اللهاث وراء الإسلاميين -   نقاش مع مقالة الدكتور عبدالله تركماني    بقلم : علي شهابي                    

في مقالته "أجل ..حزب العدالة والتنمية التركي إسلامي ـ علماني" المنشورة في (كلنا شركاء) 12ـ1ـ2005 يصر الدكتور عبدالله تركماني على أن حزب العدالة والتنمية التركي إسلامي. يصر وهو يتهمني بإخراج إحدى مقالاته عن سياقها باستنتاجي بأن حزب العدالة والتنمية ليس إسلامياً، بل علمانياً بامتياز. وبديهي، على الأقل بالنسبة للدكتور، أنني لم أستنتج علمانية الحزب المذكور من مقالته، بل من حقائق المجتمع التركي. وقد أحلت القارئ إلى مقالته كي لا أكرر، وهي مقالة ممتازة من عدة زوايا لعل إحداها أنها تبين بجلاء علمانية هذا الحزب. على كل حال، طالما أن الدكتور يصر على مغالطة المنطق، أي على أن حزب العدالة والتنمية إسلامي، فاعتراضه عليّ في مكانه لأن من حقه أن يعتبر أنني أوحيت للقارئ بأن الدكتور عبدالله يعتبره أيضاً حزباً علمانياً.

هذا التمهيد ضروري ليعلم الدكتور وغيره أنني لا أناقشه لأنه اتهمني، بل لاستغرابي من تجرؤه على المنطق بقوله إن حزب العدالة والتنمية إسلامي. لنستمع إليه يقول:

1ـ لا يؤيد الحزب فكرة الدولة الإسلامية التواقة إلى صوغ كل مجالات الحياة وفق أيديولوجيتها الخاصة، إلا أنّ مفاهيمه تفسح في المجال أمام نشوء مجتمع إسلامي مستعد لإعادة النظر في القيود الصارمة للنشاط الديني، وخصوصا على مستوى التعليم وحرية المـرأة. حيث طرح قادته أنفسهم كإصلاحيين مستنيرين مؤمنين بالديمقراطية والعلمانية‏،‏ ورفضوا إلصاق تعبير الإسلامي بالحزب‏،‏ لكنهم رفضوا أيضا تجريد تركيا من هويتها الإسلامية ودعوا إلي احترام الدين‏،‏ الذي فشلت علمانية الأتاتوركية في اقتلاعه من نفوس الأتراك أو حتى تهميشه عما يقرب من‏ 80 ‏عاما.

2ـ هذه التجربة توضح أهمية طرح مقترحات واقعية وعملية تتناسب مع العصر الذي نعيش فيه وتداول مصطلحاته وعدم القفز فوق واقعه، وعدم التخفي وراء الشعارات الواسعة والطنانة كأسلمة المجتمع وطرح صيغة الدولة الإسلامية، وفرض الحجاب علي النساء.
3ـ وهكذا، فإنّ إسلاميي تركيا يبعثون برسالة بليغة، إلى كل حركات الإسلام السياسي، مفادها أنه يمكن تقديم الإسلام بصورة مختلفة عما يعرضه الأصوليون المتزمتون الذين يقدمون للعالم صورة متخلفة ومرعبة للدين الإسلامي. إنهم يتحدثون بلغة عصرية مفهومة ويعبرون عن أفكار متمدنة : فصل الدين عن الدولة، الديمقراطية وحرية العمل السياسي للجميع، كفالة حقوق الإنسان، المساواة بين النساء والرجال. ( عبدالله تركماني ـ المقالة المعنونة أعلاه)

لا داعٍ لاستنطاق هذا الكلام الناطق بحقيقة علمانية حزب العدالة والتنمية. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا "إذا كان الدكتور عبدالله يقول بلسانه إن هذا الحزب ضد تسمية نفسه إسلامياً وضد إقامة دولة إسلامية، أي تستمد قوانينها من الشريعة الإسلامية، فكيف يجرؤ على تسميته حزباً إسلامياً؟". هل يعتقد الدكتور أن هذا الحزب إسلامي ويخجل من تسمية نفسه إسلامياً، أم أن الدكتور يعرف حقيقة هذا الحزب أفضل مما يعرف هذا الحزب نفسه؟!

واستطراداً أسأل: إذا كان الدكتور يعتبر الحزب الذي يفصل الدين عن الدولة إسلامياً، فماذا يفعل الحزب العلماني برأيه إذن؟ لابد أنه يظنه يهدم المساجد والكنائس ليمنع العبادة علناً، ويفرض على النساء والرجال الخروج عراة نكاية بالدين الذي يطالب بالاحتشام. وربما ليس نكاية بالدين، بل فقط ليتسنى لمن يستحلي أحداً، ذكراً أو أنثى، أن يرى مواصفات جسده ليتأكد من أنها ليست "من بره رخام ومن جوّا سخام".

لم أقس على الدكتور قط، وهذه ليست قسوتي أصلاً. بل إنها قسوة المنطق النظري على دونية المنطق السياسي السائد، والذي آسف أن يكون موجوداً عند الدكتور. فهو ليس بهذا الجهل قط، لكنه يرى الأحزاب الإسلامية، عن جهل أو دراية، تشوه العلمانية بوضع إشارة مساواة بينها وبين الانحطاط الأخلاقي، لذا فهو يفضل أن يسايرها ظناً منه أنه يتحايل عليها بمجرد القول "إن حزب العدالة والتنمية التركي إسلامي". إنه يحاول أن يوحي لهذه الأحزاب بأنها مثل حزب العدالة والتنمية، جديرة بقيادة المجتمع السوري أو المصري، ولكن ينقصها شئ بسيط "أن  تقول بأنها ستفصل الدين عن الدولة وأن لا تسمي نفسها إسلامية وأن تترك الناس أحراراً بحيث لا تفرض على النساء ارتداء الحجاب أو على الرجال الصلاة والصيام وأن لا تتدخل في مجال الحريات الشخصية، وأن تعتبر الزنى إحدى هذه الحريات..إلخ". باختصار، إنه ينصحها بأن تصير أحزاباً علمانية ولكن دون أن تصرح بذلك كي لا تحرج نفسها أمام المجتمع الذي عاشت طوال عمرها تشهّر بالعلمانية أمامه.

من الطبيعي ألاّ تطرب الأحزاب الإسلامية لكلام الدكتور، لكنها تسكت عنه وتظل تدعو لتطبيق الشريعة الإسلامية وبنفس الوقت تطبل وتزمر لما فعله الإسلاميون الأتراك. وبهذا توحي للرأي العام بأنها أداة تطوير المجتمع ديموقراطياً في الوقت الذي تفعل فعلها فيه كأحد أركان ديكتاتوريته واستمرار تخليفه. وعندما يواجهها الديموقراطيون بحقائق ديكتاتوريتها، سرعان ما تستل كلام الدكتور عبدالله لتقول "انظروا مدى ديموقراطية الإسلاميين بشهادة فلان الذي لا رابط يربطه بالإسلاميين". وهذا بالضبط ما يفعله الإسلاميون في سوريا.

لاشك في أن الكل سيعتبر أنني اعترض على تسمية حزب العدالة والتنمية إسلامياً من زاوية أن هذه التسمية تضر سياسياً بمسألة الديموقراطية، وهذا صحيح لأنها فعلاً تضر. لكنّ الأهم أن منطلق اعتراضي على هذه التسمية ليس براغماتياً، بل منهجياً. وهذا يعني أنني أدّعي أن عند الدكتور خللاً منهجياً في آلية تفكيره يقوده إلى اعتبار حزب العدالة والتنمية إسلامياً، وسأبين هذا الخلل.

من الطبيعي في كل دولة غالبيتها من المسلمين أن يشكل المسلمون الأغلبية في أي حزب جماهيري، لكن هذه الحقيقة لا تجعل من هذا الحزب إسلامياً بالضرورة. فقد يكون إسلامياً كما هي حال حزب الجمهورية الإسلامي في إيران وطالبان في أفغانستان، و قد لا يكون كما هي حال البعث السوري والعراقي وجبهة التحرير الجزائرية. وبما أن الدكتور لا يمكن أن ينفي أن الغالبية العظمى من كوادر وجمهور هذه الأحزاب الخمسة مسلمون، فهل يعني هذا عنده أن هذه الأحزاب كلها إسلامية؟ هذا السؤال سخيف لبداهة جوابه، ولكن السؤال غير السخيف "لماذا ليست كلها إسلامية؟". كيف سنميز بين الحزب الإسلامي وغير الإسلامي منها؟

إن منهج الدكتور الذي يعتبر كل حزب غالبيته من المسلمين إسلامياً، لا يمكن أن يكون أداة صالحة للتمييز بين الحزب الإسلامي وغيرالإسلامي في المجتمع. على العكس، إنه تماماً كمنهج الرياضي الذي يعتبر أنه لا فرق بين التابعين الجبريين س و ع طالما أن كلاً منهما موجود في الجبر.

المنهج البسيط الواضح عند أبسط الناس في التمييز بين الحزب الإسلامي وغيره هو الذي يتضمن "إن الحزب الذي يسعى إلى تطبيق الشريعة الإسلامية إسلامي والذي لا يسعى إلى تطبيقها ليس إسلامياً". ولهذا لا يختلف اثنان على أن حزب الجمهورية الإسلامي وطالبان إسلاميان، أما حزبا البعث وجبهة التحرير فليسوا إسلاميين. إذا كان هذا هو المقياس، وهو هذا، فإن أبسط مقارنة بين أحد حزبي البعث وحزب العدالة والتنمية، من زاوية تطبيق الشريعة الإسلامية، ستكون نتيجتها "إن في طبخة حزب البعث بهاراتٍ إسلامية، أما طبخة حزب العدالة والتنمية فليس فيها أي بهارات من هذا القبيل قط".

وبما أن الكل يعلم حقيقة حزب البعث، ولعقد المقارنة بينه وبين حزب العدالة والتنمية، ومنعاً للتكرار، يرجى العودة إلى مقالة الدكتور عبدالله تركماني "جدل الإسلام والحداثة في التجربة التركية" أو إلى مقالة علي الشهابي "المسلمون الأتراك والإسلاميون السوريون".

                                                                                        علي الشهابي / دمشق 23 كانون الثاني 2005

ملحق: أين أخطأ الدكتور عبدالله وما الذي يدعوه لهذا الخطأ؟

كل ما تحدث به الدكتور عن حزب العدالة والتنمية يدل على النقلة النوعية التي أحدثها المسلمون الأتراك في تطوير فهم المسلمين للإسلام. وقطاع واسع من المسلمين عندنا يتعاملون مع الإسلام بهذا الشكل، ونسبة أقل منهم تفهمه كذلك. أقول قطاعاً واسعاً لأن تقدير النسبة يحتاج دراسة ميدانية واسعة في كل المدن والقرى السورية. ولكن سواء كانت هذه النسبة كبيرة أو صغيرة، على الديموقراطيين العمل على نشر هذا المفهوم للإسلام وتوسيعه لأن الإسلام ليس صنماً أو مومياء، بل يتطور بتطور العصر. وهذا الفهم للإسلام تعبر عن جوهره مقالتا الدكتور عبدالله عن حزب العدالة والتنمية. وهذا الفهم لا ينتشر ويتسع مداه إلا بممارسة الديموقراطيين له بسلوكهم، ومحاولة كلٍ منهم تعميمه بالوسيلة التي يجيدها، والأهم في مواجهة الإسلاميين لأنهم هم من يصنّم الإسلام. وهنا مقتل الدكتور عبدالله.

هنا مقتله لأنه يحابيهم. فقد بلغ في تزلفه لهم حداً يفوق الشهادة بأن اللبن أسود، وذلك بمجرد قوله "إن حزب العدالة والتنمية التركي ليس علمانياً، بل إسلامياً". علماً بأن هذا الحد لم يصل إليه الدكتور منير الغضبان، مع أنه أحد قادة الإسلاميين، بل اكتفى بالاستشهاد بمقتطف من جريدة الحياة يشيد بإنجازات حزب العدالة والتنمية ويسميه إسلامياً. وبالتالي يحق للدكتور الغضبان، من زاوية ما، أن يقول: لم أزيف الحقيقة قط، هذا ما قالته جريدة الحياة و"ناقل الكفر ليس بكافر". (راجع الدكتور منير محمد الغضبان ـ الإسلام والحرية الفردية) كلنا شركاء 2 تشرين الثاني 2004.

أما لماذا يحابيهم الدكتور عبدالله فهذا شأن آخر، وهو الأهم. ومما يخفف ـ وربما يزيد ـ من رداءة هذا السلوك أنه لا ينفرد فيه، بل تسلكه كل أحزاب المعارضة السورية غير الإسلامية. فالخطأ عندما يكون فردياً فالفرد مسؤول عنه، وعندما يصير عاماً فالمسؤول عنه هو هذه البنية التي تولد بالضرورة هذا الخطأ، وهنا بيت القصيد: إن بنية أحزاب هذه المعارضة تولّد هذه الرداءة وغيرها عند كوادرها وأوساطها. وهذا موضوع آخر سأناقشه في وقت غير بعيد.