أبعد من صفقة صواريخ... وأقل من حرب باردة!

     بقلم :   عبد اللطيف مهنا

 

هي بلا شك أقل قليلاً من حرب باردة جديدة، لكنها بلا ريب أكثر من مجرد خلاف موسمي، وليس ما يمنع من احتمالات تفاقمها واستمرارها. هذه هي الأوصاف التي من الممكن لنا أن نطلقها على هذه الأزمة الروسية الإسرائيلية الراهنة. كما أنه من الممكن لنا أيضاً القول أن أسباب نشوبها هي أبعد وأعمق وأوسع من تلك المعلنة، تلك المراد لها أن تظل عنواناً لها، إلا وهي المزاعم الإسرائيلية، والتي تغدو شيئاً فشيئاً غربية، حول نية روسية بعقد صفقة صواريخ مفترضة مع سورية، ربما تتم إبان زيارة الرئيس السوري بشّار الأسد المقررة نهاية الشهر الجاري إلى موسكو، والتي يقول الإسرائيليون ومن بعدهم الأمريكان، وكذلك الاتحاد الأوروبي بلسان منسق شؤونه السياسية والأمنية خافيير سولانا، أنها سوف تشكل إذا ما عقدت إخلالاً في موازين القوى، الأمر الذي سيؤثر من ثم على الاستقرار الهش في المنطقة، وقد يضر بالمساعي والنوايا السلامية لهذه الأطراف الثلاثة فيها!

قبل أسابيع من تسريب أخبار هذه الأزمة لوسائل الإعلام، ومن ثم بدء الحديث العلني عنها، كان الإسرائيليون قد عقدوا اجتماعاً خاصاً خصوصية من حضره. كان برئاسة شارون، وحضور الأخيرين المعنيين بهكذا أزمات من نوع وزيري الخارجية والحرب ورؤساء أفرع وأذرع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لمناقشتها، باعتبارها، كما قيل، "قضية أمن قومي"!

كما سارعت الإدارة الإسرائيلية إلى إبلاغ حليفتها الإدارة الأمريكية بأمر هذه الأزمة، الأمر الذي يعني بالضرورة التشاور معها حولها. وبالتالي، وعلى ضوء هذه المناقشة وإبلاغ الحليف أو التشاور معه، قرر الإسرائيليون إبلاغ العالم، بأنها، أي الأزمة، ما كانت لتكون إلا "بسبب السلوك الروسي"!

قد لا يكون من المجدي مناقشة هذا السلوك الروسي من زاوية توصيفاته الإسرائيلية، التي ذهبت حد التحذير من محور روسي – سوري جديد تقول صحيفة "معاريف" الإسرائيلية على سبيل المثال، أنه يهدد السيطرة الأمريكية والتفوق الإسرائيلي في المنطقة، بل لم تتوان عن وصف تلك الصفقة بأنها تعدّ تطوراً خطيراً،  بل "إضافة إلى المظلة النووية الإيرانية"! أو اتهام الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، بأنه وهو الآن في فترة رئاسته الثاني، بات يشعر بأنه قد غدا متحرراً من التزامه تجاه من منحه السلطة، أي، والكلام للصحيفة، عائلة بوريس يلتسن ومقربيها، وبالتالي فإنه لم يتورع عن الأقدام على خذلان العلاقة الشخصية التي يقول شارون للإسرائيليين أنها تربطهما معاً، إذ نكث، والحالة هذه، بوعد كان قد قطعه للأخير بأنه لن يقدم على ما من شأنه الإخلال بهذا التفوق.هذا التفوق الذي لا يصدق عاقل في العالم أن صفقة الصواريخ المفترضة، إن هي تمت أصلاً، سوف تخل به، وهو الأمر الذي وصفته الصحيفة نفسها في موضع آخر بأنه "مزاعم مبالغ فيها"!

بل وتبلغ الضجة الإسرائيلية المفتعلة حداً تتحول فيه يوماً بعد يوم إلى عملية تحريض واسعة  ومدروسة، فحيث تسعى إسرائيل إلى تصوير الأزمة برمتها وكأنها روسية أمريكية بزعم إقدام بوتن على ما يدعوه الإسرائيليون تغييراً استراتيجياً روسياً يقضي بالابتعاد عن الغرب وعن سياسات سلفه بوريس يلتسن، والبدء في محاولة تشكيل محور جديد مواجه للولايات المتحدة مع دول واعدة ستشكل ثقلاً كونياً مستقبلياً مثل الصين والهند وحتى اليابان، تذهب إلى إبداء خشيتها من أن تكون الزيارة الرئاسية السورية المقبلة لموسكو، مع التذكير بأخرى سبقتها إلى بكين، شبيهة بزيارة عبد الناصر التاريخية لموسكو إبان حرب الاستنزاف وبداية الإعداد لحرب العبور عام 1973، والتي نجم عنها ما عرف بحائط الصواريخ الشهير!

على أية حال نفى الروس حديث الصفقة رسمياً، وأرسلوا، وفق المصادر الإسرائيلية، تطمينات سرية للإسرائيليين، بعد أن تلقوا، كما تقول هذه المصادر، برقية قاسية من شارون، وكرروا هذا النفي الرسمي المعلن. والسوريون رأوا في هذه الزوبعة استمراراً لحملة من الضغوطات لا تتوقف ضدهم اعتادوها، وأشاروا إلى أنها دوماً تبدأ من ذات المنشأ الإسرائيلي، وهي في آخر نسخها هذه تسبق زيارة الرئيس السوري لموسكو المقررة لتطويق المفاعيل المتوقعة لهذه الزيارة.

والآن، وأمام مثل هذا التطاول الإسرائيلي الفج على دول بوزن روسيا، والذي يعكس غروراً أصبح سمة للسياسة الإسرائيلية لا يدفعها إلى الاستهانة بالمجتمع الدولي فحسب، بل حتى مطالبة العالم بقبول جملة أكاذيبها وأساطيرها المنافية للعقل والتاريخ، بل وباتت هذه السمة تترجم تدخلاً سافراً ومهيناً في شأن له علاقة بسياسات وعلاقات دولة كبرى تخدم مصالحها وتتعلق بسيادتها... هل من الممكن تصور أن إسرائيل سوف تقدم على ما تقدم عليه دونما الاعتماد على الولايات المتحدة، والاطمئنان إلى التأييد الغربي لها، الأمر الذي سبق وأن كررته حتى مع دول غربية، مثل فرنسا، وبلجيكا، وألمانيا، بحيث بدت تتصرف وكأنها  دولة عظمى تعطي نفسها حق التدخل، كما رأينا، في مصائر دول كبرى، بل وتحاكم عالم بأكمله وفق مقاييسها التوراتية؟!

لا شك أن التماهي التام بين السياسات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة والعالم، والرعاية الأمريكية لهذا الغرور، هو المسؤول عن مثل هذا التطاول... ولكن السؤال الأهم هو:

ما هي الأسباب الحقيقية للأزمة الروسية الإسرائيلية الراهنة، التي قلنا أنها أبعد وأعمق وأوسع من مسألة صفقة الصواريخ السورية المزعومة أو المفترضة؟!

هنا تجدر الإشارة إلى تصريح سابق للرئيس بوتن يقول فيه أن هناك "أناس يطلقون تصريحات صهيونية ومعادية لروسيا" في محيط يوتشينكو الرئيس المنتخب الأوكراني، كما أشار إلى دعم مالي إسرائيلي لحملته ولمعارضي روسيا هناك. الأمر الذي يعني شكوى روسية من أعلى المستويات من تدخل إسرائيلي مناقض للمصالح الروسية ويجري على التخوم الروسية، وإذا ما أضفنا إلى ذلك التنافس التسليحي الروسي الإسرائيلي الذي انتهى لصالح الإسرائيليين أو يكاد في الهند مثلاً، حيث كانت سابقاً الساحة هناك خالية للروس، ولم تعد اليوم كذلك، ونوعاً ما أيضاً في الصين، ثم محاولة التطويق المسبق لأي نشاط تسليحي متواضع قد يعود بالفائدة على الاقتصاد الروسي يمكن أن يتم مع العالم العربي أو الأطراف العربية التي لها علاقات تاريخية مع موسكو، وتعتمد عليها في هذا المجال، وكذا الحملة على ما يعرق بالتعاون النووي الروسي مع إيران، يمكن القول أن سيل التدخل الإسرائيلي قد بلغ بالنسبة لموسكو الزبى، ولم يعد محتملاً من دولة تشعر، وقد كانت عظمى، أن كرامتها تهان اليوم من قبل دولة صغرى تتطاول عليها بسيف الولايات المتحدة الأمريكية ودعم الغرب الزاحف عبر الناتو إلى تخومها.

يضاف إلى ذلك أن الروس ليسوا في وارد نسيان أن الأوليغارشية أو حتى المافيات اليهودية الروسية بدعم من الغرب قد ألحقت أفدح الأضرار بالاقتصاد الروسي عبر السطو على مؤسسات القطاع العام المباعة بالأسعار الزهيدة أيام يلتسن، ولعل أبسط الأمثلة هنا ما أعلن مؤخراً من أن الملياردير اليهودي الروسي ميخائيل خدروفسكي الذي يحاكم بتهمة الفساد والتهرب من دفع الضرائب، المالك السابق لشركة "يوكوس" النفطية العملاقة قد سلم الحصة الأكبر في شركة "مينتاب" للاستثمارات المالكة لأكثرية أسهم "يوكوس" إلى شريكه الهارب والمقيم في إسرائيل ليونيد نفزالين! كما ليسوا أيضاً في وارد نسيان نكران الجميل من قبل الإسرائيليين على منة قدموها لهم تمثلت في مليون مهاجر يهودي تم تسهيل هجرتهم إلى إسرائيل قبيل انهيار الاتحاد السوفيتي.

أي أن الأزمة، التي دفعت بالإسرائيليين إلى استدعاء سفيرهم للتشاور، والاستنجاد بالأمريكيين الذين ذكروا الروس على لسان باوتشر الناطق باسم الخارجية أن "هناك عقوبات يمكن فرضها بموجب القانون الأمريكي" وقت الضرورة... قد بدأت في التحول إلى قضية إقليمية ودولية جراء التحريض الإسرائيلي الذي استدرج الأمريكان والاتحاد الأوروبي إلى حلبتها، لا سيما وأن الإسرائيليون لا يكتمون استعدائهم لهؤلاء المستدرجين ضد روسيا، خصوصاً وإنه الاستعداء المستند إلى جديد الإدارة الأمريكية المتمثل في حلول أشخاص مثل كونداليسا رايس ونائبها روبرت زوليك، ومساعدها للشؤون السياسية نيكولاس بيرنز، أي الفريق الأكثر حميمية تجاه الإسرائيليين، والذي يصفه الإسرائيليون بأنه: "الأكثر شكاً تجاه روسيا، والأكثر حزماً تجاه إيران، والأكثر كفاحية ضد سوريا"!

...وأخيراً، هذه الأزمة إلى أين؟

من المبكر القول أنها ستخرج عن السياق الروسي المتبع في عهد بوتن، أي الساعي إلى ترميم مجد دولة عظمى انهار عبر الحرص على مصلحة روسيا أولاً، دون الانزلاق لحرب باردة جديدة، أو حتى إحراق جسور يلتسن المتهالكة مع الغرب... وعليه ستظل الأزمة أقل من حرب باردة وأكثر من أزمة موسمية أو عابرة، أما تفاقمها أو استمرارها فرهن بتفهم الغرب للسياق الروسي المشار إليه.