في رثاء ربيع دمشق 

د. كمال اللبواني

 

 

من أجل دموزي اغتسلت

جدلت مع الغار شعري

صبغت بالكحل عيني

زينت بالقلادة عنقي

وبالعنبر طيبت  ثغري

 

دموزي ضم خاصرتي براحتيه الواسعتين

وراح يداعبني

قبلته فوق شفتيه

وقدراً حلواً تمنيت من أجله  

 

كما كانت اينانا تحضر نفسها لاستقبال دموزي هكذا حضرت دمشق نفسها لاستقبال الربيع ، الذي بدأ  مبكراً هذا العام ، على غير عادته ، بسبب الاحتباس  الحراري ، والذي ترافق مع ربيع ثقافي  وسياسي آخر ، لم تشهد مثله دمشق  منذ  أكثر من عشرين عاماً ، ربما  بسبب الاحتباس  السياسي المزمن ، ورغم أن الربيعين  قد  بدءا مندفعين ، لكنهما سرعان ما ذبلا والتويا  قبل أن يصلب عودهما ، بسبب حرارة  الشمس وشح  المياه .. أو بسبب عناد  السلطة وتهديدها بالبطش  ، السلطة التي حدقت بعيونها ( عيون  الموت ) ، ( وصاحت صيحة  التأثيم ) ،  ( فمشت  الخيول على العصافير  الصغيرة )(2) ، و ضمرت   أزهار  الربيع  الغضة وانكمشت ، و عاد  اليباس والموت للانتشار بسرعةٍ  أيضاً  .

و موت  الربيع  ليس جديداً على  الثقافة  والتراث  السوريين ، فموت الربيع أو قتله  قصة شعرية أسطورية تاريخية قديمة ،  والنواح  على  الربيع  المقتول المتجسد رمزاً في  إله ،  ربما كان أقدم ألحاننا وأغانينا ، و اللطم عليه  ما يزال قائماً  بأشكال  وصور مختلفة ،  أما عودته  وإعادة  بعثه فكان يتطلب  صوماً وتضرعاً وتضحية وقرابين , تلك التي  إذا  لم  تقدم لا يتجدد بدونها  الربيع ، بل ربما تتوقف حركة  الكون و تحدث  الكوارث .

منذ عينانا التي صارعت  العفاريت  على ملكية وحب ديموزي ( في النص السومري ) ، أو عشتارت  في صراعها  مع ايرشكيجال  وجنودها الغيلان على تموز ( في النص الآكادي ) ، كان الربيع  على  الدوام  يصارع من  أجل  التجدد . إن  تمثل  بصورة دموزي أو تموز أو بعل  أو مردوخ  أو مارجريوس ( الخضر الأخضر  ) أو رموزاً أخرى أكثر تورية مثل المسيح أو الحسين . فالأعياد والاحتفالات المحلية تعيد  وتكرر تلك  القصة  الحزينة  الحالمة بسعادة لا تتحقق ، وحلم لا يعمر طويلاً  :

جرحت خديها  ، أدمت ذراعيها وصدرها

البعل مات

مات الظافر البعل 

هلك الأمير سيد الأرض

كلمي الشمس النيرة وقولي لها

تشققت أثلام الحقول

أين الظافر البعل

 أين الأمير سيد الأرض

كثيرون  عابوا على الربيع البائد استعجاله ، والبعض رأى في حركة المثقفين حركة نخبوية مفصولة عن  الشارع  ، لكن  الغالبية ما تزال تلوم الشعب على عدم  تجاوبه   مع  نداءات  الإصلاحيين ،  وتفضيله  موقف  المتفرج الصامت . ربما لأن  الشعب  يائس وبائس ولا  أمل  عنده في  شيء ، ويترقب  ويتوقع  الأسوأ ، وليس  الأحسن ،  حتى  أن قسماً كبيراً منه قد أكمل انسحابه من الدنيا  وانتقل إلى  الآخرة   قبل  وفاته  بزمن  طويل ، أو ربما  لعدم ثقته  بالمثقفين ، خاصة وأنهم كانوا ممن طبل  وزمر  لأيديولوجيات هي  المسئولة بطريقة  أو  أخرى  عن  تردي   أحوال الوطن وسيادة الشمولية والفاشية  ،  لكن  القول بأن  موقف الشعب  هو موقف الخائف ، يبقى  غير  دقيق ،  فالخوف والتخوف موجودين , لكن ما هو  أشد منهما أثراً هو الشلل الناجم عن الضياع  والفوضى وعدم  وجود وضوح في  الرؤية ،  أو عدم  تمايز  تيارات في  الرأي  العام , بسبب قمع الحياة  السياسة  لفترة  طويلة ، أما السلطة فوجدت  الفرصة  مناسبة .. وجربت  قوتها بحذر في  البداية ، لكنها  تفاجأت  من مستوى ضعف  المقاومة ، فاستراحت  واسترخت وتراجعت  عن  كل  وعود  الإصلاح  والتغيير  قولاً  وعملاً جملة وتفصيلاً  . لكنها   هي  أيضاً  أصابها مرض الإحباط والسأم .

  صحيح أن من هم في  السلطة  يتمتعون  بامتيازات  إمبراطورية هائلة ،  لكنهم  مع  ذلك  منزعجون  وغير  راضون ، ينامون على  الوساوس  ويستيقظون على  الخوف  وأحيانا توبيخ  الضمير ..  بعض  ضباط  الأمن  لا  يخفون  انزعاجهم  وخيبة  أملهم ،  ويعلنون أنهم  لن  ينفذوا أي  أمر  إذا  لم  يكن  خطياً (وبعد  أن  يحتفظوا  بنسخة  عنه ) ،  فغداً عندما تقع  مشكلة فقد  تكسر  الشربة  برأسهم  ويصبحون  هم  أعداء  الشعب  وحقوق الإنسان , بينما  يتنصل غيرهم ..  لذلك ترى  الدولة شبه معطلة  وبشكل  خاص  ماكينتها  الأمنية ، ( فالقمع  إما  أن  يكون  شاملاً  أو  لا  يكون )..  في  الماضي  عندما  كان  كل  عنصر  أمن  يتمتع  بصلاحيات  استثنائية ويستعملها  لصالحه ،  كان  يتفنن  ويبدع بالقمع  والغطرسة التي  تخدمه  وتخدم  السلطة ..  أما  اليوم  فالفوائد  الشخصية  أقل  والمخاطر كبيرة .. ولا  أحد  يعرف  ماذا  يخبئ المستقبل .. والمسئولون عموماً لا يريدون  تحمل  أية مسؤولية .. الكل ينتظر الأوامر وينفذ أصغر قدر منها ، والكل ينازع الكل  و يتمنى  لغيره  الوقوع ،  أما  الفاعل  الذي  يتوقع  منه أن يقوم بالدفع في طريق الإصلاح  ، فهو  مغمي عليه ومستغرق في  صور  الرعب  والخيبة  التي عاش عليها ولا  يعرف  غيرها .    ورغبات  التغيير من داخل السلطة  تصطدم  بماكينة  صدئة متكلسة تفتقد  أدنى  حد  من  المرونة .  فالأنظمة  الشمولية  أنظمة شديدة  القساوة  وغير  قابلة للتغيير  والتعديل وأي  محاولة لحنيها سوف  تؤدي لتحطمها  ، فالتغييرات  الديمقراطية حتى  لو  كانت  طفيفة قد تصبح  بمثابة حبل كاف لشنقها ( لذلك لم تتحمل هذه  الأنظمة درجة بسيطة من حرية التعبير في  بيوت معزولة ) ، والنظام  شديد  الحساسية  لأمنه ولن يلف الحبل حول  عنقه طائعاً ،  فكل  إصلاح  من  وجهة  نظره يجب  أن  يضمن  بقاءه  واستمراره متحكماً  وحيداً في  السياسة ، ومحكماً قبضته على  مقاليد  الأمور ، وذلك طبعاً عن  طريق  المؤسسة  العسكرية  الأمنية ، التي تحكم بموجب قانون  الطوارئ الذي يبيح لها أن تفعل ما تريد ، دون رقيب ولا حسيب ولا رادع . مما  يتناقض مع كل عملية إصلاح ، ويحبطها حتى لو كانت شكلية تجميلية . 

أما المجتمع   المدني الذي  دمر  عن  عمد  وسابق  تصور وتصميم ، فلن يستعيد الحياة   بإطلاق  البيانات ، والسياسة  بالنسبة للسياسيين ( إن كانوا  في  السلطة  أو  في  المعارضة )  تعني  لهم  القيادة  والتوجيه  والوعظ والإمامة  والتنظير ، وتعني  البحث عن  المناصب إذا كانوا مع السلطة ، والبحث عن  أتباع ومريدين  و( زلم ) إذا كانوا ضدها ، والحال واحد في كلا الحالتين :   تشكيل عصبويات مضادة لمفهوم  المجتمع ذاته , ومناقضة للهدف  الديمقراطي  المعلن ..  وبالنسبة للشعب :  السياسة تعني ممارسة  الكذب والنفاق , أو  الاستزلام  والتزلف  والتطبيل  والتزمير , أو تعني اتقاء شرور حكام يوضعون  على  قدم  المساواة (في الوعي الشعبي ) مع  الظلام وأولاد  الحرام  .. ووجهة نظره بالسياسيين أكثر  سوءاً ،  فهو يرى  السياسيين في  الحكم كما لو كانوا مجرمين ومتجبرين وكفار .  أو مجانين ..!  لو كانوا ضد الحكم  ، فمن ذا  الذي  يرمي  بنفسه  إلى  التهلكة لو  لم  يكن  مجنوناً .. وهذا  القول يحمل  شيئاً من  الصحة ، فمن  يعمل في  السياسة ضد  السلطة في بلادنا هو إنسان مختلف  غير عادي  حتماً ، لكن  هذا  الاختلاف ربما كان  نتيجة  الظروف  الغير عادية  التي  نعيش , وربما كان ضرورة للتكيف مع واقع يلغي  السياسة  ويحرمها   ,  فلا تقدر  على هذا التكيف  إلا نخبة خاصة مخالفة للحالة  العامة   , تغلبت على الخوف  بطريقة ربما تكون سحرية , وتغلبت على  السلبية ربما بطريقة تبدو وكأنها حمقاء  ،  وقد  يوجد بين أعضائها من  تحركه دوافع نبيلة جداً  أو عادية جداً  ،  وقد  يتصف البعض  بحب  الظهور (  وهذا ربما كان نتيجة  إدراكه  أنه  مختلف ، أو متميز )  و قد تحرك البعض  الرغبة في  التحدي  ، لظروف تفرض نفسها كقدر  لا يمكن تغييره ،  و قد يكون هذا التحدي منطلقاً من تصورات خيالية عن ( الواقع والإمكانات والقدرات ) ، تشكل هذه التصورات مجموعة هذيانية  سحرية متكاملة ، يعيش عليها هذا  السياسي المختلف والشاذ إلى درجة تجعل البقية  يهربون منه ويتحاشونه (  طبعاً   أنا لا  أتحدث عنهم  مستثنياً  نفسي  ،  فأنا  معهم  ومنهم  ولا  أتميز عنهم بشيء ، أحبهم رغم كل  شيء وأنتمي  إليهم ،  لكن  هذا  لا يمنعني  من رؤية المشهد من موقف غير ذاتي  ، و لا يعقل  أن لا نكترث برأي  ستة عشر مليوناً ونفهم وجهة نظرهم   ) ..  فمن  يحسب  الربح  والخسارة في  واقعنا ، سوف  يبتعد بعيداً جداً عن  حقل  السياسة المليء  بالألغام  والكوارث .. ومن  لا  يحسب ، فهو بدرجة ما مجنون جنون الرجولة  والقيادة  والتحدي ، أو جنون  الثأر   ،  أو  ربما هو  مضحي لأسباب ذاتية داخلية صوفية أو استشهادية ،   وقد  يكون مقامراً  يقدم  على مقامرة  خطرة  ( على  نفسه  وعلى  المجتمع  ) فالويل  له  لو  فشل ، والويل  للمجتمع  لو  نجح ، فسيدفع هذا  المجتمع  أضعافاً مضاعفة ، لأن  المقامرة تقوم على جائزة كبيرة تبرر جسامة التضحية ( هي  ملكية  السلطة الاستبدادية ) .. على  كل  حال  هذا  الجنون  ضروري ، ومن  الأفضل تعميمه طالما  أن  العقلانية  تعني  الخنوع  والخضوع  وعيشة  التذلل والانبطاح ، وهو جنون بطل طالما  أنه يقول  الحق  ويدعوا للحقيقة ، ولا بأس لو وجد المقامرون  والمخبرون  والانتهازيون .فالتجارب  والمحن  تفرز  الغث من  الثمين .

هذه  هي  صورة  الربيع  من  داخله ، وهذه  هي  حاله ، وهي  حال أشبه  بحالة  شتاء  قارس   رغم  حرارة فصل الصيف  ،  تجمد  فيه  كل  شيء  وتعطلت فيه  الحياة .. وظهر  الانسداد جلياً  ينتظر مخرجاً بطريقة ما  ... مما يضطرنا لنسأل التجربة  التاريخية مرة أخرى ، و لنتعرف على ما تطرحه علينا من حلول  :

ففي سوريا كانت تقام الأعياد احتفالاً ببعث الإله أدونيس  الميت ابن عستارت وحبيبها ، وتبدأ طقوس الاحتفال  عندما يأخذ كهان عستارت الخصيان  بتجريح أجسادهم  بالسكاكين الحادة على صوت الطبول والزمامير   والصنوج ، التي تعزف إيقاعات عنيفة مجنونة ، ويترافق ذلك مع تناول الخمور والمسكرات ، والنباتات المهلوسة ،  ثم تنتقل الحمى إلى بقية المحتفلين  الذين يصل ببعضهم مرأى صورة الدم وسماع صوت الموسيقى إلى حالة من الوجد والانفعال يصبحون معها مهيئين لمباشرة طقوس الخصاء ، وهنا يندفع الشباب واحداً اثر الآخر وسط تشجيع  الجمهور  ، إلى مكان مخصص فيه سيوف مغروسة ، يستلونها ويخصون أنفسهم بأيديهم ، ثم يركضون لا يلوون على شيء ، إلى أن يرمي المخصي قضيبه المبتور أمام أحد الدور التي سيلتزم أهلها  بإيوائه وعلاجه ، بعد أن يلبسوه ثوباً نسائيا يستمر في لبسه طول حياته ، فعستارت أخذت رجولته إلى الأبد ، وهو سيلتحق بجيش الخصيان حول المعبد الذي يحتوي البغايا المقدسات اللاتي لا يمتنعن أبداً عن ممارسة الجنس  .( 3)

ألا تبدو هذه  التصرفات للوهلة  الأولى وكأنها مجنونة  ؟ نحن  لا ندري  إن كانت عادة الخصاء الذكوري  الطوعي هذه تعبر  عن رغبة في استفزاز شهوة الأنثى أو عن احتجاج على عقمها  أو عن تخوف الذكر منها ،  لكن هذا  الخصاء ، هو قربان  سيستمر بصور وأشكال مختلفة ، ويتجسد في ذاكرة الشعب ، ويعيد إنتاج نفسه  ويتكرر  .. فهل يلعب  المثقفون اليوم دور  كهنة المعبد  ،  حيث البغاء والفساد مستشر في داخله .. والحياة  خارجه  عقيمة ومتوقفة  . أزمات وكساد وبطالة وجهل  وحقد  وكراهية وتفكك  وجنون وهلوسات .. شتاء قاس  ينتظر  الربيع والربيع  لا يأتي  بلا  قربان كما تقول الأسطورة  .

من منهم سيكون القربان الجديد  الذي  سيعيد  روح الربيع ؟ من هو يا ترى هذا الفادي ؟..

 {  وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال خذوا هذا جسدي ، وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً : اشربوا منها كلكم لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا ..}(4 )

 حتى  الآن نحن نترقب ونعد  أضلاعنا ، ولا ندري من سيقدم نفسه طائعاً ، أو من ستمتد له يد الغيلان الأنوناك ..العدد قليل ، والرؤوس الكبيرة معروفة ، ولا ندري  برأس من  ستقع الفأس   ،  فالنظام  الحالي  لا يبدو أنه سيتراجع قبل أن يستخدم كل  أسلحته ، وقبل أن تفشل في تحقيق أهدافها ، وهو  يؤجل استخدام الغليظة منها  طالما أن  الحركة مخصية  وعقيمة ، فإذا حصل الإلقاح أو إذا خرجت الحركة من نخبويتها  (  التي تتسبب في خصائها ) ولامست  الشعب الذي هو الأساس في كل  سياسية ، وإذا ما استجاب الشعب المستغرق في السلبية ، وبدأ بالحراك ، سوف يستخدم العصا الغليظة ضدها ، لكن السؤال هو :  هل  ستنجح العصا فيما فشلت به الوسائل  الأخرى ..  على كل حال  لن  ينتهي موسم الشتاء الصيفي هذا  حتى تتكشف  الأمور ونعرف إن كان الربيع سيتجدد في وقته أو مبكراً قليلاً أم  أنه لن يتجدد أبداً ويتغلب الموت على الحياة  ،  والموت  فاغر  فاه ،  ونسقط في  الاحتمال  الأسوأ ، احتمال الانتحار  الجماعي  والتدمير  الذاتي  ، والفوضى العمياء .

على كل حال وكعادتنا يجب  علينا أن  لا نوفر  الدموع أو اللطم على كبش الفداء ، أو على  الربيع  الميت ، بل يجب علينا  أن نستعيد  تراثنا ونكرر مرثيتنا  القديمة التي  ما فتئنا نرددها منذ بداية  التاريخ .. منذ سومر   فنردد مع  إنانا في  رثاء ربيعها نشيداً وطنياً تراثياً  قديماً حافظ على نفسه آلاف السنوات :

فجأة ..

انشقت الأرض

و ظهرت العفاريت

أما الذي قبل  الشفاه  المقدسة

فقد وجل قلبه

أوجس خيفة

فر للبعيد

اختبأ بين  الأخاديد

كان فؤاده  مفعماً  بالدمع

صفق العفاريت  بأيديهم ، وراحوا يبحثون عنه

عفريت  لحق  بعفريت

فتلوا حبلاً من  أجله

نجروا له عصاً

أحاطوا  به  من كل  جانب

أمسكوه

قيدوه

عصبوا عينيه

ثبتوا بالمسامير كفيه

واقتادوه

إن  مشى  أمامهم

ضربوه

وإن  سار خلفهم

اقتلعوه

غيلان متوحشون 

ينتزعون الزوجة من فراش  زوجها

والطفل الرضيع عن  صدر  أمه

كانوا خلقاً لا يعرفون طعاماً ولا شراباً

لا يأكلون الخبز

ولا يشربون خمر العنب

سريعاً

وصلوا به إلى المذبح

راحوا يدورون حوله

رقصوا رقصة الفرح الدموي

نطقوا بكلمات الغضب

صاحوا صيحة التأثيم

حدقوا بعيونهم ..

عيون  الموت

ترنح دموزي وتهاوى

خر على الأرض صريعاً  

جثة هامدة

على جسده المقدس

لم يمد القماش

الأخت تأملت في  جثة أخيها

تفجر  الدمع من عينيها

خدشت وجنتيها

شقت  ثوبها

مزقت  فمها

صدر عنها نواح ..

مر فوق السيد  المسجى

أواه ..

أواه يا  أخي

ويلاه ويلاه

أواه يا أخي

الذي  لم  تكن  أيامه طويلة

أواه يا أخي الذي  جلب الحزن   لأمه

أن  تنام  نومة قلقة ..

ولا تنهض

أن تنام نومة أخيرة

السماء ..

السماء مزقيها  أيتها العاصفة

أقيمي مأتماً أيتها الصحراء

أيتها الصحراء القاحلة

أيتها الرمال

أقيمي مأتماً 

أقيمي مناحة  يا سراطين النهر

أقيموا مأتماً

كلكم جميعاً أقيموا مأتماُ

مأتماً دائماً 

ولتنطلق من  أمي

التي ليس عندها عشرة أرغفة

صرخة عويل

عويل يتبعه عويل

حتى تتبدد الأمهات بصراخها

ويسود الصمت والظلمة

 

وتنبت وردة

يراعة !

يراعة نبتت وحدها  

تحني  رأسها  إليه

على مثواه  الطاهر

لا ينسكب الماء

عند قبره

ما من لبن  يسكب للفقراء

لم يبق ثمة لبن ..

فاللبن كله قد  شربوه

شفطوه

أغنام  الحظيرة

ماع ..

أغنام .. ماع ماع

أغنام الحظيرة

( أنا عبد مأمور

الإيد اللي مافيك تكسرها بوسها )

أغنام الحظيرة الجرباء

تدب على الأرض بأقدام ملتوية

غيلان

حيتان

سفاحون

ينقضون على كل  شيء

سرعان ما يبددون جثث ضحاياهم المذبوحة

جماعات الغيلان تعيش فوق المقابر الجماعية

تقتات على الجثث المتعفنة

العفاريت تطرب لألحان التعذيب

تسمن على صوت الآلام

العفاريت تتكاثر

العفاريت الكبيرة

تفرخ عفاريتاً صغيرة    

 

 

في  النهاية كنت  آمل  أن تنهي هذه الأسطورة إلى مجرد مسرحية تؤدى  على  خشبات  المسارح ،  لا أن تستمر تجربة حياتية دائمة التجدد ، تطبع حياة الشعب السوري بما تحمله من  أسى  وتفجع .

كنت  آمل أن  يتغلب  صوت  العقل على هيجان الانفعال ، والحوار على  الصراع ، لكن وبكل أسف ضاعت  الفرصة أو ضُيعت ، وصارت  الأمور تتجه نحو  الأسوأ وعلينا  أن  نُحَذّرْ . فهل يتطوع من هو قادر على تقديم القربان .. وينقذنا ؟؟

نستذكر قول السيد  المسيح عشية قربانه ( نفسي حزينة حتى الموت ،  الروح مندفعة ، لكن  الجسد ضعيف )