الديمقـراطية وغـيرها

 

جاد الكريم جباعي

   تبدو الديموقراطية للكثيرين اليوم مخرجاً وحيداً مما نحن فيه من انتكاس السياسة إلى مجرد ولاية وتسلط على البشر، وتخارج بين الدولة والمجتمع بل من تآكل الدولة وانحطاطها وفسادها وصيرورتها ضد المجتمع الذي يفترض أنه أنتجها شكلاً لوجوده السياسي، ولعلها كذلك إذا نظر إليها على أنها مضمون المشروع النهضوي، القومي الديمقراطي. لكن ما يلاحظ لدى هؤلاء الكثيرين عزل الديموقراطية عن المشروع النهضوي وعن الحاجات الجذرية للمجتمع أولاً، وعزلها عن نظرية المعرفة ثانياً، والنظر إليها في المحصلة على أنها مجرد شكل سياسي مغاير للأشكال القائمة وجملة من التقنيات الانتخابية والتمثيلية والرقابية وحريات سياسية يفصلها كل طرف على قده. وربما يجهل هؤلاء الكثيرون أو يتجاهلون حقيقة أن لب المشكلة السياسية التي نعانيها هي كون الدولة شكلاً بلا مضمون أو شكلاً متعارضاً مع مضمونه وغريباً عنه، وأن سؤال السياسة الرئيس هو مضمون الدولة ومضمون السياسة بوجه عام. وربما يجهل هؤلاء الكثيرون أو يتجاهلون أن الأمة المهزومة التي لا تعي أسباب هزيمتها تنتكس إلى أسوأ ما في تاريخها. وأسوأ ما في تاريخنا هو السياسة السلطانية المملوكية ـ العثمانية، مع الاعتذار لمماليك الأمس مقارنة بمماليك اليوم، فكيف يمكن الانتقال من السياسة السلطانية إلى السياسة الديموقراطية من دون أن تكون هذه الأخيرة عملاً جماعياً لاسئصال أسباب الهزيمة التي ما تزال قابعة في قيعان مجتمعاتنا؟

ويذهب بعض الذين تحزبوا للماركسية أو نسبوا أنفسهم إليها بالأمس القريب وعادوا عن ضلالهم، إلى أن الماركسية نسق شمولي مولد للاستبداد، خالطين عن عمد وسوء نية الماركسية والاشيراكية وما سماه سمير أمين "الاشتراكية المحققة" في الاتحاد السوفييتي السابق ودول أوربة الشرقية.ومن ثم فإن البديل المنطقي عندهم هو الليبرالية الأمريكية الجديدة، أيديولوجية العولمة الاقتصادية التي أعلنت نهاية عصر الأيديولوجية وجملة من النهايات الأخرى كنهاية الدولة القومية ونهاية المثقف ونهاية التاريخ. ولا يخرج هؤلاء عن مألوفهم في البدء دوماً من النهاية بوصفها لحظة تدشينية وبوصفهم رسل الخلاص لأمتهم وللعالم البائس المنتظر قيامة المسيح المخلص أو المهدي المنتظر.

لهؤلاء وأولئك نقول مع الياس مرقص: ".. يجب على الفكر العربي، ولاسيما التقدمي، اليوم أن يختاراختياراً أولياً ونهائياً بين مذهبين: المذهب الوضعي والمذهب الجدلي. بالفكر العربي أقصد فكر أهل الفكر والبحث والعلم أولاً، وفكر المثقفين والشباب المناضلين ثانياً، ووعي كل الناس ثالثاً. بالتقدمي أقصد: الفكر الماركسي، الفكر القومي، الفكر الليبرالي، العلماني، الديموقراطي العلماني،الثوري، إلخ .. وغيرها من الأسماء، بلا فرق, بأولياً ونهائياً أقصد مبدأ حاكماً ومهيمناً. وكل ما عدا هذا المبدأ يكون صوابه وصلاحه خاضعين لهذا المبدأ. بمذهب أقصد المعنى الحرفي العربي للكلمة: ذهب يذهب ذهاباً .. ومذهباً. في المعرفة وفي العمل البشر يذهبون إلى الواقع، المذهب تصور وطريقة (طريق).

هناك مذهبان، يجب الاختيار بينهما، في المنطلق (وليس بعده). صحيح أن المذاهب كثيرة. في ساحة التيارات والأسماء نجد: المادية والمادية الجدلية والمادية التاريخية والمثالية والميتافيزيقية التجريبية والعقلانية والبراغماتية والدوغمائية و"الفكر القومي" و"الفكر الديني" و"الفكرالإسلامي" والديكارتي والنسبي والإطلاقي والأوربي والشرقي والقديم والحديث إلخ إلخ.  لكن أولاً: هناك مذهبان. وأحدهما باطل. وقد لا يكون للآخر وجود جدي في الساحة العربية، في ساحة المفكرين وفي المؤسسة الأيديولوجية والسياسية العامة والمتضاربة. في هذه الحال، تكون الساحة المذكورة باطلة بالأساس، ويكون الفكر العربي ، حتى إذا استطاع إنجاز شيء ما من علم وعلوم، قليل أو كثير، يكون عاجزاً عن تعبئة شعب من أجل عمل تارخي. وفي الحاصل ليس من عمل ممكن وواجب سوى عمل تاريخي وكلي.

هذا العمل والفكر المطلوب لأجله بالغ الصعوبة والمشقة. وإذا كان ثمة تعريف أول يجب أن يعطى عن الجدل، فلنقل إن الجدل هو جهاد المعرفة. وذلك ضد كل معرفة هي، ربما، مجتهدة وفقهية أيضاً (في القديم والحديث، لا فرق)، لكنها غير مجاهدة، أي أولاً غير مجاهدة لصنام نفسها. جهاد المعرفة، الجدل، يوازيه في الدين جهاد النفس، الإيمان ، التصوف. وليس ثمة مستوى فكري ـ ذهني إلا وهو مرتكز في "اللاوعي" على مستوى روحي نفسي. وعلى المثقف أن يختار بين موقفين في هذين المستويين اللذين يؤلفان جملة روحية ـ فكرية واحدة." (الياس مرقص 1991 ) .

ونقول أيضاً: إن على الفكر العربي أن يختار إما الليبرالية والوضعانية و"دولة العلم والإيمان" وإما الديموقراطية والديالكتيك والنظام الديموقراطي أو الدولة الديموقراطية. وندعي أن هذا الاختيار سيكون حاسماً في بناء تصورنا عن الواقع ببعديه التاريخي والعالمي وفي بناء تصورنا لمشروع النهضة القومية أو للمشروع القومي الديموقراطي الذي ننشد. فإلى الذين يخلطون الماركسية بوصفها منهجاً جدلياً أو نظرية في المعرفة ورؤية للعالم والتاريخ ولاسيما للمجتمع والإنسان، نقول:

1- منطقياً وتاريخياً، الماركسية غيرُ الاشتراكية. والاشتراكية غيرُ الماركسية وغيرُ "الاشتراكية العلمية". مع ملاحظة علاقتي الإسناد والإضافة اللتين تؤكدان المغايرة أو التغاير. والتغاير علاقة أيضاً. وإذا شئتم فإن الديمقراطية تقوم على الاعتراف بالتغاير أولاً . جميع الأشياء متغايرة وجميع الأفراد والمفكرين، أي البشر الأصحاء، كذلك. وعلاقة التغاير كغيرها من العلاقات هي علاقة مزدوجة تنفك إلى علاقتين: علاقة جذب وعلاقة نبذ إذ لا تغاير بلا تماثل. التغاير هو خروج الأشياء من سديم التماثل أو اللاتعيُّن الذي هو أساس التعيُّن. التغاير يضع الفروق والحدود والاختلافات في الواقع وفي الفكر.

    2-  الاشتراكية  أقدم تاريخياً من الماركسية، أسبق منها، الاشتراكية الطوباوية الفرنسية أسبق من الماركسية وأقرب إليها، بل هي أحد مصادرها، الاشتراكية مفهوم يحيل على نظام اجتماعي اقتصادي سياسي يقوم على الملكية العامة لوسائل الإنتاج. أي على حذف الملكية الخاصة وحذف اغتراب الإنسان عن نتاج عمله وعن نفسه. وإن إلغاء الملكية الخاصة وبقاء الاغتراب ونموه كان سمة "الاشتراكية المحققة" التي لم تكن الاشتراكية بألـ التعريف. الاشتراكية نظام اجتماعي محدد بشكل الملكية المحدد هو الآخر "بنمط الإنتاج" أو بالتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية بالمصطلح الكلاسيكي. إنها نظام محدد بالتشكيلة (من الشكل والتشكل) وليس بالبنية والبنى. وخاضع لمنطق الشكلية القطعية وليس لمنطق القطيعة البنيوية. لأنه درجة أرقى في  سلم ارتقاء الإنسان، درجة أرقى في تاريخ البشرية، أو لأنه يدشن تاريخاً جديداً لنسمه تاريخ حذف الاستلاب، مادام التاريخ إلى يومنا هو تاريخ نمو الاستلاب. وهذا ما يضع الاشتراكية على جدول أعمال التاريخ إلا إذا كنا ذاهبين إلى دمار العالم وفناء النوع البشري مع الرأسمالية المتوحشة التي باتت تدعي أنها نهاية التاريخ.

3-  والماركسية غير الأيديولوجية الاشتراكية، وغير الأيديولوجيات الاشتراكية لاسيما التي تنسب نفسها إلى الماركسية. الماركسية في الأصل منظومة أفكار كارل ماركس وطريقته (منهجه) وتصوره لمصائر الإنسان وصيرورة العالم، ثم اتسعت دائرتها لتشمل أفكار فريدرك إنجلز، ثم غدت فيما بعد علماً على اتجاه فكري، وفكري سياسي يشمل أوروبا ويتجاوزها إلى جميع أنحاء العالم. وقد جعل الاستعمال المتواتر للمصطلح وانقسام المفكرين والمثقفين والسياسيين إلى مؤيدين للماركسية  ومدافعين عنها أو إلى خصوم ومشككين ومفندين جعله أقرب ما يكون إلى اسم جنس أو اسم لمذهب وطريقة. وبدلاً من نسبة منظومة من الأفكار إلى كارل ماركس صارت الأفكار والاجتهادات والتحيزات تنسب إليها. وراح الشراح والمجتهدون يضعون لها تحديدات وتعريفات توحي بان لها مجالاً خاصاً يطابق الأيديولوجيات المنسوبة إليها أو التي نسبت إليها بحق أو بغير حق ومن البديهي أن أي منظومة فكرية قابلة لتوليد أيديولوجية أو أيديولوجيات تحمل دعوتها بادئ  الأمر ثم تغدو عبئاً عليها بعد أن تجفف نسغها وتزهق روحها. لا سيما الأيديولوجيات اليسارية واليسراوية ذات التلاوين القومية كالماركسية السوفيتية والصينية والعربية والأوربية وهلمجرا. بل إن الاتجاهات الاشتراكية العدالية صارت تقوّم بها وتتحدد بمدى اقترابها منها أو ابتعادها عنها.

 هذا كله يقود إلى مسألة أخرى لا تقل أهمية عن تفارق الماركسية والاشتراكية، وتفارق الماركسية والأيديولوجيا الاشتراكية، وهي مسألة التفارق والتغاير بين أفكار ماركس وإنجلز وتأويلاتها أو قراءاتها الكثيرة كثرة شراحها والناطقين الرسميين باسمها والأيديولوجيات المتولدة منها أو المنسوبة إليها. فثمة دائماً أفكار ماركس وإنجلز أو هيغل أو فيوباخ وغيرهم وفهمنا لها ووعينا بها أو قراءتنا لها. وهما فهم ووعي محكومان دوماً بتفاوت القدرات الذهنية والكفايات الثقافية أولاً. وبالخصائص الذهنية / النفسية للقارئ والشارح والمؤول ثانياً. وبالغاية الضمنية أو الصريحة من القراءة والشرح والتأويل، (وهذا يحيل على فرق مهم بين ماهية الأفكار ووظيفتها في الأنساق أو الخطابات التي تندرج فيها ) ثالثاً، وبالرغبة والهوى رابعاً، وبمستوى الوعي الاجتماعي والنظام المعرفي في مجتمع القارئ والشارح والمؤول خامساً. فالمجتمع المتأخر الذي تهيمن عليه أيديولوجية تقليدية امتثالية نصية فقهية تقديسية سكونية وتوكيدية منهجها الشلف والتأويل وقياس الغائب على الشاهد، إنما بعيد تَقْلدة الأفكار "الحديثة" الوافدة إليه إلى هذا الحد أو ذاك، ويظل مع ذلك يؤكد طابعها البراني و "أصلها" الغريب.

فما أكثر ماحولنا ماركس  إلى جحا وجياب إلى أبو زيد الهلالي بتعبير ياسين الحافظ. إضافة إلى التشويه الحزبوي الذي يصيب أي منظومة فكرية يتبناها حزب من الأحزاب علمانياً كان أم دينياً، فيعمل فيها آليات البتر والتحوير والتضخيم والتقليص والكف والتسويغ حتى تتطابق حدود المنظومة مع حدود الحزب. وأدهى من ذلك كله تحول منظومة فكرية علمانية أم دينية إلى أيديولوجية دولة كما حدث في الاتحاد السوفيتي سابقاً وفي اليمن الجنوبي سابقاً، على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر.

لماذا نستبعد تحول "الماركسية" إلى مجموعة خرافات وأساطير في مجتمع يغلب فيه نمط التفكير الخرافي والأسطوري، حتى لو كان اسم هذه الخرافات والأساطير "الصراع الطبقي" و"دكتاتورية البروليتاريا" و"الديمقراطية الشعبية" ؟ أو تحولها إلى مجموعة "قوانين" في مناخ فكري روحي يغلب فيه التفكير الوضعوي العلموي ؟ أوإلى جملة من المقدسات في وسط يغلب فيه التفكير الديني ..؛ إذا اعترفنا أن الفكر فكر في الدنيا وجزء منها، وأن الدين أيضاً دين في الدنيا، دنيا البشر الواقعيين؟ فهل نجرؤ على الاعتراف أن أنماط التفكير الخرافي والأسطوري والديني الغيبي لا تزال سائدة في مجتمعاتنا العربية المتأخرة وأنها تلابس أنماط التفكير الواقعي والعلمي والثوري .. ، ولا سيما بين خريجي الجامعات و "المثقفين" والسياسيين الذين اكتملت علومهم ومعارفهم؟ وهل نجرؤ على الاعتراف أن ما يسمى مجتمعاتنا مجازاً ما تزال دون مستوى المجتمع المندمج، ناهيكم عن المجتمع المدني، وأن الديموقراطية لا يمكن أن تكون نظاماً ذا محتوى قبلي أو عشائري أو مذهبي وتظل مع ذلك ديموقراطية ؟ إن وعي الذات مقدمة ضرورية لوعي الواقع ومعرفة العالم، بل إن وعي الواقع ومعرفة العالم محكومان بوعي الذات ومحددان به.

هذه الأسئلة والمسائل الحارقة كلها مقدمة لسؤال: لماذا جرى تأويل ماركس وإنجلز، و"الماركسية" استبدادياً في المجتمعات المتأخرة، وهل أفكار ماركس وإنجلز كانت تحمل أجنة جميع القباحات التي أسفرت عنها تجارب الاشتراكية المحققة (كما وصفها سمير أمين)، وتجارب الأحزاب الشيوعية والحركات "الثورية"؟ أليس لبنى المجتمعات المتأخرة ونمط علاقاتها، ولا سيما البنى الثقافية والأيديولوجية والسياسية صلة بهذا التأويل الاستبدادي؟ وهل تتطابق ماهية الأفكار ووظيفتها في جميع الأنساق والخطابات وفي جميع الأزمنة والبلدان؟

هذا السؤال المركزي الذي نتحرج من طرحه ونخاف من الإجابة عنه، نعبر عنه غالباً بصيغ ملتوية ومواربة. كالسؤال عن علاقة ما نرغب فيها ،اليوم، بين الماركسية والديمقراطية بعد انكسار شوكتنا وتمرغنا بعار الهزائم والإخفاقات، أو بين الديمقراطية والاشتراكية، التي صفقنا لها وتحزبنا لها والتي "أقمناها" في ربوعنا ومضاربنا، وذلك دفاعاً عن أنفسنا وليس عن الماركسية، لإخفاء عيوبنا والتستر على تأخرنا وليس من أجل كرامة الفكر وسواد عيون ماركس وإنجلز أو زرقتها. للبحث عن راية جديدة نرفعها وقناع جديد نتقنع به وليس من أجل مشروع نهضة يمهد لهل مشروع نقد وتجديد. وها نحن أولاء نرفع راية الديمقراطية ونسقط فعلياً راية الماركسية وراية الاشتراكية. ولولا ضرورة تسويغ أنفسنا أمام "الجماهير" لما كلفنا أنفسنا عناء السؤال؛ لأن استبداديتنا الفظة لا تزال كما أدعي (مسلطنة) في المسكوت عنه وغير المفكر فيه والممنوع التفكير فيه في ثنايا خطابنا الثقافي والسياسي الذي يستعير صيغاً ديموقراطية وماركسية ديمقراطية إنسانية، ولا سيما حين ننقد الماركسية والتجارب الاشتراكية ونبحث عن شذرات ديمقراطية فيهما.

إذن السؤال الأول والأبدأ هو لماذا جرى تأويل الماركسية استبدادياً في المجتمعات المتأخرة عامة وفي مجتمعاتنا خاصة. والسؤال الذي ينبثق منه مباشرة هو لماذا جرى وكيف جرى تحويل الفكر إلى أيديولوجية، أي إلى حجاب يحول دون رؤية الواقع كما هو؟

الأيديولوجيات هي أيضاً أفكار البشر، أفكارنا وتصوراتنا وأحلامنا وتطلعاتنا، وكلها  تنتمي إلى مجال الفكر. لكن الأيديولوجيا على اختلاف معانيها ودلالاتها شيء والفكر النظري، والفلسفة شيء آخر ولا بد من تمييز الفكر النظري أو النظر العقلي والفلسفة من الأيديولوجيا، لكي يمكن إقامة الحد على الوعي الأيديولوجي السائد، ولكي يمكن إنتاج وعي واقعي. والوعي الواقعي حقاً هو الثوري حقاً. من دون أن نسلم رؤوسنا لخرافة سقوط الأيديولوجيات وانتهاء عصر الأيديولوجيا، خرافة الليبرالية الجديدة أيديولوجية العولمة الاقتصادية والرأسمالية المتوحشة ومعها بالطبع خرافة انتهاء عصر القوميات والدول القومية وخرافة الشرعية الدولية وخرافة الخصم الذي صار حكماً .

ستظل الأيديولوجيا والأيديولوجيات قائمة ما دام الواقع يحتاج إليها، ويفرضها ويوفر شروط إنتاجها وإعادة إنتاجها. ستظل الأيديولوجيا قائمة ما دام اغتراب الإنسان عن عالمه وعن نفسه قائماً. والتوتر والتنابذ بين الأيديولوجي والواقعي سيظل يفرضهما البؤس والشقاء وامتهان كرامة الإنسان وهدر حقوقه ونزع حريته، من جهة، ونزوع البشر الدائم إلى تحسين حياتهم وتخطي أوضاعهم من جهة أخرى. وسيظل الأمل بالخلاص يحفز البشر على التقدم. فالأيديولوجيا، بالمعنى السيئ، تعبير غير واقعي عن اغتراب واقعي تعبير ذاتي وذاتوي عن اغتراب موضوعي، تعبير وهمي عن عالم وهمي لم يصبح بعد عالم الإنسان الفعلي أو تعبير مقلوب عن عالم مقلوب .

من مظاهر الوعي الأيديولوجي عندنا أننا ننسب جميع قباحات التجارب الاشتراكية المحققة إلى الاشتراكية أو إلى الماركسية ونبرئ المجتمعات التي ظهرت فيها تلك القباحات من أي عيب ونحجم إزاءها عن أي نقد وتشكيك؛ كأن للأيديولوجيا الاشتراكية التي تبنتها تلك المجتمعات أو تلك الحركات الثورية قوة سحرية تنقل هذه المجتمعات بين ليلة وضحاها من نمط علاقات إلى نمط آخر. حين ننسب القباحات إلى الأفكار الحديثة، وليس إلى البشر ومستوى وعيهم  الفعلي التقليدي المتخلف وإلى تعصيهم وعصبياتهم، إنما نعبر عن قابليتنا لارتكاب قباحات أبشع باسم الأفكار ذاتها أو باسم غيرها. فهل الإسلام والفكر الإسلامي مثلاً مسؤولان عن الذبح المتبادل في الجزائر وأفغانستان؟ الأيديولوجيات لا تفعل إنما تقنع الأفعال وتحجب الأسباب الفعلية والأهداف الفعلية والمصالح الفعلية. يقولون عندنا: الناس لا يقتتلون على الجنة. فهل الحروب الدينية التي اجتاحت أوربا وغيرها نجمت عن العنف المتضمن في الدين المسيحي أو في الدين الإسلامي أو في الدين بوجه عام ؟ وهل كانت الليبرالية تحمل في أحشائها أجنة حروب قومية وحربين عالميتين؟ هذه الأسئلة هي مساءلات للوعي والضمير. وفي الإجابة عن هذه الأسئلة يتضح الفارق بين الفكر والأيديولوجيا وبين وظيفة الفكر ووظيفة الأيديولوجيا.

يتحدث الوضعويون، بمناسبة وبلا مناسبة، عن الطابع التوتاليتاري، الشمولي والاستبدادي للماركسية وللاشتراكية، ناسين أو متناسين شمولية الوضعوية ووثنيتها واستبداديتها، ولا سيما حين تضع نفسها عقلاً كلياً ومعرفة يقينية قطعية تنفي احتمالية الواقع ا, صفته الإمكانية ودور البشر في إنتاج أشكال وجودهم الاجتماعية منها أو السياسية، وحين تزدري العاطفة والشعور والوجدان والضمير والروح والأخلاق. الوضعوية اليوم هي دين الرأسمالية المتوحشة، والليبرالية الجديدة تتمته المثالية وتسويغه الأيديولوجي. يجب أن نبحث عن النسق المولد للشمولية في مجال آخر غير الماركسية أو الاشتراكية أو الوضعية الإيجابية مقترنة كلها بالفكر والوجدان والضمير.

ما العلاقة بين الماركسية والديمقراطية في أفكار ماركس وإنجلز وطريقتهما أو منهجهما وتصورهما لمصائر الإنسان وصيرورة العالم على الرغم من التباس السؤال الذي يوحي بان الماركسية والديموقراطية شيئان وعالمان ومجالان "متجاوران" أو متراصفان ومتخارجان؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال لابد من ذكر المسائل الآتية:

1.              نشأت أفكار ماركس وإنجلز ونمت في زمن ومناخ يمكن وصفها بالزمن الليبرالي/ الديموقراطي والمناخ الليبرالي/ الديموقراطي في غربي أوربا وشماليها، أو لنقل في العصر الليبرالي/ الديمقراطي بكل ما تتضمنه كلمة عصر من معنى. ولم تكن في عصرها نكوصاً أو ارتداداً عن الليبرالية والديموقراطية. ولم يصفها أي من خصومها آنذاك بمثل هذه الصفة. بل يؤكد كثيرون أن الاقتصاد السياسي الكلاسيكي الإنكليزي والاشتراكية الفرنسية والفلسفة الكلاسيكية الألمانية من أهم مصادرها، وأن فكر النهضة وفكر عصر التنوير الماهدين للثورة الفرنسية كانا من أهم مكوناتها.

2.              المحرز الليبرالي/ الديموقراطي، قبل أن تبدي الليبرالية سفحها الاقتصادي/ الطبقي، كان ولا يزال محرزاً إنسانياً عاماً، والثورة الديموقراطية البورجوازية التي نشأت "الماركسية" في كنفها درجة أعلى في سلم التطور التاريخي للبشرية كافة. ولا يستقيم البحث عن علاقة الماركسية بالديموقراطية خارج إطار هذه الثورة العظيمة ومنجزاتها العظيمة ومحرزاتها الإنسانية العامة.

3.              إذا كان إيقاع سير التاريخ أو منطقه ديالكتيكياً، فمن الأحرى أن يكون منطق تاريخ الأفكار والمعتقدات كذلك. فلا انقطاع بلا استمرارية ولا "قطيعة" بلا تواصل، فالقديم يمضي في الجديد مغتنياً بثروة المعرفة والخبرة الإنسانيتين.

4.              لا يتضح القول إن الديمقراطية تجاوز جدلي لليبرالية من دون الإشارة إلى العوامل والشروط التي أنتجت هذا التجاوز، إلا إذا كان الحديث مقصوراً على توالد الأفكار من الأفكار، بمعزل عن فاعلية البشر وسعيهم الدائم لتحسين عالمهم وتحسين أنفسهم. ولعل أهم هذه العوامل نضالات الطبقة العاملة الأوربية في سبيل حقوقها جراء وعيها بموقعها في عملية الإنتاج الاجتماعي ومن ثم بدورها التاريخي. وقد أسهم الفكر الاشتراكي على اختلاف مذاهبه إلى جانب الفكر الليبرالي ذاته في نمو هذا الوعي وللبورجوازية نفسها يد طولى في هذا المجال. فكما تكون البورجوازية يكون نقيضها الجدلي، ويكون المجتمع الذي تغدو البورجوازية تعبيره العام أو تدعي ذلك على الأقل. كما كان لنمو المجتمع المدني الحديث والفكر الحديث وتبلور مفهوم الشعب السياسي ومن ثم مفهوم المشاركة السياسية وفكرة التمثيل والانتخاب، في سيرورة إنتاج المجتمع المدني دولته الحديثة، دولته السياسية وتحديده الذاتي، أكبر الأثر في ذلك.

إن عنصراً اشتراكياً حديثاً وناضجاً أسهم في ولادة الديمقراطية، لذلك كانت الديمقراطية البورجوازية في غربي أوربا وشماليها تحمل جنين الاشتراكية، أو قابلية نمو الثورة الديموقراطية البورجوازية وتحولها جدلياً إلى ثورة اشتراكية. وهو ما أدركه لينين نظرياً في وقت مبكر ثم حاول العودة إليه في ما سمي سياسة النيب قبيل وفاته. إن مكر التاريخ قد حكم بقسوة على مقولة لينين: اجتماع الثورتين الديموقراطية والاشتراكية في روسيا وتحول الأولى إلى الثانية على أن تحل الثانية مسائل الأولى. فلا الأولى استكملت شروطها وأخذت مداها ولا الثانية حلت مسائل الأولى. وظل تأخر روسيا الذي عاينه لينين يتقدم في ظل "الثورة الاشتراكية: و "البروليتاريا الظافرة" حتى أتى عليهما. وما انفجار الاتحاد السوفيتي وتفككه وانفجار مجتمعاته من الداخل وعودتها إلى أسوأ مافي تاريخها سوى تعبير عن هذه الواقعة التي لم يولها الفكر السياسي عندنا خاصة أهميتها التي تستحق، لاحين حلل أسباب انهيار التجربة السوفيتية ولا حين كان يحلل ما آلت إليه الاشتراكيات العربية التي حذت حذو الأولى وإن على نحو كاريكاتوري.

في ضوء هذه المسائل يمكن الإجابة عن سؤال علاقة الماركسية بالديمقراطية بصفتها تجاوزاً جدلياً لليبرالية، بأنها علاقة تضمن متبادل، أي إن الليبرالية وتجاوزها الجدلي الديمقراطية كانت تتضمن الماركسية والاشتراكية بالقوة، والماركسية والاشتراكية تتضمنان الليبرالية والديمقراطية بالفعل على الرغم من اختلاف النسقين، بل بسبب اختلاف النسقين واختلاف شروط إنتاجهما. والباحث المنصف يستطيع ملاحظة نمو القيم والمبادئ والأفكار والتصورات الليبرالية والديموقراطية وانبساطها في المنظومة الماركسية التي لم تقم بأكثر من إنضاج العنصر الاشتراكي في كل منها وإعادة صوغه ضمن نسقها ورؤيتها. أليست الإنسانوية والعقلانية والعلمانية وحقوق الإنسان والمواطن وقيم الحرية والعدالة والمساواة…من العناصر البنيانية في المنظومة الماركسية؟

كيف نمت هذه الأفكار والمبادئ والقيم في منظومة أفكار ماركس وإنجلز، في الماركسية إذا شئتم؟

لا يقول الكاتب بتمامية هذه المنظومة وكمالها ولا بعصمة ما للأفكار أو الأشخاص، بل يؤكد أن الطابع النقدي للديالكتيك هو وحده الذي يمكننا من كشف عدم اتساق بعض الرؤى والأفكار والمقولات في المنظومة ذاتها، وذلك حين ينظر إليه أي إلى الديالكتيك على أنه منطق الواقع والتاريخ ومنطق العلاقة أولاً وحين يهتدي النقد بفكرة الإنسان ومفهوم التاريخ والتقدم ثانياً. أي حين يجري نقد المنظومة على محك الواقع والخبرة العملية أو الممارسة (البراكسيس)، انطلاقاً من أن تحرير الإنسان هو المبتدأ والغاية، آخذين بالحسبان الطابع (الصراعي) للمنظومة التي نظرت إلى موضوعها على أنه ذات وحياة، ذات خلاقة، وحركة اجتماعية سياسية وإنسانية صاعدة وساخطة على جميع الشروط التي تجعل الإنسان كائناً مهاناً. لم تكن "الماركسية" نتاج تأمل ذاتي، نتاج فكر جعل من نفسه موضوعاً لذاته، بل كانت منذ البداية فكراً بازاء الواقع وفي معارضته، ذاتاً إزاء الموضوع الذي هو العالم (عالم الإنسان الذي ليس فيه من شيء جذري أكثر من الإنسان ذاته) هذا الموضوع هو ذات أيضاً، هكذا ديالكتيك ماركس بخلاف هيغل. في البداية النظرية التجريدية الصرفة هناك الذات والموضوع. في الصيرورة، في الواقع بما هو صيرورة هناك الذات وقد غدت موضوعاً والموضوع وقد صار ذاتاً. هناك الذات مموضعة في العالم والعالم مذوَّتاً، وإلا لما كان عالم الإنسان. عدم وعي هذه العلاقة، جهلها أو تجاهلها هو جذر عملية تأويل الماركسية استبدادياً وذلك حين يُنظر إلى الموضوع (المجتمع الذي يراد تغييره، والشعب الذي يراد تحريرة…الخ) على أنه موضوع هامد يستجيب لإرادة النخبة الخيرة أو الحزب الثوري أو القائد الملهم، وحين ينظر إلى "الواقع" على أنه صلصال تكيفه الذات كما تشاء. حتى على الصعيد الفيزيقي الخالص، وفي مستوى العلم والتقنية ثمة مبدأ حاكم هو "لكي تطيعنا الطبيعة يجب أن نطيعها"، فما بالكم حين يكون الموضوع هو المجتمع والشعب. والعلاقات الاجتماعية الاقتصادية والسياسية والثقافية التي ليست في التحليل الأخير سوى أشكال إنتاج الإنسان ذاته في التاريخ  وفي العالم ليست سوى ماهية إنسانية مموضعة، وإلا فما معنى العلاقات العائلية أو الأسرية والعلاقات الدينية والعلاقات الاجتماعية والعلاقات السياسية، في سائر انتظاماتها وتشكلاتها ، ما معنى العلاقات الضرورية والإرادية الحرة التي تؤسس الاجتماع البشري؟ التأويل الاستبدادي لا يعترف بالعالم عالماً للإنسان، ولا يعترف بسيرورة أنسنة العالم وعالمية الإنسان بل يقوم على فكرة التخارج والتفاصل، وهي فكرة عامة وحاكمة في عالم الاستبداد معرفياً وروحياً واجتماعياً وسياسياً. فالاستبداد على مر التاريخ كان ولا يزال يجعل من بنى المجتمع وتشكيلاته عوالم متخارجة متنافرة ومتنافية تعادمياً. الاستبداد هو منطق العدم مقابل الحرية منطق الوجود. الاستبداد هو الاستلاب الناجز للإنسان.

إن جهل أو تجاهل مقولة الاستلاب أو الاغتراب أو الضياع أو الانخلاع التي صاغها هيغل ثم أعاد صوغها فويرباخ، وأدمجها ماركس في منظومته أساساً من أسسها إن لم نقل أساسها بدءاً من مخطوطات 1844 إلى رأس المال، هـو جهل بالديالكتيك أو تجاهل له أو اختزال له إلى تضاد ثنوي تعادمي كتضاد النور والظلام والخير والشر والبروليتاريا والبورجوازية، عند شيوعيينا، أي إلى ضرب من ثنوية صراعية ثورانية. وإن الجهل أو التجاهل أو الاختزال هي أساس أو جذر التأويل الاستبدادي للماركسية.

أحد تجليات هذا التأويل هو قطع سيرورة نمو أفكار ماركس عن سياق عصرها أولاً. وافتعال قطيعة أبستيمولوجية بين مؤلفات الشباب ورأس المال (فكر ماركس الناضج) ثانياً. وقراءة ماركس من دون كانط وهيغل وفويرباخ خاصة، ومن دون مصادر الماركسية الأخرى ثالثاً. وفي هذا الصدد قال لينين ما معناه: لقد مرت خمسون سنة ولم يفهم ماركس واحد من الماركسيين الروس لأنهم لم يفهموا ديالكتيك هيغل.

ولعل المسألة الأهم هي علاقة "الثورة الفلسفية" التي أنجزها الألمان وتوجها هيغل، وكانت موضوع نقد ماركس الأهم، بالثورة السياسية التي أنجزها الفرنسيون (الثورة الفرنسية).  قال هنريش هاينه مقارناً بين روبسبير وكانط: أنتم يافرنسيون، بالمقارنة معنا نحن الألمان، ناعمون ومعتدلون تماماً.  إن فيلسوفنا كانط يبز كثيراً في الإرهابية روبسبيركم. أنتم في أقصى حد قطعتم رأس ملك.  أما "نقد العقل الخالص" فهو السيف الذي اغتال الألوهية" (عن مقدمة بوتيجلي لمخطوطات 1844 ص 10) الفرنسيون حاولوا جعل الواقع السياسي ملبياً لمطالب العقل الإنساني  وفي مقدمتها الحرية والمساواة والعدالة.  أما الألمان فكانوا عاجزين ـ بسبب تأخرهم ـ عن تغيير واقع بلادهم سياسياً فأوغلوا في الثورة الفلسفية.  أي إنهم أنجزوا فلسفياً، نظرياً، ما أنجزه الفرنسيون سياسياً.  وكان كانط قد جعل الإنسان مركزاً وذروة لكل فكر عقلاني واضعاً بذلك "أساساً نظرياً للحرية ولحقوق الشخص الإنساني" . وإشكالية ماركس كانت بالضبط قهر تأخر ألمانية، وجعل التاريخ الذي امتطى حصانة منطلقاً من فرنسا يستأنف تقدمه في ألمانية متخطياً ونافياً الثورة الفرنسية نفياً جدلياً. والنفي الجدلي هو الاحتفاظ والتجاوز أو لنقل هو التمثل والتجاوز، أي متخطياً الثورة السياسية والانعتاق السياسي إلى المجتمع المؤنسن والانعتاق الإنساني. وهذا المقصد الذي يظهر في مؤلفات ماركس الشاب بصيغته الفلسفية/ الأخلاقية، يتجلى في رأس المال في صيغته السياسية أو الاجتماعية / الاقتصادية السياسية، بصفة السياسة اقتصاداً مكثفاً أو لنقل بصفة السياسة إنتاجاً اجتماعياً إنسانياً عاماً ومكثفاً، وإن الفصل التعسفي بين ماركس الشاب وماركس الناضج هو بالأحرى فصل تعسفي بين الفكر والسياسة وبين الأخلاق والسياسة.

في رسالته عن ديمقريطس وأبيقور قال ماركس:"إنه في أوقات الأزمات الكبرى يجب على الفلسفة أن تصبح عملية. ولكن ممارسة الفلسفة هي ذاتها نظرية، والنقد هو الذي يزن الموجود الفردي بميزان الوجود، والواقع الخاص بميزان الفكرة". والفكرة التي يتخذها ماركس هنا ميزاناً لواقع الدولة البروسية ليست الفكرة الهيغلية عن الدولة فقط، بل  فكرة الدولة الديمقراطية كما كان يتصورها يعاقبة الثورة الفرنسية (روبسبيير ودانتون ومارا وصولاً إلى بابوف الذي قاد أول محاولة شيوعية في التاريخ الحديث (1797) ،إي وصولاً إلى القطيعة مع البورجوازية) (راجع المخطوطات ص32).

وفي نقده فلسفة الحقوق عند هيغل يضع ماركس  أساساً منهجياً لرؤيته الديمقراطية، أو لرؤيته للدولة الديمقراطية، قوامه: "المجتمع المدني ليس انعكاس الدولة، بل الدولة هي تعبير المجتمع المدني" . الدولة الديمقراطية ستغدو عنده الدولة السياسية التي ينتجها المجتمع المدني على أنها شكل وجوده السياسي والتي تصير دولة مادية يتحد فيها الشكل السياسي والمضمون الاجتماعي. كما أن مسعى ماركس، في الحوليات الألمانية، كان يذهب إلى "توحيد الروح السياسية الفرنسية والنظرية الألمانية" (راجع المخطوطات ص 34)

إن مسألة الذات والموضوع، الإنسان والعالم هي القاسم المشترك في الفلسفة الألمانية، وفي الفلسفة بوجه عام. وجميع الحلول التي وضعها الفلاسفة لها كانت تؤول على اختلافها إلى مركزية الإنسان والعقل أو إلى موقعهما الممتاز في أقل تقدير. "جوهرياً، هذه المسألة عينها، مسألة علاقات الذات والموضوع هي نقطة انطلاق التفكير الهيغلي. لكن هذا التفكير تقدم هائل على المذاهب السابقة. وكان فيخته قد أكد أن العالم الخارجي إنما يقيمه الأنا. ولكنه لم يفسر تناقضات هذا العالم. ويجهد هيغل كي يعيد هذا العالم المعارض للفكر إلى الفكر، ولكن، بالاستناد إلى تأثير متبادل يدمج التاريخ أيضاً. فالإنسان، وعي الذات، يتكون في حركة جدلية تشمل كل الصيرورة التاريخية، وهذه الصيرورة هي تحقيق الفكر المطلق، ومراحلها تتوافق مع لحظات نموه. وبذلك كان هيغل يدخل في التاريخ فكرة التقدم، فكرة النمو الجدلي.. "(من مقدمة بوتيجلي للمخطوطات ص 12) .

تعريف الذات عند ماركس أو تحديدها وتعيينها اختلف جوهرياً عما كانه عند هيغل، وذلك بتأثير فيخته وفويرباخ خاصة. الذات عند ماركس هي الإنسان المعرف بالفكر والعمل أو بالفكر/ العمل، أي بفاعليته الحية الواعية والهادفة وبخصائصه النوعية وقدرته على تغيير أشكال العالم، الإنسان الذي ينتج نفسه في التاريخ وفي العالم، فبدلاً من أن يكون العالم تجليات للروح في مراحل متعاقبة، وتاريخه هو تاريخ الروح أو العقل أو الفكرة الشاملة التي تفض نفسها فيه، بات العالم عند ماركس إنساناً مموضعاً أو مجعولاً موضوعياً، ولا سيما في المجتمع والدولة، وبات التاريخ هو تاريخ تقدم الإنسان وتحسنه.

الإنسان عند هيغل تحقيق لجوهر متعال. الإنسان عند ماركس تحقيق لذاته. الإنسان عند هيغل حبله السري موصول بالألوهية، أما عند ماركس فحبله السري موصول بالإنسان، بعالم الإنسان. ماركس في هذه الحيثية يستعيد كانط ويقرؤه هيغلياً أي ديالكتيكياً "لا وحدة للوجدان من دون موضوعه" من دون الموضوع، والوجدان في أبسط صوره هو الـ "أنا أفكر"، الكوجيتو الذي استنبط منه ديكارت جوهرية النفس البشرية وروحيتها ووحدتها. "إن الـ "أنا أفكر" فعل من أفعال العفوية يسبق جميع أفعال الفهم، وإدراك خالص وأصلي يواكب جميع الإدراكات البسيطة التجربية. وفي الـ أنا أفكر تتجلى وحدة الشعور بالأنا عبر التمثلات كافة، تلك الوحدة التي يمكن أن نسميها وحدة متعالية، بمعنى أنها تجعل كل معرفة ممكنة" (عن إميل برهييه -تاريخ الفلسفة- القرن الثامن عشر- ترجمة جورج طرابيش- دار الطليعة- بيروت ط1 صـ263).

    العقل عند هيغل يؤلف حقيقة كل ما هو موجود، والعقل هو الإنسان. وهكذا فإن الفكر الإنساني يملك أساسه في ذاته وبه تجد الشخصية الإنسانية وحريتها مسوغاتهما "وكذلك عند ماركس، مع الفرق، أن العقل ليس معطى قبلياً، ولا معطى ناجزاً، العقل هو عقل العالم، أو بلغة الياس مرقص: كون العقل هو عقل الكون".

إذن، الإنسان الواقعي (العامل ورب العمل، المالك وغير المالك المنتج وغير المنتج الحاكم والمحكوم ..) هو مركز منظومة أفكار ماركس وإنجلز. الماركسية من هذه الزاوية بسط وإنماء للنزعة الإنسانوية منذ بواكير النهضة الأوربية مع إراسم (1469- 1536) الذي رفع راية الإنسان والإنسانية العالمية أو الكونية مؤسسة على "فلسفة المسيح" ومع توماس مور والـ "يوتوبيا". وقد كان توماس مور من كبار الإنسانويين في زمنه، بقدر ما كان من كبار الاشتراكيين أو الشيوعيين. وليس مصادفة أن تتضافر الإنسانوية والعقلانية والاشتراكية في تأسيس النهضة والإصلاح في أوربا. أليست اشتراكية توماس مور الإنسانية، العالمية، من مصادر الماركسية الأساسية وقد استعادها ماركس بصورة مباشرة مرة وعن طريق الاشتراكية الألمانية (موزس هس وفايتلنغ وإنجلز قبل أن يلتقيه ماركس…) مرة أخرى.

إذا كان الأمر كذلك، فإن تأويل الماركسية اقتصادياً أو وضعوياً أو مادياً (=حسياً، شيئياً، أي وثنياً في المعرفة واستبدادياً في السياسة) كان ينجم دوماً عن حذف الإنسان من مركز المنظومة الماركسية، أو إزاحته إلى هوامشها في أحسن الأحوال أولاً. وعن تحويل العلاقة بين الإنسان والعالم الذي هو عالمه إلى علاقة خطية ـ ميكانيكية وحيدة الاتجاه سواء حين تجعل الإنسان أسيراً للحتمية وعبداً لقوانين الطبيعة و"للقوانين" عامة،حيواناً متعلماً وعالماً، أو حين تجعل العالم "مادة" أو موضوعاً هامداً وسلبياً للإرادة "الثورية" (كما هو الخشب مادة عمل النجار وإرادته) وهو ما أنتج نزعتين شهيرتين في "الماركسية" بعد ماركس: النزعة التطورية العلموية الوضعوية، والنزعة الإرادوية الثورانية الذاتوية. والذاتوية أسوأ أنواع المثالية كما يقول إلياس مرقص. ولطالما ارتدت الذاتوية إلى تطورية إن لم نقل إلى استسلامية ذليلة. فللتطورية والذاتوية جذر مشترك هو رؤيتهما المشتركة لمفهوم المادة وللمادية التي لا تمت بصلة لا إلى التصور المادي للعالم "وحدة العالم تتقوم بماديته" (إنجلز) ولا إلى التصور المادي للتاريخ "التاريخ تنويعه على الأشكال" (ماركس)، علاوة على اشتراكهما في خصي الديالكتيك واختزاله إلى "قوانين" علمية في الأولى وثورية في الثانية، ثالثاً. وبالقدر نفسه، كان التأويل الاستبدادي للماركسية ينجم عن إهمال، أو جهل، مقولة الاستلاب أو الاغتراب أو الضياع أو الانخلاع، التي هي النواة الأولى أو البذرة التي تحمل شجرة الديالكتيك وتضع مفهوم التاريخ بوصفه نمو الروح الانساني وانبساطه في العالم وفي التاريخ . وتضع من ثم فكرة التقدم محمولة على العمل البشري الخلاق، على الإنتاج الاجتماعي / الإنساني: إنتاج البشر لوجودهم الاجتماعي، وإنتاجهم لمعاشهم وثروتهم، وإنتاجهم لعلاقاتهم الإنسانية والاجتماعية والسياسية وإنتاجهم لتمثيلاتهم الثقافية وثروتهم الروحية بالتلازم، أي إنتاجهم لذواتهم في التاريخ وفي العالم. إن إهمال وجهل قضية الاستلاب هما تضييع الديالكتيك وتحويله إلى قوانين طبيعية صارمة وحتميات ثورية خرقاء كما فعل ستالين.

كان هيغل يرى أن "وعي الذات" هو نهاية نمو جدلي يشمل جميع مراحل الصيرورة التاريخية ويتوجها. ووعي الذات هو حقيقة الإنسان أن يكون حراً قادراً على أن يفكر نفسه ويفكر العالم، قادراً أن يعي نفسه ويعي العالم. (وليس اعتباطاً تأخير مقولة الوعي لأن شرطها هو الـ أنا أفكر، وهو ما يضع الوعي على خط التاريخ والتقدم والارتقاء). في نقده مثالية هيغل (المثالية الفهيمة التي هي أفضل بما لا يقاس من المادية البهيمة)، حقق فويرباخ نوعاً من ثورة كوبرنيكية حين وضع الإنسان الواقعي المتمتع بالحس محل "وعي الذات"، فأعاد الإنسان إلى مركز الكون وجعله العلة الفعلية لجميع الأشياء أو لجميع الموجودات في العالم. عن هيغل أخذ ماركس فكرة صيرورة الإنسان التاريخية ومنطقها الديالكتيكي، فكرة  تحسن الإنسان (الإنسان ابن التاريخ؛ جدلياً، الابن هو الأب. وعن فويرباخ أخذ المادية، الإنسان العياني. وراح يبحث عن "حقيقة" الإنسان التي لا تتجلى، وفق منهجه، إلا بطريقة موضوعية، وفي الوقائع الموضوعية. لذلك وجد أن ميدان الإنتاج (بجميع المعاني التي أشرنا إلى بعضها) هو ميدان فاعلية الإنسان المميزة، النوعية، وهو الذي يجب أن يكون الميدان الذي تتجلى فيه هذه الحقيقة موضوعياً. وإن نقد الاقتصاد السياسي هو الذي بين له عيانياً ضياع الإنسان إذ يهيمن عليه إنتاج غريب (هو إنتاجه أصلاً) يقوده إلى إنكار دعوته الأساسية، وينتهي إلى نزع الصفة الإنسانية عن العامل المنتج، ثم عن العامل الأجير.

كشف الاقتصاد السياسي لماركس أن ضياع الإنسان عياني وأنه يستمد أصله من العمل والتبادل ومن التوزيع (توزيع الثروة وتوزيع الدخل) وان هذا الضياع مر بمراحل مختلفة قبل وصوله إلى ضياع الذات كما يدلل على ذلك وضع العامل في النظام الرأسمالي. "الإنسان إذ ينتج نفسه لا يمكن إلا أن ينتج حقيقته ذاتها. طبيعته لا يمكن أن توجد وجوداً سابقاً للتاريخ معرفةً مرة واحدة وإلى الأبد. الضياع ليس الخطيئة الأصلية. أجل الإنسان معطى، خصائص نوعية تميزه عن الحيوان، ولكن فقط في سير فاعليته، في النمو الجدلي للتناقضات القائمة في هذه الصفات. باختصار، في التاريخ يخلق الإنسان نفسه حقاً. حقيقته وطبيعته الحقة هما نتاج التاريخ، وبإمكان ماركس أن يقول: التاريخ هو التاريخ الطبيعي الحقيقي للإنسان "(مخطوطات صـ63)

منذ وجود الإنسان، لم يعد للطبيعة من تاريخ آخر سوى تاريخ الإنسان، الذي هو إلى اليوم تاريخ استلابه أو اغترابه وإنتاج نفسه في العالم وصيرورة العالم جسداً غير عضوي له في الوقت نفسه. لذلك، ربما، كان اغتراب الإنسان أو ضياع العمل ضرورة تاريخية وعي هذه الضرورة هو الحرية. الملكية الخاصة هي تجلي هذا الضياع وعامل إعادة إنتاجه. لحذف الضياع لا بد من حذف الملكية الخاصة، وليس الملكية؛ لأن حذف الملكية أو التملك هو حذف الإنتاج = حذف العمل أي حذف الإنسان. (التجارب الاشتراكية لم تلغ الملكية الخاصة، بل جعلت الملكية الاجتماعية ملكية لا أحد فأنتجت الكلبية والفساد الوجه الآخر للاستبداد السياسي وأنتجت "الإنسان" ذئب الإنسان) "إن الإلغاء الوضعي للملكية الخاصة (الشيوعية) لن يعني إذاً تحويل علاقات الإنتاج وحسب، إنه سيضع حداً لـ "ما قبل تاريخ" الإنسان، لأنه سيكون هو امتلاك الإنسان لطبيعته وسيخلق شروط المجتمع الإنساني حقاً. إن حقيقة الإنسان، هذه الماهية المطلوب تحقيقها واقعاً، هي في المستقبل" .(مخطوطات ص 65 ) إن من يظن أن تحليل ماركس لواقع الإنسان العياني، للاستلاب العياني، ومن ثم تصوره لمستقبل الإنسان هما تجريد عقلي محض، إنما يجهل منهج ماركس الذي لم ينقطع عن الوقوف على الأرضية العيانية والذي يتضمن كل التناقضات التي كشفها التاريخ . "إن مرحلة الضياع هي إذن مرحلة لابد أن يمر بها تطور البشرية، إنها مرحلة انفصال الإنسان عن ذاته، مرحلة نمو التناقضات الملازمة لطبيعته الخالقة والاجتماعية معاً. الإنسان بادئ ذي بدء ينفصل ضياعاً عن الطبيعة، مادة عمله ذاتها، هذا أولاً. ولكنه بهذا الضياع يهيء سيطرته على الطبيعة، هذه السيطرة التي تجعل من الطبيعة جسده غير العضوي. وثانياً، الإنسان ينفصل ضياعاً عن الإنسان الآخر، إذ لا يرى فيه ممثل النوع، بل الفرد الخصم. ولكنه بهذا الضياع يخلق شروط مجتمع إنساني. وأخيراً ينفصل ضياعاً عن ذاته ويصل بذلك إلى نفي حياته الإنسانية حقاً لتأمين حياته الجسدية، ولكنه يبلغ درجة العري التي لا يمكن أن يعقبها سوى استرجاع كامل لصفته كإنسان. "إن" كل مخلوقات الإنسان، حتى مخلوقاته الأكثر سمواً كالدين والدولة لها أصلها في الإنسان، ولكنها تصبح بفعل تطور العلاقات الاجتماعية قوى تهيمن عليه وتفصله في نهاية المطاف عن نفسه" (م صـ72)  هنا لا بد من إيضاح مسألة أن حذف الاستلاب الديني يعني تحقيق قيم الدين الروحية في الدنيا. وحذف الاستلاب السياسي (الدولة) يعني تخلي الدولة تدريجياً عن وظائفها للجملة الاجتماعية، للمجتمع المؤنسن أو صيرورة الشكل السياسي هو هو المضمون الاجتماعي الإنساني. (وحدة الشكل والمضمون الديالكتيكية دوماً).

يحدد ماركس مفهوم الضياع بعلاقة مزدوجة: علاقة العامل (المنتج) بمنتوج عمله أو بعمله المكثف في المنتوج، بخصائصه النوعية أو ماهيته المموضعة (أي الصائرة موضوعاً). وعلاقة العامل بعملية الإنتاج ذاتها، إذ يتكشف تحقيق العمل واقعياً عن ضياع الحقيقة الواقعية للعامل أي ضياع ماهيته الإنسانية فلا يعود يشعر بنفسه حراً إلا في نطاق وظائفه الحيوانية (الأكل والشرب والإنجاب وربما المسكن والتزين) أما في وظائفه الإنسانية فلا يشعر بنفسه إلا حيواناً. الحيواني يصير الإنساني والإنساني يصير الحيواني. هذه العلاقة المزدوجة تجعل الإنسان غريباً عن عالمه أولاً وعن ذاته وماهيته أي عن النوع الإنساني ثانياً.

هذه العلاقة المزدوجة تعبر عنها الملكية الخاصة التي تبدو كأنها سبب العمل المضاع، في حين هي نتيجته الضرورية. كما أن الآلهة ليسوا سبب، بل نتيجة زيغ الفهم البشري."فقط في ذروة تطور الملكية الخاصة يظهر من جديد هذا السر الخاص بها ألا وهو أنها نتاج العمل المضاع من جهة وهي، من جهة ثانية، الوسيلة التي بها يضاع العمل والتحقيق الواقعي لهذا الضياع" (مخطوطات صـ 184).

هذا المنطق الذي يكشف به ماركس عن جوهر الملكية الخاصة سنجده في رأس المال خاصة عندما يتحدث عن تحول العلاقات الاجتماعية إلى علاقات بين أشياء (علاقات سلعية نقدية) وصيرورة هذه الأخيرة علاقات اجتماعية رأسمالية. الذات تتحول إلى موضوع، والموضوع يتحول إلى ذات، هكذا ديالكتيك ماركس، أو ديالكتيك هيغل المقروء ماركسياً. الحدان الجدليان ضروريان معاً، ويفترض أحدهما الآخر، ولا يقوم إلا به ويتحول أحدهما إلى الآخر بالتوسط. في الكتاب الأول من رأس المال يقول ماركس:"من أين ينشأ الطابع الغامض لنتاج العمل ما أن يتخذ هذا الأخير شكل البضاعة؟ من الواضح أنه ينشأ من هذا الشكل ذاته، فالمساواة بين مختلف أنواع العمل البشري تتجسد في اتخاذ منتجات العمل شكلاً شيئياً من قيمة واحدة، ويتخذ قياس إنفاقات قوة العمل البشري بمدة هذه الإنفاقات شكل مقدار قيمة منتجات العمل. وأخيراً فإن تلك العلاقات بين المنتجين التي تتحقق فيها تحديداتهم الاجتماعية للعمل تتخذ شكل العلاقة الاجتماعية بين منتجات العمل. إذن يتلخص غموض الشكل البضاعي ببساطة في أن هذا الشكل هو مرآة تعكس للناس الطابع الاجتماعي لعملهم كطابع شيئي لمنتجات العمل ذاتها، كخصائص اجتماعية فطرية للأشياء المعنية.

ولذا فإن علاقة المنتجين الاجتماعيين مع العمل الاجتماعي الإجمالي تبدو لهم كذلك علاقات اجتماعية بين الأشياء خارجة عنهم. وبفضل هذا (حلول شيء مكان الآخر) تصبح منتجات العمل بضائع، أشياء حسية وعصية على الإدراك في آن معاً، أو أشياء اجتماعية… وبعبارة أخرى، فإن الأعمال الخاصة لا تتحقق واقعياً كحلقات للعمل الاجتماعي إلا من خلال تلك العلاقات التي يقيمها التبادل بين منتجات العمل، وبوساطتها بين المنتجين أنفسهم أيضاً.. لذا تبدو للآخرين أي للمنتجين العلاقات الاجتماعية لأعمالهم الخاصة كما هي عليه في الواقع، أي ليس علاقات اجتماعية مباشرة بين الأشخاص أنفسهم في عملهم، بل على العكس، علاقات شيئيه بين الأشخاص وعلاقات اجتماعية بين الأشياء "(ماركس - رأس المال - دار التقدم- موسكو ص 107ـ 108)

يتضح من هذا النص أن العمل البشري يتموضع في الناتج. ولهذا الناتج قيمة هي في آخر التحليل العمل البشري المجرد. والقيمة قيمتان: قيمة استعمالية تتعلق بخصائص الناتج التي تلبي حاجة اجتماعية (الاستهلاك المباشر) وقيمة تبادلية لا تظهر إلا في التبادل الذي يعطي الناتج شكل بضاعة. فالبضاعة إذن شكل يفرضه التبادل لمضمون هو العمل البشري المجرد. البضاعة نفسها تتضمن تعارضاً بين الشكل والمضمون. الشكل (البضاعة) هو اغتراب المضمون ( العمل)عندما تصبح البضاعة قوة اقتصادية في السوق معادلها الموضوعي هو النقد (المال) الحامل الأخير للقيمة، والشكل الأعلى لاغتراب العمل الذي يغدو هو الآخر سلعة أو بضاعة معادلها النقد.

الملكية الخاصة الرأسمالية هنا هي شكل أعلى وأحدث لاغتراب العامل عن نتاج عمله واغترابه عن عملية الإنتاج التي تحوله ليس إلى أجير لا يكاد عمله بصفته بضاعة، يسد رمقه ويلبي حاجاته الحيوانية فحسب، بل إلى زائدة لحمية ملحقة بالآلة. في حين يتحول الجزء غير المدفوع الأجر من وقت عمله إلى قيمة زائدة، أي إلى رأس مال بحصر المعنى يملكه الرأسمالي.

  علاقة العمل بمنتوجاته هي التي تقيم العلاقات الاجتماعية عن طريق التبادل والتوزيع، في ظل نمط معين لتقسيم العمل وشكل معين للملكية الخاصة. هذه العلاقات الاجتماعية هي التي تبدو لنا اليوم في صيغة علاقات السوق و "قانون السوق" أي في صيغة الاستلاب الناجز الذي يجسده رأس المال عامة ورأس المال المالي المتوحش خاصة. كما أن علاقة العمل بعملية الإنتاج هي التي تقيم ما يسمى علاقات الإنتاج، وتحمل في أحشائها جنين صيرورة هذه العلاقات إنسانيةً، بقدر ما كانت وما هي اليوم علاقات استغلال وقهر واستعباد. في ضوء هذه العلاقة الأولية والنهائية تبدو سقيمة وسطحية مقولة التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج في صيغتها الستالينية، ولا سيما حين تفصل علاقات الإنتاج عن العلاقات الاجتماعية، وتجعل من قوى الإنتاج مقولة إحصائية، وتفترض التخارج والتعادم بين هذه وهاتيك وليس التداخل والتجادل. وتضع الإنسان، والعامل، والآلات والمستوى التقني والمنشآت كالموانئ والمطارات وسكك الحديد… في مصف واحد (راجع الموسوعة الاقتصادية الصادرة عن دار ابن خلدون مادة قوى الإنتاج الاجتماعية) وأكثر منها سطحية واختلاطاً مقولة البنية التحتية والبنية الفوقية كما صيغت ستالينياً ومن ثم بنيوياً.

تنطوي الماركسية إذن على اعتراف مبدئي ونهائي، قطعي، بالكائن الواقعي، بالإنسان الواقعي، الفـرد الاجتماعي بفاعليتــه الحـرة الواعيـة والهادفة وخصائصه النوعي الذهنية / النفسية، وهو في الوقت نفسه اعتراف مبدئي ونهائي بالماهية الإنسانية الكلية في واقعها العياني. الإنسان ليس تجريد الإنسان أو فكرة الإنسان بل الفاعلية الحية، أي العمل بوصفه فكراً متحققاً أو فكراً بالفعل والفكر بوصفه عملاً بالقوة. وإن تساوي العمل البشري المجرد يضع أساساً مكيناً لمساواة البشر في الماهية الإنسانية، واختلاف العمل النافع أو المشخص يضع الاختلافات الواقعية في المجتمع الذي هو نسيج من العلاقات بين أفراد وجماعات وفئات وطبقات..الخ. ولا نعتقد أن للديمقراطية أساساً آخر غير تساوي البشر وتماثلهم في الماهية الإنسانية، في الجوهر العام المشترك، واختلافهم في الواقع وقيام كل منهم بعمل أو بوظيفة ضرورية للآخرين وضرورية للاجتماع البشري وللمجتمع .. اختلاف الوظائف وتعددها يضعان فروقاً وحدوداً واقعية فيما بينها من جهة وبين العاملين فيها جميعاً، وفي كل منها من جهة أخرى. هذه الفروق هي التي تضع التعارضات وتؤسسها، تعارضات الأفراد وتعارضات الفئات الاجتماعية ـ السياسية وتعارض المجتمع والدولة على السواء.

ربما لا يهمنا كثيراً ما قاله ماركس وإنجلز في تأييد الحركات الديمقراطية والثورات الديمقراطية أو في نقد كومونة باريس أو في تثمين الإنجاز البورجوازي الديموقراطي أو في مساندة كذا وكيت وفي "الثامن عشر من بروميير" .. فهذه وغيرها جملة من الآراء التي يمكن لأي منا أن يخالفهما فيها وتكون حجته على قدر لا بأس به من الوجاهة والقوة والإقناع. لذلك ليست المسألة في اعتقادي مسألة محاججة خصوم الماركسية أو الاشتراكية أو المشككين فيهما بل هي مسألة بحث في الأسس المنهجية التي قامت عليها الماركسية وهل هذه الأسس بسط وإنماء لمبادئ الديمقراطية وقيمها أو لا. وإذا كان الجواب بالسلب يغدو البحث عن علاقة الماركسية بالديمقراطية ضرباً من ترف ثقافوي فعلاً وتمريناً ذهنياً عديم الفائدة.

لننظر في بعض المبادئ التي أسس عليها ماركس منظومته بدءاً من نقده فلسفة الحق عند هيغل، ولا سيما أنه تناول في هذا النقد مسألة الديمقراطية والمجتمع المدني والدولة ومفهوم الحق ومفهوم القانون ..الخ.

الفرد عند ماركس هو الأساس الطبيعي للمجتمع المدني والدولة. الفرد هو الإنسان العياني الواقعي. وانطلاق ماركس من الفرد الاجتماعي واتخاذه أساساً طبيعياً للدولة يتسق مع نهجه وطريقته في الانطلاق من الواقع العياني في تحليل الظاهرات. وعنده إن الدولة التي لا تعترف بأساسها الطبيعي ولا ترضي الإنسان الفعلي ليست دولة ديمقراطية.

يثمن ماركس نقد فلسفة الحق الألمانية التي لقيت في أعمال هيغل الصياغة الأوفر انسجاماً والأكثر غنى واكتمالاً والتي هي في الوقت نفسه نقد للدولة المعاصرة، نقد يعرب عن نقصها وتناقضها في ذاتها؛ إذ "الصورة الفكرية الألمانية عن الدولة المعاصرة المنصرفة عن الإنسان الفعلي لم تكن ممكنة، على العكس، إلا لأن الدولة المعاصرة نفسها تنصرف عن الإنسان الفعلي، أو لا ترضي الإنسان كله إلا بصورة وهمية " (عن ماركس- إنجلز- بصدد الدولة- دار التقدم- موسكو- 1986 صـ91). ماركس يشاطر هيغل نقده للدولة المعاصرة التي وإن اعترفت بالفرد الطبيعي أساساً لها وفق المنطوق الليبرالي من هوبز وجون لوك إلى جان جاك روسو وفكرة العقد الاجتماعي .. إلا أنها لا تعترف بهذا الفرد إنساناً فعلياً وكائناً كلياً. لا تعترف بماهيته الإنسانية، بل بفرديته العضوية فحسب. ولا تعترف بجميع الأفراد مواطنين متساوين في الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية ولا بحقوق متساوية للرجال والنساء والأطفال.. بيد أن نقد ماركس ينصب، في هذه المسألة على أن النقد الهيغلي لا يُستغرق في نفسه بل في مهمات لا يتوافر لأجل حلها غير وسيلة واحدة هي الممارسة (البراكسيس) ويتساءل: "هل تستطيع ألمانية أن تتوصل إلى ممارسةٍ، أي إلى ثورة بمقدورها أن ترفع ألمانيا لا إلى مستوى الشعوب المعاصرة الرسمي وحسب، بل أيضاً إلى المستوى البشري الذي سيكون مستقبل هذه الشعوب الأقرب؟" (المرجع السابق صـ92)، أي إنه لا يريد لألمانيا أن ترقى إلى مستوى الدول المعاصرة لها فقط (هنا فرنسا وإنكلترا والولايات المتحدة الأمريكية) بل أن تتخطى نقائص هذه الدول. فالدولة الديمقراطية هي دولة جميع إفرادها بلا تمييز وعليها أن تقوم بوظائفها التي هي وظائف اجتماعية لا تتعلق بالصفات الفردية لكل فرد بل بصفته الاجتماعية، على نحو يرضي مواطنيها، لأنها كما يصفها في مكان آخر" تحديد ذاتي للشعب".

لم يستطع ماركس، بحكم منهجه النقدي أن ينظر إلى الفكر السياسي الألماني إلا نظرة راديكالية، جذرية والجذرية عنده بالتعريف: معرفة الأشياء أو فهم الأشياء من جذرها وليس من شيء أكثر جذرية للإنسان من الإنسان ذاته. فالدولة الديمقراطية هي التي تصفي جميع العلاقات التي يكون فيها الإنسان كائناً مهاناً مستعبداً عاجزاً ومحتقراً. لذلك رأى في نقد الدين الذي يعمل وفق هذا التعليم مدخلاً إلى نقد السياسة. الناس لم يخطئوا الجنة، والعالم ليس قابلاً لأن يصير جنة وفردوساً، ولكن ما دامت "دولة سياسية" (ديمقراطية) قد تحققت في الجوار فإن "دولة مادية" تتجاوزها جدلياً يمكن أن تتحقق في ألمانيا، هذه الدولة المادية هي الدولة الديمقراطية بألـ التعريف، وهي محمولة على نمو المجتمع المدني وإمكانات تجاوزه إلى مجتمع مؤنسن.

 عند ماركس ووفق منهجه، الدولة السياسية شرط الدولة المادية الضروري والمجتمع المدني شرط المجتمع المؤنسن، والانعتاق السياسي الجزئي شرط الانعتاق الإنساني الكلي ومقدمته اللازمة، هكذا التاريخانية أو منطق التاريخ. "إن الحلم الطوباوي بالنسبة لألمانيا ليس الثورة الراديكالية، وليس التحرر الإنساني العام، بل بالأحرى الثورة الجزئية، الثورة السياسية فقط، الثورة التي لا تمس دعائم الصرح ذاتها. علام ترتكز هذه الثورة الجزئية، الثورة السياسية فقط؟ على أن قسماً من المجتمع المدني يتحرر ويبلغ السيادة العامة، على أن طبقة معينة تعمد انطلاقاً من وضعها الخاص إلى تحرير المجتمع بأسره. إن هذه الطبقة تحرر المجتمع بأسره، ولكنها لا تحرره إلا إذا افترضنا أن المجتمع بأسره يوجد في وضع هذه الطبقة أي إنه يملك مثلاً المال والتعليم أو يستطيع الحصول عليهما إذا شاء. ما من طبقة من طبقات المجتمع تستطيع أن تضطلع بهذا الدور دون أن تثير الحماسة للحظة في نفسها وفي الجماهير، وهذه اللحظة هي تلك التي تتآخى فيها الطبقة المعنية وتمتزج مع المجتمع بأسره ويخلطونها فيها مع المجتمع ويتقبلونها فيها ويعترفون بها ممثلته العامة، تلك اللحظة التي يكون فيها ادعاءات هذه الطبقة فعلاً عقل المجتمع وقلب المجتمع.." (المصدر نفسه صـ95).

غير أن تأخر ألمانيا الذي كان يتجلى في تأخر نظامها السياسي وطبقتها السياسية ذات الوعي الأيديولوجي، وفي عجز البورجوازية الألمانية قياساً بالفرنسية والإنكليزية جعله يراهن على دور البروليتاريا الألمانية أو على دور ما لما سيسميه غرامشي الكتلة التاريخية في كسر حلقة التأخر وعلى دور ما لألمانيا في افتتاح مشروع التحرر الإنساني الذي رأسه الفلسفة وقلبه البروليتاريا. وهذا الرهان ولنسمه كذلك، لم يكن تأملاً نظرياً صرفاً، ولا رغبة محضة، بل كان ينطلق من رؤية تاريخانية ديالكتيكية مفادها أن أمة ما  يمكن أن تتعلم في مدرسة الأمم الأخرى وان بمقدورها عندما تعي ذاتها وعالمها أن تختصر آلام الولادة "فقط، لا أن تقفز فوق مراحل التطور وذلك انطلاقاً من وحدة التاريخ البشري وكونية العقل الإنساني.

إشكالية التأخر هذه، وكيفية تجاوزه واقعياً، يمكن أن تساعدنا اليوم في تفسير نمو النازية في ألمانية والفاشية في إيطاليا، وهما أي النازية والفاشية مرض القومية الخبيث وعاهة الرأسمالية المتوحشة وتعبير عن ضمور المحتوى الديمقراطي الإنساني في الفكر والسياسة. والولايات المتحدة الأمريكية اليوم نموذج معاصر لمرض القومية الخبيث وعاهة الرأسمالية المتوحشة وضمور المحتوى الديمقراطي الإنساني في الفكر والسياسة، وهو ما يضع الفرق بين الديمقراطية و "الليبرالية الجديدة" الأمريكية، فالتطور الأمريكي لم يقم على أساس الثورة الديمقراطية البورجوازية التي شهدتها أوربا الغربية والشمالية، بل على الثورة الصناعية والتطور الرأسمالي الخالص. فهي ،من هذه الزاوية، رأسمالية خالصة وإمبريالية خالصة بمعنى أنها لا تنطوي على البذرة الاشتراكية الإنسانية الديمقراطية التي حملتها الثورة الديمقراطية البورجوازية في غربي أوربا وشماليها.

 بعد توكيد أولوية الإنسان العياني الفرد الحقيقي أو الإنسان الفعلي يؤكد ماركس أن العائلة والمجتمع المدني هما المقدمتان الأساسيتان للدولة، وهما "يحولان نفسيهما إلى دولة وهما بالذات القوة المحركة" (المصدر نفسه ص49) ينطلق ماركس هنا من ديالكتيك الخاص والعام، المجتمع هو العام الذي يحدد الخاص (الدولة) وليس العكس ثم من ديالكتيك الفردي والخاص والعام. الفردي هو العام متعيناً: سقراط إنسان، سقراط يستمد ماهيته وقوامه من العام فقط. والفرد الإنسان الفعلي ليس شيئاً ما خارج العالم الذي هو عالم الإنسان: المجتمع والدولة. الفرد الواقعي هو الإنسان وقد صار مجتمعاً موضوعياً (الإنسان مُجتْمعاً) أي مموضعاً ومتحققاً واقعياً في العلاقات الاجتماعية السياسية وفي علاقات الإنتاج. في هذا المستوى، المجتمع هو العام. الدولة هي الخاص لأنها أحد أشكال الوجود الاجتماعي، لأنها الشكل السياسي للوجود الاجتماعي، الوجود الاجتماعي الكلي هو المضمون، الدولة شكل سياسي جزئي وخاص. ديالكتيك الشكل والمضمون هو ديالكتيك الديمقراطية. لذلك يتفق ماركس مع هيغل في أن وظائف الدولة ومجالات نشاطها مرتبطة بالأفراد، ولكنه يؤكد خلافاً لهيغل أنها مرتبطة بالأفراد بصفاتهم الاجتماعية السياسية وليس بخصائصهم الفردية البدنية والذهنية والنفسية. فالفرد ليس عضواً في الدولة إلا بصفته الاجتماعية السياسية.

والسياسة بصفتها الشيء العام المشترك بين جميع مواطني الدولة وجميع أفراد المجتمع وفئاته متأصلة في فاعلية    الإنسان الحرة الواعية والهادفة، وبصفته العام متعيناً، لذلك كانت السياسة فاعلية اجتماعية ومجتمعية. والدولة غير الديمقراطية هي استلاب هذه الفاعلية. والدولة الاستبدادية هي "الاستلاب الناجز" بتعبير ماركس.

الدولة غير الديمقراطية عند ماركس هي تناقض في ذاتها، بين مضمونها الاجتماعي الإنساني وشكلها السياسي. "الديمقراطية هي حقيقة الملكية (سواء كانت ملكية مطلقة أم دستورية، وحقيقة الجمهورية أيضاً، والملكية هنا هي المثال الأكثر شيوعاً أولاً وواقع الدولة البروسية التي عدها هيغل تجسيداً للعقل ثانياً) ولكن الملكية ليست حقيقة الديمقراطية. الملكية (وقل الجمهورية أيضاً) هي بحكم الضرورة أيضاً ديمقراطية كتناقض حيال ذاتها. بينما العنصر الملكي أو الجمهوري لا يوجد كتناقض في الديمقراطية. الملكية لا يمكن فهمها من ذاتها، بينما يمكن فهم الديمقراطية من ذاتها. في الديمقراطية لا يكتسب أي من عناصرها أهمية غير التي تعود إليه، وكل عنصر هو عنصر فعلي من ديموس (الشعب) بكليته. أما في الملكية فإن الجزء يحدد طابع الكل، وكل نظام الدولة ملزم هنا بالتكيف لنقطة جامدة واحدة. إن الديمقراطية هي نظام الدولة كمفهوم أعم. أما الملكية فليست غير نوع من أنواع نظام الدولة، ناهيك بأنه سيئ. إن الديمقراطية هي مضمون وشكل، أما الملكية فكأنها ليست سوى شكل، بينما هي في الواقع تزييف المضمون.

في الملكية يوضع الكل، الشعب، تحت أحد أساليب وجوده، تحت نظامه السياسي. أما الديمقراطية فإن نظام الدولة ذاته يبرز واحداً من التحديدات، عنينا بذلك التحديد الذاتي للشعب.

في الملكية نواجه شعب نظام الدولة، في الديمقراطية نواجه نظام دولة الشعب. الديمقراطية هي لغز لجميع أشكال نظام الدولة. هنا نظام الدولة ليس في ذاته فحسب، ليس من حيث جوهرة فحسب، بل أيضاً من حيث وجوده، من حيث واقعه يتفق دائماً، المرة  تلو المرة، مع أساسه الفعلي، مع الإنسان الفعلي، مع الشعب الفعلي، ويتأكد كقضيته الخاصة، إن نظام الدولة هنا يبرز كما هو كنتاج حر للإنسان …"(المصدر السابق صـ51)

الديمقراطية عند ماركس كما هي في الواقع، نظام للدولة يحمله الوجود الاجتماعي، المجتمع والمجتمع المدني في مجرى الصيرورة التاريخية، نظام ممكن وواجب، من وجهة نظر الفكر والسياسة والأخلاق.

وهي جوهر نظام الدولة. ولا بد للدولة أن تتوافق مع جوهرها. وكل نظام للدولة هو إنسان مُجتْمع (أي إنسان صائر موضوعياً في صيغة مجتمع. والإنسان المُجتْمَع هو أساس المجتمع المؤنسن، هو مقدمة المجتمع المؤنسن وأسّه وقوامه، لأن التفتح الإنساني الحر غير ممكن إلا في المجتمع المؤنسن الذي يحرر أفراده من جميع أشكال الاستغلال والقهر والعبودية ومن جميع أشكال الاستلاب المقدس منها وغير المقدس. في الديمقراطية -كما يقول ماركس- لا يوجد الإنسان من أجل القانون، بل يوجد القانون من أجل الإنسان، والوجود الإنساني هو هنا القانون. في الديمقراطية المبدأ الشكلي هو نفسه المبدأ المادي. هكذا ينبسط مفهوم الدولة المادية بما هي الوجود المادي للمجتمع الفعلي والشعب الفعلي والإنسان الفعلي والشكل السياسي لهذا الوجود الاجتماعي ذاته أو لهذه الكينونة الاجتماعية ذاتها.

في معالجته مسألة الديمقراطية، أو مسألة الوحدة العربية بصفتها مسألة ديمقراطية، كما أراها، قلما يتجاوز الفكر السياسي العربي مستوى الشكل السياسي، مستوى الدولة السياسية والولاية على البشر إلى الكينونة الاجتماعية، إلى المجتمع بصفته الإنسان صائراً موضوعياً. وقلما يتجاوز الذاتية والذاتوية (المثالية السيئة) إلى الموضوعية أي الوجود الفعلي للبشر، إلى حقيقية الوجود الاجتماعي والكائن الإنساني. هل ثمة قرابة أو قواسم مشتركة بين الفكر السياسي العربي اليوم والفكر السياسي الألماني الذي نقده ماركس. أليس الفكر السياسي العربي اليوم مثل ذلك الفكر السياسي الألماني الذي كان يحل مسائل الواقع بالكلام، أو لنقل كان يحلها في الفكر؟ وهل نقد الأيديولوجيا العربية المعاصرة المتأخرة مدخل ضروري إذا كان الجواب عن السؤال الأول بالإيجاب؟ ألسنا في وضع أسوأ من وضع ألمانيا في زمن ماركس، أليست أجسامنا في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين ورؤوسنا في عصر الانحطاط أو الانحدار، أو في العصر المملوكي العثماني ؟

باعترافه المبدئي والنهائي بالإنسان الفعلي والشعب الفعلي وضع ماركس جدلية الحرية والضرورة ، جدلية العشوائية والانتظام: عشوائية الفرد الاجتماعي وحريته وانتظامية المجتمع، عشوائية الأفراد المسوقين دوماً بمصالحهم ورغباتهم وتطلعاتهم الفردية وانتظامية المجتمع التي تجعل من هذه المصالح والتطلعات مصالح عامة وأهدافاً عامة مجتمعية ووطنية قومية/ وإنسانية . فالفردية لا تكتسب طابعها الاجتماعي بالفعل، (لأنه موجود فيها بالقوة) إلا في المجموعات التشكلية الضرورية والحرة بصفتها أجزاء الكلية الاجتماعية كالعائلة والحرفة والطبقة والمؤسسة الدينية والنقابة والجمعية والحزب السياسي .. الخ وفي إطار هذه الانتظامات تظهر في صيغ شتى وحدة التنافس والتضامن التي يحدد جدلها الداخلي طابع التعارضات الاجتماعية الملازمة للوجود الاجتماعي أو للكينونة الاجتماعية في مكان وزمان معينين. وإن نمو الفكر والعمل، وانبساط الروح الإنساني في الوعي الاجتماعي الذي يحدد وعي الأفراد هما اللذان يهبان العارضات الاجتماعية الملازمة مضمونها ويحددان اتجاهات تطورها وترسيان السياسة بصفتها فاعلية مجتمعية حرة وشيئاً عاماً على أسس أخلاقية وجدانية وروحية تدفع باستمرار نحو جعل النظام السياسي ملبياً لمطالب العقل.

     ويمكن مقاربة العلاقات الجدلية المؤسسة للديمقراطية على النحو الآتي :

1-              جدل الحرية والضرورة                        

1 ـ الحرية والضرورة

الضرورة

الحرية

العائلة

الفرد الطبيعي

المجتمع

العائلة

الدولة

المجتمع

 

هنا الفرد الطبيعي والعائلة هما أساس المجتمع، أساس الوجود الاجتماعي الفعلي. والعائلة والمجتمع اساس الدولة. والحرية دوماً هي وعي الضرورة. وعي ضرورة العائلة يجعل العائلة ميدان الحرية ووعي ضرورة المجتمع يجعله أيضاً مجال الحرية. وأخيراً وعي ضرورة الدولة يدفع بها إلى الاتساق مع مضمونها أي مع الوجود الاجتماعي الفعلي. وهذا الوجود الاجتماعي الفعلي الذي قوامه الفرد والعائلة والمجتمع هو ميدان الحرية إزاء الضرورة التاريخية للدولة التي تستمد مقوماتها وخصائصها من هذا الأساس، ولذا كانت وظائف الدولة اجتماعية، بما في ذلك وظيفتها أو وظائفها  السياسية والثقافية والتربوية.


2 ـ العشوائية والانتظام

الانتظام

العشوائية

مؤسسات المجتمع المدني

الفرد الطبيعي

المجتمع

مؤسسات المجتمع المدني

الدولة

المجتمع

 

 العشوائية هنا هي اللاقانونية التي تفترض القانون بوصفه ضرورة، ووعي هذه الضرورة هو الذي يجعل القانون في خدمة البشر وفي مصلحتهم دوماً وليس العكس. ولقانون هنا مأخوذ بصفته العامة والمجردة التي تجسدها القانونية المتغيرة. القانون هو مبدأ وحدة المجتمع والدولة مثلما الله هو مبدأ العام. وفكرة الله يجب أن تؤسس سمو القانون، تحت مقولة الله أكبر كما يقول الياس مرقص. ويبدو من هذه الترسيمة أن المجتمع هو مجموع أفراده المنضوين في مؤسساته وفئاته أو طبقاته، وأن المجتمع بمؤسساته الضرورية والإرادية الحرة هو قوام الدولة التي لا تكتسب صفتها هذه إلا بوحدة القانون وسموه أولاً وبكونها تعبيراً صادقاً عن الكلية الاجتماعية ثانياً. فدولة العشيرة أو الطائفة أو الحزب الواحد هي شيء ما دون الدولة أو هي تزييف الدولة. فالخاص لا يمكن أن يحدد العام. والجزء لا يمكن أن يحدد الكل واللاقانونية لا يجوز أن تشرع القوانين.

3 ـ المضمون والشكل :

الشكل

المضمون

الفكر والوعي  والأخلاق

الفرد

النقابة والحزب

الفئة والطبقة

الدولة

الشعب

 

الوعي كما هو واضح في الواقع محمول للفرد، ولكن الوعي على اختلاف أشكاله ودرجاته، هو وعي اجتماعي

على الرغم من تعيّنه في الأفراد واختلافه تضمنا وشمولاً باختلافهم، وهو محدَّد دوماً بالوجود الاجتماعي ومحدَّد لأشكال هذا الوجود ومنها شكله السياسي ولذلك قيل إن الدولة تحديد ذاتي للشعب. ويمكن القول إن الدين مثلاً هو تحديد ذاتي للفرد وإن النقابة أو الحزب السياسي تحديد ذاتي للفئة الاجتماعية أو للطبقة الاجتماعية بصفتها الجزئية وتجدر الملاحظة أن مقولة الشعب بصفتها مقولة سياسية تحيل على وجود اجتماعي عياني يتضمن الأفراد المختلفين والمتماثلين جوهرياً أو ماهوياً منضوين في فئات اجتماعية أو طبقات اجتماعية مختلفة ومتعارضة واقعياً ومتماثلة جوهرياً بصفتها أجزاء المجتمع المدني.

 4ـ جدلية الفردي والخاص والعام :

العام

الخاص

الفردي

الدولة

النقابة والحزب

الفرد

المجتمع

الدولة

النقابة والحزب

 

يتبين من هذه العلاقة أن النقابة أو الحزب، أي ما يسمى المجتمع السياسي هو الشكل الوسيط لعلاقة الفرد بالدولة والذي يؤكد أن الفرد لا يكون عضواً في الدولة إلا بصفته الاجتماعية السياسية وأن الحزب والدولة ينتميان إلى مجال واحد هو المجال السياسي أو الشكل الخاص للوجود الاجتماعي، وجود الفرد الاجتماعي في رحاب الكلية المجتمعية.

هذه العلاقات وما لا حصر له من العلاقات الأخرى القائمة والممكنة أو المحتملة، وكلها ذات محتوى جدلي، التي تنتظم وفقها العلاقات الاجتماعية وعلاقات الإنتاج هي جوهر الاجتماع البشري وماهيته. وكل ظاهرة تاريخية تنطوي على شبكة العلاقات التي ولدتها وتغدو نسقاً لتوليد علاقات فرعية تحمل خصوصيتها وجزئيتها التي هي ذاتها مناط عموميتها وانتمائها إلى الكل، إلى الجملة الحية الجدلية، ولعل أهم ما تجدر ملاحظته هنا في علاقة الدولة بالمجتمع هو أن الخاص (الدولة) هو عام أيضاً لأنه التجسيد العياني للعام أعني للفاعلية السياسية بما هي فاعلية اجتماعية، مجتمعية على الرغم من طابعها الفردي والحزبي.

وليست التنظيمات والأحزاب والأحلاف في التاريخ البشري ظاهرة حديثة ولا ظاهرة طارئة وعابرة، وإن كانت تبدو لنا اليوم مرافقة للديمقراطية، بل هي تعبير عياني عن إمكانات صيرورة التنظيم الاجتماعي ديمقراطياً. لذلك يجب وضع مقولة الحزب تحت مقولة التنظيم بوصفه ضرورة يجب أن توعى، وتحت مقولة السياسة بوصفها الشيء العام لكي نحرر الحزب من التضاد أو التناقض بين الشكل والمضمون أولاً، وببين الجزئية والكلية ثانياً، فما لم توعَ جزئية الحزب وجزئية الفئة التي يمثلها، وروابطه الواقعية وروابطها بالكلية الاجتماعية يصير الحزب نسقاً لإنتاج التوتاليتارية والاستبداد. وإن أحد أهم شروط التطور الديمقراطي هو وعي الطابع الجزئي وعلاقته بالكلية الاجتماعية. وإن التعددية السياسية مؤسسة واقعياً وعيانياً في تعددية الوجود الاجتماعي وتعددية تمثيلاته الثقافية والأيديولوجية.

هكذا نفهم رؤية ماركس، والماركسية، للديمقراطية على أنها وحدة العام والخاص الجدلية وحدة الشكل والمضمون والعشوائية والانتظام والحرية والضرورة. ففي الديمقراطية تكون الدولة بصفتها شكلاً خاصاً لوجود المجتمع والشعب عنصراً خاصاً فقط، وبصفتها شيئاً عاماً مشتركاً بين الأفراد والفئات والطبقات والنقابات والأحزاب..الخ تكون شيئاً عاماً فعلاً ذلك لأنه ليس لها من مضمون آخر محدد أو معيَّن خلافاً لمضمونها الواقعي الذي هو المجتمع والشعب. أي إنها شيء خاص بدلالة الشكل وشيء عام بدلالة المضمون وبدلالة وظائفها الاجتماعية / الإنسانية.

وتتعين الدولة بصفتيها: الحقوقية والسياسية. وصفتها الحقوقية هي جوانيتها أو صفتها منظوراً إليها من داخلها. وصفتها السياسية خارجية أي منظوراً إليها من الخارج. فالدولة السياسية إزاء الدول الأخرى هي الدولة القومية أو الأمّوية (الدولة - الأمة) وإزاء شعبها أو مجتمعها هي دولة الحق والقانون. ولنقل إن الحق هو مضمون القانون ومحتواه والحقوق كلها: الحقوق المدنية والسياسية الدستورية والاقتصادية ..الخ تندرج تحت مقولة الحق التي تنفك دوماً إلى مقولتين: الحق الخاص الشخصي والحق العام ولاحق بلا  قانون.

عند ماركس، يمكن أن يكون شكل الدولة ملكياً مطلقاً أو ملكياً دستورياً أو جمهورياً أو ..الخ  وهذه الأشكال جميعها باستثناء الدولة الديمقراطية هي أشكال الدولة السياسية التي ليست بعد الدولة المادية لأنها لا تزال تناقضاً في ذاتها. أبرز مظاهر هذا التناقض، وأهم مضامينه أن سلطة الدولة، في ظل الملكية الخاصة، هي بالأحرى سلطة الملكية الخاصة، أي سلطة المالكين على غير المالكين، وهؤلاء الأخيرون هم المنتجون.

يتساءل ماركس:"فيم تتلخص سلطة الدولة السياسية على الملكية الخاصة؟ (ويجيب في سلطة الملكية الخاصة بالذات. في جوهرها الذي دفع إلى حد الوجود (أي اغتراب العامل عن منتوج عمله وعن عملية الإنتاج). وماذا يبقى للدولة على نقيض هذا الجوهر؟ يبقى الوهم الزاعم أن هذه الدولة تحطم إرادة العائلة والمجتمع، ولكنها لا تفعل ذلك إلا لكي توفر الوجود لإرادة الملكية الخاصة التي لا تخضع للعائلة والمجتمع، ولكي تعتبر هذا الوجود الأخلاقي الأسمى للدولة السياسية .أعتقد أن مفهوم الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج، ومن ثم لنتاجات العمل الاجتماعي وللثروة المادية هو مفهوم ديمقراطي بامتياز، إذا أدركنا أن ماركس لم يقل بإلغاء الملكية على الإطلاق، بل بنفي الملكية الخاصة أو حذفها، وإذا استوعبنا درس التجارب الاشتراكية المحققة التي جعلت ما يفترض أنه ملكية اجتماعية ملكية الدولة السياسية، بل ملكية ما هو دون الدولة السياسية كما أسلفنا أي دولة الحزب الواحد أو الحزب القائد، ومن ثم جعلتها ملكية لا أحد؛ فأنتجت الفساد والإفساد. ومن البديهي أن الدولة ليست شخصاً طبيعياً كي تملك. وكل ملكية لشخص اعتباري أو رمزي هي نزع ملكية لأفراد طبيعيين ونزع الملكية هو نزع الحق والحرية. ومن ثم فإن جدل الملكية الخاصة التي ظهرت إلى الوجود، بحكم التاريخ، أي بوصفها ضرورية، والملكية الاجتماعية العامة التي تفترضها الملكية الخاصة نفسها ضرورة تاريخية، هو أيضاً جدل الحرية والضرورة. ولم يكن بوسع ماركس ، ولم يفلح من جاء بعده من ماركسيين في وضع أسس واقعية عقلانية للاقتصاد السياسي الاشتراكي ومن ثم الشيوعي باستثناء الأفكار العامة التي تضمنها تصور ماركس المستقبلي. ويبدو أن هذه المسالة لا تزال على جدول أعمال التاريخ تحددها الصيرورة التاريخية أكثر مما تحددها التصورات . هل ما تزال الآلام التي أنتجتها الملكية الخاصة غير كافية للإيذان بحذفها؟‍ الله أعلم

ربما كان مفهوم المشاركة السياسية الفعلية في الدولة أحد المداخل لحل المعضلة الآنفة الذكر فالمشاركة السياسية الفعلية التي تفترضها عضوية الفرد في المجتمع المدني، ومن ثم في الدولة هي السبيل لتحويل الدولة السياسية إلى دولة ديمقراطية. إذ ماذا تعني العضوية سوى المشاركة والمسؤولية. في الدولة السياسية القائمة حولنا والمفترضة عندنا تعبر السلطة التشريعية عن حضور المجتمع في الدولة ، فالدولة لا توجد بادئ الأمر إلا بوصفها دولة سياسية، وإن كلية الدولة السياسية ( أو عموميتها أو كونها شيئاً عاماً) هي السلطة التشريعية. ولهذا – كما يقول ماركس- يعني الاشتراك في السلطة التشريعية الاشتراك في الدولة السياسية. يعني أن المرء يبدي ويحقق وجوده بوصفه عضو الدولة السياسية، بوصفه عضو الدولة. ومن هنا ينجم أن رغبة الجميع كلاً بمفرده، في الاشتراك في السلطة التشريعية ليس سوى رغبة الجميع في أن يكونوا أعضاء للدولة فعليين (نشطاء)، رغبة بلوغ الوجود السياسي أو أن يبدوا وجودهم بوصفه وجوداً سياسياً ويثبتوه بنشاط. ثم رأينا أن العنصر المراتبي هو المجتمع المدني بوصفه السلطة التشريعية هو وجوده السياسي. ( أي إن السلطة التشريعية هي التعبير العياني عن الوجود السياسي للمجتمع، أو هكذا ينبغي أن تكون ) . ومن هنا ينجم أن سعي المجتمع المدني إلى التغلغل في السلطة التشريعية بكل كتلته، كلياً قدر الإمكان، سعي المجتمع المدني الفعلي إلى وضع نفسه في مكان المجتمع المدني الوهمي للسلطة التشريعية، ليس سوى سعي المجتمع المدني إلى بلوغ الوجود السياسي، أو إلى جعل الوجود السياسي وجوده الفعلي.

إن سعي المجتمع المدني إلى التحول إلى مجتمع سياسي أو سعيه إلى جعل المجتمع السياسي مجتمعاً فعلياً، يتجلى بوصفه سعيه إلى الاشتراك بصورة أعم قدر الإمكان في السلطة التشريعية" (ماركس - إنجلز- حول الدولة- مصدر سابق صـ65)

إزاء هذا النص المبني وفق طريقة ماركس الجدلية لا بد من ملاحظة ما يلي:

آ ـ لا توجد الدولة إلا بوصفها دولة سياسية، ولكن حقيقتها هي الدولة المادية، وهي تناقض في ذاتها ما لم تعترف بأساسها الفعلي، أي بالعائلة والمجتمع. وإن حل التناقض ليس حذف أحد حديه لذلك فإن السلطة التشريعية في الدولة هي تعبير كليتها وعموميتها أي تعبير عن حضور المجتمع المدني فيها. لكن السلطة التشريعية لا تزال بعد تعبيراً وهمياً عن حضور المجتمع المدني فيها.

ج ـ  لكي يصبح هذا الحضور فعلياً لا بد من المشاركة الفعلية كلياً قدر الإمكان وهنا تطرح مسألة التمثيل الحقيقي للكلية  الاجتماعية.

د ـ  إن جميع "أعضاء الدولة" يميلون إلى أن يكونوا أعضاءها فعلاً، وأن كلاً منهم يرغب في بلوغ وجوده السياسي الفعلي، أي أن يكون مشاركاً نشطاً حراً ومسؤولاً. أي إنهم يرغبون في توكيد وجودهم السياسي أو جعل وجودهم الاجتماعي سياسياً وجعل وجودهم السياسي وجودهم الفعلي.

هـ ـ سعي المجتمع كله قدر الإمكان إلى التغلغل في السلطة التشريعية هو سعيه إلى إحلال وجوده الفعلي الحقيقي محل وجوده الوهمي الذي تدّعيه الدولة السياسية، المحدَّدة بالملكية الخاصة. إذ لا تزال طبقة أو فئة اجتماعية بعينها تدّعي لنفسها صفة الكلية الاجتماعية، صفة تمثيل الشعب والأمة والنيابة عنهما. وهو جذر الاستبداد فالاستبداد في نهاية التحليل هو إحلال الخاص محل العام والجزء محل الكل وإلغاء العام والكلي من دون أن يدري هذا الجزء الخاص أنه بذلك يلغي ذاته فإلغاء العام هو إلغاء الخاص وهنا تكمن أسباب الانفجارات الاجتماعية وحروب التدمير الذاتي.

و ـ  في سعيه إلى إحلال وجوده الفعلي محل وجوده الوهمي يسعى المجتمع المدني إلى بلوغ وجوده السياسي العام والكلي أو جعل وجوده السياسي وجوده الفعلي. أي يسعى إلى التحوّل إلى مجتمع سياسي أو جعل المجتمع السياسي مجتمعاً فعلياً.

المدخل إلى ذلك هو التمثيل، مع اخذ العدد بالحسبان. التمثيل الذي محتواه جعل السلطة التشريعية تنبع من المجتمع المدني وتكون هي وظيفته السياسية بالمعنى الواسع للكلمة. والتمثيل يفترض الانتخاب. "والانتخابات هي علاقة المجتمع المدني المباشرة، الصريحة التي ليست تمثيلية وحسب، بل موجودة فعلاً، بالدولة السياسية. ولهذا من المفهوم بديهياً أن تشكل الانتخابات مصلحة سياسية في غاية الأهمية للمجتمع المدني الفعلي. وفي الحق الانتخابي غير المحدود النشيط والهامد ارتفع المجتمع المدني فعلاً للمرة الأولى إلى التجرد من نفسه بالذات، إلى الوجود السياسي بوصفه وجوده الحقيقي العام الجوهري. ولكن السير بهذا التجريد إلى النهاية في الوقت نفسه هو إلغاء له. إن المجتمع المدني إذ أكد وجوده السياسي بوصفه وجوده الحقيقي، إنما جعل، بالتالي، من وجوده المدني، فيما يميزه عن الوجود السياسي، غير جوهري، وبسقوط أحد العنصرين المفصول أحدهما عن الآخر يسقط نقيضه. ومن هنا ينجم أن الإصلاح الانتخابي يمثل في إطار الدولة السياسية المجردة إلغاء هذه الدولة، ولكن مع مطلب إلغاء المجتمع المدني" (المصدر نفسه صـ68-69)

يبدو لنا بوضوح أن ماركس يضع مسألة الديمقراطية في مجرى الصيرورة التاريخية ويبين ضرورة نفي المجتمع المدني جدلياً أي تحوله، مع كل ثروة التطور المحرز، بل بفضل هذا التطور ذاته إلى مجتمع مؤنسن تكف الدولة فيه عن كونها شكلاً سياسياً مخارجاً أو معار ضاً لمضمونها فتتحول هي الأخرى إلى دولة مادية. ومثلما لم يتصور ماركس إلغاء الملكية، بل تغيير شكلها فحسب أي تحويلها من ملكية خاصة إلى ملكية اجتماعية، فإنه هنا لا يتصور إلغاء الدولة بما هي شيء عام فعلياً وموضوعياً وشكل خاص ذاتياً، إذ لابد من تحديدات ذاتية للوجود الاجتماعي المتعين أو للكينونة الاجتماعية. ولعله واضح هنا ارتباط إلغاء الدولة السياسية بإلغاء الملكية الخاصة التي هي عماد المجتمع المدني وحقيقته الفعلية المقنّعة بالوجود الوهمي للإنسان الموضوعي أي للمجتمع. إن ماركس لا ينشد أكثر من إحلال الوجود الواقعي للمجتمع محل وجوده الوهمي، وإطلاق سيرورة تاريخ الإنسان.

ولا أعتقد أن ماركس يغلق بذلك دائرة الديالكتيك أو أنه يضع نهاية للتاريخ، بل لهذا التاريخ الذي لا يزال حتى اليوم تاريخ اغتراب الإنسان. وآية ذلك انه يفترض أن عوامل نمو المجتمع المدني وتحوله جدلياً إلى مجتمع إنساني أو إلى إنسانية اجتماعية إنما تتولد من داخله بفعل تناقضاته أو تعارضاته الملازمة. وكذلك عوامل نمو الدولة السياسية الشكلية وتحولها إلى دولة مادية مع توكيد مفهوم الدولة. المجتمع المدني ليس نهاية التاريخ وليس هدف التاريخ وغايته وكذلك الدولة السياسية، الدولة القومية. الديالكتيك البادئ بالعلاقة الأولية البسيطة علاقة الإنسان بالعالم أو الذات بالموضوع لا يمكن أن يتوقف إلا بحذف أحد الحدين الجدليين النوع البشري أو العالم، وهو افتراض لم يغب عن بال إنجلز الذي قال ما معناه: حتى لو افترضنا فناء النوع البشري لسبب من الأسباب فإن الطبيعة ستعيد إنتاج ذاتها الواعية ربما في مكان غير هذا الكوكب. وليس لهذه "الطبيعة الواعية ذاتها من اسم آخر سوى الإنسان.

هل يستقيم بعد هذا العرض الناقص بالطبع، السؤال عن علاقة الماركسية بالديمقراطية أو عن علاقة الاشتراكية بالديمقراطية في منظومة ماركس الفكرية؟ وهل يصح أن نسمي هذه العلاقة علاقة تجاور ومصالحة؟

قد يعترض كثيرون من القائلين بالفصل والقطيعة بين الأيديولوجيا والعلم في الماركسية، أو بين ماركس الشاب الأيديولوجي الملوث بهيغل وفويرباخ وباللاهوت… وماركس الناضج في "رأس المال"، ووجه اعتراضهم أن ما عرضته هنا مأخوذ ومؤول من ماركس الشاب.

أجل إن الأمر كذلك. فقد اعتمد هذا العرض، باستثناء اقتباس بسيط من رأس المال، على نقد ماركس لفلسفة الحق عند هيغل بصورة أساسية وهو نص مبتور في الترجمة العربية، ويعاني من مشكلات الترجمة المعروفة، وقد قمت في مواضع كثيرة بالقراءة والتأويل بقدر ما أتاح لي علمي الناقص ومعرفتي المحدودة. وحسبي من ذلك كله أن ينفتح حوار جاد في هذا الموضوع ولا سيما في مسألة الديمقراطية التي أخشى أن تتحول إلى راية وشعار.