انسحاب النظام الأمني من سوريا يعادل انسحاب النظام السوري من لبنان   بقلم :   محمد نجاتي طيارة ( باحث سوري)*

 

 

    ستنسحب سوريا من لبنان، هذا أمر لاشك فيه. فقد تغير العالم الذي كانت سوريا تلعب فيه دوراً إقليميا، مستفيدة من توازنات الحرب الباردة، كما فات زمان الاستفادة من ممانعات الموقف الأوروبي والفرنسي خصوصاًً للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، بعد نجاح الإدارة الأميركية في استدراج الأمم المتحدة لشرعنة احتلال العراق من جهة، وثبات ذرائعية النظام السوري القائمة على مراعاة المصالح الأميركية دون غيرها، تحت التأثير المكشوف للتهديد بسياسة العصا لا الجزرة، والتي أطلقتها الإدارة الأميركية(المحافظة والملهمة) في سياق حربها العالمية ضد الإرهاب!.

من جهتنا، نعتقد أن لسوريا مصلحة في الانسحاب تنفيذاً للقرار الدولي، فكما قال أفضل أصدقائها في لبنان، الرئيس سليم الحص: إن لنا كل المصلحة في تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ومنها القرار1559. لذلك ينبغي لنا أن نستجيب لهذا القرار، وأن نؤيد تنفيذه كما نؤيد تنفيذ باقي قرارات الشرعية الدولية، بدءاً من القرار المتعلق بالجولان المحتل إلى القرارات المتعلقة بالأراضي المحتلة وفلسطين.

      وإذا كان الانسحاب السوري أمراً واقعا لامحالة، طال الزمن أم قصر، لكننا قد نتساءل مع غيرنا، أي انسحاب سيحصل، أو ماهي طبيعة الانسحاب المتوقع؟ وبناء على ذلك، إلى أي حد يمكن اعتبارالانسحاب القادم أمراً مفصلياً إلى هذا الحد أو ذاك، ويمكن بالتالي أن يبنى عليه التساؤل عن آثاره على مستقبل سورية من الناحية السياسية، وعلى شكل ومستقبل العلاقة السورية اللبنانية بطبيعة الحال.

كتب المحلل السياسي السوري البارز( ياسين الحاج صالح) منذ فترةعلى صفحات النهار، " يتوقف شكل لبنان بعد الخروج السوري على شكل الخروج السوري من لبنان"

بدورنا، نتوقع أن شكل سوريا بعد الانسحاب من لبنان سيتوقف على شكل ذلك الانسحاب، الذي لن يخرج عن ثلاثة إحتمالات: ودي/ تفاوضي، و مدّول/ تحت الضغط، و بالإكراه/ تحت التهديد، كما أشار (صالح)

 وإن كان له في رأينا، اي الانسحاب، أن يأخذ شكلاً يمكن أن يجمعها معاً، مع أرجحية مظهر على آخر. فحين يأمل بعض الديمقراطيين السوريين بانسحاب ودي ناتج عن توافق وتفاوض، يتفهمون أن ذلك لن يحدث بطبيعة الحال إلا على خلفية ضغوط متنوعة، ليس  التهديد بالقوة إلا واحداً منها.

     أما المبادرة السياسية الرشيدة إذا حدثت في ذلك الانسحاب/الخروج، والتي تقوم على تغليب الشكل الأول (الودي /التفاوضي) فعليها، في رأينا، أن تستكمل بإعادة نظر شاملة في مجمل العلاقات بين سوريا ولبنان، وأساس ذلك اعتراف كل من البلدين بالآخر. هذا الأمر قد يكون صادماً ببساطته، لكننا نعني بذلك اعترافاً لا تموهه نظرية( شعب واحد في بلدين) التي تقفز فوق خصوصية كل من الشعبين ( مثلها مثل خصوصية كل من الشعوب العربية التي لا تسنفذها عبارة شعب عربي واحد في بلداننا الـ 22، على الرغم من عدم إعاقتها لأية استراتيجية وحدوية واقعية مستقبلاً)، وهي خصوصيات أضفاها تاريخنا الحديث لنصف قرن بعد الاستفلال، لكن لايمكن حذفها من أجل حجج على شاكلة ( سوا ربينا).  فقد عرف لبنان نظاما اقتصاديا حراً وفترات مزدهرة من الحياة الديمقراطية، كثيراً ما كانت جاذبة للمطاردين من الناشطين السوريين وغيرهم، في حين لم تعرف سوريا غالباً إلا أنظمة مقيدة اقتصادياً وفترات طويلة من الحكم الشمولي، كثيراً ماكانت طاردة  لخيرة أبنائها!

الخصوصيات تلك صنعت تمايزات لا يعقل حذفها تحت مظلة الاعتراف المعهود بالمصالح المشتركة، التي بنتها حقائق الجغرافيا والتاريخ العريق، وشوهتها الأنظمة، بل غالباً ما استلغتها ضد مصالح كل من الشعبين.

     وإذا كان مطلوباً تخلص السوريين من عقدة اقتطاع  لبنان وتحويله ثغرة ضد سورية، فالمطلوب أيضاً خلاص اللبنانيين من عقدة (الأخ الأكبر) ومماهاة النظام السوري مع شعبه.

من هنا، لن يكون الانسحاب السوري المتوقع والمطلوب انسحاباً عسكريا بالأساس، بل سيكون انسحابا سياسيا، وتحديدأ هو انسحاب من التدخل في الشؤون اللبنانية الداخلية، وكل ما يعنيه ذلك التدخل بدءاً من التدخل الأمني، مروراً بالتدخل الاقتصادي والمالي، إلى التدخل الاجتماعي ـ السياسي عبر الأحزاب والجماعات والوجاهات إلخ.

      إضافة إلى كون الانسحاب العسكري، الذي بدأت مراحل هامة منه عبر عمليات إعادة الانتشار المتتالية في تطبيق متباطئ لاتفاق الطائف، ليس مقصوداً بذاته، فمفهوم ألا يكون كلياً، وذلك حتى من قبل فئات لبنانية لم تعرف عنها عائديتها السورية، بل هي أيضاً تتفهم ضرورة حماية الخاصرة السورية في البقاع.

وذلك لن يتأتى إلا في إطار علاقات متكافئة وصحية بين بلدين مستقلين وجارين، ومن مصلحة شعبيهما الشقيقين التنسيق والتعاون المستمرين على قاعدة الاحترام المتبادل.

 بالنتيجة سيعني ذلك تخلص سورية من قلقها حول تأثير الأوضاع اللبنانية عليها واطمئنانها إلى استقراره، وعدم تحوله إلى قاعدة أو ممر للتآمر عليها، وبالتالي إمكانية بناء علاقة وطيدة ومستقرة مع الشعب اللبناني ودولته لا مع حلفاء مؤقتين أو زائلين بالضرورة، حتى لو تم في سبيل ذلك تعديل الدساتير!

 ولا بأس أخيراً من اتخاذ موقف صريح ومعبّرعن الاعتراف الواقعي والمتبادل، من إقامة شكل من أشكال التمثيل الديبلوماسي بين البلدين، يتم من خلاله الضبط القانوني المؤسسي لتلك العلاقات على مثال غيرها من العلاقات العربيةـ العربية، وتنتهي معه مهزلة طوابير المراجعين  إلى عنجر أو قوافل الحجاج إلى دمشق!

     هذا من جهة، أما من جهة تأثير الانسحاب على مستقبل سوريا، فيتعلق ذلك بطبيعة الانسحاب نفسه، كما أشرنا سابقاً. وبكلام آخر: إذا أتى الانسحاب ودياً، وعبر تفاهم تفاوضي، فسيعبّر ذلك عن سياسة رشيدة، لا بد لها وقد استكملت تصويب علاقتها مع لبنان من أن تصوب علاقتها مع نفسها ومع مواطنيها بالتالي!.

هكذا، سيكون على سوريا أن تعيد النظر في بنية دولتها نفسها، باعتبارها دولة مؤسسات لا دولة أفراد مهما كبرت أدوارهم التاريخية، ودولة كل المواطنين لا دولة أجهزة وحزب واحد. وأن تطلق حواراً وطنياً واسعاً طال انتظاره حول قوانين الدولة الوطنية الحديثة، بدءاً من قانون الأحزاب والجمعيات إلى قانون المطبوعات إلى قانون الأسرة وغيره، بدلاً من الحوارات المغلقة والجانبية الجارية حول مشروعات هذه القوانين  وغيرها، التي لن تنجب في حالة استمرارها على هذا المنوال سوى قوانين مشوهة، كما حدث في مثال قانون المطبوعات لعام 2001 المصنف كقانون عقوبات عند جميع دارسيه.

وإعادة النظرهذه، وقد اطمأنت إلى جارتها لبنان (دولة وشعباً)، وبالنتيجة حليفتها في وجه الاحتلال المستمر لأراضيهما في الجولان ومزارع شبعاً، سيكون من الرشد أن تتوجه للإطمئنان إلى شعبها، والاستقواء بمواطنيها الأحرار. ولن يتحقق ذلك، في رأينا، إلا بسلسلة متكاملة من الخطوات شكّلت منذ اعوام (استراتيجية المصالحة الوطنية) التي تبناها طيف الديمقراطيين السوريين، بدءاً من رفع حالة الطوارئ وإطلاق الحريات العامة إلى تحرير جميع معقتلي الرأي وإعادة السياسة إلى المجتمع السوري، وتأكيد سيادة القانون واستقلال القضاء.

وصفنا هذه السياسة المتوقعة أوالمطلوبة بالرشيدة، ونحن نعتقد أن ما مورس من سياسات سورية في لبنان لم يتصف بهذه الصفة دوماً، وخصوصاً الأخطاء القاتلة في حادثة التمديد الأخيرة، الأمر الذي دفعت السياسة السورية ثمناً كبيراً له، فخسرت أصدقاءها ودفعتهم للتحشد ضدها، سواء داخل لبنان أم على مستوى العالم.

أما في حالة احتمال آخر، كأن تستمر سوريا بتوهم أدوار اقليمية لها، وأن تحاول الوقوف في لبنان ضد الثور الأميركي الهائج عالمياً، وضد السياسة الفرنسية التي دفعتها بعيداً عنها، فهذا ما سيدفع سوريا، في ظل موازين الواقع، لا محالة إلى الانسحاب من لبنان، لكن كرهاً هذه المرة وتحت التهديد بالقوة، على الرغم من ابتزازات بعض الموالين لها بانفراط عقد الوحدة الوطنية، على أمل عرقلة الانسحاب السوري، وتأخير انقطاع نظام تغذيتهم الحيوي الذي عاشوا عليه طويلاً.

وانسحاب سوري له تلك الطبيعة، سينعكس على وضعها ومجمل سياساتها تجاه أعدائها القدامى والجدد وما أكثرهم في محيط جيوسياسي غير آمن، إن لم يكن معادياً على الأغلب. وستزداد مواقفها وردود أفعالها توتراً، الأمر الذي سيدفعها للعزلة خارجياً وإلى مزيد من التشدد الأمني داخل سورية نفسها، والأخير ظهرت علائم عديدة على الميل إليه والاستعداد بخبرة عالية إلى الأخذ به، وإن تجلى ذلك في أشكال قانونية معصرنة .

ذلك الخيار سيضع سورية أمام أزمات مفتوحة على مستقبل مجهول، في الوقت الذي هي بأمس الحاجة إلى تكييف توازناتها الداخلية، والانفتاح على مشاركة أكبر للمستثمرين المحليين والأجانب، في سبيل تطوير تنميتها بهدف تلبية حاجات مواطنيها المتنامية طرداً مع معدل نموهم السكاني، الذي ما زال من أعلى المعدلات عالمياً، ومن أجل تجاوز الفوات الطويل الذي وضعها بعيداً عن مسار العصر.

      وإذا مضت سوريا في ذلك الخروج المكره ومضاعفاته، تكون سياستها قد انقلبت عليها ثانية. إذ سبق لإحدى  مبررات دخول جيشها إلى لبنان، المتمثّلة  في حماية الانعزالية اللبنانية ودمجها مع محيطها العربي، أن انتهت إلى عكس المقصود منها، وذلك بالضبط نتيجة لممارسات الأجهزة السورية  نفسها وتحول بقائها الطارئ في لبنان إلى حالة غير طارئة بل مستمرة استمرارالنظام الأمني السوري نفسه، كما هي حالة الطوارئ المعلنة في سوريا منذ صباح الثامن من آذار1963 !

لقد انقلب السحر على الساحر، الذي بدأ دخوله من أجل الإصلاح، فأصبح الإصلاح مرتبطاً بخروجه،  ويبدو جلياً أن ما هو مطلوب اليوم في لبنان ويطلق عليه تعبير انسحاب النظام السوري، هو ذاته ما يطلب معادله في سورية ويمكن أن  يطلق عليه انسحاب النظام الأمني.

* كتب هذا المقال وأرسل بتاريخ 10/1/2005، بناء على طلب مراسل صحيفة عربية عريقة، لكن المقال والملف المدرج ضمنه لم ينشر حتى تاريخه!