار أمر لا سر فيه أصلا!

لا أعتقد بداية أن مفهوم الثقافة غائبا عن الطرح وإن كان بعيدا عن ذلك التصور الخاص الذي افترضه لها دون برهان!

فالثقافة "Culture" كما هو معروف مشتقة من حرث الأرض وزراعتها، وقد ظلت اللفظة مقترنة بهذا المعنى طوال العصرين اليوناني والروماني.  وفي فترة لاحقة استخدمها المفكر اليوناني "شيشرون" مجازًا بالدلالات نفسها، حين أطلق على الفلسفة "Mentis Culture" أي زراعة العقل وتنميته. وعرفها  إدوارد تيلور (1871م) في كتابه "Primitive culture"، بأنها "ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعرف وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بصفته عضوًا في مجتمع".

والحقيقة أن "المشروع السياسي لسورية المستقبل" تناولها في هذا السياق نفسه حين قال: (إن الواقع الاجتماعي بكل أبعاده: الفكرية والثقافية، والسلوكية، من عادات وتقاليد، وأنماط للعيش، كل ذلك الواقع الذي يعد أساسا لحياة الناس، ....إن الواقع الاجتماعي لشعبنا، وما يزخر به من عقائد وأفكار وعادات وتقاليد، يشكل أرضية مادية ملموسة لمشروعنا الحضاري، .... نعتقد أن ثقافات الأمم، وتجارب الشعوب، ومعطيات الحضارة الإنسانية بشقيها المادي والمعنوي هي مصدر إغناء لمشروعنا الحضاري) ص12. فمفهوم الثقافة بهذا لا يخرج عن الإطار الذي عرفه به تيلور نفسه شاملا المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعرف والقدرات، وهو حيث يرتبط بالعقائد والعرف والأخلاق والقانون، فإنما يرتبط حتما بالهوية التي حاول الكاتب أن يتجاوزها ويقطع حبال الوصل بها!

الثقافة في رؤية الإخوان كانت تستمد مرجعيتها بوضوح من ثوابت الشريعة، والمتفرع عنها مما يتغلغل في ضمير الفرد والجماعة، ويشكل المكون الثقافي المهيمن والمتفرد، حتى في (لاوعي) أولئك الذين يتظاهرون بالتمرد على الإسلام، أو بمحاولات الانخلاع منه. كما أن اشتراك الإسلام مع المسيحية في التأكيد على كثير من هذه القيم، باعتبارهما رسالتين سماويتين. صدرتا أصلا عن مشكاة واحدة، يعزز قيمة هذه المرجعية (القيمية)، ويبسط سلطانها على مجموع أبناء شعبنا. إضافة لعامل مشترك يدعم المرجعية الإسلامية  يمكن تسميته (بالقانون الفطري) و هو: منظومة القيم المكنونة في أعماق الفطرة الإنسانية، وإلى جانب هذه المشاركة العامة بالمرجعية (القيمية) ثمة التوحد بالاعتزاز بالإنجاز الحضاري الذي تم عبر تاريخ مشترك متجذر في أعماق التاريخ. هذا ما ورد تماما في ص25من المشروع، فهي ثقافة منفتحة (على الفكر العالمي، والاستفادة من التجربة البشرية المتراكمة على مر السنين، التي لا تتعارض مع ثوابت الإسلام) ص101، (تشجع كل اجتهاد ثقافي أو اجتماعي أو سياسي  لا يتعارض مع قواطع شرع الله، وتتفاعل معه) ص21. ومن هنا جاءت الدعوة إلى: (إقرار الحريات العامة ، وإشاعة ثقافة الحوار في المجتمع بدل ثقافة الإقصاء و ثقافة التعايش بدل ثقافة الاستئصال) ص22

هذا من حيث الحديث عن المكون الثقافي كمفهوم واضح ومحدد للثقافة الإسلامية المنفتحة والعصرية والواقعية، خارج إطار ما ذكره الأستاذ من إلحاقات وإضافات ضمت إليها، أو ضمت هي إلى تلك الملحقات! مع وجود هذا وذاك بطرح بين يعزز ذلك المفهوم المتشعب للثقافة والمظهريات المتنوعة التي تتبدى بها، مما يقتضي في بعض الأحيان حكما تفصيليا يتناول كل لون من ألوانها، خاصة مع الخلط الذي يعمد إليه بعض الليراليين واليساريين وسواهم بين الإبداع والابتداع، أوالكفاح والإرهاب، أوالاختلاف والافتراق، أوالحرية والفوضى...إلخ.!!

الوصائية التي اتهم الأستاذ ياسين رؤية الإخوان بها سلوك ينفر منه المشروع وقد صرح بذلك حين قال: (الدعوة إلى احترام الخصوصيات الثقافية والاجتماعية، وتشجيع الحوار والتفاهم بين الحضارات المختلفة لمصلحة الإنسانية بدون وصاية أو إملاء) ص110، إلا إن كان يقصد بالوصائية ما يمنع من حجر حرية الفرد حين تتمادى وتتعدى إلى حدود الغير!!

نعم سيبقى لهوية الأمة سلطانها العرفي والأخلاقي والاجتماعي والثقافي عامة على الجميع، لكن أحدا لا يقول بأن هذه الهوية عرضة لادعاءات من فصيل أو آخر بأنه الناطق باسمها، ولا هو مقبول أن تكون عرضة للمساومة سواء قبلنا أو رفضنا برنامج هذا الفصيل أو ذاك! ولا أظن أن المشروع طرح مرة هوية خاصة بالإخوان أراد فرضها على المجتمع السوري، ولكنه تحاكم إلى تلك الهوية المتجذرة في الشعب السوري عامة، ويكون خلطا فاضحا حين نقارن بين هذا الانتماء الأصيل للهوية الجامعة وقاسم شعبنا المشترك الجامع إلى اتهام بالوصاية!!

أما بخصوص التحصين الذي يراه السيد ياسين قاصرا على "الوبائيات والعسكرية" تحكما! فهو موقف متلازم مع نظرته لهوية الأمة، فإن كان موقفه أن ليس ثمة هوية جامعة تمثل المجتمع، فما ثمة عولمة ثقافية تتهدد حصوننا الاجتماعية والثقافية من الداخل، وتحاول أن تنشر في ربوع الأمة ثقافة الخضوع والتبعية والقابلية للاستعباد! وإن كان ما ثمة فكر هدام يتهددنا في فلسفة الكاتب المحترم، فما حاجتنا "للتطعيمات" والتحصين! ومن هنا فلم يكن ليعجبه الحديث عن الثقافة "كخصوصية او كتراث أو كهوية ولا حتى كحضارة" لأن هذا في رأيه كلام مبهم لا مفهوم له!

الثقافة كما يراها الأستاذ ياسين محض تمرد و فوضى وهياج وثورة عمياء مطلقة من أسار الأخلاق والعرف والهوية، وهي بهذا وحده تكتسب فاعليتها كإبداع وتجديد وحرية!!! فهي حسب تعبيره: (خروج على الأصل والوصاية، خروج على النص، خروج من البيت، تحطيم للسياج، تمرد على السلف، "قتل للأب"، ومخالفة للأمر ولأولي الأمر)!!!!!

وكم من قيمة ثقافية في تصور الأستاذ ياسين لا صلة لها بالقيم الأخلاقية! وواجبنا حيالها أن نحميها ونتداعى لنصرتها مهما كانت مخرجاتها الأخلاقية ما دامت ثقافة بغض النظر عن موقف الأخلاق والعقائد والعادات منها! ولأجل هذا أجد افي مقاله عبارات مرسلة غير منضبطة يعرف بها الثقافة، حتى ولو كانت قتل الأب وتحطيم السياج!! وبالتالي تصبح في نظره "كعدوى مرغوبة" لماذا؟ لأن الوقوف في وجه المخرب وقاتل الأب ومحطم السياج هو سلوك مضاد للثقافة وحرية الثقافة حسب تعبير الأستاذ المحترم!

وعليه فمنكر غليظ أن يقول المشروع في سياساته الإعلامية: (تحصر الرقابة الإعلامية في حدودها الدنيا المتعلقة بثوابت الأمة، معتمدة في ذلك على الوازع قبل الرادع وتتصدى للعولمة الفكرية والحضارية، التي تهدف إلى محو خصوصية الأمة ورسالتها) ص96، لأنه ما ثمة عولمة وخطر يتهددنا، بل تلاقح ثقافي وإبداع وتنوير حتى ولو كان أدب بورنو وصهينة وتجديف واستخفاف بكل ثوابت الأمة!

وهكذا فإن غاية الانكفائية والوصائية دعوة الإخوان إلى: (تحصين مجتمعنا العربي المسلم، من كل الدعوات الهدامة التي تتبناها منظمات رأسمالية تحت رايات عميّة، مثل مؤتمرات الإسكان ومؤتمرات (المرأة)، التي تسعى حثيثاً لهدم الأسرة، وتعويم العلاقات الإنسانية بين الرجل والمرأة، وتدعو إلى أشكال من العلاقات الإنسانية المبتذلة، تحت شعارات الحرية الفردية، التي قادت (الغرب) إلى حالة من الانحلال الاجتماعي، والفوضى والإباحية، ونشوء جيل كامل من الأبناء ناقصي الإنسانية، مجهولي النسب.) ص 46، كيف يجرؤ المشروع على هذه الوصائية؟ وما الفرق بين الإخوان وبين "تيارات إسلامية شديدة التعصب .... هذا موقف عدمي بحق، وظلامي بحق، ومعادٍ للحضارة بحق. وأهم من كل شيء معادٍ للحرية"!!!

كيف يقول المشروع:(إن دمج العالم ثقافيا وسياسيا واقتصاديا، وطمس خصوصيات الأمم والشعوب في مطحنة السلع الرأسمالية، ليشكل غولا يتهدد المصير البشري، ليس لمصلحة ثقافة، ولا أمة، وإنما لمصلحة فئة محدودة منهومة، لا يكاد يقيد مسيرتها قيد أو رادع) ص38. ما هذاالوهم؟! هل هناك حقا ما يتهدد المصير البشري ، لماذا تعادون الثقافة؟!

لقد غاب عنا هذا المفهوم المبعثر العبثي للثقافة الذي اكتشفه الأستاذ ياسين أو لعله ورثه من بقايا الديناصورات الشيوعية المنقرضة! ولن تجد في صفوفنا مثقفا إسلاميا واحدا بهذا المفهوم لأننا لا نقبل بحال قتل الأب كفضيلة، ولا نعتبر تخريب الديار والإفساد فيها وتحطيم سياجها عملية تنوير بحال، بل ولا نرى الثورة محمودة في كل حال، فأهم من أي عملية عسكرية أو ثقافية أو سياسية أهدافها، وإنما الأعمال بالنيات، والنوايا والأخلاق والقيم هي من يفرق بين الإرهاب والكفاح المشروع، أو بين معارضة الوطنيين الشرفاء وخيانة العملاء الأذناب، أو بين التنوير والتزوير....

على أنه ليس صحيحا أن المشروع السياسي لسورية المستقبل لم يتناول المثقف بكلمة! فقد جعل المشروع أهم أهداف العملية التعليمية أن ينشأ جيل مثقف متعلم جاد يعي واجباته تجاه وطنه و قضايا أمته و التحديات التي يواجهها ص 98 لكنني أتفهم الآن لم لم تشمل هذا الجيل بمفهوم المثقف الذي تتبناه، فهذا الجيل في ما ينظر إليه التربويون لا يسعى لقتل الأب ولا لتحطيم السياج، بل يسعى لتوقير الكبير واحترام الصغير ورعاية البناء وتوسيعه والعناية به لا هدمه وتقويضه، وبالتالي فلا يستحق أخلاقيون كهؤلاء أن يكونوا مثقفين أو مبدعين، ويالها من ثقافة!

كما أنه ليس صحيحا أن المشروع أهمل الفنون الهادفة والترفيه البريئ، فقد أشار إلى هذا مرارا في معرض طرحه الإعلامي المقتضب، حيث ورد أن الجماعة تستشعر المسؤولية في البناء الفكري والثقافي، وتشجيع روح الإبداع الفني الهادف، وتدعو إلى: دعم وترسيخ حرية التعبير والتفكير والإبداع والتنمية والتطوير، على مختلف الأصعدة السياسية والثقافية والفنية وغيرها، بما لا يتعارض وثوابت الأمة. ودعم وتشجيع ونشر مختلف أشكال الفن والترفيه الهادف والبريء.)ص96.

على أنه علينا قبل أن نطالب المشروع أن يخوض في تفاصيل مفاهيم النقد والفن والمخيلة والسينما والمسرح والرسم والنحت والرواية والقصة والموسيقى والغناء والآثار والمتاحف،  علينا أن نتذكر  بأن مشروعا سياسيا عاما لا يمكن أن يشمل كل هذه التفاصيل في ما يعرضه من خطوط عريضة لا يقتضي المقام والظرف أوسع منها طرحا، لا استخفافا بها ولا تنكرا لدورها الهام، ولكن لأنن الجماعة تؤمن مع ثلة ضخمة من المثقفين بأنه: (لا إبداع بلا حرية) فحرية شعبنا هي مطلبنا الأول، وبعدها يمكننا أن نتعاون مع كل الخيرين من أبناء الوطن في إثراء هذه الفنون والإبداعات..

مما أرى أنه أشكل على الأستاذ ياسين أيضا أنه ظن أن المشروع اتخذ موقفا اشتراكيا مناوئا لفردية الإنسان بالمطلق! والحقيقة أن المشروع وإن كان ذم الفردية الراسمالية الجشعة الاستئثارية النهمة التي تقوم على أساس تضخيم حقوق الفرد على حساب المجموع إلا أن المشروع في المقابل حفظ للذات الفردية حقوقها وأولاها عنايته حتى أفردها بمبحث موسع، وبالتالي لم يكن ثمة تناقض بين الإبداع الثقافي كنتاج للفردية كما يذكر، إذا توازنت مع "الجماعية" والمؤسساتية والانضباط والانتماء للمجموع، من خلال استخلاف الإنسان في الأرض واستعماره لها بما يجعله أمينا على حقوقه وحقوق غيره عابرا إلى ذلك من بوابة الواجبات والمسؤولية، دون أن تطغى نظرة على أخرى..اقرأ في المشروع مثلا: (كما تسعى الدولة الإسلامية إلى إصلاح الفرد نفسياً وخلقياً وتوجيهه نحو الخير والإحسان وأداء الواجب كي لا تطغى مطامعه وشهواته على عقله. كما تسعى إلى إطلاق طاقات الفرد وفق ضوابط منهج قويم ليكون فاعلاً إيجابياً، قائماً بالحق، وربط نفسه بعقيدة الثواب والعقاب في الآخرة، لكي يكون في مراقبة دائمة لأعماله.) ص26.

(ومع أن الإسلام قد أكد في كثير من نصوصه الربانية، على الدور الإيجابي الفاعل والمبدع للإنسان (الفرد)، من خلال انتظامه عضواً في جماعة. إلا أن حالة من (الوهن) و(السلبية) و(التواكلية) قد رانت على شخصية الإنسان المسلم، فدفعت بالأمة من خلال إنسانها إلى هامش الحياة، وانحدرت بها من يفاع (العلم) و(السيادة) إلى حضيض الجهل والتبعية.) ص40

وهكذا فما ثمت ذم للفردية المتوازنة والمسؤولة في طرح المشروع السياسي لسورية المستقبل.

أما تلك الفردية التي تسعى لقتل الأب وتحطيم السياج والتمرد المطلق فإثمها أكبر من نفعها مهما حاول الأستاذ المحترم أن يزينها ويطرحها كطوق نجاة من واقع الاستبداد والكبت السياسي والديني والعائلي على حد تعبيره!

في إطار ما يسميه الأستاذ ياسين بالنزعة الاكتفائية يتنكر لحقيقة مرجعية المشروع المستندة إلى المكون الثقافي والعقائدي اتساقا مع القانون الفطري وجوهر الانتماء القومي، وإذا كان الإسلام هو الأساس والمرجعية العليا فلأن الأمة تراه كذلك، ولو أفسحت الحريات لشعبنا كي يعبر عن قناعاته لأثبت لك ان يعتز بغالبيته المطلقة بهذه القيم والثوابت أكثر من إيمانك بهذه المفاهيم الثقافية المستوردة مهما حاولت أن تجعل منها مسلمات وبدهيات مع أنك تعلم والآخرين مدى قناعات شعبك بها! ومع هذا فلن نسعى لفرض هذه القناعات بقوة ولا إكراه، بل نقبل بكل رحابة وانفتاح تحكيم الشعب في اختيار مفهومنا أو مفهومك هذا الذي تطرحه الآن!

ولعلك تدرك هذا حين تقف ذلك الموقف الثائر ضد قيم الأمة وثوابتها مسميا من يستند إلى هذا المعيار الديمقراطي بأنه عدمي وظلامي وانكفائي ووصائي وووو!!

وكم هو سهل طرح الشعارات المطاطة من عينة (الثقافة هي الحل) خاصة حين نلم بمفهوم الأستاذ ياسين للثقافة، وحينها لا ندري أي حل تقصده، أهو حل المشكلات أم كما يقول المأثور المصري (ماشية على حل شعرها!) إنني لا أرى أن للحرية معنى بلا مسؤولية، ولا للثقافة قيمة بلا أخلاق وقيم، ولا يمكن أن يكون التلاقح الثقافي هو الذوبان.

بقي موضوع الحرية المسؤولة  في طرح الإخوان حيث جرى التعريض به كثيرا ولعله لب المقال المذكور، وغاية الإنصاف أن أطرح رؤية الإخوان كاملة كما هي حيث جاء: (أنيط بمشروع الاستخلاف الإنساني العام أن يحفظ للناس حقهم في الحرية الذي يحمي كرامتهم، ويصون وجودهم، ويحقق بالتالي أهليتهم للتكليف والمسؤولية. على أن تنتظم هذه الحرية ضمن مجموعة من الضوابط تشكل بصيغها العامة الفاصل بين الحرية والفوضى. ذلك أن الحرية إذا تعدت حدودها صارت إلى الفوضى، وحينئذ تكون عدوانا على حرية الآخرين، وحتى في دول العالم الحر، لا تغيب الضوابط أو الخطوط الحمر عن قانون الدولة، ولكل دولة من دول العالم خصوصيتها الحضارية، والقيمية التي تسعى دائماً لصيانتها والحفاظ عليها. وتبقى الحرية، بأبعادها الفردية والجماعية، السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية مطلباً أساساً في مشروعنا الحضاري ضمن ضوابطها العامة. وهي شرط مواز لأساسيات النهوض والإبداع على كل صعيد.) ص66-67

في الختام أود أن أؤكد بأن المشروع السياسي لسورية المستقبل ما هو إلا رؤية الإخوان المسلمين في سورية، وبالتالي فمن يتصور أن على الإخوان المسلمين أن يتخلوا عن ثوابتهم في سبيل مكاسب سياسية أو اجتماعية أو إنسانية فهو واهم! سنبقى مسلمين نؤمن بالإسلام كله، غير أن سبيلنا إلى تبليغ دعوتنا والوصول إلى غايتنا الشريفة هي دعوة الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، ومجادلة المخالفين بالتي هي أحسن، والتعاون مع الجميع في إطار القواسم المشتركة، والانتماء والانحياز إلى هذا الشعب العظيم (ونحن نثق بقدرات الشعب السوري بحكم عراقته الحضارية، وقيمه الدينية والأخلاقية، لكي يختار مبادئ الحق والعدل والحرية، عندما تتاح له الفرصة الحقيقية للاختيار، ونثق كذلك بقدرة شعبنا على مقاومة كل أشكال القهر والاستبداد والفساد، وسعيه إلى إقامة نظام حكم قادر على تحقيق النهوض الحضاري الشامل الذي يؤهله إلى الفوز بمكانته اللائقة في العالم.) المشروع.ص 11

شاكرا ومقدرا للأستاذ ياسين هذه العناية والتقويم الذي لا نستغني عنه ولا نمل منه، واسلموا لود واحترام