السودان على مفترق... الوحدة أم التفكك؟!!   عبد اللطيف مهنا

 

لعل السودانيون جميعاً قد رحبوا من حيث المبدأ بالسلام الموعود الذي قد تحمله إليهم، كما ظلوا يأملون، عملية التوقيع الاحتفالي على اتفاقيته المنشودة، ببروتوكولاتها الستة، التي تمت بين الحكومة والحركة الشعبية الجنوبية المتمردة، يوم التاسع من الشهر الجاري في العاصمة الكينية نيروبي.

التوقيع ختم مشواراً طويلاً من التفاوض، بمخاضاته العسيرة في ظل رعاية أجنبية في حكم المفروضة، وضغوطات خارجية قاسية، كان قد بدأ قبل الوصول إلى محطاته أو حلقاته الشهيرة الثلاث: مشاكوس، نيفاشا، نيروبي...

المرحبون، من خارج طرفي التوقيع، أي الحكومة والحركة الشعبية، كانوا ثلاثاً:

الأول: فريق تحمس للاتفاق واعتبره خاتمة الأحزان الوطنية جميعاً، بل اعتبر يوم التوقيع المشار إليه، التاريخ الحقيقي للاستقلال الحقيقي للسودان. حيث رأى أن هذه الاتفاقية ببنودها ذات التفاصيل الكثيرة، التي تندرج تحت أحكام أو نقاط تفرط أحياناً في عموميتها أو غموضها، قد أجابت على ما دعاه هذا الفريق الأسئلة الوطنية المعلقة منذ الاستقلال أو الانفصال عن مصر عام 1956. إذ من شأنها أن توحّد هذا البلد المترامي شديد التنوع، الذي يصفونه بأنه كان المقسم، والذي هو وفق واقع الحال، أو في نظرهم، يضم ستة عشر إقليماً مختلفاً ثقافياً، عندما أجابت، من حيث مضمونها، على السؤال الأهم من بين تلك الأسئلة، وهو: ما هو السودان؟

فحددت بالتالي هويته التي يعدونها بالملتبسة، عندما اعترفت بأنه بلد متعدد الأعراق  والديانات والثقافات...

الفريق الثاني، هو المعارضة الشمالية واسعة الطيف، والتي وقّع "التجمع"، الذي يضمّ جزءاً كبيراً من أطرافها وليس كلها، لغياب حزب الأمة والمؤتمر الشعبي، اتفاقية أخرى لاحقة في القاهرة مع الحكومة. والذي عدّ اتفاق نيروبي إنجازاً عظيماً وأعلن أنه مع هذا الاتفاق، لكن!

ولكن هذه... شملت عديد التحفظات، أهمها، إن عملية إبرام هذا الاتفاق على الوجه الذي تم قد همّش هذه المعارضة، وهي التي تعتبر نفسها تمثل قطاعات واسعة من السودانيين، باعتباره اتفاقاً ثنائياً  تمّ بين طرفين هما المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية، ويرتكز أساساً أو ينطلق من رؤيتهما وفكرهما وليس من ما يجمع عليه جميع السودانيين الذين لا يمثل هذين الطرفين غالبيتهم، وعليه فهي اتفاقية يصفونها بتسوية بين نخب، قد تلبي تحديات حاضر، لكنها تظلّ غير مضمونة النتائج في غياب مؤتمر وطني سوداني جامع لكل القوى السودانية على اختلافها، حيث تتحمل كافة هذه القوى مسؤولية إنجاز السلام المنشود والمشاركة في تجربة توطيده لا البقاء على هامشها.

أما الفريق الثالث، فهو إذ يلاحظ أن بنود الاتفاق نفسها تحمل في طياتها عوامل وبذور الانفصال، يخشى أن يكون هذا الاتفاق بداية تفكك مقننة لهذا البلد العربي الأقرب إلى القارة، بل يحذر من سايكس بيكو سودانية محتملة، ملاحظاً أن نتائج الاستفتاء في الجنوب المفترض إجراءه في نهاية الفترة المؤقتة، أي بعد ستة أعوام من تاريخ الاتفاق، حول البقاء ضمن السودان أو الانفصال، هي غير مضمونة لصالح هذا البقاء، و يذكّر بأنه لا يجادل في ذلك حتى طرفي الاتفاق نفسيهما... وهنا لا يفوت هؤلاء الإشارة إلى أن الاتفاق "الإيغادي"، بمعنى الحل الذي أبعد العرب كلياً عنه، والذي تم برعاية جون دانفورث، المندوب الأمريكي السابق في الأمم المتحدة، والمبعوث الخاص السابق للرئيس بوش إلى السودان، قد وضع بنوده أكثر من 60 خبيراً أجنبياً، وحضر الاحتفال بتوقيعه 25 دولة وفي غياب عربي كامل. وحيث أن التدخلات الأجنبية لا تخدم عادةً إلا مصالح المتدخلين، فإن  إنجازه قد تمّ في حقبةٍ تشهد تغوّل المخططات الأمريكية لتجزئة الوطن العربي إلى كيانات طائفية وإثنية، يرون أن من المفروغ منه أن وحدة السودان، في مثل هذه الحالة، هي رهن بتجاوب السلطة فيه مع استهدافات المصالح الأمريكية ذات الإبعاد الاستراتيجية والأمنية والنفطية. إذ لا يعقل أن تقبل هذه الدولة، خصوصاً في عهد إدارة ذات توجه إمبراطوري، أن تظل صفر اليدين من مغانم نفط الجنوب السوداني، الذي تستغله حتى الآن فقط شركات صينية وماليزية... وعليه فالاتفاق يظل مهدداً حتى من قبل رعاته!

والآن، علام يستند المتحمّسون والمتحفّظون، والمحذّرون أو المشكّكون؟

المتحمسون: يذكّرون الجميع بأن الاتفاق قد أنهى 21 عاماً من الحرب الأهلية التي بدأت عام 1983، فحصدت أرواح أكثر من مليوني ضحية، وشردت ستة ملايين نزحوا عن ديارهم. بل هناك من يرى أن هذه الحرب الأهلية قد بدت فعلاً قبل الاستقلال بعام أي في عام 1955، واستمرت، ما عدا فترة انقطاع مثلث حقبة اتفاق أديس أبابا في عهد الرئيس جعفر النميري، الذي لم يعمّر أكثر من جزء من فترة حكمه لانقلابه بنفسه عليه، ويسرد هؤلاء وقائع من مثل، أن السودان قد عاش طيلة ما بعد الاستقلال، إضافة لهذه الحرب الأهلية، وتحت طائلة تأثيراتها، جملةً من التناقضات الإثنية والدينية والسياسية، سعّرتها وفاقمتها الانقلابات العسكرية المتكررة. وإن هذه الحرب الأهلية كان دائماً من شأنها أن تفتح الباب واسعاً للتدخلات الخارجية بأطرافها المعروفة: إسرائيل، وبعض العنصريين الأفارقة في دول الجوار، وأخيراً الأمريكان في زمن جموحهم الإمبراطوري، وكل من يسعى في الخارج أو الداخل للإفادة من عجز الحكومات السودانية المتعاقبة عن حل هذه المشكلة المزمنة لدفع هذا البلد نحو التجزئة... باختصار، يرى هؤلاء، وفق رؤيتهم لمضمون هذه الاتفاقية، أنها حققت أنموذجاً طال انتظاره  يقنن العلاقة بين المركز والأطراف، ويشرك المهمشين في السلطة، ويقرّب الواقع السياسي الوطني من تطلعات السودانيين، التي يمكن اختصارها في عنوانين: الديمقراطية والتنمية... وخلاصة الأمر أنها خلصت هذا البلد المنكود من كلفة الحرب الباهظة بشراً وإمكانات، والتي استمرت نقيضاً لعافيته وتطوره إنساناً وتنميةً...

...والمتحفّظون: يركز هؤلاء على ما يعدونه تهميشاً للمعارضة الشمالية تحديداً، أو إعطائها نسبة لا تتعدى 13% من المشاركة في الفترة الانتقالية، في حين أن الاتفاق يمنح الحزب الحاكم، عبر الحكومة، 52% منها، والحركة الشعبية 28%، أما باقي القوى الجنوبية، أي من هم أيضاً خارج الاتفاق مع الحركة الشعبية، فليس أكثر من 6%. وحيث أن مسألة مشاركة المعارضة إجمالاً أصبحت أمراً متأخراً، بل هي مسألة غير منطقية، أو بدون جدوى، لأن الاتفاق في جوهره هو بين حكومة وحركة متمردة، وهو ملزم ونافذ وغير قابل للتعديل وبضمانة من يرعاه، فمن ثغراته التي تنفذ منها حجج هذه المعارضة هي كونه الأشبه بصفقة تمّت بين طرفيه، اللذين ترى إنهما لا يمثلان غالبية السودانيين، غامزةً من قناة نقاطه العامة وحتى الغائبة، ومن ذلك: الخلافات حول لجنة صياغة الدستور، بمعنى عدم وضوح نسب مشاركة الأطراف فيها... هل هي، مثلاً، وفق نسب تقاسم السلطة المشار إليها آنفاً؟! ثم أين هي البروتوكولات التي تنظم السياسة الخارجية، أو تضع حداً مفترضاً للتحالفات السابقة للمتمردين مع الخارج، ولا نغفل هنا إسرائيل بالطبع، أو حتى الحد من تأثيرات هذه التحالفات؟ وأين البوتوكول الثقافي المعني بتحديد هوية السودان؟!

مذكرين بأن للسلام معاركة أيضاً، وهي ربما الأصعب، مثل: دمج المحاربين، وإعادة توطين المهجّرين، وأخذ مواقف الفصائل الجنوبية الأخرى بالاعتبار، وأخيراً البدء من الصفر في إعادة بناء البنى التحتية المدمرة الخ.

ولا يفوت هؤلاء هنا التأكيد بأن اتفاق الميرغني الشهير، إبان حكومة الصادق المهدي، والذي تصادف أن أجهضه قدوم انقلاب الإنقاذ، كان أفضل من الاتفاق الحالي، لجهة أنه كان قد تمّ من دون تدخل أجنبي، ولم يشتمل على خيار تقرير المصير للجنوب!

...والمحذّرون: لعل بنود الاتفاق مادةً دسمة لقلق الخائفين على وحدة السودان، فبروتوكولاته الست وتفاصيلها الكثر، تعطي الجنوبيين كياناً بسلطتين، تشريعية وتنفيذية، مستقلتين تماماً عن المركز. واستطراداً، نظاماً مصرفياً خاصاً يعززه حصولهم على نصف ثروة النفط المستخرج في الجنوب... وأكثر، تعطيهم جيشاً خاصاً وعلماً خاصاً، دون أن ننسى إنها تتيح لهم أيضاً شؤوناً تربوية وثقافية مختلفة عن المركز. بل أن حكومتهم الخاصة تمتلك صلاحيات تعيين الولاة في إقليمهم... ويضاف إلى ذلك أن الدكتور جون غرنغ رئيس الحركة الشعبية والطرف الجنوبي الوحيد المقابل للحكومة في الاتفاق، هو رئيس تلك الحكومة الجنوبية، والقائد الأعلى لجيشها، بالإضافة طبعاً إلى كونه نائباً أولاً لرئيس الدولة السودانية، وله صلاحيات مركزية واسعة تؤهله لممارسة سلطة موازية لسلطة الرئيس، وحتى منافسة لها، كما بإمكانه أيضاً إن شاء عرقلة القرارات الرئاسية التي لا تناسبه... أي إننا أمام ما يشبه نظامين في دولة واحدة، على الطريقة الصينية، مع الفارق بين طبيعة الطرفين في الحالتين، وسيف خيار الانفصال المسلّط والمتاح بعد ستة أعوام في الحالة السودانية!

إذن، والحالة هذه، لا بد من إقناع الجنوبيين بالوحدة، لكن سؤالاً منطقياً يطرح نفسه هنا يقول: إذا كان الجنوبيون يحصلون على صافي العائدات النفطية الجنوبية في ظل الوحدة، فلماذا لا يفضلون الاحتفاظ بكامل هذه العائدات في ظل الانفصال؟!

بل نذكّر هنا أنه حتى منطقة ابيي الغنية بالنفط، الواقعة إدارياً خارج جغرافيا الجنوب التاريخي، لها بموجب هذا الاتفاق حق الاختيار في نهاية المرحلة الانتقالية بين البقاء إدارياً ضمن الشمال أو الانتقال لتتبع منطقة بحر الغزال الجنوبية!

ويتساءل هؤلاء بحق: لماذا لم تعط الاتفاقية للجنوب نصف عائدات الثروة في كل السودان بدلاً من ذلك، أوليس هذا، لو كان، أفضل وأضمن كوسيلة لدرء مغريات الانفصال هذه؟!

ويشيرون إلى تصريحات جون غرنق التي أعقبت الاتفاق من أنه سيسعى للاتفاق مع كينيا حول إنشاء سكة حديد طولها أكثر من ألف كيلومتر لنقل النفط من جوبا إلى ميناء مومبسة على ساحل المحيط الهندي بدلاً من تصديره عبر ميناء بور سودان! لكن الأخطر ربما، هو تفاقم دعاوى التهميش لدى الأطراف السودانية الأخرى بتشجيع ضمني من الأنموذج الذي أتاحه هذا الاتفاق والذي قد يساهم في فتح شهيتها. ويمكن الإشارة هنا إلى أزمة دارفور في الغرب دون إغفال إرهاصات شبيهه في الشرق، وحتى في الشمال... وزد على ذلك، بداية نشوء حركات انفصالية جنوبية على ضفافه ترفع شعارات مثل: "لا سلام بدون انفصال"!

إذن، وفي حومة الجدل الدائر بين المتحمس والمتحفظ والمتشكك المحذّر، سودانياً وعربياً ودولياً، هناك حقيقة ساطعة تقول: السودان على مفترق خطر يؤدي إلى اتجاهين نقيضين لا ثالث لهما:

إما الوحدة أو التفكك... وحتى لا يكون التفكك، المتخم بأخطاره الكارثية الاستراتيجية ليس على السودان فحسب وإنما على مصير الأمة العربية بكاملها، مالذي سيفعله السودانيون والعرب لمنع انفصال الجنوب، هذا الانفصال الذي إن حدث فسيعني بداية تجزئة السودان وتفتته، الأمر الذي إن وقع فسيعني مما يعني على الأقل تمكن أعداء هذه الأمة من تحقيق حلمهم القديم ببناء سورهم الواقي الذي سوف يفصل العرب، ومعهم المسلمين، عن الدائرة الإفريقية بكاملها؟؟!!