مستقبل العرب بين تحديات الداخل وإيرادات الخارج 

  بقلم :الدكتور عبدالله تركماني

 

 

شهد العالم العربي منذ القرن العشرين عدة أزمات عميقة، دفعته إلى التحلل، وفي الوقت نفسه دفعت العناصر المكونة له إلى البحث عن أطر جديدة لاستشراف آفاق مستقبله ووضعه على طريق النهضة والتقدم . وفي سياق ذلك كنا أمام صعوبة كبيرة في اكتشاف قواعد اللعبة المعقدة، التي حكمت التأثير المتبادل بين العوامل الداخلية والخارجية، لما آلت إليه الحالة العربية في فلسطين والعراق والتنمية والإصلاح . خاصة وأنّ الفكر السياسي العربي اعتاد على تحميل الخارج كل بلايا التأخر العربي، وأطلق العنان لديماغوجية جعلت من العداء للإمبريالية والصهيونية (وهو عداء مبرر تاريخيا وواقعيا) وسيلة للتنفيس عن الغضب، وصبه على العامل الخارجي الذي أصبح " شيطان العرب "، ليعفي العامل الداخلي من النقد .

إنّ المستقبل ليس قدرا لا يرد، وليس حياة جاهزة تنتظر الولادة، بل أنّ الإنسان هو الذي يصنعه . ولا يمكن للمستقبل أن يكون أفضل مما نحن عليه إن لم نبدأ بنقد ذاتي عقلاني وموضوعي، إلا أننا كثيرا ما نرى من يعترض أو يمتعض من خلال إلصاق عبارة " جلد الذات " بكل من يحاول أن يرى العالم كما هو، أو بكل من يقوم بتوصيف الواقع العربي توصيفا دقيقا بغية معرفة نقاط ضعفه لتجاوزها .

لقد أظهر الاحتلال الأمريكي للعراق، وكذلك استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية في فلسطين وسورية وتعثر مشاريع التنمية والإصلاح، معضلة بنيوية في أغلب الأقطار العربية والنظام الإقليمي العربي، وفي موقع المنطقة العربية داخل النظام الدولي . هذه المعضلة جوهرها أننا نجمع بين مركزية موقعنا وهشاشة قدراتنا على التعاطي المجدي مع مواردنا المادية والبشرية، مما يجعل منطقتنا عرضة للتأثيرات الخارجية المستمرة . والتدخل الخارجي ما كان ليكون بهذه الوتيرة ولا بهذا العمق لو كانت لشعوبنا وحكوماتنا القدرة على درء التدخلات الخارجية .

إنّ الشعوب العربية تواجه فرصة تاريخية، قد لا تتكرر كثيرا، وهي توافر البعدين الداخلي والخارجي للإصلاح والتغيير، ويجب عليها أن تستثمرها جيدا من أجل بدء عجلة التغيير في الدوران والضغط بقوة لتسريع وتيرة التغيير ونقلها من أدراج صنّاع القرار إلي عقولهم وممارساتهم، ومن حيّز الحلم إلى حيّز الواقع .

لقد بات علينا أن نعترف لا بنهاية العروبة بل بنهاية موجة من موجاتها، ونبني عروبة جديدة تقوم على حقائق سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية بعيدة عن المزايدات . ذلك لأنّ التغيّرات العالمية الجديدة، خاصة جريمة 11 سبتمبر 2001 وتداعياتها، تتطلب قدرا كبيرا من العمق في المراجعة ونقد الذات وإعادة الصياغة الفكرية والسياسية للقضايا العربية، التي تمثل مسائل جوهرية عديدة تتداخل فيها مهمات التحديث الفكري والسياسي مع مهمات النهوض الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وذلك بتجسيد وحدة المصير العربي كمنطلق للنهوض الحضاري، وهو ما يفترض مهمات إنجاز أشكال تضامنية عربية عديدة، وإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية يضمن الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني بما فيها حقه في إقامة دولته المستقلة فوق ترابه الوطني، وعودة السيادة إلى الشعب العراقي الشقيق، وممارسة الديمقراطية كمنهج للتعامل السياسي على صعيد الدولة والمجتمع .

وبالرغم من الصعوبات التي تكتنف عمل جامعة الدول العربية، فإننا نعجب من الذين ينكرون حاجة الدول العربية إلى التضامن والتكامل والتنسيق إزاء تهديدات إسرائيل والضغوط والتدخلات الأمريكية وتحديات العولمة والشراكات الإقليمية، أو في مجالات التنمية والنهـوض . فإذا كانت أكبر الدول اقتصادا وقوة عسكرية بحاجة إلى التكتل الإقليمي والتحالفات مع دول لا رابط لها معها غير المصلحة المشتركة، فكيف مع العرب وهم في مرحلة دفع الأخطار ومنع التدهور والسعي إلى النهوض، وبينهم من الروابط التاريخية والثقافية ومن المصالح أكثر مما يقوم ضمن أي تكتل إقليمي آخر، الأمر الذي يجعل إدارة الظهر للتضامن والتكامل العربي تعارضا مع البديهيات ومنافاة للعقلانية والواقعية والاعتدال والوسطية .

ويبقى السؤال هو : كيف نعيد بناء النظام العربي من حيث هو نموذج عقلاني للحكم والإدارة والإنتاج داخل كل قطر عربي، ومن حيث هو منظومة تعاون وتكتل وتضامن بين الحكومات والمجتمعات العربية جميعها ؟ . و

كيف يمكن لمبادرات الإصلاح المطروحة في العالم العربي أن تصبح فرصة سانحة لإحداث تغييرات جوهرية في الحياة العربية المعاصـرة ؟ . وحينذاك يمكن اعتبار قمة تونس‏ في العام 2004 وما صدر عنها من برامج إصلاحية وقمة الجزائر القادمة،‏ قمتي وقف منحنى الانهيار في النظام العربي‏،‏ وأنه إذا وضعت قراراتهما موضع التنفيذ‏،‏ فإنّ روحا جديدة قد تدب في العمل العربي المشترك‏ .‏ فيما إذا توفرت إرادة التغيير،‏ وآليات التنفيذ والتطبيق .

إنّ إعادة هيكلة جامعة الدول العربية قد تنعكس إيجابيا على العرب اليوم فيما إذا اتجهت نحو : استكمال سياسة الإصلاح الهيكلي ودمقرطة الحياة السياسية والاجتماعية العربية في كل قطر عربي، والعمل المؤسساتي من أجل نجاح الإصلاح وإعادة الهيكلة في واقع اقتصادي واجتماعي عربي متأخر، وإعادة صياغة العمل العربي المشترك وفقا لمنظومات عربية وظيفية مرنة : أمنية واقتصادية وثقافية وسياسية، والتوازن في العلاقات مع الأطراف الدولية المختلفة .

إنّ العروبة بحاجة إلى صياغة سياسية جديدة معاصرة وواعية لواقع العرب كما لظروف العالم والتحولات الخطيرة التي غيّرته وستغيّره أكثر، لكنّ الخروج من العروبة أو عليها ليس حلا أو ضمانا للنجاة . إنّ كل دولة حاولت الخروج عليها خسرت وحدتها الداخلية، بداية، قبل أن تخسر قيمتها العربية والدولية . لقد اختلف الزمان، والعروبة تواجه اليوم تحديات هي الأخطر منذ انطلاق دعوتها كبشارة للوعي بالذات والانطلاق على طريق بناء الغد الموعود للشعوب العربية المقهورة بالاحتلال الأجنبي والاستبداد الداخلي والفقر والتأخر .

وهكذا، لسنا بحاجة لشعارات من أجل مواجهة التحديات الكبيرة المطروحة على أمتنا العربية، بل الارتقاء إلى مستوى التحديات، بما يخدم مصالح الأمة ويضمن حقوقها الأساسية في السيادة والحرية والاستقلال والتقدم . ولكي تتحول العروبة من مشروع تعاطف قومي، يعبّر كل طرف فيه عن إرادة توحده ووحدة همومه وانشغالاته مع الآخر، إلى مشروع عملي يؤمل منه أن يتحول إلى واقع متحقق في المستقبل، ليس على الأقطار العربية المختلفة إلا أن تصلح أوضاعها وتنمّي قدراتها المادية والبشرية، لكي تشكل كل منها أنموذجا يحتذى للآخر.

لعلنا بذلك نفتح من جديد باب التاريخ وندق أبواب المستقبل وننهض لإطلاق خطاب عربي عصري، عناوينه في توجهاته ومضامينه وفي تجديدنا له، يحتمل دائما التأويل والتعديل لصالح شعوبنا العربية . إنها إعادة قراءة واجبة، ليس فقط في تجديد هذا الخطاب وإنما في تجديد الوعي العربي المدعو إلى خوض مغامرة المستقبل بأدوات جديدة وأفق مفتوح وحوار دائم على المصالح والأهداف والممكن والمستحيل .

إنّ العالم يتغيّر بسرعة من حولنا، وإذا كنا لا نزال نمانع في أن نتغيّر استجابة لحاجات تقدمنا، فمعنى ذلك أنّ كل شيء يمكن أن يتغيّر استجابة لإرادات الخارج . والسؤال هو: ألم يحن الوقت لأن تستجيب حكوماتنا العربية لمطالب شعوبنا بدلا من أن تضطر للتنازل أمام هيمنة الأجنبي ؟ .

تونس في 22/1/2005                      الدكتور عبدالله تركماني

                                        كاتب وباحث سوري مقيم في تونس