مدخـــل

 

تصطدم مقاربتنا لمفهوم المجتمع المدني الذي سنصفه مراراً بمنظومة الحاجات، كما وصفه هيغل، وبميدان التاريخ، كما وصفه ماركس، بلغة السياسة التي كانت ولا تزال أقرب إلى المجاز أو "البيان"، ولا سيما حين تتحدث هذه اللغة عن "مجتمع عربي" أو عن "مجتمع عربي اشتراكي موحد"، وعن "شعب عربي" في عدة دول، وعن أمة عربية واحدة "ذات رسالة خالدة"، من دون أن تقيم أي حد مفهومي بين المجتمع والشعب والأمة؛ وتأنف من الحديث عن مجتمعات عربية أو شعوب عربية. ولا نريد أن نقلل من أهمية هذه المشكلة سواء في جانبها النظري، أو في جانبها السياسي، أو في جانبها القانوني، إذ ارتبط مفهوم المجتمع المدني تاريخياً بمفهوم الأمة وبمفهوم الدولة القومية؛ فلا يكفي أن نصف لغة السياسة، أو الخطاب السياسي القومي بالتقليدوية أو الرومانسية فنحل المشكلة التي نجمت في الواقع عن التجزئة القومية الحديثة التي كانت ولا تزال تعبيراً عن اتجاهات الرأسمالية وتناقضاتها، وعن نمو العنصر الإمبريالي طرداً مع توسع الرأسمالية على الصعيد العالمي. فهذا الخطاب خلاصة موضوعية ونتيجة منطقية للأوضاع العربية التي كان العامل الخارجي ولا يزال حاسماً في تشكيلها. ولكم كان ياسين الحافظ محقاً حين عرف التجزئة القومية الحديثة بأنها "محصلة الأوضاع الإمبريالية والتأخر التاريخي" للأمة العربية. فقد كانت لغة السياسة، ولا تزال، محكومة بنوع من التوتر والتنابذ بين الواقع والهدف، واقع الدول القطرية المرسملة والتابعة، والمصطنعة أيضاَ، وهدف الوحدة العربية وبناء الدولة القومية، فضلاً عن كونه استجابة شعورية، أو رد فعل شعورياً على تحديات الخارج وانتهاكاته المذلة. فهل يسوغ استعمال مفهوم المجتمع المدني على الصعيد القطري الذي عينته الأوضاع الإمبريالية والتأخر التاريخي، أم ترانا مضطرين للمجازفة باستعمال مفهوم المجتمع المدني معادلاً واقعياَ لمفهوم الأمة وأساساً لمفهوم الدولة القومية، وهذه وتلك لا تزالان في دائرة الممكن والمحتمل؟ وهل بوسع بومة منيرفا أن تطير إلا في الظلام؟

التجزئة القومية "الحديثة" ونقص الاندماج القومي والاجتماعي، في كل دولة على حدة، حقيقتان متلازمتان تشرط كل منهما الأخرى، وتغذيها وتتغذى منها، و إلا لكانت دولة العشيرة ودولة الطائفة ودولة الطغمة، وكلها تنويعات على الدولة الاستبدادية أو الشمولية ذات السحنة المملوكية العثمانية، شيئاً من الماضي. في ظل هذه الأوضاع، وبقدر ما يكون هذا التشخيص قريباً من الواقع، يكتسب مفهوم المجتمع المدني معنى مناهضاً للاستبداد والشمولية، جناحاه النخبة الثقافية والسياسية المستنيرة، الإنسانوية والعقلانية والعلمانية والديموقراطية، من جهة، والكتلة "الأمية" من جهة أخرى.

جميع الذين تحدثوا عن "التباس مفهوم المجتمع المدني" وعن الصعوبات المعرفية التي يطرحها على الذهن العربي، لم يتطرقوا إلى هذه المشكلة التي ستظل تلوب ونلوب معها بحثاً عن حل ممكن أو محتمل. وربما كان على القارئ أن يبذل جهداً إضافياً لتسقط الآثار السلبية لعجز الكاتب عن حل هذا الإشكال ذي الأهمية الاستثنائية. وإذا كنا قد اقترحنا مفهوم الدولة الوطنية صيغةَ توسطٍ جدلي بين الدولة القطرية المرسملة والتابعة القائمة بالفعل والدولة القومية الممكنة التي لا نجرؤ على وصفها بعد بأي صفة، فإن هذا الاقتراح أو الافتراض النظري قد يكون نوعاً من محايلات العقل، أو نوعاً مخففاً من "هذيان الهدف" وتطلب الرغبة التي كانت تؤثم فكرة المجتمعات العربية والشعوب العربية، ولا ترى في الدولة القطرية القائمة بالفعل سوى عرض زائل عما قريب. حقاً إن أوضاع الدول العربية القائمة تنتج مفاهيم مثيرة للجدل في مجال دراسة المجتمع المدني والدولة وحكم القانون. ولقد كانت محاولات تعرف الواقع العربي وتلمس ممكناته واتجاهات تطوره محكومة بثوابت أيديولوجية، قومية وإسلامية واشتراكية، سوى استثناءات نادرة لا تزال على هامش الفكر السياسي العربي. ولا يزال الخطاب السياسي مقيداً بهذه الثوابت، ويعيد إنتاجها، ويشيح عن أي محاولة لنقدها، إن لم يرمها بالكفر والخيانة.

من زاوية علم الاجتماع الخالص، يمكن الحديث عن مجتمعات في دولة واحدة، كالمجتمعات البدوية والمجتمعات الريفية ومجتمعات المدن .. إلخ، ولكن لا يمكن الحديث عن شعوب في دولة واحدة. فما أن نتحدث عن شعب وشعوب حتى نغادر علم الاجتماع الخالص إلى علم الاجتماع السياسي، وإلى علم السياسة.

سنترك المسألة معلقة بانتظار ما سيأتي به البحث في مقاربات علم الاجتماع وعلم الاجتماع السياسي وعلم السياسة وعلم القانون الدستوري وعلم الاقتصاد السياسي واجتماعيات الثقافة وعلم الإناسة ( الأنتروبولوجيا)، فضلاً عن مقاربات الفلسفة أو الفكر النظري لمفهوم المجتمع المدني وتتمته المنطقية، الدولة الوطنية / القومية.

وإذا كان الفلاسفة وعلماء الاجتماع السياسي متفقين على ما بات يسمى نظرية العقد الاجتماعي أساساً لنشوء المجتمع المدني والدولة القومية الحديثة، فإن علماء القانون الدستوري يرون في الدستور تجسيداً لفكرة العقد الاجتماعي؛ فإن "نص الدستور هو خلاصة لإثبات حقوق المواطنين ولطرق ممارسة السلطة بوساطتهم أو بوساطة ممثليهم" فالدستور هو القانون الأسمى في تنظيم المجتمع، يحدد أسس الدولة وحدودها. ومبادئ الدستور تتضمن دراسة للظواهر السياسية وللنظام السياسي لأي مجتمع[1]. هذا المدخل القانوني لا يقل أهمية عن المدخل السوسيولوجي أو عن المدخل الاقتصادي أو غيرهما من المداخل الممكنة، ولكننا نميل إلى المدخل الفلسفي انطلاقاً من تقليد قديم يرى أن الفلسفة هي أم العلوم. ولكن من حق البحث علينا أن نشير إلى المداخل الأخرى؛ من دون أن تفوتنا الإشارة إلى الطابع الوضعاني لهذه المداخل، وهو مما يعزز ميلنا إلى المدخل الفلسفي. "فقد أدت النزعة الوضعية الضيقة للحقوقيين إلى دراسة الظواهر السياسية حول الدولة وقواعد القانون وإغفال أو إنكار كل الجوانب الأخرى التي تركت لعلماء الاجتماع والفلاسفة. بيد أن هذا المفهوم سرعان ما اكتشف نقائصه، وخاصة عندما لم تعد الدولة التي يتحدث عنها الحقوقيون تتناسب مع واقعها الفعلي داخل المجتمع. وتجدر الإشارة إلى أن النظريات الدستورية الكبرى قد وضعت قبل أزمة 1929. وإذا كان العيش في وهم النظام الليبرالي ممكناً قبل الحرب العالمية الأولى فقد أصبح مستحيلاً بعد الثلاثينات تجاهل الحقيقة باسم الحديث النظري". فثمة داخل الدولة أحزاب ونقابات وجماعات ضاغطة، وغدت دراسة وسائل الاتصال وسبر الرأي العام ضرورية لفهم الانتخابات والتخطيط السياسي؛ فتحت القانون هناك الواقع. وقد يكون نظام الأحزاب هو السائد داخل "اللعبة لسياسية" الدستورية، ولكن الكلمة الأخيرة هي للبنية الاجتماعية التي تنظم ترابط الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي. وصار الأمر أكثر وضوحاً بعد تجارب الدول حديثة الاستقلال التي يدل إخفاقها على الهوة القائمة بين القانون الدستوري والواقع السياسي[2]، بوصفه المحصلة النهائية لفاعلية المجتمع المعني، أو بوصفه تجريداً للبنية الاجتماعية المتعينة في المكان والزمان، في كليتها وشمولها.

يتنازع علم السياسة اليوم اتجاهان أساسيان: يرى أحدهما فيه وسيلة لمعرفة الدولة، بما هي جملة كلية أو وحدة عينية من الأرض والشعب والسلطة السياسية أو النظام العام، ويرى فيه الآخر علماً للسلطة ووسيلة لدراسة آليات عملها بوصفها إدارة عامة. فالدولة، بحسب الاتجاه الثاني، لم تعد تحتكر ممارسة السلطة؛ إذ ينتج المجتمع تنظيمات تحتية في إطار الدولة تولد ظواهر سلطة، وتولد من ثم رؤية جديدة لماهية الدولة التي يغدو من الصعب فهمها من دون معرفة تنظيماتها. هذا الاتجاه الثاني الذي أسس له ميشيل فوكو بتوسيع مفهوم السلطة، يرى أن السلطة ليست بنية ولا مؤسسة، وليست ممارسة لقدرة ما منحت للبعض، بل هي "الاسم المستعار لوضع استراتيجي معقد داخل مجتمع معين .. إن السلطة موجودة في كل مكان، وهذا لا يعني أنها تبتلع كل شيء، بل يعني أنها تأتي من كل شيء"[3]. ففي اللحظة التي يفكر فيها في السلطة على طريقة الحقوقيين نصل إلى تفجير حقيقي ينطلق من نقطة مركزية (الدستور أو الحكومة) ليمتد داخل قنوات عدة في جسم المجتمع (الإدارة / الإدارات الخاصة).

ولعل رؤية فوكو أقرب إلى مفهوم المجتمع المدني حين نضعها تحت مقولة الديالكتيك، أي جدل الخاص والعام. فالسلطة تنبع حقاً من كل شيء؛ من سلطة الأب إلى سلطة الكاهن إلى سلطة الحاكم، من سلطة القوة إلى سلطة المعرفة إلى سلطة المال وسلطة الملكية الخاصة، ومن سلطة المؤسسات والتنظيمات الاجتماعية على أعضائها إلى سلطة الدولة .. وهكذا إلى بقية السلطات. ولكن جميع هذه السلطات مجتمعة أو مأخوذة كلاً على حدة ليست بعد سلطة سياسية، وجمعها الحسابي لا يؤلف دولة سياسية أو سلطة دولة. وبالمقابل فإن جميع البنى والتنظيمات التي تتوفر على قوة السلطة ليست بعد مجتمعاً مدنياً. لأن النظام الذي تعمل بموجبه أي من هذه السلطات ليس نظاماً عاماً. فالمجتمع المدني والدولة السياسية في أحد أهم معانيهما انتقال من الخاص إلى العام الذي ليس له من وجود فعلي إلا في الخاص، انتقال من الجزئية إلى الكلية التي لا تتعين واقعياً إلا في الأجزاء. المجتمع المدني كالدولة السياسية كلاهما تجريد العمومية؛ وبهذا المعنى نتحدث عن القانون بصفته العامة والمجردة، ونرى فيه ماهية الدولة السياسية. وفي ضوء هذا التصور أيضاً نحاول إعادة تعريف السياسة.

 إن أحد أسباب إخفاق الدول حديثة الاستقلال يكمن في صعوبة الانتقال من الجزئية إلى الكلية، ومن العرف إلى القانون، أي من الجماعات المغلقة والمتحاجزة إلى المجتمع المدني. ذلكم هو الواقع الذي يقبع تحت القانون الصوري، فضلاً عن التعارضات الاجتماعية وما تولده من استقطابات وتنظيمات. لنقل إن الفارق النوعي بين "المجتمع الأهلي" والمجتمع المدني يكمن هنا، ويمكن أن نلخصه بالفارق النوعي بين العرف والقانون. 

ثمة مداخل منهجية مختلفة لدراسة المجتمع المدني، أحدثها، بعد البنيوية، الوظيفية (المدخل الوظيفي) والنظمية (المدخل المنظومي) وهو أحدثها وأكثرها شيوعاً في أيامنا. فالنزعة الوظيفية تعلن "أن مختلف العناصر الاجتماعية لنظام ما تقوم بوظيفة ضرورية للإبقاء على النظام. وبعد ترتيبها لعناصر النظام السياسي يقتصر تفسيرها للعلم السياسي على تبيان الوظائف الظاهرية والكامنة التي توفرها تلك العناصر، كالأحزاب واللجان البرلمانية والصحف وغيرها؛ فلا يفسر المجتمع السياسي إلا على قاعدة تنسيق هذه الوظائف"[4]. "أما النزعة النُظُمية أو المنظومية التي ولدت في الولايات المتحدة فتشدد على الدور الخاص للمجتمعات في تشكيل مجموعة منظمة، أو تشكيل نظام، أي مجموعة من الأدوات والعلاقات فيما بين هذه الأدوات. إلا أن غرابة الأبحاث المتعلقة بالوظيفية وخاصة تلك التي قام بها إستون Easton مثلاً فتكمن في الاهتمام برصد كيفية إعادة إنتاج النظام لنفسه وكيفية استمراره وتنظيم ذاته. وذلك باستجابته للمطالب عبر قرارات تطمئنه وترسخه .. ومن المؤكد أن قادة الدولة (الحكومة مثلاً) يحققون بالملموس تلك "العلبة السوداء" للوظيفيين حيث يتلقى الحكام مطالب الشعب ويتخذون القرارات[5]. الوظيفية وا لمنظومية كلتاهما تحيلان على نوع من "يد خفية" تتولى أمر تنظيم المجتمع، كتلك اليد الخفية التي تقوم بتنظيم "اقتصاد السوق" عند آدم سميث وعند الليبراليين الجدد.

المنهج الوحيد الذي بوسعه أن يكشف النقاب عن هذه اليد الخفية هو الديالكتيك بوصفه منطق الصيرورة التاريخية، حين تكون مقدماته هي منجزات الوضعية الإيجابية ومعطيات الخبرة العملية. بخلاف سائر الطرائق والمداخل الوضعية الإيجابية، لا يكتفي الديالكتيك بدراسة المجتمع بما هو عليه فقط، بل يتجاوز ذلك إلى ما يمكن أن يصير عليه اتساقاً مع واقع المجتمعات الفعلي وتطورها التاريخي.

الوظيفية التي تكتفي بوصف الظواهر الاجتماعية وتعيين الوظيفة أو الوظائف التي يقوم بها كل عنصر من عناصر الظاهرة المعنية في النظام الاجتماعي، لا تستطيع تفسير الظاهرة ولا تستطيع من ثم الإحاطة بكلية المجتمع وعوامل نموه وتطوره. "فغياب البحث السببي هو الذي يجعل التحليل الوظيفي محدوداً، وخاصة في عصرنا الراهن حيث يكثر الاختلال الوظيفي والانقسام الاجتماعي اللذان يتفوقان على براعة النظام. ومن أعظم ثغرات المنهج الوظيفي أيديولوجيته، فعندما يكتفي علم الاجتماع بالحديث عن كيفية سير نظام ما فإنه لا يستطيع مواجهة الانقسامات والتقلبات التي قد تصيب النظام، فهو يبدو كأيديولوجية مساندة لهذا النظام"[6].

ويطبق هذا النقد أيضاً على المنهج النظامي أيضاً الذي يصعب تطبيقه بدقة بسبب لغته المطلقة والعامة. والوظيفية رغم رواجها الكبير في الآونة الأخيرة لم تثمر إلا القليل من الأعمال المشجعة. فهي لم تكشف أموراً جديدة. فاعتبار المطالب مدخلات (inputs) متساوية من قبل التجمعات (ولا يفتقر تعبير التجمعات أيضاً إلى مفارقات) يعني إلغاء كل الصراعات داخل النظام الاجتماعي الذي يتحول إلى مجرد موزع للقرارات أو المخرجات (outputs). ولا يبدو الإعلان بأن النظام السياسي هو أداة بسيطة أو آلة عادية تحول الانفعالات الاجتماعية إلى قرارات وممارسات سياسية ابتداعاً للنظامية، بل إشارة إلى تبسيطها المفرط والباطل على المستوى النظري. وفيما يخص الشحنة الأيديولوجية للنظامية فلا يبدو أننا في حاجة إلى الكثير لفهمها، فهي تعطي الأولوية في بحثها السوسيولوجي لاستمرارية الأنظمة وقدرتها على إدارة ذاتها (أي إلغاء تأثير التناقضات الداخلية)، وليست هذه المقولة بالتأكيد دليل حياد النظامية"[7].

لا يسعنا الركون إلى الحيادية المزعومة للبنيوية وغيرها من المناهج الوضعية الحديثة،  بحكم الفارق المعروف بين الأفكار في ذاتها والأفكار حين تندرج في أنساق وخطابات أيديولوجية، فجميع نتائج العلوم الوضعية تندرج في أنساق معرفية وأيديولوجية مختلفة ومتخالفة اختلاف القوى الاجتماعية وتخالف مصالحها، ولا ينبغي استبعاد تأثير هذه المصالح في المناهج ذاتها.

المجتمع المدني، مجتمع الإنتاج والطبقات الاجتماعية والحاجات وميدان الأنانية والتنافس، هو الواقع العياني، أما الدولة التي تمثل المصلحة العامة أو المصلحة الجماعية فهي تجريد العمومية التي هي ماهية الأفراد والجماعات والطبقات أو الفئات الاجتماعية، وهي من ثم الاستلاب السياسي لهذه الماهية. وبهذا المعنى يمكن أن تصير الدولة "سماء الشعب"، بحسب تعبير كارل ماركس. وإذا كان لا يمكن رد المجتمع إلى أي عنصر غير اجتماعي، فإن العنصر الاجتماعي الأكثر جذرية والذي ينطوي على سائر العناصر الأخرى بالفعل وبالقوة هو العمل. والفارق النوعي بين عمل الإنسان وعمل الطبيعة أو عمل الحيوان هو كونه اجتماعياً، فمقولة العمل، بصفته الاجتماعية، تقبع في أساس مقولة الإنتاج الاجتماعي، إنتاج الثروة المادية والروحية على السواء، وإنتاج العلاقات والبنى والتنظيمات الاجتماعية والسياسية، ولا سيما الدولة، سماء الشعب.

إرجاع الاجتماع البشري إلى العمل، وإرجاع مفهوم المجتمع إلى مفهوم العمل هو المدخل الذي نقترحه لتأسيس مفهوم المجتمع المدني وتتبع مراحل تطوره وتلمس الفروق بين مختلف تعييناته في العالم وفي التاريخ، وتصنيف المجتمعات بحسب نمو العمل، لا بحسب تعاقب أنماط الإنتاج، كما يقترح الكثيرون. وفق هذا المفهوم، يمكن تصنيف المجتمعات إلى مجتمعات زراعية ومجتمعات صناعية ومجتمعات ما بعد صناعية، إذا غضضنا النظر عن "مجتمعات" الرعي والصيد والالتقاط، وقد وضعناها بين حاصرتين لأن كلاً منها أقرب إلى مفهوم الجماعة منه إلى مفهوم المجتمع. ولا يتعارض هذا التصنيف مع التصنيفات التي ترد المجتمع إلى الإنتاج، لكنه يحاول الابتعاد عن ذلك التسلسل المثير للجدل لأنماط الإنتاج، ولا سيما التصنيف الستاليني الشهير. ولما كان العمل يتضمن مادة العمل (عناصر الطبيعة) وأدوات العمل (الآلات والمكائن) وأساليب العمل أو طرائقه ونتائج العمل وأهدافه وغاياته، فإنه يتضمن الفكر بالضرورة، فلا عمل بلا فكر، ولا فكر بلا عمل، وتبدو عبارة الفكر هنا قاصرة عن المعنى الذي يتضمنه العمل والذي أميل إلى التعبير عنه بعبارة الروح التي تبدو لي أكثر اتساقاً مع مفهوم العمل الذي يحمل في أحشائه جميع قوى الإنتاج، ما عرف منها وما سوف يعرف في المستقبل. فالعمل الذي امتاز به الإنسان من الحيوان هو الوساطة التي بها يتموضع الروح الإنساني في العالم وفي التاريخ، حتى يغدو بوسعنا أن نعرف الإنسان بأنه عالم الإنسان (المجتمع والدولة)، ويغدو بوسعنا تعريف المجتمع بأنه الإنسان مموضعاً، كما عرفه ماركس. العمل أبو التاريخ البشري، والطبيعة أمه. ولعل عبقرية ماركس تكمن في إرجاع مفهوم القيمة، ونضيف: وجميع القيم، إلى العمل.

افتراض العمل أساساً لنشوء المجتمع ثم المجتمع المدني والدولة السياسية يتضمن بالضرورة مفهوم التعارضات الاجتماعية أو الصراع الطبقي، ولكن على نحو مختلف عن الصيغة التي عممتها "الماركسية السوفييتية"؛ لذلك أميل إلى مفهوم التعارضات الاجتماعية بدلاً من مفهوم الصراع الطبقي، انطلاقاً من واقعة اختلاف الأفراد والجماعات والفئات أو الطبقات الاجتماعية واختلاف مصالحهم ومصالحها اختلافات لا حد لها، وكل اختلاف هو فرق وحد يضع تعارضاً، لذلك نتحدث عن تعارضات اجتماعية مختلفة ومتفاوتة الشدة تحيلنا على مبدأ المجموعات الرياضي الذي يقبع في أساس التنظيم الاجتماعي أو التنظيمات الاجتماعية الحرة التشكلية المفتوحة على المستقبل. فهل ثمة مضمون اجتماعي (طبقي) للدولة، وإلى أي حد يتفق هذا المضمون الطبقي الخاص والجزئي مع عمومية الدولة وكليتها؟

ليس للدولة بوصفها تجريد العمومية أي مضمون طبقي خاص أو جزئي، وإلا لكفت عن كونها دولة بالمعنى الحديث للكلمة. بيد أن الطابع الطبقي الذي ينسب للدولة هو طابع سلطتها السياسية فحسب، وما من شك في أن هذه السلطة السياسية تطبع الدولة بطابعها إلى هذا الحد أو ذاك، بحسب ما تكون عليه علاقاتها مع بقية فئات المجتمع المعني. فالبورجوازية الأوربية "وجدت في الدولة الشكل المناسب لسيطرتها السياسية، ولهذا اهتمت كطبقة صاعدة في القرن السادس عشر بالدستور والمؤسسات الرسمية"[8]. ولا سيما أن مفهوم الدولة الحديثة ارتبط منذ نشوئه بمفهوم المجتمع المدني على الصعيد الاجتماعي، وبمفهوم الأمة على الصعيد الثقافي، وبمفهوم الشعب على الصعيد السياسي، وإنه لضرب من العبث نفي علاقة التسبب بين الدولة والأمة، ولكنه من العبث أيضاً وضعهما في علاقة كعلاقة الدجاجة والبيضة، ما دام لا بيضة بلا دجاجة ولا دجاجة بلا بيضة. ولعل ما يعزز الميل إلى إرجاع المجتمع المدني والدولة إلى العمل والإنتاج الاجتماعي هو قابلية العمل والإنتاج للقياس والتحقق الإمبريقي، مما يسمح بوضع معايير علمية للحكم على درجة تطور المجتمع المعني. إن هوية مجتمع ما هو ما ينتجه على الصعيدين المادي والروحي.

ولكن كيف يستقيم أن تمثل الدولة تجريداً لعمومية المجتمع المعني في الوقت الذي تمثل فيه سلطتها السياسية مصالح طبقة اجتماعية بعينها، أي كيف يستقيم أن تكون الدولة عامة وكلية وسلطتها السياسية خاصة وجزئية؟ وهل بوسع الخاص والجزئي أن يطبع العام والكلي بطابعه من دون أن يكون فيه عنصر عمومية وكلية، أم إن عمومية الدولة هي التي تطبع السلطة السياسية (الحكومة) بطابعها، فتجعل منها شيئاً عاماً؟ وأين تكمن بالضبط عمومية الدولة؟ سنترك الإجابة عن بعض هذه التساؤلات لكارل ماركس من دون أن نقوله ما لم يقل: يقول ماركس: "إن كل طبقة جديدة تحتل مكان طبقة كانت سائدة قبلها مضطرة، ولو لمجرد تحقيق أهدافها، إلى تمثيل مصلحتها على أنها المصلحة المشتركة لجميع أعضاء المجتمع؛ يعني أنه ينبغي لها، إذا شئنا أن نعبر عن ذلك على صعيد الأفكار، أن تعطي أفكارها شكل العمومية، وأن تمثلها على أنها الأفكار الوحيدة العقلانية، الأفكار الوحيدة الصالحة بصورة شاملة، إن الطبقة الثورية تمثل منذ البداية، لمجرد أنها تعارض طبقة أخرى، ليس على أنها طبقة، بل على أنها ممثلة المجتمع بأسره؛ إنها تتجلى على أنها الكتلة الكاملة للمجتمع في مواجهة الطبقة السائدة، وأنها تستطيع أن تفعل ذلك، بادئ ذي بدء، لأن مصلحتها أوثق ارتباطاً بعد بصورة فعلية بالمصلحة المشتركة لجميع الطبقات غير السائدة الأخرى، وذلك لأن تلك المصلحة لم تسنح لها الفرصة بعد، تحت ضغط الأوضاع القائمة، حتى ذلك الحين، كي تتطور على أنها المصلحة الخاصة لطبقة خاصة؛ وبالتالي فإن انتصارها يعود بالمنفعة أيضاً على أفراد كثيرين من الطبقات الأخرى التي لا تتوصل إلى السيطرة، لكن بقدر ما تجعل هؤلاء الأفراد في مركز يمكنهم من الانتساب إلى الطبقة السائدة"[9].

ليس بوسع أي طبقة أن تهيمن ثقافياً وتسيطر سياسياً من دون أن تتسنم ذروة من ذرى المشروعية التي هي التعبير العملي عن العمومية، وهو ما يجعل جميع الفئات الاجتماعية الأخرى تعترف للطبقة المهيمنة ثقافياً والمسيطرة سياسياً بأنها تمثل المجتمع كله، ولذلك كانت الطبقات الاجتماعية القديمة في حاجة ماسة إلى الدين بوصفه ذروة من ذرى المشروعية العليا. وتحت هذه القشرة المثالية يقبع الاحتياج المتبادل بين الأفراد والجماعات والفئات الاجتماعية. ومنذ بدايات الثورة البورجوازية التي نجمت عن تحول نوعي في بنية العمل البشري صار الاحتياج المتبادل أكثر قوة ووثوقاً، وأكثر شفافية، بقدر ما كانت المجتمعات تتخطى الحدود المحلية، وبقدر ما كانت الجماعات تخرج من عزلتها وتودع انغلاقها على ذاتها إلى غير رجعة. ولذلك وصف هيغل المجتمع المدني بأنه مجتمع الحاجات: حاجة البورجوازية إلى الطبقة العاملة التي لم تكن تقل عن حاجة الطبقة العاملة إليها، وحاجتهما معاً إلى الفئات الوسطى في المدن والأرياف، وحاجة هذه الفئات الوسطى إليهما؛ وأجنة العمومية لا تنمو إلا في تربة الاحتياج المتبادل.

يذهب ميشال مياي الذي نحاوره في هذا المدخل إلى أن الدولة هي التي رسمت حدود الأمة شيئاً فشيئاً، وأن انتشار الدولة يسير بموازاة إرساء علاقات النموذج الرأسمالي، ومن ثم فإننا لا نستطيع البحث في الدولة كشيء مختلف عن النظام الرأسمالي وخارج عنه، بل إن الدولة هي النظام الرأسمالي ذاته. وأن تحليل السلطة يجب ألا يسلم بسيادة الدولة وشكل القانون والوحدة الشاملة للسيطرة، فهذه جميعاً ليست سوى أشكال السلطة النهائية، كما يقول فوكو[10]. ولعل هذا الرأي كان محكوماً بفكرة "تحطيم الدولة" الذي يعني " تحطيم كل ما يسمح للدولة بالعمل،  وبإعادة إنتاج نفسها، وبالتالي إعادة إنتاج المجتمع البورجوازي". ونعتقد أن هذا الرأي محكوم قبل ذلك باختزال الدولة إلى أداة قهر طبقية، كما وصفها ماركس.

أطروحة أنماط الإنتاج

تنتسب أطروحة أنماط الإنتاج، أو تنسب نفسها إلى الماركسية، وتفترض "التجرد من ذاتية المجتمعات والباحثين"، ويدعي القائلون بها أنها تشير إلى طبيعة النظام الرأسمالي ومبدئه؛ "فمقابل كل نمط إنتاج هنالك نموذج دولة". إذاً، كل نمط من أنماط الإنتاج يقابله نموذج من نماذج الدولة وشكل من أشكالها. يقول ميشال ميان: "من الواضح أن يكون لنمط واحد للدولة، قائم على نمط إنتاج معين، أشكال مختلفة سنسميها أشكال الدولة. قد تكون الأشكال المتعددة التي تظهر طبيعة الدولة الخاصة متحركة، لكنها لا تدخل أي تعديل على طبيعة أو جوهر هذه الدولة، فيما يستخدم عادة الإيجاز التاريخي لتفسير تعدد الأشكال كنتيجة لتطور الدولة. لذا يميل الكثيرون إلى التبيان بأن الشكل الاستبدادي يسبق الشكل الليبرالي في الدولة المدنية. إلا أننا لن نبالي بهذا الجانب، إذ طالما عانى تصور الأشكال الاشتراكية من هذا التسلسل الأفقي الذي لن نأخذ به بعد اليوم. أما شكل الدولة بالنسبة لنا فسيعني الحركة الخاصة داخل نموذج معين لمختلف مؤسسات الدولة وممارساتها. وذلك دون أن تتلاحق مختلف الأشكال ضمن ترتيب ثابت. فإذا كان صحيحاً مثلاً أن شكل الدولة الإقطاعية (نموذج الدولة السابقة للرأسمالية) قد سبقت شكل الدولة الاستبدادية في أوربة الغربية (نموذج الدولة الرأسمالية) فإنه يصح أيضاً افتقاد هذا التراتب في مجتمعات أخرى، آسيوية مثلاً ... فقد كان لكل من بريطانيا وفرنسا أشكال حكم مختلفة، رغم تمتعهما بشكل مشترك للدولة البرلمانية. ولا يمكننا تفسير هذه الفروقات إلا بعد معرفة التاريخ السياسي الخاص بكلا هذين المجتمعين[11].

بنى مياي فرضيته على مصادرة تقول: "ليست الرأسمالية الممر الضروري لكل المجتمعات، فظهور المجتمعات الرأسمالية ولد معطيات دولية تسود فيها العلاقات الرأسمالية الإمبريالية، وبقيت بعض المجتمعات مؤقتاً خارج هذه الحركة، وقاومت الأخرى التغلغل الرأسمالي، أما المجتمعات الباقية فقد عرفت ظاهرياُ المرحلة الرأسمالية لتصل مباشرة إلى مرحلة ما بعد الرأسمالية[12]. ولا يخفى الطابع الأيديولوجي، الذاتي، لهذه المصادرة التي تتجاهل الطابع العالمي لنمط الإنتاج الرأسمالي، منذ بواكيره الأولى، أعني التراكم الأولي لراس المال الذي لم يكن في يوم من الأيام سوى علاقة اجتماعية وعلاقات بين الأمم والشعوب والدول. فلم تكن الرأسمالية الصناعية لتنشأ، ولم يكن للعمل البشري أن يتحول ذلك التحول النوعي لولا الرأسمالية التجارية (الميركنتيلية) والتجارة بعيدة المدى بالضروريات. فما كان للرأسمالية أن تنشأ وتنمو وتزدهر إلا في بيئة عالمية، وهذا ما آلت إليه بالفعل. وحسبنا أن نقول: إن المجتمع الحديث والدولة الحديثة والفكر الحديث نشأت كلها في كنف الثورة البرجوازية ونمط الإنتاج الرأسمالي العالمي، وإن الفروق والاختلافات بين أشكال الدول وأنظمة الحكم إنما تعود إلى مستوى نمو العمل والإنتاج الاجتماعي في كل مجتمع على حدة، في ظل التطور غير المتكافئ على الصعيد العالمي. لذلك لا يمكن القول: إن كل نمط من أنماط الإنتاج يقابله نموذج من نماذج الدولة وشكل من أشكالها. ونعتقد أن كل ما قيل عن نمط الإنتاج الآسيوي، وعن المدينة الدولة، وعن الإمبراطوريات القديمة صار في حاجة إلى إعادة نظر جذرية في ضوء تقدم العلوم والمعارف والكشوف الآثارية، ولم يعد حجة للباحث بل حجة عليه.

هناك روابط ضرورية بين مستوى تطور العمل والإنتاج الاجتماعي من جهة، والعلاقات بين الطبقات أو الفئات أو المراتب الاجتماعية من جهة أخرى. هذه الروابط لا تسمح بافتراض أن نموذج الدولة الاستبدادية مقترن بنمط الإنتاج الآسيوي، ونموذج الدولة / المدينة والنموذج الإمبراطوري مرتبطان بنمط الإنتاج العبودي ونظام الرق، ونموذج الدولة الليبرالية مرتبط بنمط الإنتاج الرأسمالي. يضاف إلى ذلك أن مفهوم الدولة لا يقوم ولا يستقيم بغير مفهومي العمومية والكلية، وبغير مفهوم القانون بصفته العامة والمجردة، ومن ثم فإنه من قبيل المجاز فقط أن نطلق على أنظمة الحكم في المجتمعات ما قبل الرأسمالية صفة الدولة.

يعرف مياي نفسه النظام الإقطاعي بأنه "شكل سياسي ناف للدولة، مع أنه طور سابق لها"[13]؛ مما يؤكد أن نمو العمل وتحوله النوعي إلى عمل صناعي قوامه العلم والتقانة هو العامل الرئيس في نشوء المجتمع المدني والدولة السياسية الحديثة، على أشلاء النظام الإقطاعي، نظام التضامن الشخصي، لا الإقليمي، الذي كان يقوم على نوع من لا مركزية إدارية تربط بين مراكز التقرير علاقات التبعية والولاء الشخصي التي تغدو معها الأرض مكافأة ينالها التابع من متبوعه لقاء التزامات معينة تنص عليها وثيقة الإقطاع وقسم الولاء. ومن ثم فإن المجتمع الإقطاعي لم يكن يعرف السياسة بوصفها مجموعة من المسؤوليات والالتزامات ملقاة على عاتق مواطن حر هو عضو في المجتمع وعضو في الدولة السياسية. فالمجال السياسي، ولا سيما مجال السلطة لم يكن مستقلاُ لا عن مجال الملكية ولا عن مجال الدين الذي كان يطبع سائر الممارسات الاجتماعية والسياسية بطابعه. فلم يكن ثمة مجال عام مشترك بين الأفراد والجماعات والفئات أو المراتب الاجتماعية، بل مجالات خاصة متنافرة ومتحاجزة يكتفي كل منها بذاته. فالسيد الإقطاعي هو شخص خاص وشخص عام في الوقت ذاته تتحدد علاقاته بتابعيه وبمتبوعه بالعرف والعادة والتقليد. المجتمع الإقطاعي يقوم على الامتيازات والحقوق الخاصة لا على القانون والحقوق العامة. لذلك يمكن القول إن نشوء الدولة الحديثة اقترن باستقلال الحياة الاجتماعية ونشوء حقل اجتماعي عام يستوعب حرية الفرد ويعترف بحقوقه بعض النظر عن أصله وفصله ونسبه وحسبه وثروته، وبغض النظر عن سائر تحديداته الذاتية الأخرى. لذلك صار القانون العام ضرورياً لتنظيم الحياة الاجتماعية، فالأعراف والعادات والتقاليد الخاصة بهذه الجماعة أو تلك لم تعد تصلح لتنظيم الحياة الاجتماعية لجماعات مختلفة وحدها العمل وراحت تتحدد بصفات غير تلك التي كانت تحدد الجماعات المغلقة، نشير هنا إلى الأهمية الحاسمة للإصلاح الديني في نشوء المجتمع الحديث والدولة الحديثة.

المجتمع الحديث والدولة الحديثة

لم تستعمل كلمة دولة في اللغة الفرنسية إلا في مرحلة إرساء أسس الحكم المطلق، أي في القرن السادس عشر"[14]، فيما تعممت ابتداء من القرن السابع عشر. ويعود أصل الكلمة إلى اللاتينية ( status استاتوس)، وتعني الإبقاء، أي الوضع الثابت، ثم تحولت إلى استات، أي وضع شيء أو شخص، ولم تأخذ معنى المؤسسة السياسية الشاملة (بدل الجمهورية التي كانت تستعمل قبل ذلك) إلا ابتداء من القرن السادس عشر. وقد ظهرت في الوثائق الرسمية نحو سنة 1540 م[15]. ومع دخول مصطلح الدولة في الاستعمال "أخذ بعد جديد بالظهور مع تحرر السياسة من العلاقات الدينية والعائلية والشخصية. إن تحديد التفاوت بين المجتمع المدني (أي مجتمع الأعمال والطبقات) والمجتمع السياسي (المصلحة العامة) بقي تحديداُ "تفكير" الدولة كمؤسسة خاصة بالحياة السياسية، و "فوق" الأفراد، بمن فيهم الملك شخصياً الذي يعتبر الخادم الأول للدولة. كذلك أصبح الأفراد أحراراً ومتساوين أمام الشبكة التجارية، أي متحرربن من كل صلة وتضامن سابق، ولا تجمعهم سوى نقطة واحدة: الدولة. وفيما تبدو الدولة متسامية عن التقسيمات الطبقية، فإنها تعبر عن وحدة النظام الاجتماعي، أي المواطنين السياسيين. إن الفصل بين الرجل والمواطن يجد ترجمته العملية في الفصل بين المجتمع المدني والدولة. وليست الدولة متجاوزة لمصير الأفراد فحسب، بل عليها نفي الفروقات المحلية بتقديم نفسها على أنها وطنية، فالدولة الوطنية لا تلائم الوحدات المنغلقة الإقطاعية، بل تتناسب مع مجتمع مبني على الصناعة والتبادل والتجارة. والواقع أن الدولة المرتفعة عن الطبقات والانقسامات هي التجسيد القانوني للأمة، ذلك الكائن الأخلاقي الممثل لأفراد المملكة القدماء"[16]. "ولم تكن حركة الوحدة هذه ممكنة التحقيق لولا بناء أسس آلة إدارية مركزية استثمرتها البرجوازية الصاعدة وخبرت بها الدولة، كما يقول ألييس في كتابه دور الإقليم في تكوين الدولة الوطنية". ويضيف: "وسيتحول جهاز سلطة الدولة إلى دولة حديثة عندما تتخصص بعض هيئاته بوظائف معينة. ورغم أن الدولة المطلقة لا تفصل بين السلطات، فهي تبدأ تدريجياُ بالتمييز بين الوظائف المختلفة، خاصة في المجال الإداري والقضائي والقانوني والتشريعي (مع أن القانون لم يكن يسن بعد، بل يكتسب كعرف)، وهكذا تتخذ قمم الدولة شكل المركز العصبي الذي يحصر مختلف شبكات الإعلام والتقرير والسلطات التي عجز المجتمع الإقطاعي عن السيطرة عليها"[17]. بيد أن مفهوم الدولة بوصفها شيئاً عاماً (جمهورية)، أو تجريداً للعمومية احتاج إلى وقت طويل حتى تبلور في صيغة الدولة الليبرالية ذات الطابع البرجوازي الخالص، ولم يتحقق ذلك إلا بعد استقلال المجتمع السياسي عن المجتمع المدني، أي بعد تمايز مجالات الحياة الاجتماعية واستقلال كل منها استقلالاً نسبياً.

تثير فكرة انفصال المجتمع السياسي عن المجتمع المدني، أي انفصال الدولة عن المجتمع المدني، التباساً في الذهن الذي لا يرى أن كل انفصال هو اتصال، أو كل فصل هو وصل. ونعتقد أن استقلال مجالات الحياة الاجتماعية هو النتيجة الواقعية لتقسيم العمل الاجتماعي، فإن تقسيم العمل هو كلمة السر التي تفسر انفصال المجتمع المدني عن الدولة، وفصل السلطات داخل الدولة ذاتها. إن انفصال الدولة عن المجتمع المدني هو استقلال الدولة وانفصالها عن المصالح الطبقية أو الفئوية أو المحلوية، أو حيادها إزاءها، وحيادها إزاء الدين وإزاء المذاهب الفكرية والنظريات السياسية. ولذلك افترضنا أنه ليس للدولة مضمون طبقي أو طابع طبقي سوى ذلك الذي يلابس سلطتها السياسية ويلازمها. ومن ثم، فإن انفصال الدولة عن المجتمع هو الذي يمكنها من أن تكون أداة لتنظيم التعارضات الاجتماعية والصراعات الطبقية وإدارتها. وليس تداول السلطة سوى تعبير عن هذه الوظيفة التي تحكم جميع وظائفها الأخرى وتحددها. " إن فصل لدولة عن المجتمع المدني يعني نزع الصفة الوراثية التي حملتها السلطة السياسية طوال العهود الإقطاعية، حيث أسهم كل من نظام القرابة والتضامن الإقليمي (المحلي) في تحويل السلطة إلى جزء من ميراث بعض الأفراد. ومنذ قيام الدولة الليبرالية صارت السلطة ملكاً للجميع، وصار من حق أي مواطن أن يكون رئيساً للجمهورية إذا توافرت له الشروط اللازمة لشغل هذا المنصب.

انفصال الدولة عن المجتمع المدني أو استقلالها عنه ليس انفصالاً ميكانيكياً، ولا استقلالاً مطلقاً، بل هو بالأحرى ما يجعل من الدولة والمجتمع المدني قطبين جدليين في وحدة تناقضية تسمح بتحول كل منهما إلى الآخر، بتوسط الانتخابات التي بوساطتها يحكم الشعب نفسه بنفسه ويشرع لنفسه، ويرى فيها كل مواطن مصلحة عملية، وتوكيداً فعلياً لعضويته في الدولة، إذ يغدو حاكماً ومحكوماً في الوقت ذاته. فمفهوم الانتخابات وفق هذه الرؤية يرادف مفهوم المشاركة السياسية، ومفهوم المواطنة. وهي فوق ذلك الوسيلة التي بها تحصل السلطة السياسية على المشروعية التي تؤهلها للحكم بموافقة الناخبين أو يموافقة الشعب، مصدر المشروعية الوحيد. ولا تستمد الانتخابات قيمتها من كونها مباشرة وسرية ونزيهة تجري بإشراف قضاء مستقل فحسب، بل من مستوى الحريات العامة التي يتمتع بها المواطنون، ومن القوانين التي تنظم الحياة العامة، ولا سيما الحياة السياسية. فالانتخابات نوع من ممارسة جماعية يتنافس فيها الأفراد والأحزاب وجماعات المصالح الخاصة، وجماعات الضغط. وبممارستها مرة تلو مرة تتبلور التعارضات الاجتماعية ويتحول بعضها إلى جدل يرقى بالممارسة الاجتماعية والسياسية، ويرقى بالتشريعات والقوانين



[1] - ميشال ميال، مصدر سابق، ص 8 و 9

[2] - المصدر نفسه، ص 10

[3] - عن ميشال ميال، مصدر سابق، ص 12

[4] - ميشال ميان، مصدر سابق، ص 13

[5] - المصدر نفسه، ص 13

[6] - المصدر السابق، ص 16

[7] - المصدر نفسه، ص 16

 [8] -  المصدر السابق، ص 20

[9] - كارل ماركس وفريدريك إنغلز، الأيديولوجية الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب، دار دمشق، دمشق، بلا تاريخ نشر، ص 57-58

[10] = راجع المصدر السابق، ص 21

[11] - المصدر السابق، ص 31-32

[12] - المصدر نفسه، ص 33

[13] - المصدر نفسه، ص 57

[14]  - المصدر السابق، ص 81

[15]  - عن المصدر السابق، ص 81

[16]  - المصدر نفسه، ص 82

[17]  - عن ميشال مياي، مصدر سابق، ص 62