المقال الذي منعوه:

 حوار مع مسؤول  في وزارة الخارجية الأمريكية:

كيفية تنفيذ القرار1559!

د.عماد فوزي شعيبي

رئيس مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية بدمشق.

 

  هذا المقال كتب منذ أكثر من شهر وأُرسل على التتابع إلى أكثر من 11 جريدة بعضها لبناني وبعضها الآخر في أوروبا وبعضها في الخليج العربي،  وكانت النتيجة حجبه عن النشر.

نفهم وقد لا نتفهم الدواعي التي تقف وراء حجبه عن النشر؛ وعلى رأسها عدم مصلحة البعض في نشر رأي في وزارة الخارجية الأمريكية لا يرى مسوغاً لتنفيذ آني لهذا القرار. وهذا يعني أن الذين حجبوه عن النشر كانوا ديموقراطيين إلى درجة الفضيحة لأنهم لم يرغبوا في أن يتناقل أحد معطى يخلخل لعبة الضغط على سورية ولو بالحد الأدنى.

نعم نفهم ونتفهم أن السياسة ليست موقفاً أخلاقياً محضاً، لكننا لا نفهم ولا نتفهم أن يكون هذا الكمّ مضطلعاً بحجب، على الأقل، مجرد رأي آخر !؟

فضائح بالجملة ، لكنها ... الحياة !، هذا ما دفعني إلى الدفع بنشره تحت هذا العنوان :

 

السجال حول القرار 1559 ، وفيما إذا كان مشروعاً سياسياً للتنفيذ الفوري أو مجرد عامل ضغط سياسي، يعكس مدى عدم القدرة  على المضي في العمق لفهم/ وبالتالي التعامل مع/ السياسة الأمريكية التي أصبحت بين ليلة وضحاها(ويلسونية)؛ أي تبشيرية بحقنة إيديولوجية مفرطة، متخلية عن تراث طويل من سياسة (روزفلت) التي أرست السياسة الواقعية، أي أن الولايات المتحدة انتقلت من السياسة إلى الإيديولوجيا، ومن(التعامل مع الموجود) إلى (ما يجب أن يكون)، وهو تعريف الأخلاق وليس السياسة.

ومن نكد الدنيا على سورية أنها أكثر الدول التي عليها أن تواجه هذا الانقلاب في المفاهيم والقواعد السياسية، بعد زمن طويل أصرت فيه الولايات المتحدة الأمريكية، في الستينيات على أن السياسة السورية حبلى بالإيديولوجيا.

في زيارة لأحد مسؤولي وزارة الخارجية الأمريكية لدمشق، زارني هذا المسؤول في مكتبي، و كان لنا حوار أعتقد أنه من أفضل الحوارات التي تمت بيني وبين أحد المسؤولين الأمريكيين الذين عرفتهم على مدى سنوات؛ أقله لجهة أن الرجل كان رصيناً ومحاوراً غير عنيد، بمعنى أنه يحاول أن ينتهج المقاربة السياسية طريقاً للحوار، إلا أن هذا لا يعني أنه لا يعبر عن السياسة الأمريكية بوضوح وبدون لبس أو لغة قابلة للتأويل، وهي الطريقة التي ينتهجها قادة الإدارة الحالية على اعتبار أنها طريقتهم في إيصال مطالبهم التي يقولون إنها لا يجب أن تكون ملتبسة؛ على اعتبار أن السوريين هم أبرع الناس كما يقول أحد الاستراتيجيين الإسرائيليين في استكشاف متى يكون الكلام الأمريكي قابلاً لعدم التطبيق، أو متى  يكون للتسويق أو الضغط، وأهميته تنبع من أنه مطلع ورصين   نظراً لفداحة الجهل الذي يكتنف أعضاء في الكونغرس تجاه سورية وعن المنطقة بأسرها.

 خبرت بعضاً منهم في زيارات عديدة لدمشق، بعضهم ينهل (من ثقافة "قالوا له") أي من الأخبار التي تتداولها الأروقة وأجهزة الضغط (اللوبيات)؛ ومنها اللوبي الصهيوني وبعض اللبناني!..، وبعضهم ينهل من ثقافة الصالونات، حيث من المؤكد أن أغلبهم لا يقرأ جريدة بل يكتفي بالعناوين، والمؤكد أنهم لا يقرؤون كتباً.

زائري هذه المرة، وهو مسؤول مضطلع بالشأن اللبناني، يبادرني بصراحة: نحن في سياستنا اليوم ننطلق من المبادئ (وهو التعبير المخفف عن الأيديولوجية ولكن بلغة أمريكية). ومع عدم تسليمي بالمعنى الحرفي للجملة أسأله عما إذا كان انتهاك السيادة العراقية لا يعتبر في لغتهم انتهاكاً للمبادئ الاخلاقية وخصوصا ما حدث في سجن غريب أو في غوانتانامو. يعاود زائرى القول: بلغة واقعية، يجب أن تخرج القوات السورية من لبنان ولكننا لا نريد ذلك غداً، فنحن نفهم مخاطر ذلك جيداً ونفهم أن علاقة سورية بلبنان هي علاقة خاصة جداً، المهم أننا نريد حسن نوايا.حسن النوايا هذا،هو تجلٍ للبقية من الاتجاه الواقعي في السياسة الأمريكية،الذي  يمكن أن يتجلى –عملياً- بالتعامل مع إعادة انتشار  سوري إلى البقاع، بما يعني أن إتمام  تنفيذ سورية لاتفاق الطائف يمكن أن يكون عنصر توافق بين البلدين بخصوص تنفيذ ما للقرار 1559.

كان السؤال الذي ما فتئ يلاحقني هو مدى إدراك محاوري وبالتالي من هم في موقع القرار للمخاطر المترتبة على خروج سوري من لبنان بدون حل  سلمي على المسار السوري اللبناني- الإسرائيلي، إلاّ أن  إجابته توحي بأن هذا المسار يبدو مؤجلاً أقله إلى أمد غير منظور لأن تركيز الرئيس الأمريكي يتموضع اليوم على المسار الفلسطيني ، والدلالة المعلنة بوضوح هنا هي : "بالنسبة للمسار السوري نحن لا نستطيع أن نخالف ما يريده شارون من سورية مع ملاحظة أن سياستنا ليست هي السياسة الإسرائيلية كما يقول أغلب العرب".

 وإذ تستدركه بالقول أنتم ترهنون سياستكم بعقلية شارون و لديكم من المحافظين الجدد من يؤيد سياسة شارون بقوة، بل وينظِّر لها، ولا يجب أن تلوموا من يجعل في منطقتنا السياستين الإسرائيلية والأمريكية  في خانة واحدة معاً ؛ لأنها في هذه الحالة متوافقتان،  يعاود محاوري ترداد شروط  شارون لبدء السلام مع سورية ومنها أنه  يريد أن تقوم بإغلاق المكاتب الفلسطينية ووقف الدعم لحزب الله!!!.

يحضرنا في الحديث إعلان الرئيس الأمريكي أن سورية ضعيفة جداً ولا يمكنها خوض العملية السلمية وأن عليها أن تنتظر، لكن محاوري يعلن إنه قد لا يعني  أن سورية ضعيفة كلية، لأنها قوية في لبنان!.

وبالعودة إلى الموضوع اللبناني يهمس محدثي  بأنه هنالك توافقاً أمريكياً- فرنسياً على القرار"1559" إلا أن الولايات المتحدة ،وبحسن نية، لا تريد أن تحلَّ مكان النفوذ السوري في لبنان، وهي تدرك أن( ومن الانطلاق من  لغة واقعية سياسية) هنالك علاقة خاصة بين سورية ولبنان، ولكن يجب أن تكون على طريقة (النفوذ المناسب وليس غير المناسب) كما هو حال نفوذ اللوبيات في الولايات المتحدة الأمريكية. !!!.

مقاربة لافتة لكنها توغر بعيداً عن الوقائع القائمة على الأرض، فهي تتحدث لغة النفوذ السياسي، ولا تأخذ بعين الاعتبار لغة الجغرافيا الاستراتيجية. فنفوذ سورية في لبنان واقع جيوسياسي وهو ليس قائما بوجود قواتها حتى أن عديدهم قليل للغاية ولا يكفي أصلا لخلق ذلك النفوذ، فليس للبنان إلا أن يتنفس إلا  من البحر أو إسرائيل! أو سورية ولكن أحداً لا يستطيع أن يصدق بأن اللبنانيين يستطيعون التنفس من البحر أومن إسرائيل، وهو ما أكدته التجربة، وبالتالي فخيارهم الجيواستراتيجي هو سورية.

يوافق محاوري على ابتعاد النظرة الرسمية الأمريكية عن تفاصيل الوقائع، وإذ تستدركه بأنها ليست تفاصيل وأنها جغرافيا استراتيجية، يعترف بما يدعوك لاحترام منطقه بأن من يدير المواقف السياسية ليس استاذاً في الاستراتيجية؛ ففي القرار السياسي الأمريكي لا يجب أن يرقى التصور إلى أن من القائم عليه أكاديمي بامتياز!؟؟؟.

وإذ يقارب كل حوار على الانتهاء قال محاوري : نريد أن ننتهي إلى موقف مشترك.كان هذا أفضل ما يمكن أن ينتهي به حوار سياسي وهو إيجاز القواسم المتشركة وهو برأيي الحل على المستوى اللبناني شاملاً مع رزمة متكاملة  في عملية  السلام على المسار السوري اللبناني- الإسرائيلي ذلك أن سورية لا تريد إبقاء قواتها في لبنان ، فأردف بأن ما يريد أن يقوله بأنه يفهم بأن  انسحاباً واقعياً  من لبنان يجب أن يتم ولكن ليس بين ليلة وضحاها أي  يراد انسحاب بناء ، وبالتالي فالولايات المتحدة  لا تريد فوضى، وأنه يعتبر الانسحاب إلى البقاع خطوة هامة، و "إذا كانت هنالك نوايا حسنة فسنتعامل معها بشكل إيجابي" .