التقرير السنوي لهيومان رايتس وتش: ملاحظات منهجية

 

الدكتور هيثم مناع

 

في عام 1978، ولدت منظمة هلسنكي وتش بوصفها التعبير الأمريكي لمتابعة قضايا حقوق الإنسان والحريات الأساسية في اتفاقيات هلسنكي (1975)، وهي معاهدة دبلوماسية أوربية شمال أمريكية وقعتها 35 دولة مختلفة في طبيعة نظمها السياسية. وقد طالبت الولايات المتحدة في اجتماعات 1977بالتركيزعلى القسم المتعلق بحقوق الإنسان، ونشأت حركة حقوقية سياسية تطالب بمراقبة احترام الدول الموقعة لاتفاقيات هلسنكي في الولايات المتحدة كان أولى وأهم تعبيراتها المنظمة هلسنكي وتش التي نشأت بعد عام من ذلك (1978) بوصفها التعبير الأمريكي لمتابعة قضايا حقوق الإنسان والحريات الأساسية في اتفاقيات هلسنكي في مقابل فدرالية هلسنكي الدولية لحقوق الإنسان التي نمت في أوربة الغربية.

بعد نجاح وفعالية دور هلسنكي وتش، نشأت عدة منظمات باسم وتش تجمعت في منظمة واحدة أخذت اسم هيومان رايتس وتش عام 1988.

كانت الطبيعة السياسية للنشأة عنصرا أثر سلبا على نشأة المنظمة التي حاولت أن تكون منذ نهاية الثمانينات، منظمة أمريكية عالمية. فاستقطبت عددا من الأكاديميين والمختصين والأسماء المعروفة بنقدها للسياسة الرسمية الأمريكية. وقد اعتمدت المنظمة على الاحتراف لا على الانتساب الأمر الذي زاد نفقاتها بشكل كبير على حساب وارداتها المحدودة. فيما جعل العنصر المالي، يدخل طرفا في عدة اعتبارات ضمن العقلية النيويوركية العامة. وقد حاربت كوبا تمتّع هيومان رايتس وتش بالصفة الاستشارية في المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة عدة سنوات قبل أن تحصل على هذه الصفة وتؤكد عبر المجلس والمفوضية الأوربية على سمتها العالمية في جنيف وبروكسل ونيويورك.  إلا أن الحرص على وجود صوت أمريكي متميز عن تقرير الخارجية الأمريكية السنوي، المشَّوه والمشِّوه للتصور العالمي لحقوق الإنسان، خلق داخل وتش باستمرار عناصر تجنح لأعلى حد من الاستقلالية عن الضغط الأمريكي الإعلامي والسياسي، إلى جانب عناصر براغماتية تتعامل مع الواقع من منظار الفاعلية اليومية.

لا بد من هذا التقديم لإيراد ملاحظات منهجية لنا على التقرير السنوي لهيومان رايتس وتش، الذي صدر قبل أيام، والذي سيثير دون شك، لأهمية الجهد المبذول فيه، والأطروحات التي يتناولها، نقاشا كبيرا أصبح من الضروري أن ينتقل من الولايات المتحدة واللغة الإنجليزية إلى أطراف الحركة العالمية لحقوق الإنسان على اختلافها.

في موضوعات السنة:

منذ الذكرى 25 لولادة المنظمة (أي العام الماضي) أدخلت وتش تقليدا جديدا يقوم على تناول موضوعات حساسة خلال العام والآتي هي في صلب اهتمامات المدافعين عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني على الصعيد العالمي. وقد اختارت المنظمة للعام المنصرم "حقوق الإنسان والصراع المسلح"، ويمكن القول أن الاختيار كان بين عنوان كهذا و"الحرب على الإرهاب" باعتبارهما الملفين الأهم للسنة الماضية. وقد غطى على تغييب الحرب على الإرهاب الجهد المتميز للباحثتين أليسون باركر وجيمي فلنر المعنون (فوق القانون) والذي وجدنا أن كتابنا الجماعي (مستقبل حقوق الإنسان) لا يكتمل بدونه. بالمقابل، كانت الفقرات الخاصة بالحرب على الإرهاب محررة بسرعة ولم تتناول كل جوانب هذا الملف المركزي. وقد كان الحديث في أوساطنا بأن هذا الملف سيكون بالتأكيد ملف العام القادم. فإذا بنا نجد أمامنا هذا العام ملفين: الأول هو الدين وحقوق الإنسان والثاني الميول الجنسية والهجوم الثقافي على حقوق الإنسان.

عند تصفح الملف الأول، نجد تناولا يجمع بين السطحية والحذر والانتقائية. فهناك موضوعات يتجنبها النص بشكل واضح رغم تأثيرها البالغ على الوضع في الولايات المتحدة والعالم، كدور التطرف البروتستنتي في السياسة الأمريكية والوضع الدولي خاصة بعد التجديد للرئيس بوش الابن، مترتبات العلاقة بين المنظمات اليهودية والمنظمات الصهيونية ودولة إسرائيل على السلام العالمي والإقليمي، وأخيرا حصر الإشكاليات في ملفات حقوق الإنجاب والزواج المثلي والنضال ضد الإيدز وقوانين التجديف والتكفير.

من وجهة نظرنا، فإن أهم ما تتميز به حقبتنا هو إعادة تشكل الهويات والتعاريف والمصطلحات في جمع بين الماضي والحاضر والديني والدنيوي أو التصارع بينهما. الفرنسي والألماني يطرحان السؤال هل هويتهما قومية أم أوربية؟ اليهودي يسأل نفسه هل هو مناصر بالضرورة لإسرائيل في السراء والضراء؟ المسلم يطرح السؤال عن علاقة إسلامه بالدولة التي يعيش بكنفها؟ المسلم في أوربة يحاول إنتاج فقه الأقليات خوفا من إسلام قد لا يفهمه وغرب يريد ذوبانه في علمانية متصلبة ومتسلطة. العلمانيون يتساءلون عن تعريف العلمانية بعد مائة عام من قانون 1905 الفرنسي الشهير. الشيوعيون يبحثون عن أسماء جديدة تسمح باندماجهم في الأوضاع البشرية بعد السوفييتية، الصينيون يبحثون عن مكانة لهم في العالم عبر نموذج اقتصادي يضمن اللقمة واقتصاد السوق. الكاثوليك يحضرون ما بعد يوحنا بولس الثاني الذي جاء لضرب معسكر زال ولم يعد لديه القوة لمواجهة معسكر استفرد بالعالم مكانه. أزمة الهويات هذه قابلة لإنتاج كل أشكال التطرف والغلو والعنف كونها أيضا، لحظات تخبط وجداني في الوعي العام. من هنا التحدي الأكبر اليوم ليس أسلوب التعامل مع الدين بل زعزعة أركان القانون المحلي والإقليمي والدولي في فترة الاضطراب هذه باسم الحرب على الإرهاب التي نقلت حالة الطوارئ من أشباه الدول إلى الصعيد العولمي ووضعت على كف عفريت انجازات القانون الدولي في نصف ألفية من الزمن.

لا يمكن للنقاشات السياسية-النظرية أن تحدث في أجواء سلمية تكفل حقوق الجميع والنضج المشترك لكل التيارات دون العودة إلى ألف باء القانون الدولي. وبدون ذلك، ستدخل فكرة التفوق عند كل إيديولوجية في طور إعادة الهيكلة وسيكون الاستئصال جزء لا يتجزأ من التعرف على الذات. لذا نعتقد بأن من الأنسب والأقوى كان تركيز المنظمة الدولية على العنصر الأخطر في النضال اليومي من أجل حقوق الإنسان: الحرب على الإرهاب وعولمة حالة الطوارئ.

أما بالنسبة للاختيار الثاني: الميول الجنسية والهجوم الثقافي على حقوق الإنسان. أيضا نعتقد بأن المنظمة قد جنحت لتناول قضية هامة في المجتمع الغربي ولكن ليست بالأهمية عينها خارجه. وبالتالي حصرتنا في التصور المركزي الغربي لحقوق الإنسان.

 في أحداث السنة

في هذا القسم توقف التقرير عند محورين في غاية الأهمية: هما فضيحة أبو غريب وقضية دارفور. وقد كنا في غاية التوافق معهم لو تذكروا حدثا رمزيا لا يقل أهمية أبدا من كل الجوانب: هو جدار العار العنصري. خاصة وأن قضية دارفور ستناقش بعد أسبوعين أمام مجلس الأمن في حين أصدرت محكمة العدل الدولية قرارا يدين جدار الفصل العنصري الذي تقيمه إسرائيل، وبالتالي لم يعد لأي طرف من أوساط حقوق الإنسان السكوت عن هذه الجريمة وإعطائها كامل الحق باعتبارها كانت السبب في أهم قرار قضائي دولي عام 2004.

 النقطة الثانية هي التخبط الذي يظهره التقرير وتعليق المنظمة عليه فيما يتعلق بالردود على المأساتين. فمن جهة، يعتبر روث المحكمة الجنائية الدولية الطرف الأكفأ والأكثر فعالية لمحاكمة جرائم دارفور، في حين يطالب بالنسبة لأبي غريب بتعيين محقق أمريكي خاص.

نحن نعرف أن كلا من السودان والولايات المتحدة لم يصدق على اتفاقية روما وبالتالي لا يمكن مقاضاته أمامها. نعرف أيضا أن أستراليا وبريطانيا قد صدقتا وبالتالي يمكن عبر جرائم الحرب التي وقعت في العراق اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية. ولكن حصر الموضوع في أبو غريب يبعد هيومان رايتس وتش عن تصور كهذا. من جهة ثانية، لماذا يتم تعيين محقق خاص. لماذا لا تشاركنا هيومان رايتس وتش في استنفاذ فرص المرافعة أمام المحاكم الأمريكية للضحايا العراقيين خاصة وأن قانون 1789 المعروف باسم Alien Tort Claims Act يسمح لغير الأمريكيين بالمقاضاة أمام المحاكم الأمريكية وأن الولايات المتحدة الأمريكية قد وقعت على اتفاقية مناهضة التعذيب التي تسمح بذلك وفقا للمادة الثامنة. لماذا لا تطالب المنظمة بإلغاء قوانين بريمر بما فيها القانون 17 لعام 2003 الذي يمنح قوات الاحتلال حصانة من الإجراءات القانونية العراقية؟ نتمنى من المنظمة الأمريكية أخذ هذه الملاحظة بعين الاعتبار.

تقارير الدول

بالنسبة لتقارير الدول، مازالت هذه التقارير كما نوهنا أكثر من مرة منذ أعوام، محصورة بالحقوق المدنية والسياسية وغير كاملة حتى في نطاقها. في ظل ضعف مازال ملحوظا للحقوق الاجتماعية والثقافية وغياب للحقوق البيئية والاقتصادية، وهنا نعود للمشكلة المركزية التي تعاني منها معظم المنظمات الشمالية التقليدية لحقوق الإنسان.

أخيرا، لا يمكنني إلا أن أسأل محرري النسخة العربية: هل ينقصكم اسم الإصلاحيين الثلاثة في المملكة العربية السعودية ليغيب عن التقرير (متروك الفالح وعلي الدميني وعبد الله الحامد) ؟ ألم تسمعوا باعتقال محاميهم عبد الرحمن اللاحم؟ ألم يردكم أخبار نشاطهم في اللجنة العربية لحقوق الإنسان ومؤلفاتهم من أجل الإصلاح الدستوري والحريات واستقلال القضاء في المملكة قبل القضبان ومن ورائها؟ هل هو نسيان متعمد أم جهل أم كلاهما؟ هل علمتم بأن فريق العمل الخاص بالاعتقال التعسفي في الأمم المتحدة قد أصدر يوم صدور تقريركم قرارا يعتبر اعتقالهم تعسفيا؟

 

-------------   

هيثم مناع: مفكر عربي والمتحدث باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان. نال تكريم هيومان رايتس وتش عام 1992.