حـوار العمـرأحاديث مع الياس مرقص

 

·        حوار العمر/ أحاديث مع الياس مرقص

·        أجراها وحررها: جاد الكريم الجباعي.

·        الطبعة الأولى 1999

·        جميع الحقوق محفوظة.

·        الناشر دار حوران للطباعة والنشر والتوزيع.

·        دمشق ـ أشرفية صحنايا ـ هاتف 6713076

·         ص.ب 32105

حوار العمر

 

أحاديث مع الياس مرقص

أجراها وحررها: جاد الكريم الجباعي
مقدمة المحرر

في الأسبوع الأخير من عام 1990 حملتُ عطشي وقلقي وقصدت الياس مرقص في اللاذقية. يومذاك كانت نذر العدوان الأمريكي على العراق تلوح في الأفق القريب، بل كان العدوان وشيكاً، والأمة تكاد لا تبدي حراكاً. وبات الخوف على المصير خوفاً على الوجود، وكان الله حاضراً في بؤرة خوفنا حضوراً سلبياً، نرجوه أن يدرأ الشر أو يخفف البلاء. ومع تعاظم الخوف كانت تتعاظم أوهام "مادية" عن الأسلحة غير التقليدية والجيوش الجرارة و"النهضة العلمية ـ التقنية" التي ستعيد للأمة أمجادها. كان الواقع في حاجة إلى الأوهام فانبرى بعض المثقفين ومعظم الإعلاميين إلى تخدير الشعب بإضافة أوهامهم إلى أوهامه. وأكثر من أي وقت مضى انجلى واقع أن أمتنا أمتان: أمة القصر وأمة القبر.

وفي ذلك الحين أيضاً كان الاتحاد السوفييتي يترنح، بل كان يعيش أيامه الأخيرة، بعد أن تتالت الانهيالات في شرقي أوروبا مقوضة ما كان يسمى منظومة الدول الاشتراكية، والمعسكر الاشتراكي وحلف وارسو، ومع كل انهيار كانت تتهاوى سمعة الاشتراكية والماركسية، وراحت هذه وتلك تنسحبان إلى هوامش الحياة الثقافية والسياسية بعد أن كانتا في مركزهما، وتخليان المجال لليبرالية الجديدة أيديولوجية النظام العالمي الجديد الذي بلغ تمامه مع انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة. ولعل الجديد حقاً في هذا النظام العالمي الذي طبعته الولايات المتحدة الأمريكية بطابعها، أنه "نظام" بلا عدالة وبلا حرية وبلا مساواة، أي إنه نكوص عن الأهداف التي رفعتها الثورة الفرنسية خاصة والثورة الديمقراطية البورجوازية بوجه عام، ونكوص الرأسمالية نفسها إلى أسوأ ما في تاريخها بعد أن أعادت الولايات المتحدة إنتاجها على صورتها ومثالها بعد الحرب العالمية الثانية، ولهذا السبب، ولأسباب أخرى أهمها هيمنة رأس المال المالي على الإنتاج وعلى مقدرات الدول والشعوب، بات معظم الباحثين والمحللين يسمونها الرأسمالية المتوحشة.

وفي ذلك الحين، كان اليسار العربي، ولا سيما الأحزاب الشيوعية التي ربطت نفسها بالاتحاد السوفييتي وصاغت برامجها بدلالة سياساته وتصوراته عن العالم، يعاني ارتباكاً وحرجاً شديدين، فقد انتقلت إليه عدوى إعادة البناء (البيريسترويكا) والعلانية والشفافية (الغلاسنوست) والمراجعة، وغدت الديمقراطية عنده بلسماً للجراح وحلاً سحرياً لجميع المعضلات والمشكلات. ولم يكن يدري، وهو يرفع شعار الديمقراطية وراية الديمقراطية، أن أيديولوجيته تتفسخ وتنهار، فنمت في أوساطه ميول توفيقية كان من شأنها طمس الفروق والاختلافات والحدود، فغلبت السديمية والاختلاط على "الفكر" والسياسة. وتكاثر نقاد الاشتراكية والماركسية وتجاسر عليهما المتجاسرون وافترى عليهما المفترون والشامتون. حتى بعض "القادة الصناديد" ممن اكتملت علومهم الاشتراكية ومعارفهم الماركسية تحولوا بلا خجل إلى وضعانيين يسحرهم التخصص، ميدان المعارف الجزئية واليقين الحسي، وإلى ليبراليين جدد يتخذون من الولايات المتحدة الأمريكية أنموذجاً للتقدم والديمقراطية وحقوق الإنسان. ومن الثورة العلمية التكنولوجية أداة أيديولوجية "لنقد" التخلف الاشتراكي. وغدت الماركسية عندهم أيديولوجية شمولية استبدادية وإرهابية ومسؤولة عن جميع القباحات التي ارتكبها أمثالهم في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي السابق.

كان (نقص المبدأ) يظهر جلياً في أوساط اليسار، إلى جانب نقص الثقافة ونقص الفكر، ولا غرو فقد تحول الفكر إلى أيديولوجيا والثقافة إلى إعلام، حتى ليكاد المرء يطلق على النصف الثاني من القرن العشرين في الوطن العربي، اسم "عصر الأيديولوجيا". حتى العلم الوضعي الإيجابي حولته "الحركة الثورية" إلى أدوات أيديولوجية تعزز اليقين الدوغمائي الحسي، والشلف التأويلي اللذين يسمان الأيديولوجية التقليدية. وقد اقتصرت وظيفة الإعلام، أو كادت تقتصر، على تعميم الأيديولوجية والدفاع عنها، وتأويل المعارف والوقائع والحقائق العلمية وتحويرها حتى تتوافق مع الأيديولوجية وتزودها بعناصر "عصرية" و"حديثة".

يومذاك حملتُ عطشي وقلقي وأسئلتي وقصدت الياس مرقص المفكر والمعلم والصديق، ولعله يحلو لي أن أصفه بالمعلم والصديق، فقد كان كذلك في نظري منذ تعرفت به عام 1970. وكان يعاني يومها مرضاً عضالاً، كنا قلة من أصدقائه نعرف أنه ذلك المرض (السرطان)، فاستقبلني بحفاوته المعتادة وأريحيته التي تجعلك تشعر أنك في بيتك، وسأل عن جميع الأصدقاء منوهاً بما يمتاز به كل منهم وذاكراً ما اختلف معه فيه على نحو يوحي بأنه يرغب في مواصلة الحوار. كانت الأسئلة تملأ رأسي، وقد عزمت على تسجيل كل كلمة يقولها، لكنني كنت في حرج شديد من طلب التسجيل خشية أن يوحي له طلبي بما أشفق منه، فترددت في ذلك طوال يومنا الأول، وحين أفصحت له عن رغبتي جعلتني استجابته الطيبة أندم على التأخير.

أما لماذا قصدته في ذلك الوقت العصيب، فلأنني كنت أعتقد ولا أزال، أنه واحد من الذين يتوفرون على صدق المبدأ وحرية الضمير واستقلال الوجدان، واحد من الذين يؤمنون بأن الحقيقة مبدأ وهدف ومسعى، وأنها أي الحقيقة فوقهم وأمامهم، وأنها في متناول كل من في وسعه أن يجاهد نفسه الجهاد الأكبر، جهاد المعرفة. وأنها ليست مقصورة على الحكماء بل تقف في الساحة عارية وتقول: هذه أنا. ولأنني، في الحقيقة، كنت محتاجاً إلى بوصلة ودليل، فقد كان في داخلي شيء أكثر من الشك أريد أن أضع له حداً يقف به عند حدود الشك. ولذلك، ربما، أردت أن تكون هذه الأحاديث لي أولاً، فالنفس أمارة بالسوء ومفطورة على حب الذات، فقد سمعتها مراراً وأعملت النظر فيها وأدعي أنني تعلمت منها، ولم تخطر لي فكرة نشرها إلا في وقت متأخر. ثم تداولها بعض الأصدقاء ولم تزل على أشرطة الكاسيت، فقلما اجتمعت لي كاملة لأقوم بتفريغها.

استغرقت هذه الأحاديث بضعة أيام، وملأ ما سجل منها عشرة أشرطة مدها خمة عشر ساعة. قام الصديق المهندس عبد الباسط حمودة بتفريغها مشكوراً، وتوخى في ذلك الدقة والأمانة، على عادته، ثم أعدت تحريرها وصوغها مراعياً دقة المفاهيم والمقولات في السياقات التي اندرجت فيها، مستنداً في ذلك على ثقة قد لا تكون حقيقية، أو قد لا تكون كافية، بأنني أفهم لغة الياس وأحسن تقدير ما يرمي إليه، فأنا مسؤول عن كل ما يمكن أن يبدو مخالفاً النص المسجل على أشرطة الكاسيت، ومسؤول كذلك عن حذف ما حذفته عمداً مما يتخلل الحديث المرسل من تكرار حيناً، وخطرات لا يخل حذفها، كما أظن، بسياق الحديث حيناً آخر. ولم أشأ أن أرتبها بحسب الأيام على نحو ما فعله أبو حيان التوحيدي في "الإمتاع والمؤانسة" لأنها ليست للإمتاع ولا للمؤانسة، حتى وإن كان الإمتاع إمتاعاً للعقل والمؤانسة مؤانسة للنفس، بل لإثارة القلق وشحذ الفكر. فقسمتها فصولاً، ووضعت لكل فصل عنواناً رئيساً وعناوين فرعية لا أدعي أنها استغرقت ما جاء تحتها، ولطالما كنت متردداً في ذلك أخشى أن يكون هذا التقسيم تقطيعاً لأوصال الحديث وإساءة للنص. أما الهوامش والحواشي فهي من وضعي ولا أدري إلى أي حد يراها القارئ ضرورية أو مفيدة.

أما لماذا تركزت أسئلتي على هذه المسائل دون غيرها، فلأنها كانت ولا تزال تشغلني وتقلقني. ولأن بعض الذين قرؤوا نصوص الياس مرقص أو استمعوا إلى أحاديثه، بعد أن تحول من النقد في سبيل التأسيس، إلى التأسيس، أي من النفي إلى نفي النفي، توهموا أن الياس تراجع عن الماركسية وبات يكثر من الحديث عن الروح، ومن إطراء الدين ومن التنويه بالليبرالية والديمقراطية، في حين كنت أرى أنه يعيد الإنسان إلى مركز العالم على نحو ما فعل كانط وفيخته وهيغل وفويرباخ وماركس وغيرهم في الغرب، وأنه أول مفكر عربي في عصرنا يضع الإنسان العربي في مركز العالم العربي، ويضع يده على الروح الإنساني في الثقافة بما فيها الدين، ويتألم لضمور هذا الروح الإنساني في العالم العربي الراهن وفي الثقافة العربية المعاصرة. كان الإنسان هو المعيار الذي قاس به الثورة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي وفي الصين وفيتنام، و"الثورات" أو الثورانات العربية من المغرب الأقصى إلى اليمن والعراق.

إلا أن مركزية الإنسان لم تكن تعني عنده "تقديس" الإنسان ومثلنته، بل كان يراه دوماً كائناً معوزاً ومحتاجاً، حاملاً للخير والشر بحسب التربية وقابلاً للتحسن باطراد، وقابلاً كذلك للتراجع والنكوص في زمان ومكان محددين، وأن التاريخ في جملته هو تاريخ تحسنه وتقدمه، ومع ذلك فهو أي الإنسان مقياس جميع القيم ومعيار التقدم. وإن الإنسان ابن التاريخ.. وأبوه، ناتج ينتج نفسه في التاريخ وفي العالم، وينتج عالمه ولا سيما المجتمع والدولة. وأن الإنسان يتعين في الأفراد الواقعيين وعالمهم هو المجتمعات الراهنة والدول القائمة التي يغلب أن تكون استلاباً لفاعليتهم ومظهر اغترابهم عن ناتج عملهم وعن ذواتهم. الإنسان عنده خطّاء ولأنه كذلك فهو قابل للتحسن. فقد أخذ مقولة النفس الأمارة بالسوء ومقابلها مقولة الجهاد الأكبر، وهما مقولتان دينيتان، إسلاميتان وجعلهما فلسفيتين، من دون أي حرج من قبيل الحرج الذي يمليه التمذهب. هاتان المقولتان عنده ضاربتان كما كان يصف المقولات الأساسية الخالدة. وكذلك أخذ مقولة الله أكبر ومقولة الله أعلم وجعلهما مقولتين فلسفيتين وسياسيتين وجعلهما أساساً لفكرة المساواة مع الاختلاف والتفاوت والتراتب. فالمساواة لا تلغي الاختلاف والتفاوت والتراتب، والواقع دوماً هو واقع عدم المساواة الذي يضع المساواة هدفاً وغاية تسعى البشرية إليهما. والمساواة في راهننا دوماً مساواة في كذا وعدم مساواة في غيره، مساواة في الحقوق وليس في الثروة ولا في السلطة ولا في القوة. مساواة أمام القانون وليس في الموقع الاجتماعي أو في المنبت الاجتماعي.. المساواة تنمو فتشمل ميادين جديدة وعدم المساواة يتقلص والعكس ممكن دوماً. هذا يخلصنا من سحر الكلمات. بين المساواة وعدم المساواة تعارض مقيم هو التعارض بين الوجود والعدم. عدم المساواة يضع المساوة، والتماثل يضع الاختلاف، اللاقانونية تضع القانون، عشوائية الصغائر تؤدي إلى انتظامية الكبائر. هناك قانون عام وهناك عشوائية بالتلازم، هناك ضرورة وهناك مصادفة واحتمال...

لقد حرص الياس على استعادة الجذر الروحي للماركسية شرطاً لاندماجها في الفكر العربي، وتقليصاً إن لم أقل نفياً لطابعها الأوروبي الغربي وبرانيتها. فأعاد الاعتبار لجدلية القهر أو جدلية الظلم الضرورية على صعيد الفكر والمعرفة، على صعيد الوجدان والضمير، وعلى صعيد العمل من أجل عالم يتقلص فيه القهر والظلم باطراد. لذلك لم يكن يحب كلمة الصراع ومقولة صراع الأضداد، بل كان يميل إلى استعمال التعارض والتقابل بدلاً منهما، وعنده التعارض ملازم للكينونة الاجتماعية وعامل تقدمها وارتقائها. امتعاضه من كلمة الصراع ومقولة صراع الأضداد تعبير عن كرهه للحرب والعنف، وتطلعه إلى نفي الحرب "خارج المدينة"، خارج المجتمع وخارج علاقة المجتمع بالدولة وخارج علاقة الشعب بالسلطة، وخارج علاقة المعارضة بالسلطة. نفي الحرب خارج المدينة واستبدال السياسة بها، نفي الحرب من الحياة السياسية العربية، هذا كان نَفَسُه. السياسة عنده شأن عام، شيء مشترك بين جميع الأفراد والفئات الاجتماعية والأحزاب السياسية والتيارات الأيديولوجية على اختلافها، والقانون تسوية وتوافق. لقد كان ضد الحرب على اختلاف أشكالها: الحرب التي يشترك فيها عدة أطراف (الحرب الأهلية خاصة) والحرب بين طرفين والحرب التي من طرف واحد (حرب الدولة على المجتمع والسلطة على الشعب) ضد الحرب ومع السياسة. وفي اعتقادي أن الحرب ليست استمراراً للسياسة بوسائل أخرى كما زعم كلاوزوفتس، بل هي نكوص إلى الوحشية، إلى حالة ما دون السياسة وما دون المدنيّة.

باستعادة الجذر الروحي الإنساني، للماركسية، ونفي طابعها البراني يمكن أن نصير ديمقراطيين يتمثلون الإنجاز الليبرالي البورجوازي العظيم، من دون ذلك يظل كل منا يريد الديمقراطية لنفسه دون سواه. ويظل الآخر هو الشر الذي لا بد من استئصاله، من دون ذلك نظل نعيد إنتاج عالم القصر مقابل عالم القبر باسم الديمقراطية ذاتها، وباسم الدفاع عن الديمقراطية، وتظل تسحرنا مقولة الجيش الذي يحمي الديمقراطية ويحمي الثورة من الشعب.

باستعادة الجذر الروحي الإنساني للماركسية نصير قادرين على الخروج من أسر الثنوية المانوية التعادمية، ثنوية الخير والشر والظلمة والنور والمادية والمثالية، ونتمكن من اكتشاف أخوَّة ماركس وهيغل وأفلاطون وديمقريط وابن رشد وابن عربي والحلاج، ونستطيع أن نتعلم أن التعارض لا يعني التخارج بل العكس، وأن لتاريخ الفكر إيقاعاً جدلياً، ديالكتيكياً هو التوكيد والنفي ونفي النفي، هذا معنى وحدة التاريخ العالمي ووحدة تاريخ الفكر وإلا فنحن إزاء عوالم وتواريخ وخصوصيات جوهرية وسرمدية. ماركس مثلاً وصف هيغل بالعدو ووصفه بالعبقري العظيم، وكان في شبابه قد رفض مذهب هيغل وتبنى منهجه شأن رصفائه من الهيغليين الشبان.

الدين والفلسفة حقلان أو مجالان أو ميدانان مختلفان وغير متخارجين، وكذلك الدين والسياسة. من يقول بتخارج الدين والسياسة يجعل السياسة ديناً والدين سياسة. هكذا عقيدة الجماعات الدينية المتطرفة. وهذا أقرب إلى الإلحاد الديني. تخارج الدين والسياسة يعني تخارج الدين والدنيا. فصل الدين عن السياسة وعن الدنيا، عند الياس مرقص، هو فصل من أجل وصل. الفصل والفرز ضروريان وإلا استحالت المعرفة، والوصل هو اندراج الدين في التاريخ وفي العالم، أي في سعي البشر من أجل وقعنة مبادئ الدين الروحية والأخلاقية، حضور الله في تاريخ البشر مبدأ دافعاً نحو التحسن والتقدم، إطلاق العنان للإنسان الذي استخلفه الله في الأرض واحترام عقله وإعلاء شأنه انطلاقاً من مبدأ الاستخلاف ذاته، إشكالية العلمانية لا تنحل في الإلحاد. هذه قضية روحية كبرى، و"من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر..".

أعتقد أن المسائل التي عرض لها المفكر الراحل الياس مرقص في هذه الأحاديث، وهي المسائل التي بسطها في كتبه ومقالاته ومداخلاته في الندوات والملتقيات الثقافية، هي مسائل واقعنا الراهن: مسائل الفكر والسياسة والأخلاق، مسائل الفرد والمجتمع والدولة... ولا تعدو كونها مسائل مفتوحة، ومن حق جميع المعنيين، ومن واجبهم أيضاً أن يدلوا فيها بدلائهم ولكل مجتهد نصيب.

لم يختم الياس مرقص شيئاً ولم ينهِ شيئاً، لكنه بدأ وفتح واقترح مبادئ وأسساً قابلة للبناء عليها، فهل نتابع البناء؟.

 

 

جاد الكريم الجباعي

دمشق 12 /4 / 1999.

 

الفصل الأول

 

 

 

نقد الكلمات

وتحرير المفاهيم والمقولات

الثنائيات الفلسفية

ـ تهيمن على الخطاب الفلسفي، ومن ثم، على الفكر السياسي، ثنائيات تناقضية من قبيل الفكر والواقع، الوعي والوجود، المثالي والواقعي، الذاتي والموضوعي، المجرد والمعين، المادة والروح، ومن بين هذا الثنائيات أو الأزواج التناقضية تستأثر ثنائية المادة والروح باهتمام خاص، إذ تنطلق منها السجالات والمعارضات بين العلمانيين واللاهوتيين، بين أنصار "الفكر العلمي" وأنصار "الفكر الديني"، بل بين الأيديولوجيات العلمانية والعلمانوية والأيديولوجيات الدينية والمذهبية. ويلفت النظر تحاشي العلمانيين عامة استعمال مفهوم الروح والتعبير عنه بأحد أقاربه أو أبناء عمه، في حين تؤكدون في أحاديثكم وكتاباتكم مركزية مفهوم الروح أو مقولة "الروح" إزاء مقولة "المادة". أود أن أسالكم عن المادة والروح وعن المادية، وهل الدين وحده هو ميدان الروح أم أن الروح تنبسط في جميع ميادين المعرفة والعمل وأن هذا "الروح" هو الروح الإنساني الذي تمثلته وانطلقت منه ماركسية ماركس وإنجلز ولم يتبعهما في ذلك سوى قلة من "الماركسيين" في العالم أنت واحد منهم؟.

# بداية، أريد أن أقول: إنني لا أمثل في جوابي إلا نفسي، وأعطي رأيي الشخصي(1). ثانياً، أعتقد أن الماركسية الستالينية التي هيمنت علينا بعيدة جداً عن ماركس، بل بعيدة جداً عن ماركس وإنجلز ولينين. النقطة الثالثة أن ماركس عزيز عليّ، لكن الحقيقة أعز، ومن ثم، أريد تأكيد مبدأ الحقيقة، أريد الحقيقة مبدأ ومسعىً وهدفاً، دائماً وأبداً، المرة تلو المرة. وبتعبير آخر، الحقيقة فوقي وفوق كل إنسان، فوق كل حزب وكل دولة، بل فوق الجنس البشري. البشرية هي في سعي إلى الحقيقة، البشرية الناظرة، النظرية، البشرية المفكرة، الروحية هي أبداً في سعي إلى الحقيقة. وهنا أريد أن أذكر لحظتين ضروريتين للإنسان: الأولى، لحظة بروتاغوراس، أو، ماركسياً، لحظة الحقيقة الذاتية، لحظة السفسطائية، المحامين، المرافعين،، شعارها: الإنسان مقياس جميع الأشياء. والثانية، اللحظة النقيضة، السقراطية: الإنسان بوصفه كائناً مفكراً هو مقياس جميع الأشياء(2). ونعرف أن لينين في مخطوطاته الفلسفية عام 1915 كان يصفق لرد سقراط، لرد السقراطيين. نحن يجب أن نصفق مرتين، لأن سقراط المناقض لبروتاغوراس ما كان ليوجد من دون بروتاغوراس. كذلك عند الانتقال إلى العصر الحديث نصفق لهيغل، ولكن نصفق أيضاً، وأولاً لكانط فهيغل.

الانتلجنتسيا الروسية الثورية بنت شعب كان بعيداً عن الفلسفة، مثل العرب أو أكثر من العرب (اليوم). روسيا ليس لها علاقة بالفلسفة، بيزنطة نفسها لا علاقة لها بالفلسفة. الفلسفة شأن أوروبي غربي، وشأن يوناني قبل ذلك، وجزئياً شأن عربي في وقت من الأوقات. ما حصل في القرن التاسع عشر أن الروس كانوا يريدون ثورة، يريدون تغييراً، فأمسكوا بالفلسفة، لكنهم، في الواقع، أمسكوا بالجزء، بهيغل. بدؤوا بهيغل بلا كانط. هيغل، من دون كانط، يمكن تأويله استبدادياً، إرهابياً، إطلاقياً. من هنا أعود إلى القول: إن الحقيقة فوقنا وهي أمامنا وهي طريقنا، هي ما نسعى إليه، ثم أنتقل إلى سؤالك.

1 ـ مفهوم المادة :

يجب أن نتفق، قبل كل شيء، على أن المقولات التي ذكرتها في سؤالك، وخاصة مقولة المادة ومقولة الروح، هي مقولات فلسفية، ولا يجب أن تعامل إلا بصفتها كذلك. الستالينية السائدة تهرب من هذا وتهرب مما سأقوله الآن: ثمة ثلاث نقاط، ثلاث مقولات أنقل اثنتين منها عن لينين والثالثة عن إنجلز. عند لينين منذ سنة 1908 أي في كتابه "الفلسفة الأسوأ" المادة مقولة فلسفية، المادة مفهوم فلسفي، ويختم كتابه هذا بتسمية الواقع الخارجي المعطى لنا بالحواس. عندما نقل لنا ستالين هذه العبارة شطب عبارة: مفهوم فلسفي، فدفع القارئ إلى تصور أن المادة لا تحتاج إلى تعريف وليس لها مفهوم وأنها، أي المادة، هي الطاولة والكرسي والجبل والمغنطيس.... عدَّدها على هذا النحو، علماً بأن لتعريف لينين مزايا كثيرة أهمها أنه عرف المادة بعكسها فقال لنا: المادة مفهوم فلسفي يسمي الواقع الخارجي المعطى لنا بالحواس. فإذا أردنا أن نتبنى القسمة اللينينية، ولنتبن ذلك فعلاً، يتبين لنا أن عند لينين هناك المادة والكائن والطبيعة والفيزيقي وهناك الوعي والروح والفكر والإحساس (لينين يضم الإحساس) في الجهة المقابلة. المقولة الأولى المادة عُرِّفت بالمقولة الثانية. إذا أردنا الأخذ بهاتين المقولتين تكون المادة هي المعطى الأول، والفكر والروح والإحساس..إلخ هي المعطى الثاني، (ولنأخذ بذلك) يجب أن نلاحظ مباشرة أن المعطى الأول معرف بالمعطى الثاني. وأستطيع القول إن موقف لينين يستحضر موقف أرسطو عندما عرف المادة مقابل الشكل بأن «المادة تتمتع بقابلية أن تحس، أي يمكن أن تحس». لسوء الحظ، لم تقف الماركسية مطلقاً عند أرسطو وعند ثنائية المادة والشكل، وكان تجاهلها أو جهلها خسارة كبيرة للفلسفة الماركسية. إنجلز عرف المادة بقوله: «المادة كمادة لا وجود لها في الواقع، المادة، كمادة، محض خلق من الفكر وتجريد محض». ماذا يعني بالمادة كمادة؟ يعني بذلك أنه إذا أخذنا أي شيء من الأشياء وجردناه من جميع كيفياته الخاصة ومن جميع خصائصه وصفاته (أو تعييناته.ج) إلى النهاية، نصل إلى المادة العامة، نصل إلى المادة كمادة(3). المادة تجريد محض، اختراع من الفكر. ورد هذا في "ديالكتيك الطبيعة" لإنجلز، الذي طبع في موسكو وباريس منذ 35 سنة كما أعتقد. نستطيع أن نبرهن الآن أن جميع كتب الشّراح السوفييت وغير السوفييت كانت تتجاهل كلام إنجلز. ومما يلفت نظري أن أول مرة قرأت فيها قول إنجلز كانت في كتاب سوفييتي هو "المادية والديالكتيك عند أينشتاين" للكاتب غريبانوف. هذا الكتاب طبعته دار الفارابي، غلاف أبيض وأصفر، وترجمه توفيق سلوم. يذكر غريبانوف قول إنجلز في السياق التالي، في معرض حديثه عن بيركلي وأينشتاين قال ما معناه: يجب ألا ننسى أننا نجد عند إنجلز قولاً شبيهاً بقول بيركلي. وأنا أريد أن أضيف نقطة عن لينين: يتصور القراء أن ما قاله لينين ضد بيركلي هو حكمه الأخير على بيركلي، أي بيركلي الرجيم، المثالي، الرجعي..إلخ. ولو قرأنا مقال لينين حول الديالكتيك المكتوب عام 1916، وهو جزء من "الدفاتر الفلسفية" فإننا سنجد في نهاية هذا المقال حديثاً عن تاريخ الفلسفة مقسماً في دوائر، عدة دوائر، دائرة في العصر القديم، دائرة في العصر الحديث... وكل دائرة مؤلفة من ثلاثة، كأن الثلاثة تأكيد ونفي ونفي النفي، كأن يقول مثلاً: الدائرة القديمة أفلاطون أو ديمقريط فأفلاطون فهيرقليط. وإحدى هذه الدوائر تقول ما يلي: من هولباخ (أي المادية) إلى هيغل (أي الديالكتيك) عبر بيركلي وهيوم وكانط. بيركلي ليس منبوذاً. بيركلي وهيوم وكانط أخذوا أماكنهم في صلب الإشكالية، في صلب الدورة الصاعدة. طبعاً هذا يتضمن أيضاً أن لينين لم يكن يرى أن ديمقريط وأفلاطون عدوان وعلينا أن نختار أحدهما، ولا إلى الفلسفة على أنها أيديولوجية طبقية أو ما شابه، بات ينظر إلى الفلسفة ومذاهبها بصفتها زوايا نظر إلى الواقع وكلها مسوَّغة، فحين يقول لينين: أفلاطون ـ وديمقريط ـ هيرقليط فغير وارد أن يتبنى ديمقريط وينبذ أفلاطون أو يتبنى أفلاطون وينبذ ديمقريط، وغير وارد أن يتبنى هولباخ وينبذ بيركلي وهيوم وكانط.

نرجع الآن إلى الأطروحة الثالثة لهيغل ولينين في "خلاصة منطق هيغل": المادة هي المجرد على وجه الامتياز. ما معنى مجرد على وجه الامتياز؟ إذا أردت مقولة مجردة مجردة مجردة فما عليك إلا بما قلته أنت* : مجردة بمعنى لاغية، تلغي، نافية إلى النهاية. الآن كل فلسفة المادية الجدلية الشهيرة لو عرضها ستالين والشراح، وعرضوا هذه العبارة: المادة هي المجرد على وجه الامتياز، المادة، كمادة، هي محض خلق من الفكر، لو أنهم بدؤوا بهذه العبارة كنا تجنبنا الخراب الذي ترتب على أنركابنا بمقولة المادة. لو قمنا باستفتاء أو سبر عند الماركسيين لوجدنا معظمهم يعتقدون أن المادة والكائن والطبيعة والوجود والفيزيقي مترادفات. ألم يضع لينين هذه كلها في جهة ووضع مقابلها الفكر والوعي والروح؟. هؤلاء الماركسيون يظنون مقولات الصف الأول مترادفات وكذلك مقولات الصف الثاني، وهذا غير صحيح. عند لينين هذه وهاتيك متقابلات(4). خارج هذا التقابل، بصورة مستقلة عن هذه المعارضة بين الطرفين كل مقولة تستعمل في سياقات معينة مختلفة متنوعة غير السياقات التي تستعمل فيها زميلاتها. لنقل مقولات الصف المادي ومقولات الصف الروحي والفكري، لكل واحدة منها استعمالها، فالمادة غير الكائن وغير الوجود والطبيعة غير المادة، يا سيدي، الفيزيقي غير المادة، فمن غير المعقول استعمال كلمة المادة محل كلمة الطبيعة أو بدلاً منها أو محل كلمة الكائن وبدلاً منها. فإذا سئلت عن الكائن أو الشيء الذي أمامي وأجبت أنه مادة لا أفيد شيئاً ولا أستفيد. وإذا قلت عن هذه الأشياء التي أمامي أو التي أراها وألمسها إن كلاً منها مادة أكون قد أعدمتها وأعدمت العالم، ها هنا خطورة المادة(5).

لنتساءل الآن: أليس للمادة امتياز أو امتيازات مقارنةً بالطبيعة وبالكائن؟ بلى لها امتياز كبير، وهذا الامتياز ضيعته "الماركسية" الشهيرة. أنا أسميه امتيازاً أرسطياً، أفلاطونياً: المادة متشاركة مع مقولة الشغل في شكلها الأولي(6)، شغل النجار والحذاء والحرفي.. وشغل بيتهوفن ورامبرانت أيضاً. ماذا يعمل هؤلاء، ماذا يعمل بيتهوفن؟ مع أي شيء يتعاملون؟ إنهم يتعاملون مع مادة ويشكلونها، النجار يتعامل مع الخشب والحذاء مع الجلد، وبيتهوفن مع الصوت، ورامبرانت مع اللون، هذا الفنان وذاك الحرفي يتعاملان مع المادة لكل شغل مادته يشكلها كما يريد. هنا لا يمكن لمقولة الطبيعة أو الوجود أو الكائن أن تنوب عن مقولة المادة (مادة العمل.ج). والآن لنقلب القضية على وجهها الآخر، والله إذا الزراع (زراع الحنطة أو البطاطا) أو الرفيق ستالين بصفته قائداً للزراعة السوفييتية وفيلسوفاً للاقتصاد والزراعة أو بصفته المزارع الأول، إذا أراد أن يتعامل مع الطبيعة على أنها مادة فإنه يخرب كل شيء. وإذا كانوا في الممارسة السياسية يتعاملون مع الواقع ومع البشر (المجتمع)، مع الواقع الكبير الذي له منطق وله بنية وسببية والغني جداً، إذا كانوا سيتعاملون مع المجتمع على أنه مادة، كما يتعامل النجار مع الخشب وبيتهوفن مع الأصوات.. فهذه مصيبة المصائب. الواقع ليس مادة إنه أكثر من المادة.

ثمة نقطة أخرى. أعتقد أنه عند أرسطو وأفلاطون وكذلك عند ماركس وإنجلز وهيغل، وعند أرسطو وماركس خاصة، المادة مقولة كمية رياضية. فعندما نسمي الأشياء المختلفة مادة يجب أن نميزها بكمية المادة التي هي قوامها، بمقدار ما تحمله من مادة. وعندما نعلم الفيزياء لأطفالنا نشرح لهم مفهوم الكتلة وحجومها المتفاوتة، وعندما يريد أستاذ الفيزياء أن يفهم طلابه أن الكتلة غير الوزن يعلمهم أن الوزن = الكتلة + الجاذبية. وإذا ركبنا سفينة فضائية فإن الوزن ينعدم (خارج مجال الجاذبية الأرضية) أما الكتلة فلا تتغير، لأن الكتلة أبسط من الوزن، الكتلة هي كمية المادة في الشيء‎، والمادة مفهوم عام. لذلك فإن مقولة المادة مقولة حسية خارجية، مجردة، رياضية، كمية، عددية، حجمية.

في نهاية البند الأول من مقالتي "الإنسان، العقل والتاريخ" التي قدمتها في ندوة "الغزو الثقافي الاستعماري والصهيوني" قلت: على العرب أن ينتقلوا من المادة والجوهر والكم والحجم إلى العلاقة والعقل والروح. كان هذا عام 1980، في عام 1987 أعطانا الاتحاد السوفييتي كشوفات مهمة جداً، ولو أنه لم يعبر عنها فلسفياً، مثلاً، قال وزير الصحة الجديد: لدينا أكبر عدد من أسرة المستشفيات في العالم، ولكن حيز السرير مع الفراغ الذي حوله هو 4م مربع، في حين أن المقياس العالمي هو 7,2 متر مربع. لنقل هنا أن الستالينية مع المادة ضد الفراغ، وفي رأيي الفراغ أخو الحرية. وقال وزير الصحة أيضاً: بنينا مستشفيات وأنفقنا 80% من الميزانية على الخرسانة و20% على الأجهزة. هذا جنون المادية. أو مثلاً، حين يطلب كولخوز في تركستان أو في روسيا أربعة تركسات صغيرة الحجم يرسلون له أربعة كبيرة الحجم قائلين هذا أحسن، وهو في الواقع ليس أحسن، لذلك أقول يجب الانتقال من المادة والجوهر والماهية والحجم والكم إلى العقل والعلاقة والروح والعقالة. المادية الديالكتيكية الستالينية والتطبيق الاشتراكي البريجينيفي وقبله الستاليني، كل ذلك الواقع النظري والعملي كان محكوماً بفكرة الـ Maximum (الأقصى أو الأكثر). وبغياب فكرة الـ Optimum (الأمثل) كلما كان أكبر وأكثر كان أحسن. هناك قياس، علاقات قياس، هناك نسب وتناسبات لا بد من حساب النسب والتناسبات، ثمة دائماً حد أمثل بعده تصبح الخسائر أكثر من الفوائد، هناك فكرة الحد الأمثل (بين حدين أدنى وأقصى.ج)، هناك علاقة بين الكم والكيف، الكم وحده (صفر)، خطأ كبير. طبعاً في الاتحاد السوفييتي أكبر عدد من المهندسين في العالم وأكبر عدد من الأطباء وأكبر عدد من طلاب دور المعلمين وأكبر إنتاج للفحم، ووجدنا أن لديه أكبر جيش في العالم عدداً وأكبر جهاز مخابرات في العالم يفوق عدد أفراده ما في الدول الأوروبية مجتمعة. هذه جوانب مختلفة وسريعة أختصرها بالقول: 1 ـ مقولة المادة مهمة جداً ويجب أن تفهم.

 2ـ لا يجوز أن تستعمل مقولة الطبيعة أو مقولة الوجود بدلاً منها، أو  بمعناها.

لعل خطر "المادية" الستالينية يكمن في النظر إلى الطبيعة وإلى المجتمع، على أنهما مادة للإرادة الثورية، تحكمهما معاً قوانين متماثلة، لعله أراد أن يخضع المجتمع لانضباط صارم كانضباط الطبيعة، وستالين هو سيد القانون والقانونية. هذا الاتجاه ينفي مقولة التقدم التي ليست مقولة التطور ولا مقولة التغير. مقولة التقدم مقولة إنسانية، ترتبط بالإنسان، الكائن القابل للتحسن بخلاف غيره من الكائنات.ستالين شطب مقولة التقدم، ومن ثم مقولة الإنسان، الإنسان والطبيعة عنده متماثلان يخضعان معاً لقوانين "المادية الجدلية" لقد أكرمنا ستالين بقوانين الواقع الموضوعي، ولكنه ضن علينا بالقوانين التي ينشدها البشر من أجل حياهم ومن أجل الحرية، ضن علينا بمبادئ عملية صنع القانون جيلاً بعد جيل وقرناً بعد قرن، عملية بناء عمارة القانون. جان فالجان (بطل رواية البؤساء لفكتور هوغو) حكم بالسجن والأشغال الشاقة عشر سنوات لأنه سرق رغيف خبز، اليوم لا يسجن في فرنسا من يسرق رغيف خبز لأنه جائع وليس لديه ثمن خبزه. في لندن حكمت قاضية على رجل سرق بنطلوناً أن يرده أو يدفع ثمنه، وعلى آخر سرق زجاجة عطر بالسجن ثلاثة شهور لأن لديه مالاً ورصيداً في البنك (وربما لأنه سرق شيئاً كمالياً لا تمس الحاجة إليه.ج). ولأننا لم نبن عمارة القانون جيلاً بعد جيل فنحن ننحدر، وعودتنا إلى عمر بن الخطاب هي من قبيل شد الأمور إلى الخلف فنحن لم نتخذ من موقف أو مواقف لعمر بن الخطاب شيئاً نبني عليه.

ـ الأعراف والقوانين يضعها البشر في زمان ومكان محددين للحفاظ على وحدة الجماعة وتنظيم علاقاتها الداخلية، في ضوء نسبة القوى الاجتماعية السياسية المحددة بشكل الملكية السائد أو بنمط الإنتاج، كما يقولون، ومع ذلك فالقانون هو مبدأ وحدة الجماعة، مبدأ وحدة المجتمع، ومبدأ وحدة الدولة. بيد أن النظرة الكلية تقضي أن القانون يوجد من أجل الإنسان ولا يوجد الإنسان من أجل القانون.

# سنعود إلى ذلك، ولكن، أريد أن أسأل: هل القانون عمارة تبنى أم إنه معطى قبْلي ناجز؟ وإذا كان القانون معطى قبلياً ناجزاً فما هي وظيفة الفقهاء والمشرعين؟ إذا كنا نعتقد أن القانون معطى قبلياً فنحن لا نؤمن بتقدم الإنسان. ولكي لا نشعب الموضوع دعنا نعد إلى الفلسفة المادية.

2 ـ المادية والفلسفة المادية :

ما هي الفلسفة المادية؟ لقد اصطلح الفلاسفة، أو بعض الفلاسفة، واصطلح الأساتذة المدرسون والكتب أو كثير من الكتب على تقسيم الفلاسفة إلى ماديين ومثاليين(7)، ولسوء حظنا أن الرفيق لينين أولاً ـ ولم يعد النظر صراحة في ذلك ـ والرفيق ستالين ثانياً، والشراح بعد ذلك أعلنوا تبعيتهم لهذا التقسيم الذي عُدَّ أساساً للفلسفة، فإذا أردت أن تدرس فلسفة الصين أو فلسفة الهند، وتترك أوروبا، يجب أن تقسمها إلى مادية ومثالية. أنا أقول هذه حماقة. وكذلك إذا أردت أن تدرس فلسفة اليونان فإن أهم شيء أن تقول ماديين ومثاليين، في رأيي هذه حماقة. قطعاً هذه الحماقة تخف كثيراً في وقت معين من التاريخ. لينين وستالين اعتمدا على إنجلز وشوها إنجلز. فعندما يقول إنجلز المعسكران الرئيسان فإنه يعني أن في تاريخ الفلسفة، لمرحلة معينة طويلة نسبياً، كان هذان المعسكران رئيسين، هذه هي المسألة الفلسفية الكبرى أو العليا. أريد هنا أن أعيد النظر في هذه المسألة وأتساءل: إلى أي مدى هذا الكلام منقول عن الكتب البورجوازية؟ يا أخي إذا كانت الفلسفة البورجوازية (لا نملك تسمية أفضل) والجامعية الغربية اعتمدت هذه التسمية فليس من الضروري أن نعتمدها لنزايد عليهم. لماذا؟ لأننا في مشروع تحويل العالم انركبنا بالمادية.

هنا أقول: لا. يجب أن نحول العالم لفكرة، لهدف. أوهمتنا الستالينية أن "المادية" تعني الواقعية الأكيدة وتبين اليوم (بعد البيريسترويكا) أن هذه أكذوبة. اكتشفنا أن أبعد الناس عن الواقعية هم الذين أطلقوا على أنفسهم هذه التسمية (المادية)(8). لو تساءلنا: هل جبال الهمالايا في الهند أهم وأخطر أم أوهام الناس وأفكارهم؟ إجابتي المتواضعة أنني لا أعرف، يجب أن أدرس الموضوع. الماركسية لا تلزمني بجواب معين. قد يقول أحدهم جبال الهمالايا واقع وأوهام الناس وأفكارهم ليست واقعاً ويكون "مادياً". على من نضحك؟! يمكن اليوم إزالة جبال الهمالايا بقنبلة ذرية، ولكن الأصعب هو إزالة أوهام الناس وأفكارهم. ما هي أوهام الناس؟ أوهام الناس هي أفكار الناس أيضاً، يجب أن أفهم ماذا وراء أفكار الناس. ثم لماذا أعتقد بأن أفكار الناس أوهام وأفكاري ليست أوهاماً؟ هذه قضية واسعة وشائكة. لينين هو الذي اخترع مصطلح "المادية الديالكتيكية" وليس ماركس أو إنجلز. وفي رأيي أن لينين أخطأ وتحايل على الموضوع. هنا أيضاً ثمة مسألة ترجمة، في مقال للينين عنوانه "عشرة أسئلة للمحاضر" يرد بها لينين على محاضر "محرِّف" قال: لماذا لا تقول أن ماركس وإنجلز وصفا Calfia مذهبهما بالمادية الديالكتيكية؟ قال وصفا Calfia ولم يقل سمّيا. الوصف غير التسمية. ثمة فرق بين أن تصف الشيء وأن تسميه. أن تسمي الشيء يعني أن تعطيه اسماً، عنواناً بصورة نهائية. إذا سألتني ما هي صفات مذهب ماركس؟ فإنني أقول: مادي، مادياني، واقعي، ديالكتيكي، ثوري، عقلاني(9)... وتستطيع أن تضيف أوصافاً كثيرة وهو، أي ماركس، يوافقك على كل هذه الأوصاف. وإذا أضفت أوصافاً أكثر قد يطمئن ماركس أن الناس لن ينركبوا بوصف واحد. وإذا بستالين يقول: المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية. وجئنا نحن العرب وترجمنا Materialism  بالمادية ولم نقل الماديانية فأصبح لدينا المذهب مادياً. تصور كيف نقول عن مذهب فكري، نظري أنه مذهب مادي، ونقول عن الطاولة وغيرها من الأشياء أنها مادية. في الفرنسية مثلاً الأمر مختلف تقول عن المذهب Materialist وعن الطاولة والكرسي Material. وأكثر من ذلك يبدو أن ماركس لم يصف مذهبه قط بالمادية التاريخية إنما قال عنه التصور المادي للتاريخ، التصور أو المفهمة الماديانية للتاريخ. وضع كلمة التصور أو المفهمة ليذكرنا بأن هذا فكر، وليذكرنا أنه، أي ماركس، وأفلاطون أخوة في الفكر. أما ستالين فهو خارج الفكر، والماركسي العادي يقول لك: نحن ماديون أي نحن موجودون مثل الطاولة والكرسي. ما أحلى هذا الوجود، الطاولة التي تنتهي وتحترق نمنحها الخلود. قيمة الطاولة ليست في ذاتها، بل في الشغل البشري والطابع الاجتماعي، إنها تقوم بدلالة الإنسان والمجتمع. (الإنسان مقياس القيم.ج). يبدو أن مثلنا الأعلى في الوجود بات وجود الأشياء وعناصر الطبيعة. ما هذا الكلام؟!.

أوري أرغون له كتاب جميل عن الماركسية وكتاب جميل آخر عن البوذية، (الهيْلَميون) العرب لا يتصورون شيئاً كهذا، لا تركب في ذهنهم قضية كهذه، وألف قضية من هذا النوع. أوري أرغون يقول ـ إن لم تخني الذاكرة ـ: كارل ماركس تردد بين الماديانية الجدلية والواقعية الجدلية. وريمون أرون يقول: إن مذهب ماركس ومذهب هيغل كلاهما مذهب منطق الواقع. هذا إعلان أن الواقع غير هدفي، غير رغبتي، ثمة واقع له منطق، هذا المنطق معطى وأكثر بكثير من معطى. كون الواقع معطى مباشراً يعني أنه كرسي وطاولة وجبل وواد.. لكن الأكسجين ليس معطى مباشراً تطلبت معرفته عملاً علمياً وتعباً. الإحساس مباشر، الإدراك ليس كذلك ولكن عند تحليل الإدراك تجد فيه عنصر الإحساس الذي هو استجابة عصبية. الواقع ليس ما نحسه، الواقع لـه منطق، ومنطقه غير منطقي أو منطقك أو منطق ستالين أو منطق حزب كذا ودولة كذا. كلمة ماديانية تعني هذا الأمر ويجب أن تعني هذا الأمر وهذا شيء عظيم.

قرأت مؤخراً أن كارل ماركس سخر من المادية، سخر من الكلمة والوصف ورأى أن المادية مذهب موليشوت وبوخنر وفوكت، أي المادية المبتذلة. في رسالة من ماركس إلى إنجلز يطلب فيها منه أن يكتب مقالة بتوقيعه دعاية لكتاب رأس المال، وينشرها في مجلة فوكت أو موليشوت، يقول فيها أن كتاب رأس المال مادياني لكي تفرح تلك الجماعة. وهكذا يتضح أن موقف ماركس كان سلبياً من مصطلح الماديانية. وتؤكد ذلك الأطروحات حول فيورباخ حيث يصف مذهبه بالماديانية قائلاً: إن الماديانية السابقة كلها بما فيها ماديانية فيورباخ لم تعرف الواقع أو الموضوع إلا على أنه موضوع وموضوع للرؤية والتأمل، ولم تنظر إليه من وجهة نظر عمل الإنسان ولم تنظر إليه (بصفته) ذاتياً (نشاطاً إنسانياً)(10) وأن هذا الجانب الأخير، الذاتية، والعمل البشري، قد بسطته وأنمته المثالية وهذه مأثرتها. وفي أطروحة أخرى عن فيورباخ يقول ماركس: إن وجهة نظر المادية السابقة هي المجتمع المدني، أما وجهة نظر الماديانية الجديدة (أي ماديانية ماركس وإنجلز) هي المجتمع الإنساني أو الإنسانية الاجتماعية. وكأنه هنا يسمي مذهبه الماديانية الجديدة في معارضة الماديانية القديمة(11). ويجب ألا ننسى عداء ماركس للعناوين فقد أكد أكثر من مرة أنه "ليس ماركسياً”. وإذا سألت ماركس عن رأي الماركسية في الفن الهندي سيقول: مدهش هذا السؤال. سلني عن رأيي، وإن قلت له ما رأيك، قد يقول: لا أعرف، أو يقول لك رأيي كذا وكذا. الغريب عندنا أن كل واحد يقول لك الماركسية تقول كذا وكذا والماركسية تقول كذا.. يجب أن نغير هذه الطريقة في الكلام، أو تجد من يقول لك نحن العرب كذا وكذا. اليوم تطرح المسألة كذلك في الندوات، لقد قلت لهم ليتكلم كل واحد باسمه، ما لكم تتكلمون باسم أمة من خولكم حق تمثيلها؟(12).

ـ ما زال هناك كهنوت ماركسي:

# كهنوت ماركسي. هذا غير معقول. يا أخي! الكنيسة الكاثوليكية التي هي أعظم مؤسسة دينية في التاريخ تجد البابا فيها يذكر يوحنا وبطرس ومئة شاهد على مدى مئتي عام ويذكر التوراة إذا أراد أن يتكلم عن شيء. نحن ألغينا الدنيا واكتفينا بترديد قال لينين وقال ماركس، وننسى أن هناك شيئاً آخر في التاريخ. أقول ما الثمن الذي دفعناه نتيجة هذه "المادية"؟ في رأيي أن تعليم هذه "المادية" التي هي الماركسية كان تخفيضاً للفكر. نرى ذلك بوضوح في مبادئ ستالين، فإنه عندما يصل إلى المبدأ السادس من مبادئه السبعة تراه يقول: المادة، الطبيعة، الوجود، هي الأول والفكر والوعي هو الثاني، الفكر انعكاس المادة، الفكر هو انعكاس الواقع في دماغ الإنسان، الفكر نتاج الدماغ، نتاج المادة المنظمة.. عند ضم هذا الكلام بعضه إلى بعض نجده، عملياً، تخفيضاً للفكر وتعظيماً للمادة = الطبيعة، وخاصة المادة، المادة.. أما الفكر فهو مخفض. هنا لي ملاحظتان: أولاهما أننا لو عدنا إلى بداية كتاب ستالين، على امتداد طرحه للديالكتيك وحديثه عنه لم يتعامل إلا مع الطبيعة حتى ليتصور القارئ أن المادة ليست سوى الموضوعات الطبيعية وظاهرات الطبيعة وأغراض الطبيعة، في حين أن ما حولنا ليس سوى العمل البشري، المدن والأرياف والحقول والمزارع والغابات والسدود والمصانع.. كلها نتاجات عمل بشري خلاق ومتواصل. الفلسفة الستالينية قامت في البداية على إلغاء العمل الإنساني، ومن ثم، إلغاء الفكر الإنساني، خفض ستالين الشغل البشري، العمل الإنساني والفكر، خفضهما بالتلازم وراح يمتدح "الفكر الثوري" و"الفكر الطليعي" و"النظرية الطليعية"، باتت النظرية الثورية الطليعية قادرة على خلق مجتمع اشتراكي، وضن علينا أن يكون فكر النجار يصنع الطاولة وفكر الحذاء يصنع الحذاء، وأن عمل البشر المسلح بفكر الإنسان قد صنع المدن والقرى. الماديانية الستالينية المستندة إلى لينين وأحياناً من غير لينين حقّرت الفكر وخفضته.

المبدأ السابع عند ستالين يقول: المادية، بعكس المثالية، تؤمن بأن المعرفة ممكنة، وبأن معرفتنا لقوانين الطبيعة صحيحة ويقينية، وتؤمن بأن كانط وبقية المثاليين مخطئون وضالون. طبعاً هذا الكلام الذي أسنده ستالين إلى إنجلز مخالف لإنجلز نصاً وروحاً، وكله غلط. إنجلز لم يقل إن كانط مثالي ولم يقل إن المثاليين ينكرون إمكانية المعرفة، بل، على العكس، أكد أن المثاليين والماديين يؤكدون إمكانية المعرفة، والذين يطعنون في هذه الإمكانية قلائل وأعظمهم هو كانط. المعرفة التي تسقط في اليقينية المطلقة هذه حماقة. ومن المهم أن نلاحظ هنا على صعيد المصطلح، على صعيد المعجم أو قاموس المصطلحات، المفاتيح العائدة للماركسيين والتي سيستعملها الناس، أن ستالين رفع من شأن المعرفة والعلم والمعرفة العلمية وخفض من الفكر وحط من شأنه، واسمحوا لي أن أقول: هذا الموقف يكرره ألتوسير ويكرره ربما محمد عابد الجابري، تكرره ندوات العرب: المعرفة، معرفة، علم، عقل.. أنا أريد الفكر. الفكر هو المقولة العميقة الواسعة، فكر أفلاطون وفكر النجار، أفلاطون والنجار أخوة ماركس ولينين معهم(13)، الفكر شغل المزارع والفلاح والعالم الكبير، شغل كل إنسان، شغل العالم الكبير وعالم الرياضيات وغرامشي معهم.. هذا قاموس واضح جداً، صادق جلال العظم ليس معهم أي إنه وأمثاله مغرمون بالمعرفة والعلم والعقل، أما الفكر والذهن والذكاء هذا القاموس الذي في رأس الإنسان ما هو؟ هذا الذي قبل أن توجد الفلسفة والعلوم. الإنسان اخترع بيتاً وقرية ودجن الحيوان واستنبت الحنطة.. واخترع الدولاب.. ونستطيع القول إن العالم المدني الذي نحن فيه هو من إنتاج الفكر الإنساني. إن ثمة تناغماً بين الستالينية والمنظومة الثقافية والأيديولوجية العربية الإسلامية الشرقية كل منهما يعزز الآخر. إن تسعة أعشار الناس عندنا، ومنهم مثقفون يعادلون أو يماثلون بين مقولة العالم ومقولة الطبيعة. مرة قال لي صديق عزيز جداً: العالم يعني الطبيعة، فقلت له: والله الطبيعة مفهوم واسع وضيق، العالم اثنان. فيورباخ البعيد عن الديالكتيك وعن التاريخية التقط هذه النقطة وأمسك بها ولينين سجلها عنه، إن العالم اثنان: العالم الطبيعي والعالم المدني، والعالم المدني كله من صنع الإنسان: الزراعة وتربية الحيوان والمدن والجامعات ودور العبادة وثقب طبقة الأوزون ومرض السيدا والحرب والسلم.. هذا هو العالم المدني، هذا صنع بني آدم، ليس من صنعهم الواعي أي أنهم قبل 500 سنة لم يكونوا يعرفون إلى أين سيصل التطور، فلولا الوعي الإنساني لم يوجد الشغل ولم يوجد شيء. ولعله يحق لي أن أعتز أنني في مناقشتي مع ساطع الحصري ذكرت مقولة الشغل عند ماركس وتفريقه بين شغل الإنسان وشغل النحلة. تستطيع النحلة أن تصنع خلية لا يستطيع أن يصنع مثلها أفضل مهندس معماري، لكن أسوأ مهندس معماري يمتاز على النحلة بأنه يصنع الخلية في رأسه أولاً. ولنكمل الكلام: المنتوج مسبق الوجود مثالياً في مخيلة الشغّيل. ويمكن أن نقول، مؤقتاً، إن الفكر، ولا سيما إذا عنينا فعاليات الفهم والاستقراء والاستنتاج والتحليل والتركيب، والتجريب بمعنى العزل العادي، الفكر مشترك بين الإنسان والقرد، والمصطلح الذي لا يصح على الحيوان، ويصح على الإنسان فقط هو مصطلح الوعي أوبالأصح الوجدان والضمير والوعي. بمَ يمتاز الوعي؟ بأنه يحمل فكرة المستقبل. يوجد مستقبل أي يوجد ماض وحاضر. الوعي خاص بالإنسان، خاصية الإنسان. بتعبير آخر الفكر الإنساني فكر اختراعي. فإلى أي مدى نحن العرب مؤمنون بفكرة الإبداع. خصصت مجلة الوحدة أحد أعدادها للإبداع، فكانت المسألة الأساسية المطروحة أن الله وحده هو خالق الأمتين (العالمين الطبيعي والمدني). لنتناقش بصراحة، يا جماعة إذا كنتم تؤمنون بهذا حقاً فلا بأس، ولكن ما معنى أن الإنسان خليفة الله، كيف هو خليفته؟ هنا ينفتح النقاش. أما نحن فنؤمن بالإبداع أي إننا نؤمن بأن هناك شيئاً جديداً على الدوام. إذا لم يكن الأمر كذلك فما معنى الحديث الذي لا ينقطع عن الحداثة والتحديث؟ نحن على ما يبدو نحب الحديث ولا نحب الجديد أو فكرة الجديد. لقد باتت فكرة الحداثة والحديث توحي لي بالحدث، بالحادثة، بالمصادفة، مع أن كلمة جديد في العربية أخت كلمة Oregenal. إن تاريخ 5000 سنة وراءنا هو تاريخ الانوجاد، انوجاد العالم المدني، تاريخ نتوج هذه الأشياء والعالم المدني من شغل البشر ومن فعالية البشر. الماركسية الستالينية لعنت هذا كله. هذا تجده عند ماركس وكانط وفيخته وهيغل وعند ديكارت، وستراه عند بيركلي أيضاً، لكنك تراه في الذروة عند كانط وفيخته وهيغل زمن الثورة الفرنسية.

أعود فأقول: من ضرب ضرب ومن هرب هرب، نقول بعد وقوع الواقعة: لنكن واقعيين. الجريمة المتأتية عن الماديانية هي إلغاء الفكر أو تخفيضه لمصلحة المادة، والحزب والنظرية، ولمصلحة الطبيعة والعلم والعلمي، وعلم السوربون ولمصلحة الفقه.. كأن الماركسية اللينينية كفت عن كونها فكراً، فكراً قابلاً للخطأ والصواب. هذا لا يقبله نجارعاقل أو طبّاخة ماهرة. الطباخة حين تحضر الطعام تضيف إليه شيئاً من إبداعها.

أنتقل الآن من مقولة الفكر إلى مقولة الوعي التي رفعت لواءها ـ كما تعرفون ـ منذ عشرين سنة. ولا شك أن ما كنت أقوله قبل عشرين سنة أقل بكثير مما يمكن أن أقوله اليوم، ولو أنني أعتقد أنه لا توجد قطيعة في هذا المسار. في الفرنسية توجد كلمة واحدة هي (Conscince) وفي الإنكليزية توجد كلمتان (Conciousness و Conscience) Conscience هي الضمير الأخلاقي، وكذلك Conciousness هي الوعي النظري. في العربية عندنا ثلاث كلمات: الضمير والوجدان والوعي. أنا اقترحت أن يكون الوجدان مقابل الوجود كلمةً شاملة، ولها جانبان: الوعي النظري والضمير الأخلاقي. ولنرفع لواء الضمير الأخلاقي والوعي النظري عالياً. أكاد أقول هذه مهمتنا الدائمة التي لا يجوز أن يكون هناك مهمة أعلى منها استراتيجياً وتكتيكياً أيضاً. هذا هو مدخلنا إلى الناس (ومفتاح نفوسهم وعقولهم). (Conscience) الفرنسية تتضمن (Science)، علم، وعلم بالمعنى الواسع الرحب والمقصود بالعلم هنا ألا أنتظر السوربون أو الأزهر، العلم هو الوعي، منذ بدأت البشرية ترقى من الحيوانية قبل آلاف السنين أخذ يتكون وعي غير حيواني. هذه مسيرة طويلة جداً، وبالمفهوم الهيغلي كذلك. يجب أن نأخذ حذرنا. اتفقنا أنا وأبو هيثم (ياسين الحافظ) مع العروي (عبد الله العروي) واختلفنا معه. العروي قال جملة شهيرة: أصول الماركسية عند الماركسيين، منابع الماركسية عند الماركسيين. كلنا نؤيد هذا، ولكن إيانا أن نفهم أن الفلاسفة أعداء بعضهم لبعض، الواقع ليس كذلك. يجب أن نمسك بالقواسم المشتركة بين جميع الفلاسفة. إن لهم موّالهم فوق إدراك عامة الناس. وعندما تقول إن المتصوفة والباطنيين لهم موالهم الأعلى من إدراك عامة الناس أقول مرحى لهم، أنا معهم، وهذا ليس احتقاراً لعامة الناس وليس سراً باطنياً. يعجبني من الباطنيين واحد في أوروبا قال: الحقيقة لا تخفي نفسها، الحقيقة تقف في الساحة وتقول للجمهور هذه أنا. الحقيقة ليست قلعة شامخة ومحصنة كي نرتفع إلى مستواها، ولكن علينا أن لا نخفّضها. كل الباطنية التي تعني التقية كذب ونفاق.

3 ـ مفهوم الشكل ومبدأ التشكل :

مطابقة الفكر للواقع مطلب بعيد المدى، مطلب أبدي. نحن مؤمنون بأن الفكر والوعي لا يتطابقان مع الواقع لكننا ننشد التحسن الدائم، نحن في سعي إلى التحسن، هذا شيء مهم، في الفكر، في الوعي عنصر مستقبلي. الوعي فكر مبدع وضمير أخلاقي أيضاً. هذا سينقلنا إلى مقولة الروح. ولكن لنلاحظ قبل ذلك أننا نقول بالعربية فكر وفكرة، بالفرنسية يقولون (La pense’e) ويقولون Ide’e. في العربة اللفظ مشترك تقريباً. أما Idialism  من Idia أي المثالية فتعني مذهب أو عقيدة الفكرة. ياسين الحافظ أمسك بذلك في حديثنا مرة وكان واضحاً جداً. بدلاً من المثالية نستطيع أن نقول الفكرانية ربما تعزيزاً للفكر والفكرة. الكلمة في اليونانية هي الأيدوس Idos وهي الأصل الفلسفي. والأيدوس الأفلاطوني يترجم بالفكرة والشكل Forme. والشكل عند أرسطو ابن أفلاطون. عندما يقول أفلاطون الأشياء مادة وشكل فإنه يعني قابلية المادة لأن تحس (الإحساس) وقابلية الشكل لأن يّذهن لأن يفهم أو يُفكَر. الشكل هو الذي يأتي بفكرة المفهوم. إذن الشكل أخ للفكر والمعرفة. هنا أفتح قوساً لأقول: إن مقولة الشكل Forme هي أضعف مقولة في تعليمنا العربي، وفي ذهننا وتفكيرنا وفي كتاباتنا، في حين هي أقوى مقولة في الفكر الفرنسي وفي الفكر الغربي عامة. من كلمة Frome اشتق الأوروبيون الكلمات التالية Formation  أي تشكيل، بمعنى التكوّن، و Transformation يعني تغير الشكل بمعنى التحول. وInformation بمعنى الإعلاء، الشيء غير المشغول، فهم معجم، عجمة، وInformation بمعنى المعلوماتي، العلم المعاصر. يقول كيدروا: كل العلم في القرن العشرين هو عملية Formalisation متزايدة، عملية شكلنة متزايدة. هذه الكلمة دخلت في تعليمنا الرياضيات من دون دراسة. إذا ذهبت إلى مكتبة تبيع الكتب الفرنسية ستجد فيها سلسلة الليدي بورت للأطفال، هناك كتاب الماء وكتاب سكك الحديد، وكتاب السيارة، وستجد كتاباً عنوانه Les Formes الأشكال للأولاد حتى عمر خمس سنوات. يبدؤون بتكوين هذه المقولة عند الأولاد من عمر خمس سنوات(14)، ولطالما فكرت بضرورة نقل هذا الكتاب إلى العربية، إنه كتاب مصور، ليس فيه جمل كثيرة، في كل صفحة جملة واحدة، الصفحة الأولى تبدأ بجملة: كل شيء لـه شكل (توافورم) في الصفحات 2،3،4،5،6، تجد الدائرة والكرة والبالون، وفي الصفحتان 7و8 تجد المربع والمثلث وبعد ذلك المستطيل، في الصفحة 14 يرسمون دائرة في الوسط ودائرة أخرى ومستطيلين ومثلث ومربع، فيخرجون صورة لطفل يركب دراجة، لم يقولوا للطفل ذلك، بل يجدها أمامه بالأشكال. أرسطو يميز الشكل من الصورة. وعنده كل شيء يتألف من مادة وشكل نحن ترجمناها مادة وصورة، هذا خطأ، الشكل غير الصورة. الشكل شقيق الفلسفة العقلانية المثالية مع أفلاطون وأرسطو وديكارت وماركس. والصورة Emag غنية ومعقدة بنت ديمقريط وأبيقور بنت الفلسفة الماديانية الذرية. أرسطو حل الإشكال بقول قصير جداً: الصورة هي الشكل الأخير. بتعبير آخر الشكل هو صورة فارغة، صورة بسيطة مجردة، أما الصورة فهي شكل غني ومليء. إنك حين تشكل شيئاً من الأشياء تكمل شكله، تبرز صورته. الصورة هي الشكل الأخير أو الشكل الأعلى، هكذا تاريخ الوجود وهكذا المعايير، نبدأ بالبسيط لنصل إلى المركب وإلى العياني المكتمل، هذا هو خط الديالكتيك في المعايير. عند ماركس الأمر واضح تماماً(15).

كثيراً ما يقال عندنا المعرفة تبدأ من الواقع، نحلل الواقع أولاً. ما شاء الله!! هل يمكن البدء من الواقع من دون مفاهيمه وكلماته ومفرداته؟. نبدأ من الواقع، ها نحن استعملنا كلمة واقع، مفهوم الواقع هذا أولاً. ثانياً إذا كنت تعرف الواقع سلفاً، فلماذا تقوم بعمل سبيرة؟ ثالثاً زعمك البدء من الواقع سيقودك في نهاية التحليل إلى مجردات أثيرية محببة تسميها القانون وتسميها المفاهيم، تحلل الواقع في سورية أو في إنكلترا مثلاً وتنتهي إلى قانون عظيم هو صراع الطبقات. الواقع تبدد، طار، لم يعد هناك شيء. أو تحلل حالتنا ونضالنا على أنه نضال ضد الإمبريالية.. هذا كلام، مجرد كلام. الطريق الديالكتيكي عكس الطريق الشامل. أو لنقل الطريق الشامل صحيح ولكن بشرط أن تكون مسلحاً بالمجردات البسيطة، مسلحاً بالمفاهيم وبالقوانين وشيئاً فشيئاً تنتهي إلى إعطاء لوحة الواقع. صورة العالم، أو صورة البلد، صورته وليس شكله، جميع المفاهيم أدوات من أجل هذه الصورة. ستالين لم يفهم ذلك إطلاقاً. إذا قارنت بين ما يقوله ستالين في "المبدأ السابع" وما يقوله إنجلز تجد الفرق، فستالين يقول: من الممكن أن تعرف قوانين الطبيعة. إنجلز يقول: هل يستطيع الفكر أن ينشئ صورة الواقع؟. ستالين تكلم عن المعرفة وعن القوانين، إنجلز طرح السؤال بلغة الفكر وإنشاء صورة الواقع، الهدف الأعلى هو إنشاء هذه الصورة، الصورة المليئة المترابطة الحية التفصيلية. في الماضي كما نعتقد غير ذلك، سأقول لك لماذا: التعليم العلمي (تعليم العلوم) في الابتدائي والثانوي يبدأ بالملاحظة ثم التجربة وينتهي إلى استخلاص القانون. قانون تمدد المعادن في الفيزياء مثلاً هو خلاصة هذه العملية: الملاحظة والتجريب، وصوغ القانون أو وضع القانون وصولاً إلى تطبيقاته في الصناعة أو في بناء سكك الحديد أو الاتصالات.. فالمسلسل يكون كذلك ملاحظة واقع وتجربة فقانون وتطبيق للقانون. الرفيق ستالين قال لنا: هذه هي القوانين خذوها وطبقوها. وهنا أريد أن أحذر من كلمة تطبيق البشعة، التي حلت محل كلمة براكسيس ترجمة سيئة لها، البراكسيس تعني النشاط العملي، أو فاعلية الإنسان، عمل البشر. إن كلمة تطبيق تخربنا، تعليمنا يقوم على فكرة التطبيق، نقول للطالب: هذه هي القاعدة، طبق هذه القاعدة وهذا القانون وبعد أشهر نمتحنه في تطبيق القوانين أو القواعد الكثيرة التي تعلمها أو حفظها وما أكثر ما يضيع فيها وبينها، ذلك بدل أن نعلمه كيف يفكر، بدل أن نعلمه الفكر والعقل.

4 ـ الروح من المفهوم الشعبي إلى المفهوم الفلسفي :

أنتقل الآن من مقولة الشكل إلى مقولة الروح. أريد أن نتفق على المقولات أي المقولات الكبرى التي ذكرتها. المقولات أصناف. أخذنا سلسلة، مجموعات ومجموعات من الظواهر أو الظاهرات صنفناها في المقولة المادية وسلسلة أخرى صنفناها في المقولة الفكرية، الروحية. هنا أتساءل: هل أئمة الماركسية استعملوا كلمة الروح ترجمة لكلمة Sperit الفرنسية أو كلمة Geist الألمانية. الجواب فوراً: نعم. من يقرأ هيغل، أو من يقرأ ماركس وإنجلز ولينين سيجد هذه المقولة مكررة عشرات المرات بل مئات المرات. سؤال آخر: هل استعمل ستالين مقولة الروح؟ الجواب إن ستالين حين نقل نصوص إنجلز ولينين نقل كلمة الروح حيثما وردت، أما في كتابه وبلسانه الخاص استغنى عن مقولة الروح واستعمل محلها مقولة الفكر والوعي والنفس، ولكن بلا روح. أما المترجمون العرب فألغوا كلمة روح من شواهد لينين وإنجلز عند ستالين، ووضعوا العقل محل الروح. هذا غير مقبول، وضار، هذا تزييف. الترجمة العربية لكتاب ستالين استعملت كلمة عقل ترجمة لثلاثة أو أربعة مصطلحات مختلفة: Montage ترجموها عقلي وL’esprit ترجموها عقل وReasom عقل. نعود إلى ستالين بعد أن ألغى في كلامه الشخصي مقولة الروح نجده يستخدم عبارة (حياة المجتمع الروحية) بدلاً من (الحياة الروحية للمجتمع) ويكررها مراراً، وكذلك غدانوف و"عصر غدانوف" العصر السوفييتي الستاليني كرر عبارة "حياة المجتمع الروحية" مراراً مع التصفيق. والروحية (       ) Sperit ¬ .Sperital ألتوسير الذي جاء بعد ستالين ألغى كذلك مقولة الروح، وكثيرون من التقدميين العرب يقولون: يا الياس دعك من كلمة الروح هذه لأن الروح عندنا، نحن الشرقيين، لا تعني ما تعنيه عند هيغل وماركس. طبعاً هذا كلام غير مقبول، إذا كانت لا تعني عندنا ما تعنيه عند هيغل وماركس فهذا ليس سبباً للاستغناء عنها ولأن نقول: العقل بدلاً منها. ثم إذا كانت اليوم لا تعني فإنها غداً سوف تعني، ستصبح ذات معنى إذا أحسنا استعمالها، أي إن مضامين الكلمة وإيحاءاتها تتغير إلى هذا الحد أو ذاك، وتتغير كما نريد وكما نعمل.

هناك عندنا من يقول الروح كالهواء، وفلان (طلعت روحه) يعني أنه مات، فهل تعتقد أنها تعني عند الأوروبيين غير ذلك؟ كلمة روح في العربية من راح* ، وهناك أغنية لفيروز تقول: «إن راحت روحك يا روحي روحي بتروح». والنفس من النفس (التنفس)، فهل تعتقد أو تتصور أن اليونانية والفرنسية والإنكليزية ليست كذلك؟ المشروبات الكحولية هي المشروبات الروحية عندهم Speriter، وطبيعي أن يستعملها البشر هكذا. عند أرسطو (بنرما) تعني النفس من النَفَس والتنفس فأصل الكلمة هكذا. جميع الكلمات الفلسفية ذات أصل شعبي، جميع المقولات الفلسفية ذات أصل شعبي وعامي وهي مقولات كبرى وشعبية جداً ويكررها الناس يومياً، لكن الفلاسفة حولوها** . المادة بالفرنسية القديمة كانت تعني الحطب وعند الألمان المادة (شتوف Staff) تعني القماش، لكنها لم تعد تعني ذلك مع أن كلمة شتوف (Stoff) بقيت تعني القماش. وعلى الأرجح كلمة Matere التي تعني مادة أصلها من جذر قديم قد يكون هو المَذَر. المذر عند العرب يعني الطيب وإنه لشيء جميل أن تكون قد أعطت عند اللاتين والانجليز الـ Mater. خذ مثلاً كلمة (هازار) التي هي أكبر مقولة علمية فلسفية بمعنى المصادفة والاحتمال وحساب الاحتمالات التي تقوم عليها التقنية اليابانية والهندسة الوراثية أصلها من الزهر، النرد في لعبة الطاولة. العرب لا يزالون يلعبون بطاولة الزهر في نهاية القرن العشرين في حين كان الغربيون قد اخترعوا علم الزهر، علم الاحتمالات وقوننته المصادفة... إن كل فيزياء هايزنبورغ تقوم على أن عشوائية الصغائر هي أساس قانونية الكبائر، فذرات هذه الطاولة تتحرك عشوائياً لذلك هي ثابتة في مكانها، ولولا ذلك لتحركت في أي اتجاه، يمكن أن تصعد إلى السقف. إن ذهننا حتى اليوم ضد هذه المقولة، عندما تذكر المصادفة أو القانون نقول سبحان الله، إن أهم شيء هو قانونية المصادفة، كل ما حولنا وكل ما يقع من الحوادث والأحداث هو من باب العرضي. دائماً هناك ما هو عرضي وطارئ ومصادفة. إذا لم يكن في ذهننا سوى الحتمية من جهة، والمصادفة من جهة أخرى، فإننا نعود إلى مستوى هيرقليط. عند هيرقليط فكرة الإيمارميني تعني الضرورة الحتمية وتعني الحظ في الوقت ذاته. البشرية بدأت هكذا لا تفرق بين الضرورة والحظ والقدرة الإلهية مع رفض التفسير. البشرية تقدمت وأخذت تفرز، جاء وقت في القرن الثامن عشر قال فيه بعضهم بعدم وجود المصادفة، ورد عليهم فريق آخر بأن هناك ضرورة ومصادفة، هذه المقولة تفرض تلك المقولة، تطور الأنواع ضروري وحتمي، ولكن لماذا هذا الفرد أطول من ذاك هذا عرضي. الأفراد مختلفون ضمن الفصيلة الواحدة والعرق الواحد وسيختلفون دوماً. هذه مقولة مفتاحية وقد باتت موضوعاً لعلم عمره في أوروبا 350 سنة أو 400 سنة، منذ عصر باسكال بل قبل غاليليه وباسكال، وبرز في نهاية القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وبرز أكثر فأكثر في القرن العشرين مروراً بداروين ودورفيز. ما أريد قوله أن التراث الماركسي لم يهتم بحساب الاحتمالات بل اهتم بتحليل اللامتناهيات أي حساب التفاضل والتكامل. لقد كتبت قبل عشرين عاماً موجهاً كلامي إلى العرب، وقلت: العقل عقلاني كما ترون، هناك عقل بدون حساب الاحتمالات وبدون تحليل اللامتناهيات، العقل الذي نريده في صلبه علم الاحتمالات وعلم تحليل اللامتناهيات.

أعود فأقول: إن كل ما يخطر في بالك من مقولات فلسفية لها أصل شعبي ثم أصبحت فلسفية، من ذلك الحرية والمصادفة والمادة والروح والذرة. الذرة مقولة شعبية ومقولة دينية "وردت في القرآن": {من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره}، وفي التوراة والإنجيل. الخطاب الإلهي أو الوحي خطاب شعبي، خطاب لجميع الناس، للبشر العاديين، وليس خطاباً فلسفياً أو علمياً، فكرة الذرة قديمة ويقصد بها شعبياً حبة صغيرة جداً جداً، في هذا الإحساس إرهاص قديم بالوعي البشري إلى أن أتى أحدهم من صور الفينيقية (أصحاب سعيد عقل) قام بعمل شيء مهم وسعيد عقل يعطي جائزة لمن يكتب عن هذا الرجل الصوري (لا أذكر اسمه) أعلن هذا الرجل خلافاً لليونان أن الذرة تتجزأ إلى ما لا نهاية. طبعاً سعيد عقل لم يدرك أن هؤلاء اللصوص اليونان سرقوا الفكرة من فينيقيا عندما أعلنوا الحل، أسسوا بالذرة لعلم الفيزياء. الذرة الفينيقية قبل اليونان بقليل، الذرة تتجزأ إلى ما لا نهاية. ثم جاء لوسيبو ديمقريط من تلاميذ هيرقليط وأعلن أن الذرة تتجزأ ثم لا تتجزأ، فظهرت فكرة العنصر، غير العناصر الأربعة أو الجواهر الأربعة النار والماء والتراب والهواء، عنصر من نوع آخر. هذه الفكرة الجديدة انتصرت أخيراً مع لافوازييه، لم يعد هناك نار بل ظاهرة احتراق، وصار الماء الذي نشربه مؤلفاً من جسمين عنصرين، الأوكسجين والهيدروجين H2O. هذا انقلاب في العلم، إذا بالذرة قد أصبحت عند ديمقريط Atom أي جزء لا يتجزأ. قال سعيد عقل في التلفزيون Atom لا يتجزأ، إنه يصفق للفينيقي، لكنه أيضاً يصفق لليوناني الذي أخذ الفكرة الفينيقية البابلية الهندية الشرقية وأضاف إليها فكرة هيرقليطية غربية: هناك وجود وهناك عدم، هناك ذرة وفراغ. منطلق ديمقريط وأفلاطون وجميع الفلاسفة هو تجاوز الرأي العام (تجاوز التقليد السائد والمعرفة السائدة أو"العقل السليم"ج).

أعود إلى القول إن جميع المقولات الفلسفية ذات أصل شعبي فلِمَ نستغني عن مقولة الروح، هل بسبب إيحاءاتها العربية؟ معروف أن إيحاءات هذه الكلمة في اليونانية واللاتينية والفرنسية والإنكليزية.. مثل إيحاءاتها العربية مع اختلاف في التعبير بين شعب وآخر، لكن هذا الاختلاف لا ينفي وجود جوهر مشترك أو قاسم مشترك بين الشعوب، نحن لا نراه، بل نتجاهله ونسقط في مذهب خصوصية مبالغ فيها، للأسف ستصبح خصوصيتنا أن الأمم تتقدم ونحن نتراجع.

إن كلمة روح مؤكدة ومستعملة عند ماركس وإنجلز ولينين وهي نفسها الروح. إذا كان ستالين وألتوسير والمنتدون العرب من علمويين وماركسيين من محمد عابد الجابري وسمير أمين إلى حسن حنفي لا يريدونها، هم أحرار، أنا أريدها. كارل ماركس استعمل هذه الكلمة، وأهم نص وردت فيه هو الصفحة الثانية من الفصل الثالث من مخطوط مدخل سنة 1857 الذي ترجمته ونشرته في مجلة الواقع، العدد الرابع، إنه نص كثيف جداً وهائل جداً عن الديالكتيك وطريقة علم الاقتصاد السياسي يصل فيه ماركس إلى أن هذا العلم يعني العلم الفلسفي النظري، الفلسفة والعلم، المعرفة العاملة بالمفاهيم، هي شكل للتملك يختلف عن الأشكال الأخرى، ألا وهي الفن والدين، التملك الروحي العملي (البراكسيس) (Praxis) وقبلها بقليل أو بعدها بقليل استعمل الغايس Gaist (الروح). عند ماركس مقولة التملك التي تعني أن أتملك العالم وأجعله خاصتي، عالمي. الإنسان يتملك العالم، لأن العالم في النهاية هو عالم الإنسان. العالم الآن مستلب من الإنسان، الإنسان ينشئ العالم، وإذا بالعالم يقف ضده. فكرة التملك هذه هي فكرة الاستيلاء، فكرة التغلغل، فهناك مسألة تملك بشتى المعاني. مقولة الغايس، الروح جاءت شقيقة لمقولة التملك. ومقولة التملك هي مقولة المعرفة تحت لواء مقولة العمل. وقد حدد ماركس للتملك أربعة أشكال هي: العلم أي الفلسفة بالمعنى الواسع أو العلم بالمعنى الواسع(16) (العلم النظري، الفكر النظري) والفن والدين والتملك الروحي العملي. هناك من يتساءل ما هو التملك الروحي العملي، أنا أقول إنه شيء أقرب إلى عمل النجار والحذاء والمزارع أيضاً. مثلنا الأعلى هنا شغل الحرفي الذي يملك حانوته وأدواته ويؤدي عمله من كل قلبه، أي إنه يضع كل قلبه وكل نفسه في عمله ويعرف أن عمله لن يخذله أو يخيبه وأنه سوف يربح منه أو سيرى نتيجته. هذا الحرفي يصنع مُنتجاً، لا يصنع ثورة ولا مجتمعاً جديداً، هذه صعبة جداً. مقولة الروح لا يمكن الاستغناء عنها. مقولة العقل أو الفكر النظري مقولة جافة. هنا أعود إلى سؤالك: قطعاً مقولة الروح واسعة جداً، أستطيع أن أشملها جميع النواحي الروحية والنظرية والأخلاقية والفكرية والمعنوية عند الإنسان، وهي مقولة شاملة للدين وللفن على السواء. مقولة الروح إذاً كمقولة الثقافة ومقولة الأخلاق، كل هذا مجتمعاً. ما هي الأخلاق (إن لم تكن ميداناً من ميادين الروح)؟ الأخلاق هي ضمير الإنسان وعمله، هي ميدان العمل والتعامل بين الناس على أساس الضمير. ليس هناك عمل من دون أخلاق. تسمى هذه الناحية المعنوية في الفرنسية Moral التي تعني الأخلاق وتعني المعنوي، معنويات الجيش مثلاً قوة كبيرة، القوة المعنوية.

وإنك إذا فتحت قاموس La Rouse على كلمة Moral في الصفحة الأخيرة من قسم التاريخ فإنك ستجد أنه يذكر جميع معاهد فرنسا، أي جميع الأكاديميات الفرنسية. يضعون أولاً الأكاديمية الفرنسية وبعدها أكاديمية المنقوشات والكتابات والآداب الجميلة، وبعدها أكاديمية العلوم وتشمل الهندسة والميكانيك والفلك والجغرافية والملاحة والكيمياء والفيزياء..إلخ. وبعدها أكاديمية الفنون الجميلة وتشمل الرسم والنحت والعمارة والحفر والموسيقا وبعدها أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية أو أكاديمية العلوم المعنوية والسياسية أو الأخلاقية المعنوية والسياسية وتضم الفلسفة والأخلاق وعلم الاجتماع (لنلاحظ الأخلاق قبل علم الاجتماع) ثم التشريع والحق العام والقضاء ثم فرع الاقتصاد السياسي والإحصاء والمالية. لاحظ الاقتصاد السياسي من علوم الأخلاق. ثم التاريخ. لو أن السوفييت سمعوا هذا الكلام قبل عشر سنوات لمنعوه أي رفضوه، لكنهم اليوم يقبلونه ويؤيدونه. كانوا يعلموننا أن لا أخلاق من دون اقتصاد، فقد كانت الأخلاق تابعة للاقتصاد. أما اليوم فيقولون علناً لا اقتصاد من دون أخلاق. ولكن يجب أن نتفاهم ما هي الأخلاق؟ الأخلاق هي الضمير، هي العمل والتعامل بين الناس. أما الإيحاء الذي يحصر الأخلاق في الأعضاء التناسلية وفي علاقة الرجل بالمرأة فهو جزء من الموضوع. لم لا؟ فأول تعامل بين الناس هو التعامل بين الرجل والمرأة. يجب أن نرفع لواء الأخلاق بقوة، ما زالت هذه القضية في قلوبنا منذ 25 سنة، قبل أن يدخل ياسين السجن. كنا نرى أن الأخلاق تنهار، يجب أن نثبتها في كتاباتنا وليس فقط في قلوبنا أو أحاديثنا الشخصية، هذه معركة، معركة من أجل الأخلاق. منذ 25ـ 30 سنة ينمو عندنا الكذب والعنف.. ونمو العنف يساوي انحدار الأخلاق، نمو العنف يساوي القتل والسجن والضرب والذبح والاغتيال والمجازر، نمو الكذب ونمو الخطاب المزدوج.. هذا كله يعادل أو يساوي انحدار الأخلاق وتقلصها وتراجعها. الأخلاق تتراجع، يجب أن نرد وندرس الرد ونرد.

هنا نأتي إلى مقولة الروح التي هي الشقيقة لما قلت. أعود إلى مناقشات بعض أصدقائنا قبل وفاة ياسين، حول الدين والموقف من الدين. إنني بعد دراسة طويلة ومنذ عشرين سنة أفكر في هذه المسألة: الإلحاد في رأيي موقف مغلوط نظرياً وعملياً، وفي أحسن الأحوال لا معنى لـه. وفي أسوئها هو موقف عدمي يسوغ العنف. وهذا يشرح الموقف العظيم لدوستويفسكي حين قال: إذا كان الله غير موجود فكل شيء مباح. قال دوستويفسكي ذلك في معرض التحذير من الإرهابيين السود.

5 ـ الإيمان والإيمان الديني أو الإيمان الحسي, والإيمان العقلي:

سألتني سيدة مسنة مرة، ما رأيك بالإيمان؟ فسألتها هل تقصدين الإيمان الديني؟ سألتها ذلك لأنني أستعمل كلمة الإيمان بمعنى الإيمان الديني وغير الديني. ولا يستطيع أحد أن يمنعني من استعمالها. فكل بني آدم استعملوها وهي كلمة كبيرة، أنا مثلاً أؤمن بمستقبل للبشرية، وبمستقبل لأبنائي، أؤمن بالمستقبل بوجه عام، بشيء غير موجود الآن، لكنني بإيماني هذا أعلن عن وجوده، عن احتمال وجوده في المستقبل.

الإيمان عند جميع الناس نوعان مختلفان، متضادان أو متعاكسان، ويمكن أن يتداخلا، لكنهما مختلفان. هناك الإيمان الديني الذي نموذجه الأصلي والأعلى هو الإيمان بوجود الطاولة والكرسي والجبل والشمس والله. الجبل موجود والشمس موجودة والله موجود، نموذجه الأعلى هو اليقين المادي الحسي (إيمان يقيني) دوغمائية اليقين المادي الحسي. الكرسي موجود ولكنه عرضة للتلف وقد يغدو طعاماً للنار. والجبل موجود لكن قنبلة ذرية قد تزيله، والشمس موجودة لكننا بتنا نعلم، بفضل تقدم العلوم، أنها تحول متبادل ودائم بين الهيدروجين والهيليوم، بين الهيدروجين ونظائر الهيدروجين، إنها قنبلة هيدروجينية ضخمة (انشطار نووي لا يساوي اندماج نووي). الفصل الأخير من ديانة مصر القديمة أو إصلاح أخناتون العظيم قد كتب: من غير الممكن لإنسان عاقل يريد أن يتكلم عن الله أن يربطه بالشمس، ولو رمزياً، يجب أن يعلن أن الله فوق الشمس، وراء الشمس، أعلى من الشمس وأقدم من الشمس. علم الفلك أو الفيزياء الفلكية آستر فيزياء تقول لنا اليوم إن شمسنا هذه لها بداية وسوف يكون لها نهاية(17) .

النوع الثاني من الإيمان (وهو أقرب إلى الإيمان الديني الصحيح الذي اضطرت جميع المؤسسات الدينية أن تعترف به) عكس الأول، هو الاعتراض على اليقين الحسي من البداية، خرق لليقين المادي، إعلان وجود شيء آخر غير الوجود المادي (الحسي)(18) .

إذا قسمنا الظاهرات إلى مادية وفكرية، إلى مادة وفكر، بعد أن قلنا أن الله ليس جبلاً أو شمساً وبعد أن اخترنا الله مع الضمير.. إذا عدنا إلى مقولة المادة ومقولة الفكر وتساءلنا أين يأتي الله في تاريخ الفكر، في هذا الطرف أم في ذاك؟ جوابي أن الله يأتي في جهة الفكر، فهو ليس شقيق المادة، هذا الله الروح، الذي نقول عنه الروح هو مع الروح ومع الفكر ومع الوجدان ومع الوعي ومع الضمير، وليس مع الجبل والكرسي والطاولة. قد يعترض أزهري أو إسلامي "ثوري" على وضع الله في جهة الفكر وفي تاريخ الفكر وتاريخ الفلسفة والفلاسفة، فأقول إذا كان هذا الأخ المعترض لا يعرف تاريخ الفكر وتاريخ الفلسفة والفلاسفة فهو جاهل، وإذا كان يرفضه فهو أحمق، الذي يرفض شيئاً لا يعرفه هو أحمق.

6 ـ فكرة الله تؤسس سمو القانون:

حين نراجع تاريخ الفلسفة والفلاسفة من أفلاطون وأرسطو إلى كانط وهيغل مروراً بالقديس أوغسطين وتوما الإكويني والفلسفة العربية الإسلامية وديكارت وباسكال وسبينوزا.. نجد أن الله هو الموضوع المركزي عند الجميع والنقاش حوله دائم. وعندما أقول إن الله مع الفكر أي إلى جانب الفكر معنى ذلك أن الله عند جميع البشر حافز فكري عظيم. الله مبدأ، وهذا المبدأ محرك للكشف والإبداع عند الإنسان. في الوقت الراهن وفي فكرنا الحالي وأيديولوجيتنا جُعل الله خاتمة لكلِّ شيء وليس مبدءاً وحافزاً ومحركاً. ماذا أعطى ذلك؟ لا شيء. وكما قلت في مقالي: "أطروحات من أجل إصلاح الفلسفة"، إذا كان هناك شعب من الشعوب يقول طوال الوقت الله الله الله من دون أن يكون الله في فكر هذا الشعب مؤسساً لسمو القانون، فإن هذه قضية كبيرة جداً. عند الأوروبي أسس مفهوم الله لسمو القانون، فمن الصعب أن تجد من يخالف أنظمة السير، ومن الأصعب أن يخالف رئيس جمهورية بنداً من الدستور، حتى مجلس النواب لا يستطيع أن يسن قانوناً يتعارض مع إحدى مواد الدستور. فالقانون محترم وله سمو، كل قانون بدءاً من الدستور وانتهاء بقانون السير في الشارع. القانون له حرمته وسموه. الله المتعالي ليس مجرداً ومتعالياً فحسب، بل له دور في تاريخ الإنسان بأن يوجٍد شيئاً فوق الوجود. هذه معركة مهمة جداً.(19)

إذا عدنا إلى المنطلق، أذكر بما قرأته ولفت نظري في كتاب كوفيلييه وهو من أشهر كتب الفلسفة في فرنسا، يقول في أحد هوامشه أن الفاتيكان الذي كان يرفض بجدية حرية الضمير ويلعن الملحد ويؤكد عصمة البابا وكان يرى أن الكنيسة مسؤولة عن الحقيقة وعن نجاة النفوس لم يكن يسمح بأن يقتل أحد بسبب معتقداته قبل أن تتاح له فرصة التوبة والتراجع عن "الباطل". وأن محاكم التفتيش كانت تتيح للإنسان إمكانية التراجع عن رأيه وإمكانية الغفران. عند السوفييت وعند ستالين لا يوجد غفران، لا توجد توبة. الله فتح مجال التوبة وتراجع الإنسان عن الباطل. لا نقول عن الله إنه موجود. إن الله فوق الوجود. إنه مبدأ الوجود، مبدأ كل وجود.

وأتساءل ما السبب الذي جعل التقدميين والعلميين وما شابه، ولنقل ما الذي جعلنا جميعاً نقف منذ عشرين سنة ضد الدين، إن كان في فرنسا أو في إيران أو في سوريا، ما أسباب ذلك الموقف وما دوافعه؟ بالطبع لا أتحدث عن هذه المرحلة التي يسمونها مرحلة صعود المد الإسلامي، مع أنه من الضروري أن يفهم صعود الثورة الإسلامية التي تحمل، في رأيي، فاشية جديدة مرعبة، الثورة الإسلامية شيء غير معقول، ولكن نريد أن نتعامل معها بلا تساهل(20) بشرط أن تكون أسسنا سليمة. نحن، كما قلت في محاضرة أمام الشباب في بيروت لو أن الثورة الإسلامية انحسرت ولو تراجع الإخوان المسلمون ولو أن كل هذا الذي نراه ينحسر وينتهي فجأة بقدرة قادر، فإن ذلك لا يغير من موقفي، لأن مسألتي ليست الرد على هذا المد الديني، بل إيجاد حل، وطريق لحل مشكلات شعبي. ولو أن كل هذا لم يوجد سيبقى واجبي ومسألتي أنني أريد طريقاً لشعبي، إذا أردنا أن نقوم بنهضة كما فعل عبد الناصر، ولكي تنجح هذه المرة وأن نتقدم بصورة حاسمة فهناك مشكلة معقدة ومسألة مهمة عندنا وعند البشرية لا بد من حلها، لا يجوز أن يكون منطلقنا كيف نرد على هؤلاء أو أولئك، هؤلاء وأولئك جزء من الموضوع، منطلقنا يجب أن يكون نحن والحقيقة، أين الحقيقة، ما هو غلطنا، أين أخطأنا نظرياً. هذا كله في نظري جزء من الموضوع. ما سبب عداء الماركسي أو التقدمي أو الليبرالي عندنا أو عند غيرنا للدين؟ لنذكر الأسباب الإيجابية: إن الدين والأديان والكنائس والمؤسسات الدينية ارتكبت الكثير من الجرائم في التاريخ، تحالفت مع القوى الرجعية ضد التقدم وتحالفت مع الملوك ضد الليبرالية ومع البرجوازية ضد العمال ومع اليمين ضد اليسار..إلخ. أريد أن أدقق النظر، وإذا أعطيت مدة شهر سأقوم بعمل لائحة بهذه الجرائم.. الموضوع مفتوح وأستطيع أن أنقل كتاب الأب كونفار "الكنيسة الكاثوليكية وفرنسا المعاصرة" فقد حوى سجلاً بأخطاء الكنيسة الكاثوليكية وعيوبها وجرائمها وهو أب وليس يسارياً أو كذا، ولكنني أقول ليس خطأ الكنيسة الأكبر هو تأييدها للمحافظة، بل هو إنكارها حرية الضمير وحقوق الإنسان. إعلان جهة كهذه أنها مسؤولة عن خلاص النفوس هو من حقها، ولكن ليس بالعصا أو بالسكين أو بالتعذيب، هذا شيء بشع. أما كونها قوة محافظة فهذا أمر بديهي وجار في كل جماعة إنسانية وفي كل مجتمع متمدن، ثمة دائماً جماعة محافظة وأخرى تقدمية. وبديهي أن أي مؤسسة دينية يجب أن تكون محافظة بمعنى ما، لكن السؤال المحافظة على ماذا؟ منذ قليل تحدثنا عن ماريا (بطلة قصة "نقود لماريا" للكاتب السوفييتي راسبوتين) إذا كانت المحافظة على قيم صحيحة وجميلة فهذا ضروري.  لا نريد أن نصور المحافظة على أنها شر وخطأ محض. منذ ثلاث سنوات قرأت موضوعاً لكاتب سوفييتي قال فيه: إن الكنيسة لم تكن مخطئة إزاء غاليليه؟ كانت مخطئة بإهانته وتعذيبه وسجنه فقط. الكنيسة لم تكن حمقاء وجاهلة، كانت تحذر من النهضة ومن الانطلاق الصناعي والعلمي وما سيقود إليه، وها نحن في أواخر القرن العشرين نحصد خراب البيئة. يجب ألا نتصورهم جهلة فهم رأوا أن كوبرنيكوس كان على حق وسكتوا عنه لأنه أهدى كتابه للبابا، وبعد موت كوبرنيكوس بسبعين عاماً جاء غاليليه إلى روما وفتح المعركة مع الكنيسة. نصحه رجال الكنيسة أن يبتعد ولكنه أبى وثبت على موقفه. ونحن اليوم نصفق له فقد أضحى رمزاً لحرية التفكير ودليلاً على حماقة أولئك. في صدد المقال السوفييتي الذي أشرت إليه يجب أن نتساءل رد الاعتبار  لمن؟ ذكرت هذه القصة لأقول إن أموراً كهذه لها دوماً وجهان، نحن نرى خصمنا مخطئاً من دون أن نبحث عما هو صواب في رأيه وموقفه، لعل هناك صواباً فيجب علينا أن نفهمه، وإلا لن تتوافر قاعدة للحوار. يجب أن نتخلى عن عنجهيتنا بأننا قبضنا على ناصية الحقيقة. يا أخي، نحن على حق وليس على حق، نريد أن نتقدم، نريد أن نكسب الحقيقة وهي كما ذكرت هدف نسعى إليه. الحقيقة مبدأ ومسعى وهدف نمضي نحوه، هذا مبدأ مطلق.(21)

7 ـ مثلنة الإنسان :

أعتقد أنه في الوسط التقدمي كله جرى تضخيم لأخطاء المؤسسات الدينية، وهو تضخيم ناجم عن مثلنة الإنسان وتجميله وعن مثلنة الشعب والجماهير. هناك من يعتقد بأن الإنسان كائن عظيم وملاك وجبار وفاتح ليس فيه أي شر. وهناك من يعتقد أن الشعب والجماهير الكادحة والطبقة العاملة كذلك، ولكن الأمر ليس كذلك لسوء الحظ. إن كون الإنسان عاملاً أو فلاحاً أو فقيراً أو مستغلاً لا يعني أبداً أنه خير وطاهر وملاك، لماذا نضخم حسنات الإنسان من دون أن نلتفت إلى ذلك المبدأ الديني القائل: إن النفس أمارة بالسوء؟! في الإسلام ثمة الجهاد الأكبر، جهاد الذات ضد الذات، الجماعة ضد نفسها، الجهاد ضمن الجماعة من دون وصاية فلان على فلان، النقد الذاتي أو نقد الذات، كلنا يجب أن نفعل ذلك. الأمة يجب أن تنقد نفسها، كفانا نقد فرنسا أو إنكلترا أو ألمانيا ونقد الإمبريالية لنلتفت إلى ذاتنا قليلاً، وننقد أنفسنا، لنبدأ بالنقد.

هل يصبح الخير ممثلاً في الكادحين والشر في غيرهم، هذا ليس صحيحاً، وأعداء الكادحين وأعداء الديمقراطية ليسوا البورجوازيين والرأسماليين والإمبرياليين فقط بل الأنانية ومحاولة الركب على ظهور الآخرين. يجب أن نعترف أن الجميع هم أبناء آدم فيهم الخير وفيهم الشر، لا يجوز تعظيم أحد فرداً كان أم حزباً أم طبقة أم شعباً فوق الحقيقة. ففي الوقت الذي نعظم فيه الإنسان فوق الحد لا نرى في الدين والأديان إلا الجانب السلبي، في حين إذا نظرنا إلى الإنسان نظرة متأنية وتاريخية سنجد أنه كان مفترساً، يقول باتاي: هناك شيئان رفعا الإنسان وانتشلاه من الحيوانية الدين مع المحرمات الدينية والشغل والكدح، هذان هما اللذان جعلا الإنسان إنساناً، جعلاه إنساناً للإنسان، ابن آدم، وهذه العملية لم تنته، صحيح إن الأوروبيين المتمدنين لا يأكلون لحوم البشر، لكن حربين عالميتين قتلتا عشرات الملايين من البشر، وفي الصعيد أو عندنا يقتلون المرأة إذا زنت، هم لا يأكلون لحمها، ولكنهم يقتلونها غسلاً للعار بحسب اعتقادهم.

نريد يا أخي أن ننظر إلى الأمور من عدة زوايا. إنني أعتقد أن الأديان يجب أن تقوم بدورها في الانتشال والسمو والارتفاع، دورها لم ينته قط ولن ينتهي.

8 ـ التكفير يهدم التفكير :

ـ ما قولك إذن في موضوع سلمان رشدي وكتابه وموقف المؤسسة الدينية والمتدينين منه؟.

# أولاً لو أعطيتني كتاب سلمان رشدي مجاناً فليس عندي استعداد لقراءته، بعدما سمعت وقرأت عنه، لأن موضوعه زوجات الرسول والآيات الشيطانية. مسألة الآيات الشيطانية لطيفة، يمكن استثمارها جيداً في مصلحة الدين وليس ضد الدين، بعكس موضوع النساء. لكن الذي لفت نظري أن الذهن العربي العام والمؤسسات الدينية وكذلك الشعب العربي لم يميز، لم يفصل بين موضوع الكتاب وقضية القتل (الفتوى التي أصدرها الخميني بهدر دم سلمان رشدي والجائزة التي رصدت لقتله.ج) لم يميز الصواب من الخطأ في مضمون الكتاب وكذلك في موضوع الأمر بالقتل. هذان موضوعان: الكتاب ومضمونه والأمر بالقتل. لم ينتبهوا إلى أن ديناً ومؤسسة دينية طويلة عريضة تأمر بالقتل. أنا أفهم الأمور على خلاف هذا: لو أن كل البشرية وكل الدول والأحزاب تسوغ القتل وتؤيد مبدأ القتل، فإن مؤسسة واحدة يجب أن تكون ضد القتل هي المؤسسة الدينية. إذا لم يكن في الدنيا سوى مؤسسة واحدة ضد القتل فمن المفروض أن تكون هذه الؤسسة هي المؤسسة الدينية، وإلا فأين الوعي العربي والوعي الإسلامي؟ مزايدات من السعودية إلى إيران إلى بروكسل إلى لندن، ما هذا؟! افصلوا وميزوا وفرقوا بين الأمرين. من يريد أن يقرأ سلمان رشدي فليقرأه، ولن يكون كتاب سلمان رشدي آخر كتاب يظهر ضد الإسلام أو ضد محمد، ظهرت كتب كثيرة، مئات الكتب ضد المسيحية، منذ 500 سنة إلى اليوم تظهر كتب ضد المسيحية. لا يجوز أن يسوغ الدين القتل، وإلا فما هي وظيفة الدين؟ أليس الدين هو الذي انتشل الإنسان منذ عشرة آلاف سنة قبل اليهودية والمسيحية والإسلام عن طريق المحرمات؟ ممنوع أن تأتي زوجتك كيفما كان، ممنوع أن تنقاد لغريزتك، ممنوع أن تقتل..إلخ. هذا هو الدور التهذيبي للدين، أما أن نرجع الإنسان إلى الحيوانية (إلى شريعة القتل.ج) فهذا ما أسميه جريمة هؤلاء، وجريمة كل من يتساهل مع هذا الاتجاه. الله لا يحتاج إلى كل هذه الأديان فهي لا تزيده شيئاً ولا تنقصه شيئاً (الإنسان هو المحتاج إلى الدين.ج). يتصور بعضهم أن الإسلام سينهار بسبب سلمان رشدي. الإسلام لا يهزه سلمان رشدي ولا 500 سلمان رشدي. المسألة باعتقادي مسألة من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. لا يستطيع أحد أن يفرض على الناس شيئاً من قبيل الإيمان. لا إيمان بالإكراه و"لا إكراه في الدين". إذا كان الإيمان واجباً فإنه بالإكراه يكف عن كونه واجباً. لنعمم مقولة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الواجب فكرة أخلاقية ومعنوية، وأنا أقوم بواجبي عندما أفعل ما أعتقده صحيحاً وليس عندما أفعل ما تفرضه أنت أو غيرك علي مما تفترضونه صحيحاً.

إن كان هناك مستقبل لنا وللبشرية فلسوف ينشأ عندنا فكر إسلامي. الآن لا يوجد فكر إسلامي، هناك بذور متفرقة، يوجد أو موجود يعني، بلغة علماء الرياضيات، قابل للبناء عليه. الوجود هو قابلية البناء، الذي لا يبنى عليه شيء فإنه لا شيء. يجب أن يكون لدينا فكر إسلامي. إذا عدت إلى الماضي، وأريد أن أكون صريحاً، وأتساءل هل المسيحية كانت أكثر فاعلية في أوروبا أم الإسلام عند العرب؟ فإنني أجيب إن المسيحية كانت أكثر فاعلية. هذا موضوع طويل ولكني أختصره بعدة نقاط: أولاً الشروط التاريخية والجغرافية في أوروبا مختلفة عنها في العراق ومصر سوريا والسودان.. ثانياً الكنيسة والرهبنات والخوارنة كانوا طليعة بناء الأمم الأوروبية، أعتقد أن الرهبنات، في القرون الوسطى بنت 20% من القرى في فرنسا، وفي ألمانيا أكثر من ذلك. في حين دخل الإسلام إلى العراق وسوريا ومصر وكانت موجودة (معمورة وآهلة ومتحضرة.ج) وقديمة جداً وفيها حضارة وزراعة ومدن، أوروبا ليست كذلك، فألمانيا والسويد وبولونيا وهولندا وسكوتلندا تستطيع أن تقول إنها لم تكن موجودة قبل 1200 سنة، ثالثاً لننظر إلى تاريخ الفلسفة، نستطيع أن نستعرض، بنداً بنداً، أوغسطين قديس ولاهوتي وفيلسوف، وكثير من الناس منهم ماركسيون يقولون إن أوغسطين هو بداية الفلسفة الغربية. صحيح كان هناك قبله أفلاطون وهيرقليط وأرسطو.. لكن بعد ذلك لا شيء. ثم أتى أوغسطين وكان مبدؤه: إذا كنت خاطئاً فأنا موجود.. (هذا أصل مبدأ ديكارت. وكما يقولون إن أوغسطين أعطاه صيغة روحية أوسع: لئن كنت مخطئاً (أو خاطئاً.ج) فأنا موجود. وقوله: أؤمن لكي أفهم، الإيمان مبدأ يوجب علي أن أحاول أن أفهم، أن أسعى إلى الفهم. الإيمان ليس خاتمة، إنه مبدأ و(بداية) من أجل المتابعة(22). أنتقل من أوغسطين إلى توما الإكويني وخصومه من هنا وهناك من فلاسفة ومسيحيين غربيين، ثم إلى ديكارت والمقولتين: المادة والروح، وفكرة النفس الفانية، الله والنفس الخالدة أنا أفكر إذاً أنا موجود: أنا موجود بصفتي نفساً مفكرة، كائناً مفكراً، كائناً صفته التفكير. من الدين خرج الفكر. تفكير سبينوزا مثلاً، ما أثر الله واليهودية والمسيحية والإسلام في تفكير سبينوزا؟ إنه كبير. الرجل (سبينوزا) يقول لك: النفي (كل تعيين هو نفي.ج) ويحترم اليهودي والمسيحي والمسلم. ثم يأتي هيغل فيقول إن سبينوزا أنقص شيئاً، عنده التوكيد والنفي، نريد نفي النفي، نريد الروح القدس، انتهت المسيحية. كانط، هيغل، بيركلي.. ألوان مختلفة واتجاهات متضاربة كلها تستطيع أن تسميها ضمن الفلسفة المسيحية. هنا قد تقول لي: والفلسفة العربية الإسلامية. أقول لك: والله لا أراها إسلامية. ليس لها ارتباط حميم بالمسائل العقيدية والدينية الإسلامية. وأقول كان هناك بداية كيلا نظلم الفلسفة العربية الإسلامية لكن تاريخها ينتهي في القرن الثالث عشر، كلها صبت في أوروبا، ابن رشد وابن سينا وغيرهما ولو أن ابن رشد هو الذي أمسك بالفكر أكثر من سواه. وإذا نظرنا إلى الأدب فيمكنك أن تقرأ أدباً مسيحياً مسيحياً في القرن العشرين في فرنسا وفي روسيا وفي إنكلترا تقرأ مثلاً غراهام غرين. وكذلك الفن، الرسم ليس فقط الرسم البلجيكي والألماني والإيطالي في عصر النهضة نصف موضوعاته مسيحية، بل الرسم الروسي، ريبين وخلفاؤه الذين كان الروس يحدثوننا عنهم وينسون صفتهم المسيحية، أولئك الروس الواقعيون المناضلون أو الواقعيون الاجتماعيون منذ 1860 حتى 1910، ناضلوا ضد الاستبداد وضد المشيخة والخوارنة وضد كل العفن في روسيا. لم يقل لنا الرفاق السوفييت أن هؤلاء مسيحيون رسموا الموضوعات المسيحية، الصلب والعذاب والعذراء. أول مرة عرفت هذا الموضوع في صيف عام 1984 في باريس في معرض للفنون التشكيلية السوفييتية، إذ اشتريت ألبوم صور فيه مقالات لسوفييت رسميين وكذلك لفرنسيين. وقرأت هذه المعلومة في مقال فرنسي أن ريبين وخلفاءه تناولوا موضوعات مسيحية كالإيطاليين قبلهم بثلاثمئة سنة. لكن الروس بالطبع أعطوا هذه الموضوعات نفساً جديداً فالمنفيون إلى سيبيريا في عهد القيصر باتوا كالمسيح المصلوب. وإذا انتقلنا إلى الموسيقى، فمن لا يعرف أن كل هذه الموسيقى الكلاسيكية لها أصول في الغناء الكاثوليكي الغربي؟ لكن عندنا أين الإسلام ما علاقة ما كتب في الخمريات بالإسلام وبآلاف القصائد التي كتبت من الأندلس إلى إيران، مروراً بمصر وسوريا والعراق. إن أحسن شيء عندنا، في هذا الميدان، هو التصوف. ويتساءل المرء لماذا نال التصوف هذه الحظوة في الأزهر. هذه هي المصيبة. في تاريخ الغرب إثنان من أكبر المتصوفة الغربيين هما: ساجو ديلاكروا، يوحنا الصليبـي الإسباني مصلح رهبنة الكرمل، وتيريز دي فيلال الكبرى، وهما ممن أصلحوا اللغة الإسبانية ورهبنة الكرمل. وهما قديسان في الكنيسة ومتصوفان. الراهبة التي تتحدث عن الله والمسيح بلغة العشق والوجد، بلغة حسية جداً، بلا حرج منحتها الكنيسة لقب قديسة. هذا غير قليل.

ـ عندنا شككوا بإيمان المعري وصحة معتقده، رماه بعضهم بالكفر. وكذلك فعلوا بابن رشد ولا يزالون. نحن نكفر كل من لا يوافقنا الرأي ولا يشاطرنا العقيدة. وما أسهل التكفير. متى سنكتب تاريخينا معترفين بأن لنا تاريخاً داخلياً قوامه التعارض والصراع وأن الأمة ستصارع بعضها بعضاً في المستقبل ولكن بغير سكاكين. وأن الأطراف المتصارعة كلها من الأمة؟ لم لا، لم لا نقوم بالتمييز؟ قد أكون أنا ضد جميع مضامين السهروردي القتيل أو الشهيد ولكنني لا أقبل بأن يقتل ولا بأن يحاكم. لذلك لا أقبل من الجابري أو غير الجابري شيئاً عندما يحدثنا عن السهروردي قبل أن يعلن إدانة قتله. بداية ندين قتله، نقول لا يجوز أن يقتل ولا أن يحقق معه، وإذا كان صلاح الدين أو الدولة أو الأزهر يعتبرونه زنديقاً ويقولون إنه زنديق وظيفته كذا، وهذا حقه. إن أصاب أو أخطأ هذا الأزهر فلا نقبل منه القتل. فليرد الاعتبار دينياً ورسمياً للسهروردي وللحلاج وغيرهما فقد آن الأوان لفتح الأضابير كلها، تلك الأضابير التاريخية ويرد الاعتبار للجميع. إلى متى سنبقى نقول هذه الطائفة زنديقة وتلك الطائفة مارقة؟ ماذا سيبقى لنا بعد ذلك؟ لن يبقى شيء، إننا مخطئون، إنهم مخطئون، الأزهريون مخطئون بهذا التكفير. لم تتوافر الشجاعة في تاريخنا كله (للاعتراف بهذا الغلط) ونفتقر لمؤسسة دينية كيانية مستقلة كبيرة وعالية، ولذلك قلَّ أن نجد في تاريخنا فقيهاً يقف في وجه سلطان مستبد. كم واحداً من الخلفاء مات حتف أنفه؟ كثيراً ما أفكر إذا كان لقب خليفة رسول الله ليس له أي حرمة وأي قدسية، وأنه إذا لم يعجب فئة من الفئات أو بضعة أشخاص فيقتلونه ويأتي من يفتي لهم بذلك ويسوغه شرعاً، إذا كان الخلفاء الذين قتلوا ليس لهم مكانة معنوية ودينية ودنيوية فما هي مكانتنا أنا وأنت؟.

# إن فكرة الخلافة كلها ضمن دين الدولة، وتقوم بدور إيحابي في البداية، إنها توحد وتنظم، ثم تنقلب إلى وهم (تنقلب إلى ملك.ج) كم من القرون كانت مليئة بالوهم؟! إذا لم يكن الدين وازعاً روحياً عن القتل فهذا انتكاس إلى ما قبل عهد ابراهيم الخليل وعبادة الإله الواحد.

 

9 ـ المطلق الأخلاقي أساس كل مطلق :

سألتني عن الروح والدين، ثمة من يعتقد أن مقولة الروح ملك للدين، وأن الدين ملكه الشخصي. في ندوة تونس (عن العقلانية العربية واقع وآفاق 1987) كان المنتدون، بمن فيهم الإسلاميون يهربون من مقولة المطلق، ولا سيما الجناح العلماني. فمن جملة ما قاله سمير أمين إن الفكر الأوروبي ترك المطلق لمن يشاء، وأمسك بالنسبي. اعترضت على هذا الكلام ورأيت فيه غلطاً. قلت: إن الفكر الأوروبي القيادي من زمن أفلاطون وسقراط إلى اليوم لم يتخل عن فكرة المطلق، لم يترك الأزلي والمتعالي والكامل.. الفكر الأوروبي القيادي وظف المطلق والمتعالي والأزلي، بالمطلق أسس للنسبي وبالأزلي أسس للزمني والتاريخي. أخذ جميع المقولات الدينية هذه، وجعلها، مع كونها دينية، مقولات دنيوية وتاريخية وسياسية وعلمية. كل من يعرف شيئاً في الرياضيات يعرف العدد (p)، ويعرف أنه ناتج قسمة محيط الدائرة على قطرها، هذا العدد اسمه العدد المتعالي. وإذا كنت تعلم ابنك الفيزياء تجد أمامك قوانين تمدد الغازات، فتشرح لابنك أن قوانين تمدد الغازات لا تصح 100% على أي غاز معروف، بل تصح 100% على الغازات الكاملة أو المثالية. الإنكليز يقولون غاز مثالي، والفرنسيون يقولون غاز كامل، بمعنى أنه غاز خال تماماً من أي ذرة بالحالة المائعة أو السائلة. كذلك الصفر المطلق في الفيزياء. في رأيي أن عظمة أوروبا تكمن في كونها لم تتخل عن المطلق وعن المتعالي، بل عظمتها في أنها ثمرت المطلق والمتعالي. أما في منظومتنا الأيديولوجية والثقافية الحضارية التي هي حضارية أكثر منها ثقافية، في منظومتنا هذه لا توجد أية تسمية من هذا القبيل. فالمتعالي متعال وانتهينا. والمطلق مطلق ونضع نقطة. والأزلي أزلي ونضع نقطة. وتجدهم إلى اليوم يقولون: الحادث والقديم يكررون مصطلحات من 1200 سنة. يوم كنا صغاراً كنا نسمع هل العالم حادث أم قديم؟. القديم غير الأزلي. قديم من مليون سنة أو من مئةمليون سنة، ليس لهذا علاقة بالأزلي، الأزلي غير ذلك، يحسب بطريقة غير هذه. الأزلي يؤسس التاريخي والسرمدي يؤسس المتغير.

تحدثنا عن قصة "نقود لماريا"، ثمة كتاب هائل، رواية سوفييتية جميلة، عن معسكرات الاعتقال الرهيبة عام 1937، يصف فيها دوبروفسكي رئاسة المعتقل، خمسة أشخاص بينهم رفيقة واحدة. اسم الكتاب "كلية الأمور التي لا فائدة منها"، يقصد كلية الحقوق (ما معنى كلمة الحقوق وما فائدتها في دولة ليس فيها حقوق، دولة لا يتمتع فيها المواطنون بحقوقهم الطبيعية والمدنية والسياسية، بل ما معنى الدولة من دون فكرة الحق والحقوق؟ج). أحد المعتقلين خريج كلية الحقوق. يصف الكاتب أعضاء قيادة المعتقل بأنهم "أوادم" وناعمون ويلعبون الورق، ويمكن أن يناقشوا في الماركسية، وهم لا يعذبون  بأيديهم، لأنهم قيادة والقيادة لا تعذب بيدها، بعد ذلك يقول عنهم: هؤلاء ليس عندهم المطلق. وأولاً بأول ليس عندهم فكرة المطلق الأخلاقي الذي هو جذر كل مطلق. اسمعوا يا ماركسيون! دوبروفسكي ليس مصراً على المطلق الأخلاقي بل يعده جذر كل مطلق. في الخليج قلت لهم: المطلق والنسبي ليسا شيئين، إنهما مفهومان وحدّان. ليس النسبي شيئاً والمطلق عفريت. المطلق حد يحد النسبي، ومن ليس عنده في فكره وفي روحه المطلق يحوِّل نسبية إلى مطلق وذلكم هو الاستبداد. هذه هي قصة القرن العشرين والتجربة الاشتراكية بوجهها القبيح أكبر من كل تجاربنا. وذات مرة كنت أتحدث مع صديق من القوميين السوريين فقلت له نشكر الله أنكم لم تتسلموا الحكم، لو حصل ذلك كنتم ستقتلون الإخوان المسلمين والكتائب والشيوعيين، عملاء موسكو، والبعثيين العروبيين، وبعد ذلك تقتلون بعضكم بعضاً. وذلك بحكم برنامجكم وأيديولوجيتكم. ثم سألته هل تدافع اليوم عن حقوق الإنسان أم عن جماعتك؟ يجب أن تعرف ذلك. يجب أن تعلم أن كل حزب لا يدافع إلا عن نفسه. كتب أحد الشيوعيين كتاباً طويلاً عريضاً ضد عبد الناصر، خلاصته أن الشيوعيين وطنيون فلماذا يعتقلون ويعذبون؟ من دون أن يتساءل أو يستنكر لماذا يعتقل ويعذب وينفى غير الشيوعيين، والشيوعيون المعارضون في روسيا وفي بلدان كثيرة غير روسيا، حيثما تسلم الشيوعيون الحكم.

نحن نريد الديمقراطية للجميع، نريد حقوق الإنسان، ويجب أن ندين الأيديولوجيات الإنقلابية الهمجية هذه. ومنها الأيديولوجيات الإسلامية، والفكر الإسلامي الفاقد بحكم منطلقاته القدرة على تثمير المبادئ والمنطلقات الدينية الكبرى. المقولات والمنطلقات الدينية يجب أن تثمّر في الحياة البشرية، يجب أن تثمّر في التاريخ وفي التقدم، وقد قلت في تونس: أول المسائل، المسألة الدينية(23). عندنا وجدت المسألة الدينية ثم اختنقت، خنقت ثم تحولنا إلى انحطاط رهيب، إلى كاريكاتور اسمه المسألة المذهبية الطائفية. إذن هناك مسألة دينية أولاً فأنت تؤمن بالله و..و.. ولكن يجب أن تعرف ماذا يطلب منك الله ومن الجماعة. فهل يفرض عليك الله أن تعمل لإعادة إنتاج النموذج الراشدي أم أن الله أباح لك وأتاح لك أن تسعى إلى تقدم وإلى تحسن وإلى تجديد؟ وبعد ذلك هل تريد إعادة إنتاج عصر الراشدين من دون اغتيال ثلاثة خلفاء يا ترى؟ هل بمقدورك أن تضفي القدسية على جميع الصحابة من دون تأليه أي منهم؟ فبعد النبي انتقلت العصمة إلى الخلفاء (والأئمة.ج) وهكذا راح كل واحد ينقل العصمة إلى الحزب الإسلامي الذي يؤيده. لم تتفقوا على من هم القديسون. هذا كله حرام وعيب وغلط، إنكم تحولون الأوائل كعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب أوعمار بن ياسر أو أبو ذر الغفاري وغيرهم إلى طواقم، إلى أحزاب القرن العشرين، إنهم أبرياء منكم. هذا موضوع واسع جداً، ولكن يجب أن نقول: لكي ينتقل الدين إلى سياسة أعلى وأبعد مدى يجب أن يقف على رجليه (لا على رأسه.ج) ويتخلص من صفته المذهبية والطائفية ويكف عن التكفير ويبتعد عن السياسة المباشرة، ويعرف أن دوره الكبير والحقيقي هو في مسيرة تحسين الإنسان، وأن هذه وظيفته الأبدية، وأن لا يكون إزاء السلطة وإزاء الدولة لا في موقف المتآمر ولا في موقف لاحس الجزمة. رجل الدين هو من يستطيع أن يقول رأيه بلا خوف من الموت ومن دون أن يتآمر، وفي كل الظروف هذا هو المثل الأعلى لرجل الدين. رجل الدين هو الذي يستطيع أن يقف في الجامع ويقول، في أي بلد كان، يا سيادة الرئيس يوجد في البلد غلط في كذا وكذا، وهناك حريات تقمع وفقر يزداد.. ويكون مستعداً للاعتقال أو القتل أو أي شيء، من دون أن يتآمر ومن دون أن يكون مفتياً للسلطة المضادة. أي لا مفتي السلطان ولا مفتي السلطة المضادة، هذه هي وظيفة رجل الدين قائداً ورائداً، وللأسف يندر وجود هذا النموذج.

 

 

 

الفصل الثاني

 

المادية والمثالية

 

إذا عدنا إلى سؤال المادية والمثالية، نلاحظ أن في تاريخ الفلسفة سلسلة من الفلاسفة اصطلح على تسميتهم بالفلاسفة الماديين، أو يسلكون في سلك المادية، في خط المادية، أو الماديانية أبرزهم ديمقريط الذري وأبيقور وإسمانيو العصر الوسيط أو أرسطوطيليو العصر الوسيط خصوم الواقعية الأفلاطونية في العصر الوسيط أيضاً، ثم جون لوك والتجريبيون الماديون، غاسندي الذري خصم ديكارت ثم الماديون الفرنسيون والإنكليز في القرن الثامن عشر وأخيراً لودفيغ فيورباخ، هؤلاء أئمة الماديانية ورموزها الكبيرة بوصفها فلسفة حقيقية وجبارة، وهي بحق الفلسفة الماديانية كما اصطلح عليها. المادية الجدلية الستالينية شيء رخيص وتافه مقارنة بهذه الفلسفة.

لدينا في القرن الثامن عشر ما يمكن أن نسميه الماديانية الاجتماعية، عنيت بدراسة الواقع الاجتماعي كما هو، ضد المثالية الواعظة وضد المثالية الرخيصة. بينت مثلاً أن الأنانية تفيد، كأن يقول أحدهم لولا الأنانية لم تتقدم البشرية، أو كأن يؤلف أحدهم كتاباً عنوانه "دفاع عن الرذيلة" أو يصف ثالث المجتمع بعجره وبجره، بحسناته وسيئاته وصفاً تفصيلياً غنياً، في حين اختزلت الستالينية المجتمع بالطبقة "والواقع" بالمادة والحركة وبهذا المعنى إذا أردنا أن نعطي كلمة مثالية وصفاً سلبياً وتحقيرياً نستطيع القول: إن أكبر مثالية في التاريخ هي مثالية ستالين، إذ تختزل الواقع وتبدده وتبخره، تختزل الدنيا إلى مادة وحركة. ما هذا؟ مادة وحركة؟! من قال إن مقولة: لا حركة بلا مادة ولا مادة بلا حركة هي مقولة ضد هيغل؟ بالعكس هذه أطروحة هيغلية ومعظم الماركسيين لم يفهموها. الأطروحة تقول لا حركة بلا مادة، وتقول: لا مادة بلا حركة، أي أنها ربطت بالتلازم مقولة المادة ومقولة الحركة، مقولة المادة التي هي، كما بينا، غير مقولة الوجود وغير مقولة الكائن وغير الطبيعة. ربطت المادة بمقولة الحركة، المقولة البسيطة التي هي غير مقولة التغير وغير مقولة التحول وغير مقولة الصيرورة. مقولة الحركة تعني أن هناك مادة، وهناك مادة تعني هناك حركة. الحركة مفهوم بسيط جداً وكبير جداً. ليس غنياً، ولكنه ليس ملتبساً أو متداخلاً وهي المقولة المحسوسة مباشرة المرئية، أي إنني إذا فتحت عيني لا أرى التغير، أرى الحركة. عندما نقول حركة حسب أرسطو وهيغل وماركس فيجب أن نقول مادة. وعندما نقول مادة نقول مباشرة صفتها الحركة، أي أنها تتحرك. ستالين تحدث عن الحركة من دون المادة. لم تظهر المادة إلا في الفصل الثاني من كتابه (يقصد كتاب "المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية".ج). وعندما تحدث عن المادية قال: المادة، هذا غير معقول وغير ممكن عند أي واحد لديه تربية فلسفية هيغلية أرسطوطيلية. علمنا ستالين أن مقولة الحركة مستوعبة في مقولة التغير والصيرورة، في حين أن العلم الحديث كله قائم على أنه لا بد من فرز الحركة لأن الحركة شيء بسيط، شيء مرئي. الحركة لا تعرف.

جميع الفلاسفة متفقون على أن هذا محرز فلسفي، كل عصر ينحت مقولات أكثر فأكثر ويستحدث مقولات جديدة يبني مقولات ومفاهيم جديدة. في القرن السابع عشر والثامن عشر برزت مقولة الحركة ومقولة المادة مرتبطتين بعلم الميكانيك وبالصناعة والعمل الإنساني.

1 ـ مآثر المثالية أو دفاعاً عن العقل :

ثمة مسألة لا بد من إثارتها وهي أن الفلسفة المثالية الكبرى هي أكبر شقيقة للعقل، شقيقة فكرة العقل Reson فمن غير الممكن أن أتكلم عن العقلانية من دون أفلاطون. إذا سألت من أكبر رموز العقلانية ومؤسسيها فإن الجواب هو أفلاطون. وفي التراث الماركسي الجيد نجد هذا الموقف. تعرفون جورج بوليتزر بوصفه شارحاً فرنسياً متعصباً للماركسية الفرنسية وتعرفون كتابه "أصول الفلسفة الماركسية" الذي ترجم إلى العربية عدة مرات آخرها ترجمة الدكتورة فهمية شرف الدين حسب الأصل.. ونعرف أن كتاب بوليتزر هذا كان كتاباً رئيساً في جامعة الرفاق في عدن هو وكتاب غارودي "النظرية المادية في المعرفة". كتاب بوليتزر جعله معروفاً عندنا وفي العالم على أنه ستاليني متعصب. اليوم هناك بوليتزر آخر، هو نفسه، لكن غيره، عندي مقال لجورج بوليتزر نشر في مجلة الفكر الفلسفية الشيوعية الماركسية سنة 1939، أي سنة صدور تلك المجلة، ثم أعيد نشره في المجلة نفسها عام 1955 في عدد خاص شمل عدداً من المقالات المنشورة في السنة الأولى. عنوان مقال بوليتزر "الفلسفة والأساطير أو الفلسفة ضد الأساطير". يبدأ مقاله برفع لواء أفلاطون الذي طرد الشعراء من المدينة (الجمهورية.ج) مكللين بالزهور، ومعنى ذلك أن المفهوم، الفكرة المفهومية تطرد الأساطير والرموز وصور العصور البربرية البدائية العجمية تمهيداً للانتقال إلى شيء جديد. بوليتزر يرفع لواء أفلاطون وليس غيره. أفلاطون = العقل ضد الشعراء الذين "يتبعهم الغاوون" ضد الخطاب الملحمي الهوميري. اللوغوس الفلسفي يحل محل اللوغوس الشعري. وجورج بوليتزر كان يخوض المعركة، في هذا المقال، ضد الفاشية والنازية وضد الحرب وضد الوجودية التي كان يرى فيها مساعدة للفاشية، وضد الاتجاه المناهض للعقل، كان يخوض المعركة باسم العقل ويرفع لواء أفلاطون من البداية. طبعاً هناك مبالغات في المقال، لكنني أذكر أنني وجدت بوليتزر آخر.

والآن بعد هذه التحية العالمية لأفلاطون أتساءل: ما ميزة المعسكر الآخر، ما مأثرته؟ أقول مآثره كثيرة. الفلاسفة المثاليون لديهم دائماً جنوح مبالغ فيه نحو العموميات، نحو الرؤيات الكبيرة. إن قيمة الفلسفة الماديانية أنها تعيد، تُرجع إلى الواقع، إلى تفاصيل الواقع المعيش. في العصور الوسطى كان هناك معسكران: معسكر أطلق عليه اسم الواقعيين وهم تلاميذ أفلاطون ومعسكر آخر هو معسكر الاسمانيين وهم خصوم أفلاطون. والمشاجرة بين المعسكرين هي مشاجرة الكليات. كانوا يتساءلون ما هي الكليات؟ ما حقيقتها؟، فحين نقول الحصان أو البيت هل هو موجود أم غير موجود، واقع، غير واقع، ما هو؟ هذه المساجلة الرهيبة العظيمة الابتدائية كانت الإطار النظري والقاعدة لكل الفلسفة الغربية في القرن الثاني عشر والثالث عشر، عصر السكولا ستيك العظيم، الأفلاطونيون أو الملقبون بالواقعيين أعلنوا أن الكليات موجودة وأنها هي الواقع الحقيقي، الحصان العام، الحصان المثالي هو جوهر، موجود حقيقي، وما الأحصنة المختلفة إلا ظلال للحصان مع الـ التعريف. في حين كان جواب الاسمانيين، أي الماديانيين، أن لا، فالموجود الواقعي هو الحصان المفرد والأحصنة المختلفة، وها هي أمامنا، هذا ذيله طويل وذاك ذيله قصير، هذا أحمر وذاك أبيض وأحمر.. بين هذين المعسكرين ظهر معسكر المفهوميين، ولعله أقرب إلى أرسطو، معسكر وسط هو نوعاً ما أقرب إلى تفكيرنا أو إلى العقل السليم. ولكن علينا أن نمجد المعسكرين النقيضين، اللذين دفع كل منهما المسألة نحو الحد الأقصى، نحو المفهومية الكبرى. الواقعيون كانوا مثاليي العصور الوسطى أو أفلاطونيي العصور الوسطى، والاسمانيون هم ماديو العصور الوسطى. امتداد الاسمانيين في العصر الحديث هم التجريبيون خلفاؤهم الطبيعيون هم التجريبيون أو الخبريون الذين واصلوا مسيرتهم من أمثال جون لوك وفرنسيس بيكون وسلسلة من الفلاسفة الماديين الأقل شأناً: هوبز وأخيراً بيركلي المثالي الذاتي وهيوم. هنا ارتكب لينين خطيئة كبيرة بالتنقيص أو بالجهل حين قال في كتابه "المادية والمذهب النقدي التجريبي" إن لوك هو مؤسس التجريبية ومن لوك يمكن الذهاب إلى ديدرو المادي، ويمكن الذهاب من لوك إلى بيركلي، أي إن لينين اكتشف بصواب وأعلن أن ديدرو المادي (حليف لينين) يأتي من جون لوك. ولكن خصم لينين المثالي الذاتي الرجيم يأتي أيضاً من جون لوك. هذا لطيف جداً من لينين. لكن هناك نقطة يجهلها لينين هي أن بيركلي لا ينتسب إلى التجريبية فقط، بل ينتسب مباشرة إلى الاسمانيين، إلى اسمانية العصور الوسطى. أي إن بيركلي يعرف بأنه اسماني، وسبق أن قلنا إن الاسمانيين هم ماديو القرون الوسطى فبيركلي المثالي الذاتي الذي ينكر المادة والأشياء لا ينتسب إلى أفلاطون بل إلى اسمانية العصر الوسيط، إلى مادية العصر الوسيط. واضح أن لينين لم يكن يعرف هذه النقطة حين كتب كتابه المذكور، ولعله ظل يجهلها إلى آخر عمره، لأنه ليس متخصصاً في الفلسفة. وإنك إذا فتحت أي كتاب مدرسي فرنسي أو أي قاموس فلسفي جيد فسوف تجد أن بيركلي ينتسب إلى التجريبية وإلى الاسمانيين مباشرة.

ومن مآثر المادية أو الماديانية أنه في حين كان الأفلاطونيون والعقلانيون يرفعون لواء العام، كان الماديون يرفعون لواء الأفراد، حين كان المثاليون يرفعون الهوية العامة والوحدة كان الماديون يرفعون لواء التعدد والاختلاف، لواء الفرد والأفراد. وحين كان المثاليون يعظمون اللغة والكلام واللوغوس، باعتبار أن اللغة قائمة على الكلي وعلى العام، راح الماديون في القرن السابع عشر والثامن عشر يهاجمون اللغة ويحذرون من خداع اللغة. الماركسية الستالينية شطبت ذلك كله. رفعت لواء المادية من دون أن ترى مآثرها ولا سيما مأثرتها الكبرى الحقيقية، فقد تحدث ستالين في كتابه عن التطور والتغير والصيرورة والكم والكيف والتناقض وصراع الضدين.. لكنه ألغى مقولة الاختلاف وألغى الفردي والأفراد، ومن ثم ألغى الهوية وألغى العام. فإلغاء الخاص هو إلغاء العام، ومن يلغي الأفراد يلغي الهوية العامة، يلغي الهوية الفردية ويلغي، في الوقت ذاته، الهوية بصفتها تماثل المختلفات، أي يلغي الهوية بشكليها، لم نعد نرى الفردي ولم نعد نرى الهوية تماثلاً بين المختلفات. هنا ارتكب ستالين تزويراً مرعباً وصريحاً لعله التزوير الأكبر في كتابه، فضلاً عن التزويرات غير المباشرة كأن ينقل نصاً من إنجلز ويقتطع منه واضعاً ثلاث نقاط مراراً ويشوه الشواهد.. ولكن هنا في هذه المرة ارتكب تزويراً مباشراً إذ اعتمد في عرضه الديالكتيك على شواهد من إنجلز ومن لينين، وحين وجد من الضروري إدخال ماركس نقل شاهداً من سطرين يقول: الفكر يحتاج إلى حامل والحامل هو المادة. المادة حامل الفكر وقوام الفكر. جملة جيدة وصحيحة يمكن أن تأتي بأساقفة يقولون إنه كلام جيد ولسنا مختلفين معه، والجملة قابلة للتأويلات. وعندما وصلت إلى فحص هذا القسم من الكتاب ونقده شعرت بأنني قرأت هذه الجملة مراراً، وتساءلت أين يقول ماركس هذه الجملة؟ قرأت الترجمة الدمشقية لكتاب ستالين فوجدت أن المترجم يحيل على إنجلز، مع أن النص يقول: كارل ماركس يقول... وبعد التدقيق وجدت أن ماركس هو قائلها في إحدى مقدمات الاشتراكية الطوباوية والاشتراكية العلمية، طبعة إنجليزية، وذلك في معرض حديثه عن تاريخ المادية في إنكلترا، ذاكراً ما كتبه ماركس قبل خمسين سنة أي عام 1845 في كتاب العائلة المقدسة، إذ تحدث في فقرة منه عن تاريخ المادية في إنكلترا وأهمية الفلسفة المادية في تاريخ إنكلترا في القرون الوسطى وفي العصر الحديث، حتى وصل ماركس في عرضه إلى ما يلي: ثم جاء هوبز، ومع هوبز أصبحت المادية فقيرة وعابسة وفقدت زهوها ورونقها وحسيتها، صارت عابسة وهندسية وميكانيكية وقاتمة، وقد أعطى هوبز البرهنة التالية: (يلخص ماركس برهنة هوبز بنحو عشرين سطراً ليبين بعد قراءتها أن هوبز ضائع ويشن حملة على ما يسميه الأسماء الجماعية، إذن حملة على اللغة، ومن جملة ما قاله: المادة مفكرة، المادة تتحرك وتفكر، وكل فكر يحتاج إلى قوام وهذا القوام هو المادة). هذا هو السطر ونصف السطر الذي نقله ستالين ونسبه إلى ماركس، في حين كان ماركس يعرض برهنة هوبز ويلخصها. وإذا تابعت قراءة نص ماركس تجد بعد سطر ونصف عبارة على لسان ماركس أو من برهنة هوبز، تقول: إن وجودي وحده هو المؤكد. هذا كلام هوبز وكلام الأسقف بيركلي أيضاً. المهم في نص هوبز أنه يُظهر للإنسان الذي يعرف تاريخ الفلسفة أن هوبز يرفع لواء الفردي والمفرد. وها أنت يا ستالين استشهدت بهوبز وقلت إنك تستشهد بماركس، وشطبت المفرد ونقلت جملة من دون أن تتمها بالتي بعدها وهي: إن وجودي وحده هو المؤكد. إن هذا تزوير وتضليل وغلط. وكنت قد ترجمت هذا النص لكارل ماركس في مؤلفات الشباب سنة 1963 وهو نص شهير. كتاب ستالين كله يقوم على نفي الاختلاف ونفي الأفرادية. ففي الواقع (عنده) لم يبق أفراد مختلفون، كل الأشياء متشابهة، لا سيما عندما يتكلم عن صراع الطبقات، كأن الواقع الاجتماعي ليس فيه سوى الطبقات، حسناً، والأفراد؟ لا يوجد ذكر للأفراد. وحين يتكلم عن الوعي والإرادة الثورية وعن التطور والثورة وكذا وكذا يعطي مثالاً يبين فيه أن ما يحصل في التاريخ ليس ما يريده الناس، ليس إرادة الناس بمعنى أن أهدافنا محدودة ونتائج أفعالنا أكبر.

إذا أردت أن تفهم هذه القضية، قضية المادية في الصميم، قضية المادية التاريخية، أو قضية التصور المادي للتاريخ فإن أفضل شيء أن تقرأ مقال إنجلز "دور الشغل في تحويل القرد إلى إنسان". في ضوء ذلك يحق لنا أن نسمي مذهبنا التصور المادياني للتاريخ.

2 ـ الصفة الأفرادية للواقع :

حين يعرض ستالين حقيقة أو فكرة أن الناس يبحثون عن/ ويسعون إلى أهدافهم الفردية المباشرة ولكن النتائج الاجتماعية البعيدة تختلف عن أهدافهم، فإنه يعطي عدةأمثلة، وهي لطيفة، من جملتها أن البورجوازية حين أقامت معامل ومصانع لم تكن تعرف أن هذا سيؤدي إلى نمو الطبقة العاملة التي ستزعزع أركان النظام الرأسمالي، وحين قامت البورجوازية الروسية بالتصنيع في روسيا لم يكن يخطر ببالها أن هذا سيؤدي إلى قيام الطبقة العاملة وحزب العمال الماركسي الثوري الذي سيقضي على النظام البورجوازي. ويعطي هذين المثالين في إطار الحديث عن صراع الطبقات، ولكنه قبل ذلك يأتي بمثال من المشاعية البدائية مفاده أن التحسينات التي أدخلها الناس على وسائل الإنتاج أفضت إلى النظام العبودي، وكل ما كانوا يفكرون فيه هو أن هذه التحسينات والاختراعات ستعطيهم مكاسب آنية ويومية وفردية. هنا أقول من دون الدخول في التفاصيل: إن ستالين يعترف ضمنياً أن هذا المجتمع المشاعي البدائي مؤلف من أفراد مختلفين وأن التحسينات والاختراعات قام بها أفراد، وليس المجتمع كله، ومع ذلك، فإن فلسفة ستالين قائمة في أساسها على حذف مقولة الاختلاف، أي على حذف مقولة الفرد والأفراد، وهنا لا بد أن نوجه التحية للفلسفة الماديانية، فلسفة لوك وهوبز وآخرين، وللاسمانيين في العصر الوسيط ونضيف إليهم فيلسوفاً مادياً هو ليبنتز، الذي هو الذروة في هذه المسألة، فقد أعلن ليبنتز واقعية الفردي ومبدأ الاختلاف حين كتب، ولما يتجاوز السادسة عشرة، مذكرة بعنوان "المبدأ الفردي" وبعد عشرين سنة من ذلك كتب إلى آرنو عالم المنطق واللغة في دير بور ريّال يقول: ما ليس كائناً مفرداً فهو ليس بكائن. وهذا متفق مع فيورباخ الذي يرى أنه في بداية المعرفة، أو بداية علم الظاهرات التي هي البداية يجب أن أعلم أن هناك ظاهرات ويجب أن أكوِّن رؤية عنها ثم يجب أن أنجز عنها علماً، ولكن في بداية علم الظاهرات ليس لديّ سوى التناقض بين الفكر ومعه الهوية، والوجود ومعه الاختلاف. أي إن الذي في فكري هو هوية وكليات، وإزائي، خارج رأسي، يوجد الوجود الذي قوامه الاختلاف، (إذن إزاء الهوية والكليات ثمة الأفرادية والاختلاف.ج).

الستالينية شطبت الصفة الأفرادية للواقع، أسميها الأفرادية والصفة الأفرادية للواقع. واخترعت لنا أفلاطونية بلا أفلاطون وعظمة أفلاطون، بلا عقلانية أفلاطون. اخترعت لنا مثالية من نوع جديد ألويتها وراياتها: المادة والطبيعة والمجتمع والطبقة، وخاصة الطبقة وكل المقولات الستالينية، علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج، هذه الأصناف الرهيبة المرعبة، ومن جملة النتائج أنه بعد أن كنا متصورين أن العلم البورجوازي الغربي اخترع السوسيولوجيا (علم الاجتماع) ليكون بديلاً من علم الاقتصاد (السياسي) لأن علم الاقتصاد (السياسي) ماركسي وطبقي، وجدنا أن علم الاقتصاد (السياسي) في القرن العشرين غير موجود في الاتحاد السوفييتي. إن علم الاقتصاد غربي وبورجوازي إلى اليوم. أما الذي تعلمناه تحت اسم الاقتصاد السوفييتي فليس علماً، علم الاقتصاد الغربي يرتكب ألف خطيئة لكنه معرفة علمية ومعرفة في صلب الاقتصاد ومعرفة ناقصة، ومغلوطة ولكنك تجد فيه شيئاً.

أردت أن أثبت اليوم، أن مأثرة المادية، التي لم تدركها الماركسية الستالينية هي تأكيدها الاختلاف والتنوع وأفرادية الواقع. لذلك فإن لتاريخ الفلسفة وجهان: فلاسفة رفعوا لواء الهوية، وآخرون رفعوا لواء الاختلاف وجميعهم بنوا صرحاً واحداً وعمارة واحدة أسميها علم الفكر. هنا عظمة الفلسفة اليونانية التي هي علم موضوعه الفكر. وليكن معلوماً أن العلوم موجودة قبل اليوم. أما أن تنشئ عن اللغة علماً هو علم نقد الكلام، نقد الكلمات، فإن هذا العلم هو علم الفكر، وموضوعه هو الفكر.

وإذا تساءلنا ما هو أقرب شيء إلى هذه الانطلاقة اليونانية في أيامنا؟ أقول: إن أقرب شيء هو طوكيو وهارفارد وأكسفورد والسوربون، إنهم القريبون من الفلسفة اليونانية: هاينزبرغ هو الأقرب إلى ديمقريط وأفلاطون. في عالم اليوم علوم كثيرة، ولكنها جميعاً وقبل كل شيء علم الفكر. وإذا قلت لي ما نقدك للتعليم في سورية وماذا تقترح شعاراً لهذا التعليم؟ أقول مباشرة: إن كل حديثكم عن الاختصاصات والتخصصات واللحاق بالعالم المتقدم حديث مهزوز وكلام مغلوط، وأنا أقترح ما يلي: لتكن جميع المواد في التعليم من القراءة والإملاء في الابتدائي إلى النقد الأدبي في الجامعة، لتكن جميع هذه المواد مجيرة لشيء واحد هو الفكر. إنه المثل الأعلى، أريد مئتي مليون عربي يفكرون، من النجار والحذاء إلى القائد السياسي ورجل الدين. ومبدأ الفكر هذا هو مبدأ الوجدان والضمير وهو أيضاً مبدأ الفرد والضمير والتفكير والإبداع والخلق. أريد تعليماً يجعلنا نشعر أننا أخوة وشركاء، ونشعر أننا نضرب جميعنا إذا ضرب أحدنا، ويجعلنا لا نقبل احتكار الفكر والإبداع، ونرفض أن يكون العمل البشري تنفيذاً لإرادة غير إرادة الفرد الحر (والحر هو العارف والواعي والمسؤول.ج). أن يتحول البشر إلى منفذين فهذا دون الحيوانية، لا يجوز أن يصبح العمل الفكري تنفيذاً، أي يجب عليك أن تفكر كما نريد وكما نقول لك، أو لتفكر كما تريد ولكن إياك أن تغلط، إياك أن تغلط يعني لا تفكر، ممنوع عليك التفكير (فمن لا يفكر ولا يعمل لا يخطئ.ج). وربما يقولون لك: نحن لا نخطئ، حسناً: والحجر كذلك لا يخطئ، والنحلة لا تخطئ. (علم النحلة تام أما علم الإنسان فهو ناقص دوماً، والخطأ ظل العمل ورديف التفكير.ج).

هناك قول مأثور لباسكال، المؤمن المتصوف الجبري، رمز الإيمان والتصلب الإيماني، والتعصب الإيماني، الأديب الرائع في الفرنسية وعالم الرياضيات والفيزياء الجبار، الأوغسطيني الجبري، خصم اليسوعية، يقول في كتاب له عن نظرية الفراغ، بصدد الخلاف بين أنصار القديم وأنصار الحديث، إذ يقول أنصار القديم إن اليونان والرومان هم الأئمة ومن غير الممكن أن نجاريهم أو نفوقهم، وهذا موقف معروف عند جميع الشعوب وعندنا نحن العرب أيضاً، فالمتنبي وأبو تمام في القمة، ولا نستطيع أن نبدع أفضل منهم، يقول باسكال: إن هذا افتئات على المعاصرين، كان تفكير القدماء وذهنهم وروحهم متجهاً نحو المستقبل، نَفَسهم مع التقدم، ولذلك كانوا يبدعون ويكتشفون، وفي الوقت الذي نجبر أنفسنا على اتخاذهم مثلاً أعلى، ونكتفي بمحاكاتهم ولا نخالفهم إنما نفتئت عليهم أيضاً، ولا نسير مع روحهم إطلاقاً. هنا يقول باسكال قولاً جميلاً ملخصه أن "علم النحلة كامل وعلم الإنسان ناقص". هذا هو امتياز الإنسان وتفوقه على النحلة. نحن نتصور العكس كأننا نذم الإنسان لأننا مع الكمال وليس مع المسيرة نحو الكمال، ليس مع مسيرة التحسن والتحسين. نحن نستعمل مقولة الكمال لتشير أن الدنيا ناقصة فقط، لا نضيف لأنها ناقصة يجب أن تتقدم (توظف مقولة الكمال أيديولوجياً لذم الدنيا والانصراف عنها، وفي حقيقة الأمر للانصراف عن العمل الجماعي والاجتماعي.ج). هنا أشير باصبع الاتهام إلى الحلول الكاملة. المنظومة الأيديولوجية الثقافية العربية الإسلامية الشرقية مصابة بالحلولية. فكل منظومة تزيح الإنسان وتزيح فكرة أن هناك عالماً مدنياً هو من اختراع الإنسان وإبداعه وإنتاجه إنما تحل الله في الطبيعة، فيصبح الله والطبيعة شيئاً واحداً. الخروج من الحلولية يبدأ من توكيد الإنسان وتاريخ صعود الإنسان. ما بالنا أمام كل مشهد طبيعي وظاهرة طبيعية نقول سبحان الله، سبحان الخالق، كأننا نقول سبحان الطبيعة وسبحان المخلوق. من الناحية الدينية هناك الله وهناك الطبيعة وهناك الإنسان الذي وصفه القرآن بأنه خليفة الله، (استخلفه الله في الأرض.ج) إذن هناك تاريخ. (وهنا لا بد أن نذكر المرحوم ياسين الحافظ، الرفيق ياسين، في مسألة الله والعقل والتاريخ، ما زلت أتذكرها جيداً، وهي مسجلة).

3 ـ نقد الحلولية :

الحلولية في تاريخنا تتفق مع المانوية، وتتراكب معها. المانوية هي الإيمان بأن جماعتي خير والآخرون شر. لم يعد الخير والشر موجودين في كل إنسان، في الأجناس كلها، وفي البشر جميعاً، في بني آدم جميعهم. يقولون لك، لا، نحن الخير والصواب، من نحن؟ أمة العرب؟! أمة المسلمين؟! أم أمة الماركسية والطبقة البروليتارية؟ نحن الخير، شعب الله المختار. كما قلت في رثاء ياسين، بقية البشر هم الغوييم (الأغيار.ج) الضالون والأمم الضالة، الوثنية..إلخ. يلفت نظري أن الحلولية والمانوية موقفان أصابا المسيحية الروسية منذ البداية، كما يقول كاتب روسي. يذكر هذا الكاتب أنه عندما تنصَّرت روسيا كان قد تنصَّر فيها البلغار في البلقان، الروس نقلوا كتاب "صلوات ودين" عن البلغار. وبلغاريا كانت قبل ذلك بوغومية أي من المانويين، وامتزجت المانوية لديهم بالمسيحية. كأن الكاتب السوفييتي يمتدح الغرب، ونحن نعرف ما جرى في الغرب: في جنوبي فرنسا وقعت جريمة كبرى بين 1210 ـ 1220م إذ كان في جنوبي فرنسا منطقة مزدهرة وأهلها طيبون ومسالمون هم البيجوا والكتار أي الأطهار، أو البوغوميون، نابذو الشر، تحالف يومها هرطقة شمالي فرنسا ورهبنة الدومينيكان وبابا روما وبارونات الشمال لمكافحة هؤلاء الزنادقة الجنوبيين، وزحفوا عليهم وأبادوا منهم الآلاف، جريمة كبرى. وراء هذه الإبادة كان ثمة عوامل كثيرة مختلفة لها علاقة بالمصلحة. بارونات الشمال كانوا برابرة مقارنة بالجنوبيين، وفرنسا وحدت نفسها قومياً ولغة إذ انتصرت لغة الشمال على لغة الجنوب، أي على اللونفيدوك، ما لفت نظري أن ذلك الكاتب السوفييتي يرى وجهاً آخر في الموضوع، رأى أن المانوية والحلولية لم تسيطرا في الغرب. ولكن الواقع غير ذلك، ففي كل إيمان ديني، وفي كل عقيدة دينية، وفي كل كتاب مقدس تستطيع أن تجد ما تريده. النفس الحلولي موجود، ولكن يجب أن تعرف اللون الغالب. في تاريخ المسيحية الغربية لم تكن الحلولية والمانوية اللون الغالب.

ما الحلولية في تاريخ المسيحية الروسية؟ إنها شيء يأتي مباشرة من بيزنطة، من الفن البيزنطي والأيقونة البيزنطية. النظرة البيزنطية هي نظرة تمجيد الخالق في المخلوقات، ورؤية الحكمة الإلهية في كل مكان وفي كل شيء، كأن المخلوق هو تجل لله وليس مخلوقاً منخفضاً، طبعاً سترى مثل ذلك في الصوفية، وفي مواقف مختلف الشعوب ومختلف الناس. في بيزنطة مثلاً هناك "الحكمة الإلهية". أهم كنيسة في بيزنطة (هي جامع اليوم) ومتحف في اسطنبول اسمها أياصوفيا أي الحكمة المقدسة، حكمة الله ـ صوفيا. (أذكر عندما كنت مدرساً في الحسكة سألتني طالبة هناك وأنا أشرح لهم كلمة فلسفة فيلوسوفيا أي محبة الحكمة، سألتني عن صوفيا لورين). سوفيا، الحكمة، والحكمة الإلهية تعود لبيزنطة. هذا الموقف ضروري في الدين ولا بد منه، ولكن في الوقت الذي نتركه يغلب ويسلطن ينتهي كل شيء، ينتهي الديالكتيك، العلاقة بين الله والعالم. ربما، تسعة أعشار الثقافة العربية الإسلامية انشطرت بين موقفين: الحلولية والحكمة الإلهية في كل شيء، في جانب، وفصل الله نهائياً عن الدنيا في جانب آخر، وانتهينا. قد تقول لي كيف سارت الأمور في الغرب؟ في الغرب ليس عندهم كلمة الدنيا، إنهم يقولون العالم، والزمن والزمنية. وكلمة عالم أرقى من كلمة دنيا، إلا إذا أعطينا كلمة الدنيا معنى جميلاً وليس تحقيرياً كما في أغنية أم كلثوم: الحب دنيا، أي شيء كبير ومتنوع. ولكن في الأيديولوجية الإسلامية الدنيا دنيئة، ولدى بعض الشيعة المعتدلين قبول بالدنيا، هذا شيء جيد، ولكننا نريد أن تكون الدنيا تاريخاً، أي قابلة للارتقاء، دنيا غير قابلة لأن تكون جنة، ولكنها قابلة للتحسن والتحسين، وواجب الإنسان أن يحسنها ويحسن نفسه.

إن موقف الإنسان من العالم، الموقف الروحي الصميم والحميمي أختصره في ثلاث نقاط: أولاً: موقف رفض الدنيا وأعني العالم، موقف لا يرى في الدنيا سوى الأنانية على عكس السماء والجنة. قسم من هذا الموقف جيد (بما هو رفض للأنانية ولدناءات الدنيا) ولكن إزالة الدنيا وتطبيق السماء على الأرض باسم الدين أو باسم الإلحاد والشيوعية، بحجة أننا يمكن أن نقيم الفردوس على الأرض، أمر مستحيل وحماقة، باسم ذلك الفردوس أقاموا جهنم. هذا الموقف يمكن أن نصفه بالبوذي، مع أنني أظلم البوذية هنا فأنا شخصياً أحترم البوذية، وآسف لأن الناس في بلادنا لا يعرفون شيئاً أو شيئاً كافياً عنها، ولاعن البراهمانية، ويجهلون كل ذلك "الشرق الأقصى" وحضارته، نحن تعرفنا على ماوتسي تونغ من دون بوذا وكونفوشيوس. هذا غير معقول. الموقف البوذي يرى أن الشر موجود في الكون وليس فقط في الإنسان فالذئب يفترس الغزال، الشر في الكون المادي كله. وهذا لا يمكن إصلاحه، ولذلك فإن على الإنسان أن يكون خيراً وطيباً ورحيماً. إنهم يتحدثون عن الرحمة والتراحم على نحو أشد من المسلمين أو المسيحيين والبوذية تطبع الإنسان بطابع التهذيب والحلم وهذا موقف هائل.

الموقف الثاني هو قبول العالم، ولكن على أمل أن يأخذنا الله، بعد الموت، إلى الجنة. نحن الآن في العالم نقبله ونعيش فيه، نعمل ونجمع المال وننفذ فرائض الدين ونقوم بأعمال الخير على الصعيد الفردي أو في إطار جمعيات البر والإحسان، قبلنا العالم. هذا الموقف يصادم الموقف الأول، وهذا الموقف هو موقف القسم الراجح من السنة، في حين تجد شيعة ثورية ترفض العالم، علي شريعتي مثلاً. نقبل العالم باسم الواقعية الإيجابية.

الموقف الثالث، هو موقف النفي الإيجابي كما يسميه ألبرت شفايتزر، أي أقول للعالم لا وأقول له نعم، أي إنني أقبل العالم من أجل تغييره. وهذا يعني أن العالم قابل لأن يتغير، إن له تاريخاً هو تاريخ صعود وارتقاء وجهاد الإنسان فردياً كان أم جماعياً واجتماعياً هو عمل ارتقائي. أعتقد أن هذا الخيار الثالث هو الذي كان، في النتيجة خيار العقل الأوروبي، خيار النخبة التي قادت أوروبا عبر صراعات طويلة ومريرة منذ مئات السنين. هذا الخيار هو الأكثر اتفاقاً مع روح وفكرة الله الواحد الذي يبعث أنبياء.

4 ـ دفاعاً عن الشر، دفاعاً عن الحد والمعقولية :

لهذه القضية وجه آخر، أسميه الموقف من الشر. قضية الشر في صلب القضية الدينية المسيحية أو الإسلامية، في صلب تناقض هذه العقيدة. وحين أقول تناقض العقيدة فإنني أحييها لا رافضاً لها ولا شاتماً إياها، لأنني رجل مع الديالكتيك، وأعتقد أن لب الدنيا هو التناقض، والتناقض في لب الموضوع، هذا التناقض نعرفه منذ كنا مراهقين، فالله عادل وكلي القدرة ورحيم فلماذا يأذن بالشر ويتركني أرتكب الخطيئة ثم يعاقبني عقاباً أبدياً، ألا يقدر أن يمنع الشر والجريمة..؟ هذه القضية لوعت الفلسفة الأوروبية والأدب الأوروبي، وهنا نذكر من بين أمثلة كثيرة ليبنتز وتهكم فولتير على ليبنتز وأدب دوستويفسكي. لليبنتز أطروحة شهيرة هي: "أحسن العوالم الممكنة"، نحن في أحسن العوالم الممكنة. عندما حدث زلزال لشبونة وأودى بحياة عشرات الآلاف تحول الزلزال إلى مشكلة كبيرة في تاريخ الفلسفة والفلسفة الأخلاقية عامة. ثمة من قال: إن الله عاقب أهل لشبونة لأنهم أغنياء متهتكون يرتكبون الموبقات، ورد عليهم آخرون: ولكن ما ذنب الأطفال. تهكم فولتير على ليبنتز وسخر منه، وفولتير كان معروفاً بروح الدعابة وخفة الظل، مع أنه مناضل أيديولوجي وسياسي. واليوم تؤكد كثير من الدراسات أن فولتير لم يقرأ كتاب ليبنتز "غايات الله في خلقه". ما هي غاية الله؟ لماذا يوجد الشر؟ من الواضح أن فولتير بدا متشائماً إزاء ليبنتز المتفائل الساذج. والحقيقة أن ليبنتز لم يكن متفائلاً ولا ساذجاً، لأن محصلة النقاش كانت تفضي إلى الاتفاق على أن الله خلق عالماً، لم يخلق جنة وملائكة، خلق عالماً دنيوياً وتاريخياً. قد تضحكنا اليوم حذلقات ليبنتز من نوع: لو أن يوليوس قيصر مثلاً لم يقتل هذا العدد من خصومه لجاء حاكم آخر وقتل أكثر، أي لو لم يحصل هذا الذي حصل فلربما كان سيحصل ما هو أسوأ. العالم عالم وليس جنة. هذه حصيلة الجدالات الفلسفية والأدبية فولتير وليبنتز ودوستويفسكي..إلخ. والإنسان ليس إلهاً ولا ملاكاً، البشر بشر والعالم فيه الخير والشر.

اليوم في القرن العشرين ثمة موقفان من الشر: الموقف الغربي وموقف آخر سوفييتي وعربي وشرقي. الموقف الشرقي بخلاف الغربي يقول: يجب أن نستأصل الشر. كيف يمكن استئصال الشر، هل بطريقة استئصال المرض الخبيث ذاتها؟ بالسكين؟! الموقف الغربي يعترف بأن الشر جزء من العالم لا يستأصل، بل يمكن تقليصه جيلاً بعد جيل. يمكن تهذيب الأنانية، وإقامة نظام يجعل جميع الأنانيات وجميع ملاحقاتنا لمصالحنا الأنانية تصب في خدمة المجتمع، في خدمة الجميع وتحسِّن الجميع. ليس من الممكن استئصال الأنانية، هل تريدون مني أن أحب أولاد الجيران أكثر من أولادي؟ هذا طلب المستحيل؟ تريدون أن تضربوا بيد من حديد؟ فلتضربوا، ولكن، لن تستطيعوا أن تسيطروا على قلبي وضميري. فإن استئصال الشر سوف يرجعنا إلى المانوية، إلى وهم أن الشر متجسد في قسم من العالم وفي فريق من الناس هم أمة كفار أو مجموعة المستغلين أو  سلاطين وفقهاء أو زنادقة في السياسة أو معارضة سياسية. كل هذا في الجو نفسه، ولا أستطيع أن أسمي هذا الجو بأنه جو ديني، أو جو ديني يلبس لبوس العلم، لا، أريد أن أسميه تسمية تشمل الجميع، فليس من الإنصاف أن ننسب كل شيء في هذا الجو إلى الدين فالشيوعية قامت على الإلحاد، الرفيق أنور خوجة أغلق المساجد وألغى الأسماء الإسلامية (محمد وأحمد..).

هنا يحضرني مقطع جميل من كتاب جان جاك شوفالييه "المؤلفات السياسية الكبرى من مكيافيللي إلى عصرنا" يقول فيه بصيغة الشرط الفرنسية المهذبة، صيغة الشك والاحتمال، يقول: قد تكون هناك أمة من الأمم لها مزايا جبارة وعظيمة وحسنات (إنه يقصد فرنسا من دون أن يسميها) وقد يكون لها بعض الموبقات والعيوب والفلتنات، وقد يغرينا القول: أليس من الأفضل أن نزيل هذه العيوب كي تصبح الصورة أفضل وأجمل؟ يقول مونتسكيو، لكن حذار حذار ربما إذا أزحنا هذه العيوب تنهار الصورة الأساسية. أحب أن أذكر هذا القول لمونتسكيو دوماً، لا سيما حين يذكر لي بعض الأشخاص حوادث قبيحة تكررت في باريس مثلاً كعلاقة رجل بابنته، وأضحك حين يتساءل:ـ لم لا يجري مثل ذلك في مجتمعات أخرى؟ أقول له الفرق أن المجتمعات التي تعني تتستر على كل شيء وهنا لا يتسترون على شيء. وأذكر له قول مونتسكيو: انتبهوا هذه القضايا القبيحة المتنوعة لا تستأصل بالسكين، ولا ينبغي أن تكون هذه الطريق طريق فرنسا.

لأنتقل إلى قضية أخرى، عند التقدميين وأنصار المعرفة العلمية والتقدم الاجتماعي، وأنصار العلمانية كذلك، تأكيد مبالغ فيه على المعرفة العلمية. وهذا أمر مفهوم، ولكن لماذا نهرب ونتهرب من مقولة التطور ونظرية التطور والارتقاء. المعرفة العلمية هذه المهمة والضرورية نتاج عمل البشر وتعاملهم مع الطبيعة وفيما بينهم، إن اختراع الزراعة وتدجين القمح والحيوان وإقامة أول بيت وأول قرية قبل عشرة آلاف سنة في بلاد الشام أو حولها أو في وديان المكسيك أو في جزء من ليبيا ثم بعد ذلك في أوروبا، هذا التاريخ وما قبله، هذا الاختراع المتنوع أقام الأسس النهائية لحضارة الإنسان، وذلك لم يحصل في أحضان العلم والوعي العلمي والمعرفة العلمية لا من قريب ولا من بعيد ولا في أحضان الفلسفة النظرية اليونانية، إن من فعل ذلك، هم الناس، حتى قبل أن يعرفوا الكتابة، ولا ندري ما كانت لغتهم آنذاك، هذا الاختراع تحقق في أحضان الوعي الديني والفني (من الفن) الأسطوري الأخلاقي المعنوي، هذا ما يجب أن ندركه أولاً، وأن نؤكده ثانياً. كان لدى أولئك الناس الأوائل والأقدمين أساسيات روحية، ابتدائيات أعتقد أن هذا شيء مهم نضيفه إلى ما قلناه حول الدين، وهذا ما يجب أن نكون منفتحين إزاءه.

وسأختم كلامي في هذه المسائل بالملاحظة الآتية: قرأت مؤخراً تقريراً صادراً عن وزارة الخارجية السوفييتية، يتحدث عن العلاقات الخارجية ونشاطات وزير الخارجية شيفاردنادزه وعن موضوع السلام..إلخ، ولكن ما لفت نظري المقدمة القصيرة التي تتحدث عن الاتحاد السوفييتي إذ تقول: لقد أنتجنا كثيراً من المواد الأولية والنفط والغاز وأنتجنا كثيراً من الآلات والأدوات والتقنيات... ولكننا أهملنا إنتاج الذكاء البشري. إذن الذكاء البشري ينتج ولعله أهم ما يجب أن ينتج. واليوم إذا أردنا نحن، إطعام شعبنا كيلا يتشرد في أصقاع المعمورة، أو إذا أردنا خلاص البشرية فإن أهم شيء نفعله هو إنتاج الذكاء البشري. وإن مقولات الذكاء والفكر والتفكير والذهن والفهم أخوات. وإنني لأتحفظ على/ وأستنكر تضخم وتواتر وتكاثر استعمال كلمة العقل عند العرب على الطالع والنازل. نقول العقل ولا نقول الوعي والروح ولا نقول الذكاء والذهن والفهم ولا نقول الفكر هذه مصيبة. إذا أجرينا مقارنة بين قاموسنا (أي كلامنا) وقاموس الفرنسيين أو الألمان أو الإنكليز تجد الأمر على غير ما هو عندنا. نحن نحب كلمة العقل، وإن لم نكن أكثر عقلانية من غيرنا. ويبدو أن المترجمين غالباً ما يضعون كلمة العقل محل كلمة الروح. في اللغة الفرنسية عندهم La Resone (العقل) لا يأتي في سلسلة المقولات المادية ولا في سلسلة المقولات الروحية، ربما لأنهم يعتقدون أن العقل موجود هنا أولاً في المسلسل الواقعي، وهنا الفكر، يجب أن يكتشفوه، والفكر هنا والوعي كذلك سيجهد ويتعب حتى يصبح عقلاً، والفكر هنا له صفة إبداع الواقع. هذه قضايا يجب أن نشير إليها.

وهناك نقطة أخرى أريد قولها: أتمنى عليكم أن تقرؤوا جيداً كتاب “أصول الفكر اليوناني" لا يحضرني الآن اسم مؤلفه. أي كتاب عن اليونان في القرن السابع والسادس والخامس (ق.م). والمقصود بأصول الفكر اليوناني الفكر الفلسفي العملي / النظري المفروز عن عموم الثقافة. الثقافة ميدان الروح وهو ميدان واسع جداً. اليونان، فرزوا الفكر النظري، تقرأ في هذا الكتاب من جملة أمور، أن ما حصل في اليونان آنذاك هو تحول التربة كلها عندئذ بزغت الشجرة التي اسمها الفكر العملي/ النظري. الثقافة كلها تغيرت، الأخويات الدينية، الباطنيات، الفيثارغورثيات تغيرت، لم تلغَ، بل تغيرت، كما لو تصورنا أن المولوية أو القادرية أو النقشبندية عندنا، تغيرت، مع بقاء أسمائها، ودخلت في عمل إنساني نهضوي في الوطن، العادات تغيرت وكذلك الأخلاق، برزت فكرة الحقوق السياسية، وفكرة السياسة، انتقلنا من مجتمع القصر إلى مجتمع الساحة، إلى مجتمع المدينة، اللوغوس تغير، كان اللوغوس هو الصوت، صوت الملك، وصوت الكاهن، عندما ينطق أحدهما فقد نطق الحق، الحق يتكلم والشعب ينفذ. المرحلة الثانية مجتمع الساحة مع المدينة، الساحة الفارغة وليس القصر المادي الشاهق وسط المدينة. هذان إثنان مختلفان يتساجلان والشعب يسمع لكي يحكم ولكي يختار. السياسة والفلسفة أختان شقيقتان، المدينة والمنطق، السياسة والمنطق، ينموان معاً وينحدران معاً. نحن في انحدار الفلسفة وانحدار السياسة. ما الذي ينمو حين تنحدر السياسة؟ الذي ينمو هو الحرب.

في التطور اليوناني عند بزوغ اليونان الكلاسيكية نفيت الحرب إلى خارج أسوار المدينة، أثينا تحارب إسبارطة، تحارب الفرس، تحارب البرابرة، داخل أسوار المدينة لا توجد حرب، بل توجد سياسة. لا تريد سياسة إذن لا تريد أن تعترف بالاختلاف، إذن تريد الحرب.

الحرب يمكن أن تكون بين طرفين، حرباً أهلية فتاكة، وبين عشرين طرف كما في لبنان، ويمكن أن تكون من طرف واحد من طرف السلطان الذي يبطش بالناس، وبعد ذلك يختار الناس ما هو "الأحسن". نحن نريد أن ننتهي من الاثنتين (أي من الحرب التي بين طرفين وعدة أطراف والحرب التي من طرف واحد)، نريد أحزاباً تتصارع ولكن من دون سكاكين، ليختلفوا ويسووا خلافاتهم، القانون هو تسوية الخلافات.

تسألني عن فكرة المساواة، وهل البشر متساوون؟ أقول لك لا، لأن البشر مختلفون، فكرة المساواة تعويض عن فكرة الاختلاف والتفاوت بين البشر، في الواقع تجد الذكي وغير الذكي، القوي والضعيف..إلخ ولكن هل يجوز انتقاص حق الضعيف وغير الذكي. تمهلوا هناك مساواة إنسانية، مساواة أو تماثل، التماثل هوية، لا يهمنا الآن اختلاف دلالة الكلمتين، ولكن المهم الدنيا غير متساوية لذلك نشأت فكرة المساواة، أهلاً وسهلاً بالمساواة مليون مرة وإلى الأبد، ولكن بشرط ألا ننسى أن المنطلق هو اللامساواة، هو الاختلاف، هو التفاوت والاختلاف بالمعنيين. أولاً أنا مختلف عنك، ثانياً أنا مختلف معك، مختلف معي يعني أننا في تعارض وصراع، ومعنى ذلك أيضاً أننا متشاركان. لا يوجد صراع بيني وبين الحجر، إذا كان لكلمة ديالكتيك من معنى فها هنا معناها (التماثل والاختلاف أو الوحدة والاختلاف والفرق والتعارض، التشارك والصراع.ج). نحن العرب نقول بالتناقض والصراع ونمسك بجانب من أحد الجانبين المتناقضين ونطرد الآخر ونلغيه، لا نعرف أن المتناقضين متشاركان والمختلفين متماثلان (الهوية وحدة الاختلاف والتناقض وإلا كانت عدماً.ج).

إذن، إن بزوغ الفلسفة النظرية اليونانية، بزوغ الفكر العلمي، أي فيثاغورث وطاليس وأفلاطون وديمقريط وأناكسيمين وأرسطو وإقليدس ثم أرخميدس الجبار..، بزوغ هذا الفكر العلمي اقتضى قبل كل شيء تطوراً سياسياً واجتماعياً وأخلاقياً. تطورت وتحولت الثقافة، ميدان الروح اليونانية، من أخويات صوفية وحقوق جزائية وحقوق سياسية وآداب وفنون... تطور هذا كله، لذلك تجد هيرقليط يقول: القانون شيء سماوي، لوغوس، قانون، وتجد بروتاغوراس وسقراط وأفلاطون يمجدون القانون، وكذلك أسخيليوس الذي يقول بطل إحدى مسرحياته: القانون فوق أثينا. ومَنْ أثينا؟ إنها المدينة وربة المدينة والحكمة، من الآلهات ذوات العزم (في الإسلام تعبير جميل: الأنبياء ذوو العزم)، بطل المسرحية هذا قال لهم القانون فوق أثينا، وفق تعليم هيرقليط: إن العالم لم يخلقه أي إله، إن العالم لم يخلقه أيٌّ من الآلهة. ستالين حذف الجملة الثانية وجعلنا نعتقد أن هيرقليط ملحد. هيرقليط ليس ملحداً. اقرأ لينين تجده ينقل بوضوح قول هيرقليط عن لاسال. عند هيرقليط إله بحرف صغير god في جملة العالم لم يخلقه أي من الآلهة، وعنده في الجانب الآخر إله بحرف كبير GOD مع D  كبيرة. GOD هو اللوغوس، وهو سيد الكون وسيد العالم، هو الاسم والكلمة، هو العقل وهو الضرورة. هذا نَفَس توحيدي (من الإله الواحد) عند هيرقليط.

ومن اليونان وانتصار أرخميدس على فيزياء أرسطو، إلى الفكر العلمي الحديث الممثل بالرياضيات والميكانيك أي إلى عصر غاليليه وكبلر ونيوتن وباسكال وحساب الحظ ونظرية الحظوظ وحساب الاحتمالات، ليبنتز وقبله الماهدون في القرن السادس عشر (هؤلاء وغيرهم أسسوا الفكر العلمي الحديث). يتكلم بعضهم عندنا عن الحداثة والعصر الحديث، أنا أطلب منهم ألا يتسرعوا وأن يحاولوا فهم ما سأقوله: إنه لا يمكن فهم الأزمنة الحديثة والفكر العلمي الحديث بمعزل عن هذه التربة المحيطة بهذه الشجرة، وبدون عدد من الأشجار حولها ولا سيما شجرة الرسم، فن الرسم، أو فن التصوير البلجيكي الإيطالي الألماني من القرن الخامس عشر إلى السادس عشر، وإزاحة الأيقونة البيزنطية، أي الانتقال من ترميز الواقع إلى تمثيله وتصويره. الأيقونة شيء جميل ولكنها ليست تصويراً للواقع. عند فلاسفة الأيقونة وأيديولوجيتها، وأشهرهم ربما، يوحنا الدمشقي المدافع عن الأيقونات إزاء أنصار تحطيمها في التاريخ المسيحي الشرقي كله، الأيقونة ليست تصويراً للواقع، بل هي تمجيد للرب، بلغة المسيحيين وإسقاط الحظوة عن الشيطان. في الفكر العربي (الحديث والمعاصر.ج) كأننا نريد أن نبقى عند ترميز الواقع. جميع الأشياء التي لا تعجبنا نضعها تحت مقولة أو رمز الإمبريالية، وتلك التي نحبها وتعجبنا نضعها تحت رمز الوطن والأمة العربية والماركسية الصحيحة وطبقة البروليتاريا والدين القويم.. يجب أن ننتهي من هذا الترميز اللغوي الذي حل محل الأيقونات والصور والرسوم، كأن شغلنا وشغل الكثير من الناس في الترميز هو أن نجمع أجزاء الواقع ونقول أو يقولون للآخرين هذا المجموع هو الاشتراكية أو هو البورجوازية الصغيرة أو هذا المجموع هو الإمبريالية أو الرأسمالية. كل هذا يجب إعادة النظر فيه. ولا بد من هذه الإعادة. قلت إن إحدى شجرات المعرفة العلمية هي الفن الإيطالي، الذي سعى إلى تمثيل الواقع، إلى إحضار الواقع وبناء أو إنشاء لوحة الواقع.

الشجرة الثانية هي الموسيقا الكلاسيكية، بنت ذلك المخاض الكبير في القرن السادس عشر، ثم عام 1600م: بالسترينا وقداس البابا مارسيل وبداية الموسيقا الكلاسيكية، ثم القرنان السابع عشر والثامن عشر ويوهان سيباستيان بعد فصائل من الناس. أنا أستغرب شأن هؤلاء الذين يتحدثون عن الفكر العلمي الحديث والعصر الحديث، وليس لديهم فكرة عن الموسيقا الكلاسيكية، هذا غلط كبير. وربما يسأل الذين يعرفون الموسيقا هل أقصد أن الموسيقا هي جزء من الفكر العلمي، أقول: لا، لم أقصد ذلك ولكنني أتكلم عن شجرة ثانية، هناك علاقة بين الشجرتين طبعاً ولكن هذه شجرة وهذه شجرة. هل يمكن الحديث عن الموسيقا من غير مقولة الروح والوجدان والضمير، أعتقد في هذا المستوى ستتكامل كل الموسيقا الكلاسيكية. وهنا أذكر بأطروحة لنيتشه وكلود ليفي شتراوس، قرأتها في كتاب بكالوريا (أنا كما تعرفون مصادري بسيطة جداً ومتواضعة ليست كمصادر صديقنا بسام الطيبـي) يقول نيتشه: كل موسيقا ما قبل الكلاسيكية هي موسيقا نباتية. يدل ذلك على أن كل الشعوب لديها موسيقا وتحتاج إلى الموسيقا حاجتها إلى الطعام والشراب. كل الشعوب تريد الموسيقا والفرح واللهو والحزن، كل الشعوب تستحق الإعجاب، والله عندما كنت أرى في محطة الميترو في باريس مجموعة شباب من أمريكا اللاتينية يعزفون موسيقاهم ويرقصون أو يغنون كنت أرى ذلك جميلاً جداً. يمكن أن ترى مثل ذلك في باريس ومن بعض العرب أيضاً ولكن نادراً، من المؤسف أن العرب لديهم نقص حياة. إذن نيتشه يقول الموسيقا قبل الكلاسيكية كلها موسيقا نباتية، أما الموسيقا الكلاسيكية فهي شيء جديد، سام وعال ورفيع. والآن هل انتهت الموسيقا الكلاسيكية في القرن العشرين أو في أواخر القرن العشرين؟ سأترك هذا السؤال مفتوحاً. ولكن لنلاحظ أن الموسيقا الكلاسيكية لازمت القرن السابع عشر وبلغت ذروتها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، قبل الثورة الفرنسية وبعدها. إذن هاتان شجرتان على سبيل المثال فكيف سنتكلم عن العصور الحديثة ونحن نجهل أو نتجاهل هاتين الشجرتين وغيرهما؟!.

بيد أنه لا بد من الإشارة إلى مسألة التغرب، لقد سار عدد كبير من المثقفين العرب السوربونيين والمسربنين (هناك مذهب اسميه السربنة العربية لـه أئمة وله توافه) خلف ألتوسير وميشيل فوكو وغيرهما، وهم يقولون لك طوال الوقت إن الفكر العلمي هو قطيعة مع الفكر ما قبل العلمي. دعونا نتفق، هناك قطيعة إذن هناك تواصل. الكيمياء العلمية نقيض السيمياء أو الخيمياء كما يقول اللبنانيون، ولكنها مواصلة على نحو جديد. ثم قبل أفلاطون كانت مقولة الشكل أو الآيدوس الأفلاطونية، في الثورة النيولينية، نشوء القرى في سورية، هناك معاودات ومستويات جديدة لشيء واحد، هنا الروح الإنسانية التي يجب أن نعرف كيف نثمنها. أما من يريد أن يشرح لنا أن هناك قطيعة بين الفكر العلمي وما قبله، أقول له: لا تشرح لنا هذا الشرح، ليتك تعرف ما هي القطيعة، أنت تتحدث بلسان ليفي شتراوس، هل قرأت ما قاله ليفي شتراوس عن لافوازييه مثلاً وما هي عملية لافوازييه؟ أم هل قرأت ما قاله إنجلز عن لافوازييه؟ لافوازييه ألغى المادة، الجوهر، الجوهر الاشتعالي أو الجوهر الناري. أعلن أن الماء سائل مؤلف من عنصرين، جسمين غازيين، هنا أهمية فتح لافوازييه. كثيرون يتكلمون عن القطيعة بدون فهم ما هي القطيعة، ويتكلمون عن الفكر العلمي الحديث بدون دراسة فكرة المفهوم. فأنت تعرف أنه بدون أفلاطون وفيثاغورث وديمقريط.. لا يوجد فكر علمي حديث. ربما تحدثني عن هايزنبرغ. هايزنبرغ نسب نفسه إلى ديمقريط وإلى أبيقور. وربما تسألني إذاً هل أنت مع الحاثة أم ضدها؟ أقول لك إنني مع الحداثة ضد مذهب الحداثة أو عقيدة الحداثة ضد الدين الذي اسمه الحداثة. لا حداثة من غير مقولة الروح، ومقولة الوجدان والوعي. أنا ضد عبادة العلم وعبادة العلمية. الناس العاديون عندما يستمعون إلى الإذاعة أو يشاهدون التلفزيون، الشعب العادي، على حق في اعتراضه على علميتهم وحداثتهم، لو تستمع إلى موسكو أو تقرأ نيويورك تايمز، العالم كله يدعو الله أن ينقذ البشرية ويحفظها. الإنسان هو الكائن الوحيد القادر بمعرفته على أن يدمر نفسه. لدي كتاب فرنسي قديم، من عشرين سنة، اسمه La Reson (العقل) يتكلم عن العقل ومذاهبه ويقدم عرضاً تاريخياً، وفي الصفحة الأخيرة منه، إن لم تخني الذاكرة، يروي الكتاب ما يلي: إنه في منطقة من حوض الأمازون في إحدى الغابات، يرى فريق من الهنود، رجالاً بيضاً قادمين نحوهم ومعهم آلات ضخمة، فيقول الهنود: انظروا الرجل الأبيض عبدٌ لإلهه.

إنني أتصور أن العالم في السنوات القادمة، أقصد النخبة العالمية، قيادة الجامعات والحكومات والدول وقيادة الثقافة والسياسة والكنائس، وموسكو ونيويورك وطوكيو وبكين وبون.. سيتفقون على سؤال: ما هو الفكر. وبعد الانقلاب السوفييتي الحاصل والذي له بذور قليلة وبدايات منذ عشرين سنة أو أكثر، والذي حصل منذ أربع سنوات وسيستمر، وجدنا أن موسكو انضمت إلى العواصم العالمية في سؤال ما هو الفكر. جوابي عن هذا السؤال جواب أولي فإذا أردنا أن نعرف الفكر، ونعرف العقل، فعلينا بمقولة الشكل عند أفلاطون وأرسطو، وبما قلته قبلاً، وعلينا بمقولة الذرة الديمقريطية (نسبة إلى ديمقريط) وبمقولة العدد الفيثاغورية وبمعرفة عظمة معارضة فيزياء أرخميدس الميكانيكية المادية الرياضية العقلية لفيزياء أرسطو الغائية والكيفية، وعلينا أن نعرف ما هو حساب الاحتمالات أو نظرية الحظوظ وقانونية المصادفات والمصادفة، وعلينا أن نعرف وأن نعلم تحليل اللامتناهيات (حساب التفاضل والتكامل) وعلينا أن نعرف، لا أقول اكتشاف داروين، بل فلسفة اكتشاف داروين، علينا أن نعرف فلسفة التكنولوجية اليابانية ما دام الكثيرون يعبدونها اليوم. أعتقد أن ثمة اتفاقاً اليوم على سؤال ما الفكر في العالم ولكننا نحن العرب خارج السؤال للأسف، ما زلنا إلى اليوم خارج السؤال. وإلى جانب سؤال الفكر إذا أردت هناك سؤال ما هو الوعي؟ ومن الواجب أن يكون السؤال الآن محور جميع ندوات العرب وسلاح كل معلم مدرسة.

5 ـ العلم والأخلاق :

قد يكون الخلاف الأكبر، الخلاف الفلسفي والأيديولوجي الأكبر في العالم اليوم وغداً، هو حول العلاقة بين العلم والأخلاق. فثمة فريق من الناس كبير جداً وقيادات كبيرة جداً تؤمن، صراحة أو ضمناً أن العلم قيمة تكفي ذاتها بذاتها، ولا يوجد شيء فوق المعرفة العلمية وفوق البحث العلمي، وثمة فريق آخر يعارض بالطبع من البداية. إيفان فرولوف مثلاً (ولعله ما زال سكرتيراً فلسفياً عند غورباتشوف)، عند فرولوف مقال، استشهدت به في مجلة الوحدة، قبل البيروسترويكا يقول فيه: كلا وألف كلا، لم تقل الاشتراكية في حياتها، أن البحث العلمي فوق الأخلاق، أو أنه مستقل عنها. الأخلاق فوق العلم والمعرفة وإلا فإن البشرية تقود نفسها إلى التهلكة. هذا خلاف كبير بين الفريقين. وأنا أتصور أن هذا الموقف سيكون الموقف الجوهري الذي يلتقي عليه الأوروبيون والشيوعيون والاشتراكيون والديمقراطيون الاشتراكيون والكنائس والنقابات وجماعات الخضر المدافعون عن البيئة. أما الموقف الآخر (موقف الفريق الأول) ربما يتمثل في مارغريت تاتشر ورونالد ريغان. هناك أناس يعتقدون أن الأمرين سيان: إنتاج إنتاج، علم علم، علم وإنتاج، تقنية، علم وتقنية. ميتران مثلاُ بعكس هؤلاء، في رأي جماعته أنه توجد مسائل اجتماعية وثقافية، فلو استطعنا أن ننمي الإنتاج مئة مرة، فإن لهذه المسائل استقلالها عن المسائل التقنية. وثمة أخطار في المستقبل أيضاً، نحن العرب خارج هذه القضايا. ولو أمكننا طرح هذه المسائل على نحو صحيح ربما ستكون أساس لقاء مفروض بيننا وبين تيار ديني، قد يكون لنا نحن فضل كبير في إنشائه، أو في المساعدة على نشوئه وتكوينه. في ندوة "العقلانية العربية واقع وآفاق" خطر لي أن أقول لزملائي المنتدين إن كتاب "العقل" La Reson الفرنسي ينتهي بقصة الهنود الحمر، وهم بعيدون عنا تماماً، لكن قصتهم هذه هي مدخل لموضوعكم الذي تريدونه.

 

 

الفصل الثالث

 

 

 

"بذرة الديالكتيك":

الاستلاب أو الاغتراب

شكراً أستاذ الياس لهذه المداخلات الرائعة، وشكراً أيضاً للمدخل الذي أفضى بنا إلى الموضوع الآخر، إلى موضوع الاستلاب أو مقولة الاستلاب التي صاغها هيغل ثم فيورباخ ثم ماركس في مخطوطات 1844، وأدعي أنها نواة عمل ماركس في الأيديولوجية الألمانية ومؤلفات الشباب. ويبدو أن هذه المقولة قد حذفت من الماركسية بعد ماركس أو ماركسية ما بعد ماركس، مع أنها من المفاتيح الضرورية، إن لم أقل المفتاح الضروري لنقد الأيديولوجية العربية لا سيما أن مجتمعنا المتأخر، أو مجتمعاتنا المتأخرة تعيش ضرباً من استلاب مضاعف، تعيش استلاباً أو اغتراباً عن عالمها، واغتراباً عن ذاتها، فضلاً عن استلابها السياسي، أي ضياع فاعليتها السياسية، الذي يتجلى في الهيمنة الخارجية، وفي نقص الاندماج القومي والتجزئة القومية، وفي الاستبداد السياسي وانفصال الحكم عن الشعب، وفي هيمنة الأيديولوجية التقليدية الامتثالية التسويغية.. فما هو رأيكم في هذه المسالة أو في هذه المسائل؟ شكراً.

طرحت يا أخ أبو حيان الآن أموراً كثيرة، وأعتقد أن أطروحاتك صحيحة كلها، وأنا أوافق عليها واحدة واحدة، وأريد منك أن تذكرني بأي بند من البنود قد أنساه، لأنني الآن في واقع وفي عمر وفي وضع مرضي قد أنسى أحياناً. وبما أنك طرحت أموراً كثيرة فسأتناول أولاً الكلمة، المصطلح.

عندنا أولاً المصطلح الفرنسي، سأبدأ به لسبب بسيط هو أن تسعة أعشار الترجمات العربية هي ترجمات عن الفرنسية، وأنا شخصياً عندما أقوم بترجمة فيورباخ أو هيغل فإنني أترجم عن الفرنسية، وهناك من لا يعجبهم ذلك طبعاً، لكني أقول لهم حسناً، تفضلوا ترجموا عن الألمانية، من الذي يمنعكم، لكنكم لا تترجمون. أما إذا أردتم أن تترجموا عن الألمانية وتضعوا كلمة "عقل" مقابلاً عربياً لكلمة Giese وتسموا كتاب هيغل علم ظواهر العقل بدلاً من علم ظاهريات الروح، فهذا غلط وغير مقبول يا فلان يا مصري. نعود إلى موضوعنا وأبدأ بالفرنسية: الكلمة هي (Alienation) بالمعنى الشائع، وأول معنى لكلمة إليناسيون Alienee يعني المخلوع بمعنى المجنون وبيت المجانين كمستشفى ابن سينا أو "العصفورية" أو العباسية (هناك أغنية لصباح تقول خذني عالعباسية) بيت المجانين أو مأوى العجزة، هذا المعنى الذي هو في علم النفس أو في علم طب الأمراض النفسية، حتى في القاموس الفلسفي الفرنسي لاروس، الذي كان الوحيد المعترف به منذ خمسين سنة أو سبعين سنة، هذا المعنى صار عندنا العصفورية. ولا بد من ملاحظة أن فرنسا بوجه عام تطورت وحصل فيها تغير في الأربعين سنة الأخيرة، وباتت أكثر أوروبية وأكثر أممية وأقل قومية وشوفينية، وأقل رفعاً للعلم المثلث الألوان، وتراها كذلك حتى في الموسيقا الكلاسيكية وغيرها. هيغل ترجم أكثر وأكثر وعندهم انكباب على باخ، برونوباور ترجم وكذلك فيورباخ. صار عندهم القاموس الفلسفي والتقني والنقدي للمصطلحات الفلسفية لأندريه لالاند وزملائه وتلاميذه. دخلت مقولة (Alienation) مقولةً فلسفية وحقوقية. وعندهم معنى آخر إذ يقولون: إياك أن تخلع فلاناً ضدك، أي إياك (أحذرك) أن تجعله عدواً لك. أنا أحب كلمة انخلاع لارتباطها بخلعاء العرب في الجاهلية. والخليع هو المطرود من عشيرته، من قومه، ربما لجرم ارتكبه، والمتحول عدواً لها.

في الألمانية مصطلحان الأول هو (أنغروندوت) وترجمته الحرفية هي التغرب أو التغريب أي أن أصيّر الأمر غريباً عنك، عند ماركس وهيغل وفيورباخ يمكن أن تصبح: كأن البشر ينتجون شيئاً لأنفسهم وإذا به يتحول إلى سيد عليهم، إلى غريب عنهم يتعالى عليهم ويكون عدواً لهم، يصبح فوقهم. وقيل في الترجمة العربية أيضاً استلاب. والمصطلح الآخر هو (أود أوبسرد) ويعني حرفياً التخرج أو التخورج (التخارج.ج). مثلاً الهدف الذي يحمله الإنسان في داخله، الهدف ذاتي، يخرجه الإنسان إلى خارجه يجعله غرضاً مادياً. طبعاً هذا كله إمامه هيغل، ويمكن انطلاقاً من هيغل وصولاً إلى ماركس أن نقول: إن الإنسان ينشئ، يخرج، يصنع، يحقق هدفاً، يحول الهدف إلى واقع، لكن هذا الغرض المتحقق مغاير وقد يكون مناقضاً للهدف الذي توخاه الإنسان، هنا تصبح مسألة الانخلاع أو التغرب أو الاستلاب مسألة العمل الإنساني وفاعلية الإنسان كلها. أحيلك على الصفحتين الأخيرتين من مقالة إنجلز المهمة "دور الشغل في تحويل القرد إلى إنسان" حين يتكلم عن النتائج الاجتماعية والطبيعية لأفعال البشر، ويمكن أن يقول لك إن سبب خراب الأرض في كوبا هو النهب جراء زراعة قصب السكر التي درت أرباحاً هائلة على مدى سبعين سنة أو خمسين سنة، وبعدها أصبحت الأرض صخرية أو صارت جرداء، وبصدد مثل هذه النتائج على الطبيعة يذكر إنجلز آسيا الصغرى، ولنقل الأناضول وسورية كيف كانت الأرض مشجرة في معظم المناطق ثم تحولت إلى قفر، ويذكر النتائج الاجتماعية كالإفراط في زراعة البطاطا في إيرلندا، وحين أصاب البطاطا مرض مات مليون إنسان من الجوع ومليون هاجروا إلى أمريكا، أو يقول: حين اخترع العرب الكحول لم يكن يخطر في بالهم أو في بال أحد أن الأنكلوساكسون البيض سيستعملون هذا الكحول لإبادة الهنود الحمر في أمريكا. ويقول حين اخترع جيمس واط الآلة البخارية واشترك في إكمال هذا الاختراع عدة أشخاص، لم يكن جيمس واط ولا خلفاؤه يفكرون بالثورة الاجتماعية الضخمة التي ستحدث. خلاصة موقف إنجلز أنه مع ظهور الشغل البشري ظهرت فاعلية أيديولوجية، غائية، أصبح للإنسان هدف يعمل من أجله أو غاية يريد تحقيقها. ولكن لسوء الحظ لو نظرنا اليوم إلى نتائج أفعال البشر في المستوى الاجتماعي والإنساني والتاريخي لوجدناها مغايرة لأهدافهم، وأحياناً عكس أهدافهم، أي أن البشرية لم تتقدم جدياً في السيطرة على النتائج البعيدة والكبيرة لأفعالها، ومن ثم، يبدو أن المشروع الاشتراكي أو الشيوعي أو مشروع الإنسانية الجديدة الذي تتصدى الماركسية لـه هو بالضبط حل هذه المعضلة وتحقيق سيطرة البشرية على النتائج الكبرى لأفعالها. هنا ينتهي مقال إنجلز وكأنه لم يكتمل، وأنا أشعر لعدة أمور كأن إنجلز كان يريد أن يقول: إذا لم تحل البشرية هذه المعضلة فإنها ذاهبة نحو الهلاك. ولو سألتموني ماذا بقي من الماركسية بعد البيروسترويكا وخروج أوروبا الشرقية وضياع الاتحاد السوفييتي، بعد كل هذا الانهيار (وهذه الشرشحة وهي أكبر شرشحة لأكبر حركة في التاريخ) لو سألتموني هذا السؤال قبل 15 سنة أو عشر سنوات كنت سأعطيكم الجواب الذي سأعطيه الآن: الذي بقي من الماركسية هو هذه النقطة وكل ما يرافقها من نقاط. وكل من يقول لي إن الماركسية هي مذهب القرن التاسع عشر ومن الخطأ القول إنها تنطبق على القرن العشرين أقول له أنت مخطئ. هناك أشياء قالها ماركس منذ مئة وأربعين سنة لا تنطبق اليوم ولا تتفق مع اليوم بتاتاً، ولكن هناك أشياء قالها منذ ذلك التاريخ تتفق مع اليوم أكثر مما كانت تتفق مع زمانه. مقالة إنجلز التي ذكرتها ومخطوطات 1844 الاقتصادية والفلسفية.. هذا في أهم بنوده راهن اليوم. فما كان صحيحاً حين كتبه ماركس (حيث القضية ليست قائمة على خطية تاريخية) في القرن التاسع عشر يجب أن نرى إلى أي مدى كان صحيحاً وإلى أي مدى لم يكن كذلك، بعد مضي هذا الزمن على ماركس يجب أن نعرف نحن عصر ماركس أكثر مما عرفه هو. سألت أحد أصدقائي من الأذكياء مرة: من يعرف السوريين أكثر نحن أم السوريون؟ فأجابني: نحن. سألته لماذا؟ قال لأن عندنا اليوم علم السوريات، أما السوريون فلم يكن لديهم علم السوريات. لماذا نتصور أن الغزالي يعرف عصره أكثر منا. إذا كان الغزالي يعرف عصره أكثر مما نعرفه فنحن حمقى وتافهون، نحن مسلحون بالعصور اللاحقة وبالعلوم التالية للغزالي وبمعرفة مصائر الإنسان ومصائر الشعوب، يجب أن نعرف عن عصر الغزالي وابن سينا وابن رشد أكثر مما عرفوا، وإلا فنحن تعساء جداً. نحن متواضعون حيث يجب أن نكون فخورين ونحن فخورون ومغرورون حيث يجب أن نكون متواضعين، في الحالين نحن على خطأ. يجب أن نعرف اليوم عن عصر ماركس أكثر وأحسن مما عرفه هو، هذه أبسط الأمور البديهية. لماذا نعتقد أن ماركس شمل علوم عصره، هذا غير معقول. ما الذي درسه ماركس مثلاً؟ بدايات قيام الرأسمالية، حسناً، من المفروض اليوم معرفة هذه البدايات على نحو أفضل مما عرفه هو، أما إذا كنا جهلة نحن وغيرنا، فالذنب ذنبنا وليس ذنب ماركس، ثم ليس صحيحاً أن كل ما قاله ماركس عن عصره في عصره كان صحيحاً، وما قاله ماركس في عصره عن عصرنا مغلوط، هذا غير صحيح هناك أشياء قالها وقضايا مهمة هي أصح اليوم مما كانت عليه في زمنه. لنأخذ مقولة الانخلاع أو الاستلاب الذي في اعتقادي فعلاً أن ماركسية لينين وكذلك بليخانوف وغيره والماركسية العالمية قد تخلت عنها، هذا خطؤهم، وهذا الخطأ هو تضييع لجزء من الجذر الروحي للماركسية. ستالين طبعاً شطبها، وهذا الشطب عام عند الماركسيين، ويمكن في هذا الصدد الاعتماد على كثير من نصوص ماركس وإنجلز. وما جاء في البيان الشيوعي من "تهكم" على مقولة الانخلاع إنما كان تهكماً على بعض من استعملها في سياق مختلف. ولحسن الحظ وجد في القرن العشرين من الماركسيين لا سيما المتعاطفين مع الاشتراكية الديمقراطية في زمن كاوتسكي، أو بعد الحرب العالمية الثانية، من أعادوا بعث مقولة الانخلاع واهتموا بماركس الشاب، وخاصة مخطوطات 1844 التي أهم ما فيها مقولة الانخلاع أو العمل المنخلع أو الشغل المنخلع. ستالين ومن بعده ألتوسير شطبا هذه المقولة ويمكن تسمية مذهبهما بالستالينية السوربورنية، وأن نصفه بالعقيدة النظرية الطامحة إلى تسليح البؤر الثورية والمتلاعبة بمقولة التناقض.

مثل ألتوسير اتجاهاً علموياً في الماركسية، ومهما تكن أخطاء خصومه من أمثال غارودي أو من الماركسيين الهجوميين، فهم في نظري ألصق منه (من ألتوسير) بالماركسية. والخيار ليس بين هذا وهؤلاء، ولا توضع المسألة في صيغة إما ألتوسير على حق أو خصومه. ألتوسير حذف مقولة الاستلاب أو الانخلاع وأعلن مبدأ سماه "مناهضة النزعة الإنسانية في النظرية"، كل الإنسانية، النزعة الإنسانية عنده موضوع الأخلاق أو السياسة أو الدعاية، ولكنها ليست موضوع النظرية، وكذلك قال بالمناهضة للنزعة التاريخية. ويجب أن نلاحظ أن هناك جانباً مهماً وصائباً في موقف ألتوسير هو اعتراضه على مبالغات تاريخانية في صف الماركسية. ولا شك أن الماركسية شطحت على يد ستالين وغيره وعلى يد خصومه أيضاً. غير أنني أرى أنه لا يحق لألتوسير أن يرد على تلك النزعة التاريخية الخطية أو على ذلك الجموح التاريخاني، أليس هو الذي يمد يده للبؤر الثورية ولمقولة التناقض الماوية (نسبة إلى ماوتسي تونغ). إنه يعيش في جو باريس 1964 ـ 65 ـ 69، زمن ذروة اليسار والحركة الطلابية والثقافية والشعبية، بعد ذلك تغير الجو كله كأن باريس عام 1984 تراجعت عشرين سنة بل مئة سنة. يمكن أن تمر أمام مكتبة فتجد عدة كتب مهمة ضد الاتحاد السوفييتي وفضح لعصر ستالين المخابراتي والإرهابي، كتب مهمة منها كتاب لرجل مخابرات سوفييتي هرب إلى كندا وقتل بعد نشر كتابه، هجمة يمينية أو يمكن أن تخدم اليمين، صحفيون فرنسيون كانوا مع ماوتسي تونغ انقلبوا إلى أقصى اليمين، بهرجة العالم الثالث في السبعينات وأوائل الثمانينات سقطت، أي إن المثقف الباريسي الساخط على النظام البورجوازي والحضارة الغربية، والذي كان قد وضع أمله في كوبا وفي البؤر الثورية وفي الثورة الفلسطينية وفي فيتنام.. جاء وقت شعر فيه بخيبة الأمل، فانقلب إلى النقيض. وهناك نقطة حول ألتوسير أعتقد أن الترجمة العربية لكتابه "قراءة رأس المال" هي ترجمة للطبعة الأولى التي عمل فيها كل من ألتوسير وباليبار وباشوريه واستابلين.. خمسة أشخاص، ترجمة تيسير شيخ الأرض، وزارة الثقافة. أنا لم أقرأ هذه الترجمة. ولكن لم تمض سنوات قليلة على هذه الترجمة حتى ظهرت طبعة جديدة في باريس عن ماسبيرو بجزأين صغيرين، مع تحذير وتنبيه في الصفحة الأولى والثانية بتوقيع ألتوسير نفسه يشير فيها إلى أن معظم مقولات الطبعة الأولى قد تم الاستغناء عنها، وأن الطبعة الجديدة اقتصرت على مقالين لألتوسير ومقال لباليبار من دون أي تعديل. هذا التحذير أظن أن تيسير شيخ الأرض وأنطون مقدسي وغيرهم ممن رفعوا راية ألتوسير لم يقرؤوه. ماذا يقول ألتوسير في هذا التحذير في الصفحة الثانية؟ يقول: كتابي فيه سقطات وضعانية ونظروية وأيديولوجية، ويستطيع القارئ أن يجد هذه السقطات. طبعاً، أنا أعترض مباشرة، القارئ لا يستطيع أن يجد، فيا ألتوسير كن صريحاً أكثر من ذلك، ولا تكتف بصفحتين أو بنصف صفحة. ويتابع ألتوسير: أريد أن أذكر بوجه خاص أن تعريفي للفلسفة بأنها نظرية الممارسات النظرية هو تعريف مغلوط ووضعاني. أريد أن أقف عند هذه النقطة وأقول: إذا كان ألتوسير قد عرّف الفلسفة بأنها نظرية الممارسات النظرية، وإذا أردنا أن نبتعد عن مفرداته العجيبة أحياناً ونستعمل عبارات لينينية أو ماوتستونغية معقولة، نقول: إنه قد عرف الفلسفة بأنها نظرية الفاعليات العلمية، نظرية النشاطات العلمية، نظرية العلوم. ولا نحتاج بعد ذلك إلى لف ودوران. وأنا بهذا لا أخون ألتوسير قيد شعرة، هو هكذا، الممارسة النظرية عنده تعني العلوم، فاعليات العلوم، فهي غلطته إذن. وإذا كان لاعترافه أو لتراجعه من معنى فهذا المعنى هو أنه جعل الفلسفة نظرية العلوم والفاعليات العلمية والفكر العلمي. ما معنى كلامه؟ معناه أن الفيلسوف يتعامل مع أينشتاين أو مع فردناند دو سوسور ومع كلود ليفي شتراوس، مع العلماء، علماء العلوم، في حين تتعامل الفلسفة مع عمل النجار وعمل المزراع ومع المعارف السياسية وعمل الشعوب مع مجموع العمل الإنساني ومع اللاهوت، مع كل هذه الأمور وتتعامل كذلك مع الفن، تتعامل مع عمل البشر من دون أن تجبرنا على المرور بأينشتاين أو ماكس بلانك أو بعلم التحليل النفسي لفرويد، وإلا فإن الفلسفة تكف عن كونها فلسفة. الألتوسيرية هي إلغاء الفلسفة. وحين يتهم ألتوسير فرنسا في كتابه "من أجل ماركس" بأنها أهملت أوغست كونت الذي هو رأس الوضعانية فهو مخطئ، لدي كتاب آرما تفيلييه "الفلسفة" إذا فتحناه وعددنا كم مرة ورد فيه ذكر أوغست كونت نجدها أكثر من المرات التي ذكر فيها هيغل. وإذا أخذت فهرس الأسماء في نهاية الكتاب تجد أوغست كونت واحداً من الخمسة الأوائل في تواتر ذكرهم، وكذلك في كتاب البكالوريا في فرنسا. أوغست كونت لم يهمل في فرنسا، العكس هو الصحيح، ولكن هناك كتباً مدرسية تنقد أوغست كونت وتعدد أخطاءه أو بعض أخطائه، وهذا شيء عظيم.

وإذا عدنا إلى موقف ألتوسير من مقولة الانخلاع فإن له، بعد التراجع الذي ذكرته، تراجعات كثيرة، في حين تقرأ في مجلة النهج مثلاً (عدد خاص عن البيروسترويكا 1987) لتجد فيصل دراج يتكلم مثل نصف المتكلمين كأننا ما زلنا في عام 1980 ويذكر ألتوسير كثيراً ويرفع لواءه، ويهاجم مقولة الانخلاع باحتقار علموي. من دون أن يعلم شيئاً عن تراجعات ألتوسير الذي قال إن ماركس استعمل مقولة الانخلاع في رأس المال، وليس فكرة الانخلاع فقط، عشر مرات، فقيل لـه لا استعملها خمس عشرة مرة، ورد آخرون بأنه استعملها اثنتين وعشرين مرة. ولدى مناقشة تحت عنوان "الماركسية والبنيوية" تبين أنه حين يقول ألتوسير أن مقولة الانخلاع ومقولة النفي ونفي النفي كلها مقولات مثالية وميتافيزيقية وأيديولوجية، وهي مقولات ألمانية غامضة ومبهمة تجد أن كثيراً من الفرنسيين يعجبهم ذلك ويسرون بأن هناك تهمة من الفرنسيين للألمان. فالفرنسيون ينظرون إلى أنفسهم على أنهم شعب العقل والوضوح، أما الألمان فشعب الغموض والفلسفة والتناقض والموسيقا الغامضة. نقد ألمانيا يعجب الفرنسيين. قرأت كتاباً لديغول يوم كان شاباً عن حتمية الحرب بين فرنسا وألمانيا، يصف في إحدى صفحاته الأمة الألمانية وصفاً جميلاً إذ يقول: هذه الأمة التي أعطت أعظم فلسفة وأعظم موسيقا والتي فيها الكثير.. فيها شيء ما بربري. فهو يوازن بين إنصاف ألمانيا ونقدها بشدة. وديغول رجل كان يفهم العالم ويفهم التاريخ والأمم ويفهم هيغل، وقد وضع أحد أقوال هيغل عنواناً لفصل من فصول كتابه هو "الأمر هكذا" وبين قوسين هيغل أمام منظر الجبال. وأنا كتبت عن ياسين الحافظ رحمه الله مخطوطة لم تنشر قلت فيها: إنه من أولئك الذين يرون جبال الواقع الاجتماعي ويقولون كما قال هيغل "الأمر هكذا". هناك جبال الطبيعة، وهناك واقع هو جبال لا ترى بالعين المجردة. مجلة الطليعة المصرية وصفتها بأنها مصراوية حين ينبغي أن تكون عربية وعروبية حين ينبغي أن تكون مصرية وتدافع عن مصر في زمن عبد الناصر، هذا هو ديغول. هنا ألتوسير وخصومه شنوا حملة على الغموض باسم ديكارت. ولذلك كتبت في افتتاحية لم تنشر في مجلة الواقع لأنني تركت العمل في المجلة قبل صدور العدد الخامس، وفيها مقال ترجمته أنا، وهو جميل جداً. في الافتتاحية أقول: أولئك الفرنسيون الذين تصوروا أنفسهم خلفاء ديكارت وخلفاء الوضوح الديكارتي، يمكن أن يقول عنهم ديكارت كما قال ماركس: زرعت تنينات وحصدت براغيث. هؤلاء الفرنسيون ليسوا خلفاء ديكارت بل خلفاء سقراط. العدد الذي ذكرته من مجلة الواقع أهم ما فيه مقال لجاك دونط عن كارل ماركس عنوانه "اختفاء الأشياء في مادية ماركس" اختفاء الأشياء في ماديانية ماركس، أذكره لأنه مرتبط بألتوسير وموضوع هزيمته. هناك تيار في فرنسا ومنه شخص أعلن أن لينين وإنجلز ملوثان باللاهوت،وأن ماركس خال من اللاهوت، فيرد عليه جاك دونط (هيغل الكبير) في مجلة الفكر التي يصدرها الشيوعيون الفرنسيون "المجلة الفلسفية" إنه إذا كان لينين وإنجلز ملوثين باللاهوت، فإن أول الملوثين باللاهوت، والحمد لله، هو كارل ماركس. ويذكر أن ماركس في حديثه عن دورة المال بصفته رأسمالاً: مال ـ سلعة ـ مال، مال ـ سلعة ـ مال + فضل قيمة. يستعمل ماركس عبارة من اللاهوت اللوثري مباشرة هي المحسوس فوق المحسوس، المحسوس الذي فوق المحسوس. وهي واردة في اللاهوت اللوثري بمناسبة الخمر والخبز في العبادة المسيحية، في الطقوس المسيحية أي التحول إلى دم المسيح وجسده، ولوثر رجل كتابي وحرفي لا يقبل أي تفسير رمزي. والعبارة تعني هذا دمي وهذا جسدي. ويبدو أن ماركس كان يسمع عبارة المحسوس فوق المحسوس هذه من أمه وهو فتى، إذ كانت أمه يهودية تقية ثم تحولت إلى المسيحية اللوثرية البروتستنتية وثابرت على التقوى (التشدد الديني) بخلاف أبيه الليبرالي والمستنير المتحرر الذي أراد أن ينسجم مع العصر الحديث فصار مسيحياً بروتستانتياً. وقد اختار البروتستانتية مع أنهم عاشوا في مدينة غالبية سكانها كاثوليك. ويمكن أن نذكر قضايا من هذا القبيل عن لينين وإنجلز، ويمكن أن نذكر العكس أيضاً. وإنك لتشعر وأنت تقرأ كتاب لينين "من هم أصدقاء الشعب"، أنه يتعامل مع تهمة الخصوم بأن الماركسية أخذت النفي ونفي النفي عن هيغل وهيغل أخذها عن اللاهوت المسيحي (الأب والابن والروح القدس) ورد الماركسيين بنفي علاقتهم بهيغل. لينين في مرحلته الأولى سقط في هذا النفي، وأنا كذلك سقطت فيه خلف ستالين. لقد ألغوا مقولة نفي النفي، أما اليوم فأنا لا أقبل إلغاءها إطلاقاً.

ألتوسير شطب مقولة نفي النفي من أساسها وأمسك بقضية التناقض. وأنا أنصح الماركسيين اليوم باستعمال كلمة تعارض وتقابل أكثر من كلمة تناقض، وبكلمة نفي وتنافٍ. هناك الكثير مما يؤخذ على مقولة التناقض عند ما وتسي تونغ، أما الألتوسيرية فلم تعد مقبولة. ونحن كيف تصورنا التناقض؟ تصورنا أنه يجب حذف أحد حديه وإلغاؤه. شتت التناقض تحقق التطور. لا، فمن الممكن أن تشتت التناقض فتخرب الدنيا، الأمور ليست كذلك.

إن أمامنا ثلاث خيارات أساسية للموقف من العالم: خيار رفض هذا العالم أولاً. والخيار الثاني قبول العالم، والخيار الثالث النفي الإيجابي للعالم، أي أنا أريد أن أحول العالم وأن أغيره، وقد أعلنت بقوة أن الأرض ليست السماء، والدنيا ليست الجنة، وغير قابلة لأن تحوَّل إلى جنة، ولكن الدنيا قابلة للتحسن وللتحسين، وواجبنا هو تحسينها. الجذر الروحي لمقولة التقدم عند ماركس وإنجلز أو باسكال أو عند روسو وتوماس مور، على اختلافهم وتضاربهم، هو الجذر المشترك، الإنسان يمتاز من الحيوان بأنه قابل للتحسن. وحين يكتب فلان أو فلان عن التاريخية والتاريخانية بدون هذا الجذر أي قابلية الإنسان للتحسن، فإنه يعطينا شيئاً بلا جذر روحي، وهذا ما يجب أن نقاتل ضده. هذا كان شعوري بنقائص عبد الله العروي منذ سبع عشرة سنة أو عشرين سنة، يجب أن نضع الجذر الروحي نصب أعيننا دوماً، وهذا يعني أنه يجب أن نخاطب مشاعر الإنسان، نعم يجب أن نخاطب المشاعر والعواطف، الروح والوجدان. وقد كانت الصفحة الأخيرة من كتابي ضد ساطع الحصري كلها على هذا النحو، نحن ضد الامبريالية، نحن ضد العواطف، لم تعجبني وضعانية الحصري المختصرة.

يجب أن نقول إن التغرب شرط إنساني، حال بشري، هذا الشعور كله، وكل هذا الواقع يعني أن لدى الإنسان طموحاً، هذه ميزته على الحيوان. لن نتكلم عن التغرب بلغة الاتهام، وبعد ذلك أكيد أننا يجب أن نستوعب اليوم أكثر من أي وقت مضى حديث كارل ماركس عن التغرب، عن الانخلاع في مخطوطات 1844. أذكر بمثال الهنود الحمر في الأمازون، وهذا غير بعيد عن كتاب كارل ماركس.

ولكني أريد أن أقف عند الحاجات المصطنعة والزائفة. يجب تمييز حاجات الإنسان الأساسية، الجذرية من الحاجات الزائفة. عندي براد أريد مجمدة وعندي سيارة أريد اثنتين وغداً ابني يريد ثالثة.. أليس هناك حد لحاجات الإنسان؟ أنا أقول إذا لم يكن هناك حد لحاجات الإنسان فالبشرية ستنتهي إلى الهلاك. يجب أن يكون هناك حد لحاجات الإنسان. الاتحاد السوفييتي اليوم /1990/ ينقصه الرفاه، أما الغرب فهو في وضع آخر وينقصه شيء آخر، أما نحن فالذي ينقصنا هو الحرية والقانون، تنقصنا إذن إمكانية التقدم، وكذلك ينقصنا الخبز، الزراعة، تنقصنا المعيشة، تنقصنا الحياة. إذا كانت حاجات الإنسان برميل بلا قاع فالمستقبل مظلم.

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

 

الانحطاط ـ النهضة ـ

عبد الناصر والناصرية

ـ أستاذ الياس، نقدتم الفكر القومي، بنقدكم فكر ساطع الحصري وميشيل عفلق.

# أنا نقدت ساطع الحصري ولم أنقد ميشيل عفلق وزكي الأرسوزي رحمهما الله.

ـ ولكننا لم نقرأ لكم شيئاً في نقد الناصرية بوصفها أحد جناحي الفكر القومي والحركة القومية إذا صح التعبير، أرجو أن تعالجوا هذه النقطة.

# مع العلم أني وعدتكم أكثر من مرة، منذ عشرين سنة، بأن أقوم بهذا العمل، إلا أنني كنت حذراً وإن كنت وما زلت معارضاً على الأقل لتسعة أعشار الانتقادات الموجهة لعبد الناصر، باسم شتى أنواع اليسار من ماركسي وشيوعي وقومي وبعثي واشتراكي..إلخ. وطلبك اليوم معقول وطبيعي وسأستجيب له.

أول نقطة أريد قولها إن نقد عبد الناصر، نقد مرحلة عبد الناصر وتفكيره وأيديولوجيته، ونقد الحركة الناصرية أو ما يمكن أن نسميه الحركة الناصرية في الوطن العربي، ونقد التفكير كله، نظام الدولة، نظام الواقع، إن نقد هذا كله جزء مهم، ونوعاً ما أهم جزء في فهم التجربة التاريخية للعرب، أي في فهم تاريخ العمل العربي، وفي فهم الواقع العربي من حملة نابليون بونابرت وزمن محمد علي باشا وأشباهه في ليبيا وفي تونس وفي العراق وسوريا. وفي هذا التاريخ يجب أن نقوم بعمل تصفية حساب دقيقة، يجب أن نفهم هذا التاريخ. وما دمت سأتكلم مطولاً أسمح لنفسي أن أكرر من البداية أنني عندما أنظر إلى هذه البراكسيس، هذه التجربة العربية الطويلة أحب دائماً أن أقسمها إلى ثلاث مراحل أو ثلاث حقب: حقبة النهضة أو العصر الليبرالي، وحقبة الثورة حقبة القومية العربية، عهد عبد الناصر، وهي حقبة قصيرة، وحقبة ثالثة هي حقبة تدهور وانقسام وضياع، تغطي ربع القرن الأخير أو العشرين سنة الأخيرة. طبعاً هذه الحقب متداخلة. الحقبة الأولى الطويلة، كل هذا التاريخ الذي نحن بصدده يبدأ من قاعدة هي عصر الانحطاط أو حالة الانحطاط. لذلك يجب أن أبدأ بحالة الانحطاط.

1 ـ مفهوم الانحطاط وتجلياته :

دخل العرب، بصفتهم هذه، في مسار انحدار متنوع ومتكامل منذ عدة قرون. لذلك الانحطاط بدايات قديمة جداً وأخرى أحدث وبدايات أكثر حداثة. هناك المجتمع المملوكي والحالة المملوكية وهناك العصر العثماني وانحدار العرب من عام 1500 إلى عام 1800، ولدينا اليوم تيارات، لنسمها دينية ثورية إسلامية ثورية ارتدادية، وأصر على وصفها بالثورية والارتدادية، تنكر وجود عصر انحطاط، وترفض مقولة الانحطاط والانحدار، وتقول هذا وهم، وأن الذي اخترع هذا الوهم هم الصهيونيون الماسونيون الغربيون المتمردون، وأنهم اخترعوا هذه الأوهام ليسوغوا الكلام عن عصر النهضة. من جهتي أقلب الأمر على وجهه الآخر، هؤلاء يرفضون مقولة الانحطاط لأنهم يرفضون النهضة، فمقولة النهضة صارت عندهم عفن الأجنبي الكافر، ويمكن أن ينال هذا الموقف المساعدة من بعض الأوساط الماركسية، إذ يرى هذا البعض أن عصر النهضة هو أولاً وأخيراً عصر الامبريالية الغاشمة، عصر الغزو الاستعماري الغاشم، عصر الخراب..إلخ. إذن للناقش الموضوع نقطة نقطة: قلما يصرح التيار الديني الثوري الارتدادي بهذا الموقف، إلا من وقت لآخر، ولكنهم لا يقفون عنده كثيراً، لأن أسلوبهم يقوم على الاختزال والشعارات. وأنا أرجوهم وأناشدهم أن يقفوا عند هذا الموضوع جدياً كي نتفاهم. هل هناك انحدار أم لا؟ إذا سألتموني ما الانحدار سأثبت لكم أن من القرن العاشر إلى القرن الثامن عشر ارتفع عدد سكان إنكلترا من مليون أو مليون ونصف نسمة إلى ثمانية ملايين في زمن الثورة الفرنسية ثم إلى عشرين مليوناً فأكثر. فرنسا ارتفع عدد سكانها من بضعة ملايين في القرن العاشر الميلادي إلى 25 مليوناً في زمن الثورة الفرنسية. هذا نمو في حجم بني آدم، نمو تعداد الناس، نمو وجود البشر، أما عندنا فقد حصل العكس ركود مستمر مشفوع ببعض الانحدار ثم انحدار شديد. عام 1520م كان هناك نحو خمسة آلاف قرية تدفع الضريبة، وفي سنة 1800م لم يبق منها سوى 1500 ـ 2000 قرية. وانحدر عدد سكان بلاد الشام إلى مليون ومئة ألف نسمة حسب مختلف التقديرات، وانحدر عدد سكان مصر إلى مليونين ونصف عام 1820. في بداية عهد محمد علي باشا لم يكن عدد سكان مصر سوى ثلاثة ملايين، العراق شهد كارثة أكبر. والسؤال، ما أسباب انحدار عدد السكان في تلك الأزمنة؟ هناك أسباب عدة وآليات مختلفة متفاعلة متراكمة ومتراكبة ومتكاملة، كانت الزراعة قد تقلصت، وهي إنتاج العيش. إنتاج العيش تقلص وتراجع في العراق وسوريا ومصر وتونس وليبيا على امتداد قرون، والصحراء امتدت على الأراضي المزروعة. القرى تقلصت وبعضها ماتت، مدينة دمشق انحدر عدد سكانها إلى بضعة آلاف في القرن الثامن عشر. يرافق ذلك عادة انحدار الأمن وانحدار القانون ونمو المصادرة بدلاً من نمو الملكية، ولجوء الناس إلى كنز ما يدخرون ذهباً، أي إلغاء التراكم وإلغاء الملكية، المصادرة سقوط العقل بمختلف المعاني، سقوط العقالة بين البشر والعلاقات بين الناس، انغلاق العائلة وانغلاق الطائفة على نفسها، والخوف المتبادل وسقوط الحب بمختلف المعاني (من الغزل بالحرام إلى الغزل بالحلال) ومهما كان فإن المرأة تتحول إلى غرض. يضاف إلى ذلك امتصاص العاصمة اسطنبول للأقاليم. عندما كان الرحالة الأجانب يأتون إلى اسطنبول كانوا يجدونها عاصمة بهية، مدينة، مدينة السلاطين، أجمل وأروع مدينة في العالم. وحين كانوا يصلون إلى الأناضول وإلى حلب وحماه وحمص ودمشق كانوا يقولون الآن فهمنا سبب بهاء العاصمة، وكانوا يصفون الأناضول والعراق ومصر بالقفر والأسى والأسف والفقر (دي زولاسيو).. تحول البلاد إلى قفر وفقر يخيم عليه الأسى والأسف، أنا لا أشتم العثمانيين ولا سلاطين بني عثمان، بل أتحدث عن علاقة الإنسان بالأرض وعلاقة الإنسان بالإنسان، وقصة هذه العلاقة طويلة لا تستنفذ في أن المغول اقتلعوا الشجر أو أن العثمانيين فعلوا كذلك في الحرب العالمية الأولى.

2 ـ وجود العدم وعدم الوجود :

فلسفياً نتكلم عن الجذر اللاهوتي للفلسفة الغربية في العصور الوسطى، وبعدها فوجئوا بمسألة الله الفلسفي اليوناني الصانع المشكِّل، والله (السامي) العربي اليهودي المسيحي الإسلامي: الله الخالق من العدم. هذه نذكرها في الكتب وذكرها محمد عابد الجابري، وأنا أستميحكم عذراً لأقول شيئاً آخر: هذه المشكلة في الغرب وجدوا لها حلاً جميلاً، أو أحد الحلول الجميلة بأنه لا، عبارة الله خلق العالم من العدم يجب أن نفهمها كما نفهم عبارة النجار صنع الطاولة من الخشب، الله خلق العالم من العدم، يعني أن العدم مادة في صلب الكون، كما أن الطاولة مثبتة بالمسامير العالم مثبت بالعدم، تاريخ الإنسان صراع بين الوجود والعدم، وحين لا يجاهد الوجود ضد العدم، فإن الوجود يتقلص والعدم ينمو. عدم ماذا؟ يقول هيغل: في الوجود، في الواقع، العدم هو دائماً عدم معين، عدم شيء ما. في تاريخنا نما العدم وتقلص الوجود. وأي عدم هو الذي نما؟ عدم الوجود، عدم الزراعة، عدم الحرية والأمن والقانون والحب والكرامة. فإذا كان البشر أربعة ملايين وأصبحوا بعد 400 سنة مليوناً ونصف فمعنى ذلك أن العدم هو الذي ينمو. وهنا في عصر الانحدار والانحطاط اشتدت وتعززت وتبلورت المنظومة الأيديولوجية اللاخلقية أو المناهضة لفكرة الخلق، المنظومة الأيديولوجية الحلولية المانوية، التكرارية الدورانية والانحدارية التقلصية. حس الانحدار تغلب واتخذ صيغة أن العصر القديم هو العصر الذهبي، العصر العالي، وما بعده فساد متزايد، وعدم متزايد. فكرة المشروع سقطت، لم يعد هناك مشروع. لم يعد هناك قذف إلى الأمام، الروح ضعفت، وخفضت إما إلى روح حيوانية وإما إلى لا روح. هذه الناحية الأيديولوجية الثقافية العميقة في المبدأ الخلقي أو العقيدة الخلقية تعني أن الله هو الذي خلق العالم وخلق الإنسان واستخلفه في الأرض، فالإنسان إذن يتابع الخلق. الله خلق الطبيعة عموماً وخلق الإنسان ويومياً الله يخلق النفوس ويصنع النفس في الفرد. النفس ليست موروثة من الأب والأم، النفس مخلوقة من الله، النفس فردية، وليست جماعية، وليست وراثية. وكل قول آخر هو كفر، ومن ثم، فإن الإنسان المخلوق الذي نفسه مخلوقة هو الذي يتابع الخلق. والبشرية المخلوقة تخلق العالم المدني الذي نعيش فيه والذي هو ملكنا ونحن ملكه وإليه ننتمي. هذا العالم المدني كله خلقه ويخلقه الإنسان وهنا مسؤولية الإنسان. المجال مفسوح فيه للإنسان أن ينمو. والتاريخ الأوروبي في الاثني عشر قرناً الأخيرة هو تاريخ نشوء ونمو، مثلما كان تاريخ سوريا قبل عشرة آلاف سنة أو أكثر وتاريخ العراق ومصر القديم وما بعد القديم. لكن تاريخنا الحديث تاريخ تقلص. ولو تساءلنا على الصعيد الديمغرافي ما هي نسبة سكان سوريا إلى سكان العالم قبل عشرة قرون أو اثني عشر قرناً في عصر الرشيد أو المأمون وما هي نسبتهم عام 1800م؟ بالطبع لا أعرف الجواب، ولكن من المؤكد أن هناك عوالم تنمو وخاصة العالم الأوروبي الذي هو العالم الأوروبي الأمريكي الأسترالي، في الوقت الذي كان فيه عالمنا يتقلص.

يريد بعضهم ألا نسمي العثمانيين مستعمرين. حسناً، في الواقع هم غير مستعمرين. ليتهم كانوا مستعمرين، الاستعمار من الإعمار. بهذا المعنى الأنكلو ساكسون في أستراليا وأمريكا هم المستعمرون والبيض في أقصى جنوبي أفريقيا والهولنديون والروس في أوكرانيا والقرم وشواطئ البحر الأسود وجنوب روسيا، والصينيون في تلالهم الجنوبية، أما التركي فلسوء الحظ لم يكن سوى حاكم وجندي وجابي ضريبة، همه الرفاه. كان ماركس يقول: في حكومة الاستبداد الشرقي ثلاث وزارات: وزارة نهب الخارج (وزارة الحرب) ووزارة نهب الداخل (وزارة الجباية) ووزارة الأشغال العامة. وفي معظم العصر العثماني كانت وزارة الأشغال العامة معطلة، أو لم تتقدم، أما وزارة الحرب فقد أفلحت ودقت أبواب فيينا مرتين. شملت الامبراطورية العثمانية كل بلاد العرب ما عدا المغرب الأقصى واليمن وكل شعوب البلقان الزراعية ونصف شعوب حوض الدانوب والمجر ورومانيا وجنوبي روسيا. فيما بعد توقفت وزارة الحرب وزارة نهب الخارج وليس بإرادة السلطان واشتد نهب الداخل واختلط الخارج والداخل. انتقلت الحرب إلى الداخل، حرب الدولة على القبائل وحرب القبائل على بعضها، حالة من حالات الغزو القديمة، كأن قانون الغزو صار قانوناً عاماً مثل قوانين الطبيعة، واستمرت هذه الحالة طويلاً وظلت في بعض المناطق إلى اليوم. بعض العرب يتصورون الغزو فروسية وشعر بطولات وغزلاً وثأراً شريفاً، لا، الغزو موت ونهب وسبي نساء. هذا كله يجعلنا ندرك معنى حالة الانحطاط. كان ياسين الحافظ رحمه الله يقول لي: إقرأ يا الياس خطط الشام. أقول لـه والنتيجة؟. فيقول: دمشق كانت قبراً ويستعمل كلمة قبر، دمشق عاصمة الأمويين كان سكانها خمسة آلاف نسمة. دمشق هذه في شبابي الباكر كان سكانها ثلاثمئة ألف، في وقت من الأوقات كانت ألفين أو ثلاثة أي كانت على وشك أن تندثر مثل بابل. إن رموز الانحدار الكبرى، العالمية بابل وتدمر.. قد تقرأ اليوم مقالاً سوفييتياً أو ألمانياً بعنوان: انحدار بابل، وإذا بالمقال يخشى أن تكون بابل هي ألمانيا، أو الجنس البشري. ما أصاب بابل وتدمر وما أصاب أقواماً ودولاً كبيرة قد يصيب فرنسا أو ألمانيا أو إنكلترا وقد يصيب الجنس البشري كله. هذه الرموز العالمية الكبيرة من تاريخنا، فإذا كان وجود بابل وتدمر لم يجعلنا نفكر في الكليات فإن الذنب ذنبنا.

من حالة الانحطاط تنطلق بدايات النهضة. تريد أن تضع النهضة بين مزدوجين، أقول لا، بلا مزدوجين. وأستطيع أن أقول إنها ليست نهضة فقط، بل ميلاد جديد، مثل كلمة (البعث)، هناك ميلاد جديد، وبعث. كلمة بعث جميلة، هناك صعود من القبر. مما لا شك فيه أن حملة نابلوين هذه ميزتها، محمد علي باشا هذه ميزته، لقد بدأ تحرك ما، تحرك عظيم: رفاعة الطهطاوي في كتابه رحلتي إلى باريس، هذاالكتاب الهائل جداً سنقف عنده.

التيار الديني الثوري الارتدادي يهاجم المستشرقين والرحالة، أقول: إن علم المستشرقين الكبار علم كبير جداً وعظيم جداً، وإن الذين جاؤوا إلى بلادنا منهم كانوا عظماء، ليتنا نترجم تقارير رحلاتهم إلى بلادنا. وعلى كل حال فولنيه ليس رحالة تافهاً، بل فيلسوف كبير، وإلى اليوم لم يترجم كتابه. فولنيه هذا جاء إلى سوريا ومصر لمدة سنتين، عام 1780 قبل الثورة الفرنسية وقبل حملة نابليون بقليل، كتابه مهم جداً، فهو مفكر وفيلسوف ترك أثراً كبيراً في الأدب الأمريكي وأعظم من درس فكرة الأطلال وفكرة الانحدار. فإذا كنتم ترون جميع هؤلاء كفاراً فإنني أنصحكم أن تقرؤوا يوميات البديري الحلاق "حوادث دمشق اليومية من 1740 ـ 1760" البديري الحلاق الدمشقي يكتب مذكراته عن دمشق، فهو يقدم صورة واقعية عن دمشق وعن أسلوب التفكير السائد وعن العجز واليأس، إنه يقدم صورة واقعية عن الانحدار والانحطاط. وأنصحكم بقراءة كتاب الجبرتي، وقبل الجبرتي عودوا إلى ابن إياس ستجدون فيه أن العثمانيين بعد استيلائهم على مصر صادروا سبعاً وعشرين حرفة من القاهرة ومصر، وأمسكوا بالمعلمين الجيدين من 27 حرفة وأخذوهم إلى اسطنبول وفعلوا في القاهرة كما فعل تيمورلنك في دمشق.

أنهى العثمانيون استقلال العرب. قبل العثمانيين، أي في عهد المماليك، كانت القاهرة (مصر) هي عاصمة العرب. العثمانيون أنهو استقلال العرب. لم يعد العرب متمركزين على ذاتهم، أصبحت القسطنطينية هي العاصمة وتحول العرب إلى مادة وأداة من أدوات العثمانيين للاستيلاء على بلاد البلقان وحوض الدانوب، لم يعد العرب سادة مصيرهم. أنا أفضل مستبداً عربياً ينتمي إلى بلاده وإلى طبقة من طبقات مجتمعه يتخذ منها مستشارين ويظلون على علاقة بالبلد، على أي مستعمر أو فاتح. العثمانيون ألغوا استقلال العرب. واليوم نسمع أتراكاً يقطعون مع العثمانيين 100% في حين يريد فريق من العرب أن نمدح العثمانيين. هذا غير معقول!. كم انحدر العقل العربي!. هذا برهان غليون لا يرد إلا على منتقدي العثمانيين، على من ترد؟ المفروض أن ترد على البديري الحلاق وعلى ابن إياس ويجب عليك أن تنقل الجبرتي بصدق وترد عليه، إن لم يعجبك فهؤلاء جميعاً شخصوا حالة الانحطاط.

3 ـ فكرة النهضة :

في القرن التاسع عشر بدأ تحرك متنوع وبطيء ومتدرج، أبرزه تحرك محمد علي باشا. وبدأ مفكرون لبنانيون ومصريون وخير الدين التونسي..إلخ هذا هو تاريخ عصر النهضة. أحسن كتاب عن فكر النهضة، هو كتاب ألبرت حوراني "الفكر العربي في عصر النهضة" وعنوانه الأصلي بالانكليزية "الفكر العربي في العصر الليبرالي"، له ترجمة عن دار النهار جيدة جداً. وإنك لو جمعت عشرين مفكراً (وحكواتياً) عربياً وطلبت منهم القيام بدراسة عن رشيد رضا فلن يأتوا بأحسن من ذلك الفصل عن رشيد رضا في كتاب ألبرت حوراني. كم نحن العرب مساكين؟ إذا أردت العمق والنفاذ تجده عند هذا الكاتب، بل إذا أردت الوطنية أيضاً تجدها عنده أيضاً مع أنه متمغرب. هنا ـ بصدد فكرة النهضة وعصر النهضةـ يمكننا أن نرسم المسار الديمغرافي، ليس لدي أرقام بل تقديرات أترك للمستمع وللقارئ أن يتحقق منها ويدققها ويضبطها ويقومها: أعتقد أنه من سنة 1830 إلى 1920 ارتفع عدد سكان مصر من مليونين ونصف إلى سبعة ملايين، وتعداد سكان سورية من مليون ونصف إلى ستة ملايين حتى سنة 1945، أما العراق فقد انخفض عدد سكانه بسبب الطاعون إلى 700 ألف، ثم نهض ونما إلى مليونين فأكثر وصولاً إلى الحالة الجيدة نسبياً، وهي الانفجار الديمغرافي الذي لن أدخل في بحثه الآن. ويمكن أن ندخل فيه بعد ذلك، لأن من المؤكد أن للغرب علاقة بذلك، للإمبريالية والحضارة الغربية، ويمكن أن نضع بين قوسين منذ الآن: لولا الحضارة الغربية والأدوية الغربية والمضاد الحيوي والسلفامين والـ د.د.ت والكينا..إلخ لما كان لدينا تفجر ديمغرافي اليوم، إذا أردتم أن تشتموا الغرب وتلعنوه فافعلوا ذلك لكنه هو الذي صنع هذه الأدوية، وأسهم في تخفيض عدد الوفيات، إذ كان ثلاثة أرباع العائلة يموتون.

القرن التاسع عشر هو عصر النهضة، والقرن العشرين كذلك، وعصر استعمار واحتلال وانتصار استعماري وحركة وطنية، وعصر الحداثة والتعليم الحديث والكتاب المدرسي. لم يكن عندنا كتاب مدرسي من قبل، كان التعليم مقصوراً على الكتاتيب (ج. كتّاب). كان المتعلم من أصحاب الحظوة يقرأ المتنبي مثلاُ، ولكن لم يكن عندنا كتاب عن تاريخ الأدب العربي. ويبدو لي أننا إلى اليوم لم نؤمن بالكتاب المدرسي، ومكتبتنا خالية من المعجمات والأطالس المساعدة في التعليم.

والآن يمكن القول: إن فكرة النهضة أكيدة تماماً كما هي فكرة الانحطاط أو الانحدار أكيدة. والبرهان على فكرة النهضة صواب وإصابة. إنها فكرة مناسبة وضاربة. فلأول مرة عاد العرب إلى النمو الديمغرافي في عصر الاستعمار الغربي والانتداب والاحتلال. وعاد الوطن العربي إلى النمو. في سوريا مثلاً بدأ الانحدار منذ نهاية العصر الروماني، العصر البيزنطي بداية انحدار، العصر الأموي والعصر العباسي الأول ثبات، بعد ذلك انحدار بطيء، العصر العثماني انحدار واضح، القرن التاسع عشر والقرن العشرون عوة النمو، هذا إذا أردنا أن نرسم منحنياً ديمغرافياً لسورية يبدأ منذ عشرة آلاف سنة إلى اليوم. يمكن القول أنه كان تعداد السكان في بلاد الشام منذ عشرة آلاف سنة خمسين ألفاً، ثم صار بعد نشوء القرى مئة ألف، ثم مع نشوء المدن والدول صار مليوناً، في العصر الروماني بلغ 5 ـ 7 ملايين، ثم بدأ الانحدار إلى أن أصبحنا مليوناً أو مليون وربع. في القرن التاسع عشر عاد النمو، ففكرة النهضة إذن فكرة تلامس الحقيقة وتلامس الواقع، نما الوجود بعد تقلص.

4 ـ رهان الحداثة :

ما هي العيوب في العصر الاستعماري، وهو العصر الوطني، النهضوي؟. بلا شك العيوب كثيرة، ولسنا في معرض الفحص التفصيلي لذلك. ثمة عيوب كثيرة وأزمات ومشكلات، ولكني أفضل الحديث عما هو من الأسس، وعن القضايا المهمة في هذا العهد الطويل. أولاً في الصدام بين الوطن العربي والاستعمار هناك ثلاث مراحل: المرحلة الأولى مرحلة الهجوم الاستعماري التي انتهت بانتصار الاستعمار على الوطن العربي ممثلاً بالمجتمع التقليدي. وهذه المرحلة على العموم مرحلة حربية: الأمير عبد القادر الجزائري وسلطان باشا الأطرش، وغيرهما يقاتلون الاستعمار بالسلاح. المرحلة الثانية مرحلة كمون وسكون في الجبهة الوطنية السياسية، مرحلة اختمار داخلي وتحولات. المرحلة الثالثة هي نشوء الحركة الوطنية الحديثة بقيادة حزب الشعب والكتلة الوطنية ورابطة العلماء، في هذه المرحلة صارت الحركة الوطنية محمولة من قبل المجتمع الحديث ومركزها في المدن وسلاحها الأحزاب وليس القتال في الجبال، الإضراب والتظاهر وطلاب الجامعة والرأي العام والصحافة والأحزاب، وهذا جزء مهم من الحداثة. وقد انتهت هذه المرحلة بانتصار الوطن ممثلاً بالمجتمع الحديث، انتصار الوطن العربي على الاستعمار وإحراز الاستقلال أي جلاء الجيوش الأجنبية وخروج المندوبين السامين وخروج مليون أو مليون ونصف من المستوطنين الفرنسيين من الجزائر، منهم موظفون وكوادر وأغنياء مستثمرون ومنهم فقراء..إلخ، ونيل بلادنا استقلالاً وسيادة حقوقية وقانونية شيء مهم جداً وليس أمراً شكلياً فقط، وإنما أمر شكلي قطعي، عدنا إلى مقولة الشكل الأرسطية. ولا يوجد ما يمكن أن يبرئ قادة الاستقلال والشعب المستقل والأمة بعد الاستقلال. وأخشى أن نكون استعملنا كلمة الامبريالية (التي أستعملها الآن أول مرة) مشجباً نعلق عليه عوراتنا وذنوبنا وآثامنا وأخطاءنا. قبل الاستقلال كنا نتحدث عن الاستعمار وكان واقعاً متعيناً، وكانت الأمور واضحة، بعد الاستقلال صرنا نقول الامبريالية، وجاءت مقولة لينين أيضاً الامبريالية والاحتكارات، أي صرنا إزاء شيء خفي وغير مباشر. لم نعد نستطيع أن نقول اليوم ما كنا نقوله قبل الاستقلال. لو سألنا قادة الحركة الوطنية في سنة 1936 أو 1940 أو 1945 من هم هؤلاء الفرنسيون لأجابوا إنهم مستعمرون، هذا أكيد ولكنهم متقدمون علينا وأرقى منا. والمواطن العادي عندما كان ينظر إلى المرأة الفرنسية وهي تتسوق سافرة كان يمكن أن يقول إنها سافرة وكافرة وربما عاهرة، ولكنه يعود بعد ذلك هو أو ابنه ليتساءل ربما كان هؤلاء الفرنسيون على حق. نحن نساؤنا عاطلات في البيوت لتربية الأولاد، وهل يحسنَّ تربية الأولاد حقاً؟ وهل عندنا شيء اسمه تربية حقاً. يجب أن لا ننسى أن رفاعة الطهطاوي قال: شعب فرنسا لديه شيء واحد اسمه التربية. كأنه أراد أن يقول: نحن في مصر ليس لدينا تربية وكأن الإنسان بمفهومنا ينشأ ويكبر وحده، الله هو الذي يجعله يكبر وكفى. لا يوجد فن وعلم وتقنية اسمها التربية. والتربية من ربا يربو أي زاد ونما. التربية أخت الحرية. إنني أربي أولادي لأن أولادي عندهم حرية، ومن ثم، هناك نقاش. البلد الذي يفقد التربية يفقد الحرية معاً. حرية ابني تنمو مع نموه وتحمله المسؤولية وصيرورته سيد نفسه أكثر فأكثر وقليلاً قليلاً حتى يبلغ الاستقلال. هناك أناس يرفضون فكرة الاستقلال من زاوية المحبة، هذا غلط. الإنسان هو شخصية إنسانية، التربية فيها طرفان بل عدة أطراف.

العرض الذي قدمته وذكرت فيه سوريا والجزائر مثلين ينطبق على جميع البلدان العربية بدرجات متفاوتة، ولكن يجب أن نبرز دور مصر واستثنائية مصر، وأعتقد أننا جميعاً معتادون واعتدنا وتعلمنا وأدركنا أن مصر ليست فقط الشعب الخانع كما تصور السوري خطأ في زمن الوحدة. إذا كان المثقف السوري يصف المصري بالخنوع، لأن هوى السوري والعراقي وغرامهما وعشقهما الغضب والثورة على الطالع والنازل. تعلمنا بعد ذلك أن مصر عدا عن ميزة الهوية هوية مصر العربية المصرية الإسلامية مع الأقباط، إذ غيرها ليس لديه هوية بقدر ما لديه عقدة هوية. فالمصريون غير معقدين بالهوية، مصر لها ميزة مهمة أخرى في القرن التاسع عشر ارتبطت لديها الحداثة بالاستقلال الوطني والسيادة. محمد علي باشا وإبراهيم باشا يمثلان الحداثة والاستقلال معاً، والإنكليز والامبريالية العالمية هبوا آنذاك لنجدة القديم ولنجدة الخلافة ممثلة بالدولة العثمانية وبالطوائف في لبنان وسوريا. والخلافة ضد محمد علي وضد الاستقلال والسيادة وضد المشروع العربي موضوعياً. ربما هناك كثيرون خارج مصر ينظرون إلى الحداثة على أنها بنت الاستعمار، ولكن في مصر يفترض أن يكون أمثال هؤلاء أقل بكثير، فعند المصريين حداثة، ومحمد علي باشا اشتغل في مصر، وهنا أريد توكيد أطروحتي القديمة وهي أن عصر النهضة والاستعمار والحركة الوطنية كان له نتيجة سيئة أو جيدة وسيئة وهي خروجنا من القبر أي صعودنا إلى أمة وشعب بالمعنى السياسي للكلمة، وليس بالمعنى الديمغرافي فقط. وهذا الصعود لم يكتمل طبعاً، ولكننا صعدنا إلى ذلك. وحين استعملنا واخترعنا مفردات جديدة من نوع الأمة العربية وليس الأمة الدينية والروحية، وكلمة الشعب بدلاً من العامة، والثقافة بالمعنى الحالي للكلمة، وغيرها من الكلمات، وما أحوجنا إلى قاموس تاريخي دلالي في هذا الموضوع، كانت هذه الكلمات ومثيلاتها تعبيراً عن مجيء الجديد والحديث. ففي القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين عاشت الأمة ومارست عملية صعود وخروج من القبر، صعود وتكون لشعب وذات، بداية محاولة. بعد أن أقحمنا في تاريخ العالم وفي التاريخ العالمي الذي مركزه أوروبا بصفتنا مادة وموضوعاً لهذا التاريخ، أردنا بشجاعة وبصورة طبيعية أن نتحول من مجرد مادة وموضوع إلى ذات وفاعل وصانع، إلى أمة تشارك في صنع تاريخ العالم وتصنع تاريخها هي، هذا هو الوجه العظيم. والوجه السلبي كان المرحلة التي انتهت إلى تشكيل وإلى تكون مجتمعين في كل قطر وأمتين وكذلك اقتصادين وثقافتين. وأنا أقول أمتين داخل كل قطر لا أستعمل كلمة أمة بالمعنى الرائج ولا بمعنى لينين حين وصف غربي لندن وشرقي لندن أي الفقراء والأغنياء بأنهما أمتان لتوكيد الهوية الطبقية، لم أقل أمتين طبقتين، بل قلت مجتمعين أمتين: المجتمع الحديث أي المدن الحديثة والأحياء الحديثة في المدن والمصانع والبورجوازية والطبقة العاملة والطبقة الوسطى الحديثة وطلاب الجامعات وهم قلائل بل نوادر وكذلك طلاب الثانوي وهم قلائل وبعض المناطق الزراعية القليلة المتقدمة. والمجتمع القديم والتقليدي في الريف وفي الأحياء القديمة في المدن وفي الحرف القديمة ناهيك عن البدو، ومعهم ثقافة تقليدية شعبية ومعهم مشايخ أيضاً، وكذلك جمهرة النساء، ولندع النساء جانباً لأن الأمر هكذا وهكذا. المجتمع الحديث هو مجتمع السياسة وهو دائرة الأحزاب ودائرة السياسة. وأنا أعد عملية عبد الناصر ومشروع عبد الناصر هو مشروع توحيد هاتين الأمتين في أمة واحدة، أي أن حركة التاريخ وحركة الصعود يجب أن تضم هذين الشطرين معاً الحديث والقديم، وإلا فمن المستحيل أن نتحدث عن نهضة، هنا يمثل عبد الناصر امتداداً ومواصلة للنهضة ويمثل عملية دوران وثورة وعودة إلى البدء من أجل انطلاق جديد. وفعلاً نذكر أنه في أيام معينة من عام 1955 كانت المظاهرات في دمشق مثلاً تضم الواحدة أربعة آلاف متظاهر ثم أصبحت تضم خمسين ألفاً وكنت تسمع عن مظاهرات في دمشق وحلب ومراكش والقاهرة واللاذقية والخرطوم في اليوم نفسه، يعني أن السياسة نفذت إلى المجتمع التقليدي، أي إن المجتمع التقليدي تحرك. وجاء عصر الترانزيستور وصار البدوي يسمع إذاعة صوت العرب، ونمت الحركة وصارت قومية تحررية وثورية، وصارت شاملة لمختلف طبقات الأمة للبدو والحضر وسكان المدن والأرياف وللعسكر ورجال الدين.. توسع كبير وتعمق كبير إنه بحق عصر الجماهير. وتجدر الإشارة هنا إلى أن التيارات الارتدادية الثورية الدينية الحالية لم يكن موقفها واضحاً من عبد الناصر وأعتقد أنه كان لديها موقف معلن يمتدح عبد الناصر من وقت لآخر، أو لا يشتمه على الأقل، وموقف ضمني هو الحقد على عبد الناصر. وأن الجماهير تلاشت حركتها وانكفأت بعد عبد الناصر وأقصد بالجماهير المعنى الإيجابي للكلمة الذي ثبت في التجربة العربية وهو أن الجماهير هي الكتل الكبرى + فكرة التقدم. من دون فكرة التقدم تتحول الجماهير إلى غوغاء وإلى مجرد كتل كبرى. والتيارات الارتدادية متطاحنة وليس بوسعها تقليد عبد الناصر ولو أرادت ذلك. ففكرة التقدم جوهرية جداً عند عبد الناصر. عبد الناصر حارب الاستعمار ولكنه لم يحارب الثقافة الغربية، وكان يعلم ويعلن أنه تنقصنا ثقافة، عبد الناصر كان يطور الأزهر وتعليم الأزهر وهكذا دواليك. ونستطيع أن نتوسع بهذه القضية، فقد كان عبد الناصر يرفع لواء السلام العالمي ويعمل في الوفاق الدولي وكان أول بند عنده تحريم الأسلحة النووية والنشاط من أجل السلام العالمي والمطالبة به، في حين نجد العرب في السنوات الأخيرة قد رموا هذا الشعار، والذين يريدون أن يقلدوا عبد الناصر رفضوا هذا الشعار، وما زالوا يرفضونه، ولا يعرفون حتى اليوم كيف يصلحون موقفهم ويسترجعون موقف عبد الناصر. فإن المطلوب من أمة العرب أن تكون في مقدمة الشعوب العاملة والمناضلة من أجل السلام ومن أجل نزع السلاح الذري وجميع أنواع السلاح. كان عبد الناصر يقول بوجود دائرة عربية ودائرة إفريقية ودائرة إسلامية لمصر، قال الدائرة العربية هي الأولى وقال بوجود دائرة إسلامية، أصدقاؤه نحو عشرين معظمهم غير مسلمين: أحمد سوكارنو وأحمد سيكوتوري ولكن هناك المطران مكاريوس ونهرو وتيتو والسيدة بندرانايكا وخروتشوف وشو إن لاي وكذلك باتريس لومومبا وربما ديغول ما دام بن بلة توسط لديغول من أجل التفاهم بين القاهرة وباريس، فدعا عبد الناصر ديغول مباشرة لزيارة مصر، هذا ما رواه بن بلة بعد خروجه من السجن. يجب أن لا ننسى هذه النقطة. وإن عبد الناصر قارئ لكتاب البحر المتوسط، ولو أنه عاش مدة أطول لرفع لواء دائرة يسميها حوض المتوسط. ومن المؤكد لو أن عبد الناصر حي اليوم كان سيمد يده إلى باريس أو بون أو برلين، سيمد يده إلى الوحدة الأوروبية من أجل التفاهم، ولو أنه موجود كان سيرحب بالتفاهم بين موسكو وواشنطن، في حين نجد ثواراً من العرب ينتابهم الحقد والعداء والخوف من التفاهم الدولي، كأنهم يتصورون أن العرب سينتصرون لو حدثت حرب عالمية فتاكة، وهناك من يتصور أن انتشار الإرهاب الدولي يمكن أن يدمر باريس وليس القاهرة ودمشق وطرابلس وبغداد والجزائر، كأن هذه العواصم والبلدان لا يصيبها الإرهاب الدولي. فإذا حصل لقاء اليوم بين الإرهاب والسلاح النووي فالمشكلة خطيرة. ربما تجد بعد عشر سنوات إرهابياً يحمل سلاحاً نووياً في حقيبته ليفجر ويموت. هناك من يتصور أن هذه المشكلة خاصة بأوروبا وليست مشكلتنا. لماذا فقط لأوروبا وليس لنا أيضاً؟ وهناك من يظن أننا معصومون من مرض السيدا. نحن لسنا معصومين من أي شيء على الإطلاق، ما يصيب الشعوب الأخرى يصيبنا ويمكن أن يصيبنا قبلها.

5 ـ تسييس الشعب :

لقد سميت عصر عبد الناصر بعصر الجماهير. وأريد أن أذكر أنه في ايام معينة من عام 1955 (باندونغ) و56 تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر و58 الوحدة بين سوريا ومصر وثورة 14 تموز في العراق و1961 الانفصال السوري و1963 في 8 آذار و1967 هزيمة مصر وهزيمة العرب أمام إسرائيل و1970 وفاة عبد الناصر.. في أيام محددة من هذه السنوات كنا نرى تحرك الجماهير في جميع العواصم العربية وفي جميع المدن والقرى، كان التحرك عفوياً ولكنه كان ضخماً. يوم وفاة عبد الناصر بكاه الناس بمن فيهم من كانوا في السجن في عهده، لأن لدى الناس شعوراً بخطورة ما ستكون عليه الأوضاع بعده. كان الناس في كل مكان يشاركون في جنازته الرمزية. رجل يموت فتعمل له جنازة رمزية، يهزم فيثبَّت في منصبه ومكانه. جميع الفذلكات والأدلجات التي تحدثت عن ذكاء عبد الناصر وعن تكتيكه في تعيين زكريا محي الدين حتى يرجعه الشعب أو أن عبد الناصر سيحرر فلسطين من البحر إلى النهر أو أن ضباط الطيران كانوا هم المذنبين.. هذا كلام لا يقبله العقل فالمذنب الأول في هزيمة 67 هو عبد الناصر لأنه رأس الدولة وليس في ذلك شك. تبرئة عبد الناصر هي إهانة كبيرة لـه. وخطابه كان واضحاً يوم الاستقالة. هؤلاء الذين يريدون تحنيط عبد الناصر وتحويله إلى مومياء ووضعه في السرمدية وفوق التاريخ ويصرخون باسمه ويعملون بعكسه، دائماً هؤلاء يهينون عبد الناصر.

في الغرب هناك من يقول إن عبد الناصر هو ملك الديماغوجيا. هذا الكلام مغلوط. أنا أقول: إن عبد الناصر كان يمثل العقل ضد الديماغوجيا. وكنت أتمنى لو أنه كان يكرر ما قاله في غزة يوماً: أنا ما عنديش خطة لتحرير فلسطين، ولو كان لي أن أنصحه لنصحته بتكرارها في إذاعة صوت العرب يومياً. وليته قسم العرب (وهم مقسومون) بين الديماغوجيا والعقل وبين المزايدة والعقل، وبين العقل وكل أنواع المزايدات.

بعد عبد الناصر جاءت مرحلة ثالثة، حقبة انحدار وتمزق، طبعاً هذه الحقبة الثالثة بدأت ضمن الحقبة السابقة ولا مجال لتبرئة تلك الحقبة الثانية من الحقبة الثالثة، يمكن لأحدنا أن يبرئها ولكن هذا غلط، ويمكن القول إن الحرب على عبد الناصر من اليسار، يعني من قبل الشيوعيين والقوميين ولا سيما القوميين العرب الذين صاروا فيما بعد ماركسيين لينينيين ومن الفلسطينيين عموماً وحواتمة وحبش خصوصاً، كانت نتيجتها الانتصار على عبد الناصر وتمزيق الحالة وتضييع الدنيا. ولكن المرء يتساءل: ما موقف عبد الناصر من هؤلاء جميعاً؟ ألم يستطع أن يدرأ هذا الموضوع، وإلى أي مدى فهم هذا الموضوع؟ هذا من جهة، ومن جهة ثانية، إن هذا الموضوع ليس كل شيء، فثمة ما هو أكثر من ذلك، وغير ذلك، ثمة سياسة عبد الناصر وفهم عبد الناصر وأيديولوجيته وطريقة تفكيره. وهناك دولته ونظامه ومجتمعه، وهناك أمة العرب. وهنا نعود إلى ياسين الحافظ الذي أستطيع القول إنه أجاد جداًعندما أشار إلى المجتمع وإلى التخلف والتأخر ولم يبرئ عبد الناصر أبداً. وأعتقد أنني سأتحفظ على مقولة البورجوازية الصغيرة في مرحلة من تاريخ ياسين، إذ لم يكن الكلام عن البورجوازية الصغيرة في مكانه، معظمه لم يكن في مكانه، فلو كانت الطبقة العاملة في السلطة فهل يعني أن الأمة لم تكن لتنهزم؟ وحول ستالين وهتلر، هل انتصر ستالين على هتلر لأنه يمثل الطبقة العاملة؟ يقولون اليوم إن ضحايا الحرب نحو ثلاثين مليوناً وليس عشرين مليوناً كما قالوا من قبل، هناك أقوال مختلفة لا أستطيع أن أحل الأمور بقولي إنه يمثل الطبقة العاملة وكذا وكذا. هنا يجب أن نفصل ونفرز حكاية الطبقة العاملة والبورجوازية الصغيرة عن قضية التأخر وقضية المجتمع وقضية الأمة وقضية الحضارة وقضية فكرة الدولة..إلخ هذا هو الذي يجب أن نمسك به في المستقبل، هذا هو الصحيح. لو تسألني ما هو حكمي الأخير على لينين أي على لينين في ذروة لينينيته الجيدة أقول: إن لينين في السياسة الاقتصادية الجديدة نظر إلى مشروع التمدن على أنه مشروع ثقافي تاريخي طويل وشامل لكل المجتمع ولكل الناس وهذا شيء عظيم جداً جداً، ولكن من جهة ثانية بقي لديه وهم حول الطبقة العاملة، كأنها سحر. كأنه إذا ضاعفنا وأكثرنا أي ضممنا إلى اللجنة المركزية خمسين عاملاً فلسوف تنحل مشاكل النظام. إنني لا أرى هذه القدرة السحرية وإنني منذ 25 سنة كنت أشير بأن هذه لا تعجبني. ففي الوقت الذي يتكلم فيه لينين عن الطرق والمواصلات والجرارات والكهرباء ويتكلم عن السوفييت وعن حلف العمال والفلاحين وعن الفلاحين أوافقه. وعندما يتكلم عن المدرسة وضرورة ألا يجوع هذا المعلم وأن يأكل خبزه.. كتابات لينين في سنة 1921 ـ 1922 أوافقه عليها، وإنه لشيء جيد جداً أن يتكلم عن عيوب الأشخاص الذي هم حلفاؤه: تروتسكي وستالين وغيرهما. أما قصة هذا البند: الطبقة العاملة، فلا. إنني لا أريد عمالاً، أريد مثقفين، وماذا أقصد بالمثقفين، ليس المثقفين الذين نعرفهم، لا، فمن الممكن أن يكون المثقف الذي أقصده عاملاً وابن عامل منجم ويكون مثقفاً ممتازاً، لا أريد مناضلين أريد مثقفين، مفكرين. المناضلون الذين لا أريدهم هم الذين يحتلون مكاناً ليس مكانهم الصحيح، فإذا أبدى مناضل شجاعة وذكاء وأريحية وفدائية في الحرب الأهلية فهل أضعه رئيس جامعة، أو مدير مصنع؟ لا ذلك لا يصح ولا يجوز. إذا كان لديه مؤهلات رئيس جامعة أو مدير مصنع أضعه حيث تقضي مؤهلاته. أما أن نقول له أبليت حسناً في معركتنا ضد القوزاق وسوف ندربك ستة أشهر ثم نضعك مدرساً لعلم الاقتصاد السياسي الماركسي، فهذا كلام فارغ.

الثقافة قضية كبيرة وطويلة وشاقة. لينين رفع لواء الثقافة بلا شك ورفع لواء الثقافة البورجوازية خاصة، وكنت أتمنى لو تصالح مع أبناء النبلاء، ولو تكلم عن ثقافة النبلاء لأن روسيا بلاد نبلاء أيضاً، فمن الممكن أن يكون هناك مهندس نصف ميسور أو فقير وأبوه نبيل من النبلاء. أنا أقول أهلاً وسهلاً إذ يمكن أن يكون هذا المهندس وطنياً أكثر من نصف رفاقنا في الحزب ومن غير الضروري أن أقحمه في مهمة صنع الثورة البروليتارية في أستراليا. مهمته أن يبني وطنه. وهنا أعود إلى ياسين الحافظ. يجب أن ننتهي من قصة البورجوازية الصغيرة والطبقة العاملة، اشعر أنها قضية مغلوطة في الأصل وهذا الشعور كان يلازمني طوال عمري واليوم لم تعد مقبولة ويجب أن تصحح، وياسين تجاوزها أيضاً وصححها في الآونة الأخيرة.

6 ـ نقد وتأسيس :

يبدو أننا نتكلم كلاماً متقطعاً. أعود إلى نقد عبد الناصر مباشرة، فكل نقد وجه إلى عبد الناصر من اليسار مرفوض، أي يسار كان. نقد عبد الناصر باسم الطبقة العاملة، باسم الجماهير الكادحة، باسم الكاستروية أو الماوتسي تونغية، أو باسم لي مبياو أو ليم بياو + فانون + غيفارا. إنني أذكر أشخاصاً مختلفين لكن المعنى مفهوم: باسم تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، باسم شعب عربي واحد لا شعبين أو أمة واحدة وشعب واحد..لا، إنني أفضل مليون مرة صيغة عبد الناصر: أمة عربية وشعوب عربية أو شعوب الأمة العربية، الأمة العربية. فهناك قوم عربي، في الأساس، كبر وكبر وزاد، التاريخ حمل لهذا القوم العربي نمواً مطرداً، حتى في عصر الانحدار والانحطاط: اللغة العربية تمتد وتتوسع وتصبح شعبية وعامية..إلخ وهناك أقطار عربية، وشعوب عربية وعبد الناصر طرح صيغة شعوب عربية وأمة عربية، هذا الموقف قريب من الشعب وهو موقف معقول وسليم. بخلاف الموقف العروبي الذي لا يقبل إلا بكلمة "شعب عربي" هذا الكلام ليس لـه معنى. هنا أريد أن أروي واقعة طريفة: عام 1959 كنا في جريدة الجماهير، فكتبت مقالاً عن أحمد عرابي، قلت فيه إن حركة عرابي أكدت عروبة الشعب المصري والجيش المصري، فجاءني أحد أصدقائي من العروبيين القومويين يعرب عن استهجانه واستهجان "الشباب" قولي الشعب المصري والجيش المصري، وإذا به يريدني أن أقول إن حركة عرابي أكدت عروبة شعبنا في الإقليم الجنوبي وجيشنا في الإقليم الجنوبي، فدهشت من هذه المزايدة وقلت لـه: ربما ترجعوننا غداً إلى رمسيس وإلى عمر بن الخطاب. إذن كل نقد وجه إلى عبد الناصر من اليسار كان مغلوطاً سواء كان باسم فلسطين أو باسم الوحدة العربية، والشعب العربي الواحد والعلم الواحد وغيره من الرموز، أو باسم البروليتاريا وحزبها الثوري والجماهير الكادحة والاشتراكية العلمية والماركسية.. هذا كله مغلوط ومرفوض، وأنا لم أومن به طوال حياتي. ولم أعلق آمالاً على الاتحاد الاشتراكي العربي ولا على حزب الطليعة والحزب الطليعي وإذا عدت إلى كتابي "نظرية الحزب عند لينين" تجد أنني لم أتبن شيئاً من هذا.

إذن ما هي مقاربتي النقدية لعبد الناصر؟ هذه المقاربة تتضمن عدة جوانب: أولاً أعتقد أن عبد الناصر لم يعط القضية الثقافية والفكرية حقها الكامل، مع أنه أعطاها أكثر بكثير مما أعطتها إياه جميع الأحزاب التقدمية، ولكنه لم يعطها كفايتها. كانت تحتاج إلى أكثر من ذلك الذي قدم. الثقافة بمختلف المعاني. ولعبد الناصر نفسه كلمات جميلة في هذا الصدد منها قوله: إننا بنينا السد العالي ولم نستطع توفير النظافة في مستشفى القصر العيني. ولعله فكر بأننا شعب نكرر الحديث النبوي "النظافة من الإيمان" ولكننا في الواقع لسنا مع النظافة. وإننا لنلاحظ أن أغلب الناس الميسورين وشبه الميسورين يؤمنون بالنظافة داخل بيوتهم، ويمكن أن يؤنبوا زوجاتهم من أجل ذلك، ولكنهم في الوقت ذاته يرمون أعقاب سجائرهم وقمامتهم ومهملاتهم في الشارع العام. نريد النظافة في بيوتنا ولا نريدها في الحديقة العامة والشارع العام (والأماكن العامة والمرافق العامة، نصون ما هو ملكنا الشخصي ونعيث فساداً وتخريباً في الملكية العامة الاجتماعية). هذا جزء من موضوع الثقافة التي هي تشكيل الإنسان وتربيته. ولعبد الناصر قول آخر ورد في كتابه "فلسفة الثورة" حول الأحزاب في مصر، حين جاءه ممثلو هذه الأحزاب تباعاً وكان كل حزب يغض من شأن الأحزاب الأخرى، فوضع عبد الناصر يده على الخلفية المملوكية للمجتمع المصري، من وراء الستار كل واحد ضد الآخر، ومعروف أن ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وأكرم الحوراني.. تعاملوا مع عبد الناصر على هذا النحو من اليوم الأول. ربما تقول لي كانوا مختلفين فيما بينهم ونقلوا خلافاتهم إلى عبد الناصر، أقول: حسناً، ولكن ليتهم أعلنوا خلافاتهم للشعب، وليتهم خاطبوا عبد الناصر علناً وجهراً وواجه بعضهم بعضاً أمام الناس وأمامه. الشعب كان يتصورهم متفقين فإذا هم مختلفون، لماذا لم يخبروا الشعب بخلافهم فيدخلونه في مشكلاتهم أم إنهم نخبة سماوية؟.

ثانياً: إن عبد الناصر قائد عسكري، ضابط، عندما نطلع على نوعية الكتب التي قرأها يوم كان شاباً وأستاذاً في الكلية الحربية، نجدها كتباً مهمة. ولكن، بماذا كان يفكر عبد الناصر وما هي مسائله وأسئلته ومعضلاته، وعم يبحث؟ إنه يعرف عم يبحث ولكن هناك أناساً لا يعرفون عم يبحثون وما هو دورهم وإن هؤلاء لا يرون شيئاً ولو قرؤوا كل كتب الأرض. ومع ذلك أؤكد أن عبد الناصر لم يول الثقافة والفكر حقهما. وهناك نقطة تتعلق بذلك، فأنا لا أنتقد عبد الناصر لنقص العلمية، أنتقده تقريباً بالعكس، فقد كان في كثير من الأحيان،  ينجر إلى العلموية. ففي اليوم الذي قال فيه: لا توجد إلا اشتراكية واحدة هي الاشتراكية العلمية قرنها بالجرار كأنه يقول لا توجد مئة طريقة لقيادة الجرار بل طريقة واحدة. يومها لم أكن مسروراً بهذا التعبير "الاشتراكية العلمية". وإذا سألتني ماذا كنت يومها؟ أقول: كنت ماركسياً. سمني ماركسياً ولكن لا تقل عني اشتراكياً علمياً. هذه العبارة لا تعجبني. وأذكر يومها أنني طرحت هذه المسألة على ياسين الحافظ فقال ياسين إن عبد الناصر يرد على مقولة الاشتراكية العربية والاشتراكية الإسلامية وكذا.. قلت له: نعم، ولكنها تتضمن جانباً آخر، إنني لا أريد أن يقع عبد الناصر تحت تأثير المناخ الوضعوي والعلموي، وهذا الوقوع هو أصلاً ضد شعبية عبد الناصر أيضاً. كنت أريد منه أن يكون مع العلم ولكن هناك فارقاً كبيراً بين العلم والعلموية. ومشكلتنا أنه لم يكن هناك ماركسية ديالكتيكية تحاور عبد الناصر وتجادله، وتقف معه فكرياً نداً لند تناقشه ويناقشها. ولكن، لو أن عبد الناصر تبنى "نظرياتنا" قبل ثلاثين عاماً لما كان عبد الناصر بتاتاً. إذ لم تكن "نظرياتنا" أفضل من نظرياته. فقد تبين أن الزراعة الكولخوزية السوفييتية لم تكن أحسن حالاً من الزراعة المصرية.. وحكم حزب الطبقة العاملة لم يكن أفضل من حكم بيروقراطية عبد الناصر، حتى على صعيد الرشوة. فقد وجد في بلدان أوروبا الشرقية أكثر من صلاح نصر.

روى لي أحمد حمروش مرة أن في الماركسية عشرين نقطة تبنى منها عبد الناصر سبع عشرة نقطة واعترض على ثلاث. ومما اعترض عليه أذكر مسألتين أولاهما تتعلق بالدين. رفض عبد الناصر موقف الماركسية من الدين، يومها سررت بموقفه هذا، فنحن نعرف أن عبد الناصر يصلي وربما يصوم وأن إيمانه العقيدي ليس مثل إيمان المسلم المتوسط، وأنا أعتقد أنه كان أكثر انفتاحاً على ما يسمى الباطنية وعلى التصوف وعلى قضايا مختلفة من هذا القبيل. وهذا شيء جميل وطبيعي من إنسان مسلم مؤمن بالإسلام وبالله ورسوله ويشهد الشهادتين وإذا حج يحج من قلبه. وعندما قالوا لي إنه رفض موقف الماركسية من الدين وإنه متمسك بالدين قلت لهم معه حق. والمسألة الثانية تتعلق بقيادة الطبقة العاملة فهو غير مؤمن بقيادة الطبقة العاملة. وفي هذه قلت لهم معه حق أيضاً. وقيل لي إن أحمد حمروش روى، ثم قرأتها بعد ذلك، أن عبد الناصر اعترض بشدة عندما وجد أن عاملاً يمكن أن يرأس ضابطاً وامتعض من ذلك، وأن عقله البورجوازي الصغير رفض ذلك. والله، ربما أنا كذلك أيضاً، يمكن أن أمتعض ولا أقبل، ولا أعرف كيف يكون موقفي بالضبط. وعلى كل حال هذا متوقف على العامل نفسه لكي لا نتسرع في الحكم، ولن يكون لدي رد فعل مباشر، ولكن إذا وجدت إن هذا العامل دون مستوى المسؤولية لا بد أن أعترض. ويقولون لي ألا تؤمن بقيادة الطبقة العاملة، أقول: بلى وبحزب الطبقة العاملة أيضاً، ولكن لا أقبل أن يقود فلان فلاناً فقط لأنه فلان. ما هي الطبقة العاملة؟ تمهلوا قليلاً، ما هذه الديماغوجيا العمالية؟ طبعاً عبد الناصر كان معه حق. ماذا، هل تلومونه لأنه لم يقم كولخوزات؟ ربما رويت لك مرة أن خروتشوف حذر عبد الناصر من إقامة كولخوزات في مصر. كان ذلك على شاطئ البحر الأحمر عام 1964 أي قبل سقوط خروتشوف بقليل. وقال له أيضاً ليكن معلوماً أن بوخارين كان على حق وأن تروتسكي وستالين معاً مجنونان وبوخارين هو الأمين لخط لينين. ومن المعروف أن خروتشوف كان يستعد لرد الاعتبار لبوخارين، ليس فقط لتبرئته من تهمة التجسس، بل ليؤكد أن خطه كان هو الصحيح. ولو حصل ذلك لكانت نقلة كبيرة في مسيرة خروتشوف. وإنني أتساءل الآن: ترى هل كانت هذه النقلة المتوقعة هي السبب في سقوط خروتشوف؟ لأن قيادات كثيرة ورجال مخابرات سيذهبون معها. لو فعل خروتشوف ذلك لألقى الشبهة على كل الخط الذي ساد زمن ستالين.

في مقاربتي النقدية لعبد الناصر أيضاً أن عبد الناصر كانت تنقصه الفلسفة ، لم تكن لديه فلسفة، ولم يكن لديه أحد يقوم بذلك. وربما لذلك طوى عبد الناصر وعصر عبد الناصر العصر السابق بسرعة وطويا معه قضايا كبيرة ومقولات مهمة برزت في عصر النهضة. هذا خطأ كبير. كلنا يعرف أن عبد الناصر خفّض سعد زغلول ومجد مصطفى كامل أكثر مما يستحق، مجد كذلك أحمد عرابي أكثر مما يستحق. هذا غلط. ربما كان عبد الناصر يعيد النظر في ذلك في سنواته الأخيرة. يعني كأن عبد الناصر والضباط الأحرار، العسكر، جاؤوا لنقض عصر الوفد وأنهم كانوا يستطيعون أن ينقضوا أكثر فأكثر. وهذا طبيعي في مجال السياسة الداخلية فالوفد مد يده إلى الانكليز ووقف ضد الملك فاروق الذي كان يمثل الاستقلال عام 1941، وأن الوفد تراجع وصعدت قوى أخرى. كان الوفد يمثل 90% من مصر فصار يمثل 60% ثم 40% بعد ذلك. عبد الناصر كان يستطيع أن يطوي العصر الوفدي والتاريخ الوفدي أكثر فأكثر، ولكن هذا غلط. المفروض أن يدرك عبد الناصر أن مرحلة الوفد مرحلة حقيقية وأن للوفد شعبية كبيرة حقيقية. صحيح أن البدراوي باشا قال كذا وكذا وسائر الباشوات، ولكن ربما كان كثير من الفلاحين إلى جانب الباشوات. على كل حال هذه مراحل التاريخ. أما على صعيد المقولات، مقولات عصر النهضة فإنها لم تدرس، بل طويت، المسائل التي كانت مطروحة لم تُتابَع. في أواخر عهد عبد الناصر أعيد طبع كتاب علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" هذا شيء مهم، ونشرته مجلة الطليعة وهذا أهم. هذا أحسن عمل قامت به مجلة الطليعة، مع أنه جاء متأخراً. مقولة الحرية، مقولة الديمقراطية.. ويجب أن نعترف أن محمد حسنين هيكل كتب حول أزمة المثقفين وأزمة الديمقراطية ولكن هذا أيضاً جاء متأخراً ولم يتابع جيداً. ويجب أن نعترف أيضاً، بالمقابل، أنه لم يكن هناك من يتابع هذه الأمور. هل الشيوعيون مثلاً كانوا سيتابعونها. لم يكونوا قادرين على ذلك، ولم يكونوا ديمقراطيين. فهم بعد أن خرجوا من سجون عبد الناصر وغالبيتهم مثقفون جيدون وطيبون لم يكونوا قادرين على ذلك نفسياً وفكرياً. متابعة هذه المسائل تحتاج إلى ثقافة كبيرة لكي تدرس الديمقراطية بدون تسرع. ويجب الفصل بين الديمقراطية ومقولة الديمقراطية والهدف الديمقراطي من جهة وحزب الطبقة العاملة الصنديد هذا من جهة أخرى. ألم يكن المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفييتي والفضائح التي كشف عنها تحفز على إعادة النظر في كل شيء؟. الماركسيون المصريون بتسعة أعشارهم لم يعيدوا النظر، بل رفضوا إعادة النظر كأن وظيفتهم باتت هي الوساطة بين القاهرة وموسكو، وسطاء خير بين الوطن والمعسكر الاشتراكي، في حين كان يجب أن تكون مهمتهم غير ذلك. يجب أن يكونوا طليعة مصر وعلى علاقة وثيقة مع الشعب وأن يطرحوا مسائل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ومسألة القانون واستقلال القضاء.. هذا كله يجب أن يدرس، وكذلك كلمة صناعة ماذا تعني وكلمة زراعة وكذلك مسألة حقوق المرأة أو ما يسمى عندنا قانون الأحوال الشخصية. ما هذه الأحوال الشخصية؟ الظاهر أننا في مصر وعندنا ابتكرنا في القرن التاسع عشر شيئاً اسمه الوضع المدني أو الحالة المدنية وشيئاً آخر اسمه الأحوال الشخصية. عندما قرأتها ورأيتها مؤخراً فوجئت. أذكر أنني حين وصلت إلى بلجيكا للدراسة أواخر 1946 وكان عمري يومها سبعة عشر عاماً، ملأت استمارة من خمسة أسطر: الاسم والكنية، والعمل أو المهنة وبعد ذلك الحالة المدنية: عَزَب أو متزوج أو مطلق. هذه هي الوضعية المدنية، الأحوال الشخصية. الأحوال الشخصية هي الوضعية المدنية، وإذا بها عندنا غير الوضعية المدنية. فهي الأحوال المذهبية والطائفية، لكنها تبينت أنها الحيوانية. إذن الزواج والطلاق خارج المجتمع كمجتمع، خارج المدنية، خارج الحالة المدنية. إلى متى يظل الزواج عندنا يعقد بعقد سري، كم رأينا مثل هذه الزيجات السرية؟ أمس رأيت ذلك في مسلسل دمشقي، (مسلسل أبو كامل)، وهذا في الواقع كثير وجله غير معروف. يجب أن ننتهي من هذا. إلى متى نظل نقلد الفقهاء ونتبعهم. فكروا في هذه القضايا من جديد. قاسم أمين بدأ التفكير من جديد ورأى في الزواج رباط ود ورحمة، وكل ما قاله الفقهاء ثانوي وتافه. يجب العودة إلى الآية القرآنية لاستنباط شيء جديد منها، شيء إنساني يؤمن بالأسرة ككائن جديد ككينونة جديدة وليس كامتداد لخط الجد والأب الذكوري إلى ما لا نهاية. الأسرة كائن جديد: أنا وأنتِ اتفقنا على إنشاء كينونة جديدة هي الأسرة. هذه الأسرة، هذه العائلة شيء جديد. إذا كنا غير مؤمنين بجديد في ميدان العلاقة بين المرأة والرجل فكيف نؤمن بجديد في ميدان المجتمع ككل؟ كيف نتكلم عن تقدم وعن تطور إذا كنا في الموضوع الروحي البيولوجي، الاجتماعي البيولوجي الذي هو الزواج والعائلة لا نؤمن بشيء جديد، بتأسيس لجديد ونشوء لجديد، فكيف في مستوى الأمة والوطن والسياسة والمجتمع؟ عندما يقول الكثيرون: نريد تطوراً وتغييراً وتجديداً. أقول هذا كذب، لا تريدون جديداً. لماذا؟ لأن هذه الذي تسمونه تطوراً وتغييراً وتجديداً مضروب في ما تسمونه خلية المجتمع (العائلة) تضربون الموضوع من أساسه، تضربون التقدم والصعود والارتقاء.

وما دمنا أتينا على ذكر التيار الديني، أرى أن الحل ليس في المباحثية، وليس بإرهاب الدولة وليس في السجن والتعذيب، هذا كله يجب أن يدان من قبلنا، وكذلك يجب أن نعترض على إدانة جميع الأحزاب لعبد الناصر بدعوى اضطهاد عبد الناصر لها، لأن جميع هذه الأحزاب كانت أيديولوجياتها وبرامجها تعلن أنها انقلابية، وإذا تسلمت السلطة ووصلت إلى الحكم فسوف تستأصل الشيطان أيضاً. ها هم الشيوعيون في الاتحاد السوفييتي وفي أوروبا الشرقية وفييتنام وغيرها ماذا فعلوا؟ أصحاب هذه الأيديولوجيات والبرامج لا يحق لهم أن يهاجموا عبد الناصر بتهمة اللاديمقراطية والمباحثية فهم كاذبون وبلا مصداقية. أنا أريد ديمقراطية لي ولغيري، أريد الديمقراطية لي وكذلك لخصمي، أو لا أريد الديمقراطية بل أريد سلطتي وحكمي. وفي أحسن الأحوال كأنني أقول لعبد الناصر: لماذا اضطهدتني وأنا وطني، وهناك غيري غير وطني؟ وفي أسوأ الأحوال كأنني أقول له: لا يجوز لك أن تضطهدني لكني إذا تسلمت السلطة فسوف أضطهدك أنت وكل جماعتك. ولكن هذا كله لا يسوغ أن نمتنع عن شجب وإدانة جميع حالات الاضطهاد وجميع حالات نقض حقوق الإنسان، ولا يجوز أن نمتنع عن شجب وإدانة السجن بلا محاكمة، والتعذيب والقتل والموت في زمن عبد الناصر وعهده. ولا يجوز أن نقبل حجة من يقول إن هذه الأعمال قام بها عبد الحميد السراج أو زكريا محي الدين، بل يجب أن نقول إن هذه الأعمال تمت برئاسة عبد الناصر وأهلاً وسهلاً. فهل سنكتب التاريخ غداً ونقول مثلاً إن بطرس الأكبر غير مسؤول عن كذا وكذا، بل إن بعض المواطنين هم الذين أخطأوا وهؤلاء حفنة أرذال؟ أو إذا قام واحد وقال: لا، إن بطرس الأكبر هو المسؤول وهو الذي قام بكل ذلك فهل نقول لـه: يا كلب أنت ضد بطرس الأكبر؟ ليس هناك في التاريخ رجل عظيم بلا أخطاء، وليس هناك أحد بلا أخطاء. ولكن السؤال ما هي سياسة ذلك الرجل؟ أليس سياسياً؟ أم هو حلاق أو حذاء؟ حتى الحلاق يجرحنا قليلاً ونختلف مع ذلك الحذاء ولا ندفع لـه إذا كان هناك عيب في صنعته. أما القائد السياسي ومؤسس الدولة فإن أخطاءه تكون أكبر وأخطر هكذا الناس والتاريخ.

يجب أن نتجرد كلياً من القناعة الضمنية العاطفية أنه كان من الممكن بفضل عبد الناصر وحركة الجماهير أن نحقق الجنة على الأرض. هذا النفس الضمني غلط، وهذا غير موجود سويسرا ليست جنة وكذلك السويد، ويجب أن نعلم الناس أنه جريمة منا وكفر منا أن نتصور أن ما أصابنا، نحن العرب، أسوأ مما أصاب شعوباً أخرى على الكرة الأرضية. وأخيراً عرفنا أن الاتحاد السوفييتي ليس جنة، ولا كمبوديا.. يجب أن نعلم الناس الهدوء والنظر بهدوء. ما أصاب شعوب الأرض أكثر بكثير مما أصابنا وكذلك الكمبوديون. وفي رأيي أن تسعة أعشار شعوب أوروبا أصابها في القرن العشرين أكثر مما أصابنا بكثير، أما إذا كنا نتصرف عاطفياً وذهنياً كأننا صغار أو نتصرف بتجارة ديماغوجية فإننا نتصرف بغرور كأننا بشر من طينة أخرى أو ملائكة أو أبطال والمفروض ألا يصيبنا سوء وألا يضربنا أحد. لماذا هذا التصور؟ أليس كل الناس يضربون عندنا وعند غيرنا، أما زلنا على هذا الاعتقاد؟.

عبد الناصر دخل فعلاً في العالم، عبد الناصر رجل داخل العلم، وكما قلت عن خصومه بأنهم خارج العلم وخارج العالم أما هو فداخل العلم والعالم، ولكني أتساءل عن مدى واقعيته. ماذا أقصد بالواقعية؟ التجربة السوفييتية علمتنا الكثير، ففي الوقت الذي تكون فيه قيادة الحزب هي الدولة، والدولة هي الحزب، فإن مثل هذه الدولة تتصور أن الواقع كواقع غير موجود، الموجود فقط هو خطة الدولة. والبشر والواقع منفذون لهذه الخطة. الواقع هنا لم يعد لـه أي نوع من الاستقلال. ونستطيع أن نسمي ذلك بالبيروقراطية أو التصور البيروقراطي والفلسفة البيروقراطية. التصور البيروقراطي عن العالم وعن الواقع. ومن دون أن أسترسل في الحديث عن الاتحاد السوفييتي، يبدو لي أن موقف عبد الناصر الأيديولوجي، في هذه المسألة، هو الخوف من التناقض الداخلي والصراع الداخلي، من جهة بسبب ما أسميته الفلسفة البيروقراطية العامة، ومن جهة أخرى بسبب الأيديولوجيا كما أعتقد، بسبب الأيديولوجيا العربية الإسلامية بصفتها منظومة أيديولوجية شرقية. هذه الأيديولوجيا تنظر إلى المجتمع بصفته كتلة متراصة، المجتمع صخرة (إياكم والفرقة). كأن تاريخ المسلمين اختار شعار: إياكم والفرقة. الفرقة فتنة والفتنة أشد من القتل. اختار ذلك بدلاً من الخيار الآخر: وأمرهم شورى بينهم. وهذا يفترض أنهم مختلفون. فالجماعة مهما قل عددها، ولو كانت عشرين مسلماً سنياً من صحابة الرسول، فهي أفراد مختلفون ومن ثم فهم مدعوون إلى التشاور والديمقراطية والتسوية، ولو لم يكونوا مختلفين لما كان هناك حاجة إلى التشاور، ولما كان للدعوة إلى التشاور أي معنى أو مسوغ إذا لم نسلم بالاختلاف. فإذا كان شعارنا العملي هو التشاور والديمقراطية والتسوية فمعنى ذلك أن مبدأنا النظري، مبدأنا في النظر والرؤية، رؤية الواقع، مبدأنا في علم الواقع منطلقاً من علم واقع البشر والمجتمع، يجب أن يكون أن الجماعة والمجتمع أفراد مختلفون بشر مختلفون، زمر مختلفة، أحزاب مختلفة، وهكذا دواليك. اختلاف ـ تناقض ـ صراع ـ تسوية، قانون حل الخلاف ومجيء خلاف جديد وحله وهكذا وإشادة البناء الذي هو القانون، إنشاء العمارة على مر السنين، عمارة القانون. لطالما فكرت في هذه النقطة، وقد أخذت في تفكيري أشكالاً مختلفة، الآن أخذت هذا الشكل: عندما يتسلط علينا الخوف من التناقض والفرقة والصراع فإنه سيضعفنا ومصدر ذلك أننا لا نتصور الصراع إلا اقتتالاً، صراع بالسكين. إن الجو العام عند جميع الناس وعند التيارات الارتدادية الدينية الإسلامية وعند الأحزاب السياسية جميعها تبدو السياسة كأنها حرب. ونستطيع أن نعود إلى التاريخ القديم التاريخ العربي الإسلامي وما قبله تاريخ بيزنطة وروما وخلفاء الاسكندر المقدوني، بدلاً من أن تكون الحرب شيئاً محدوداً وامتداداً للسياسة تمثل السياسة كأنها صراع حربي. يجب أن نفهم تاريخنا: هناك دين جديد، الإسلام، يجب أن ينتشر: المدينة ضد مكة، فتح مكة، والفتوحات وحروب الردة، ثم الفتوحات العربية الإسلامية وصولاً إلى المغرب والأندلس وإلى آسيا الوسطى.. وبعدها وبعدها. الشيء الناتئ في ذهننا عن السياسة في تاريخنا هو أنها حرب داخلية، حرب جيوش.. وإذا بنا في لبنان عام 1975 في حرب تحولت فيها الأحزاب إلى جيوش. يجب أن ننتهي من هذه الرؤية وأن نفهم تاريخنا بصورة صحيحة، لعل تصورنا عن تاريخنا مجحف بحق هذا التاريخ. وفي جميع الأحوال يجب أن نخرج من الحرب إلى السياسة، أي يجب أن نخرج من الحرب إلى الصراع السياسي، فالأحزاب أحزاب وليست جيوشاً. مما سبق نرى أن عبد الناصر كان لا يريد "الفرقة" لا يريد التناقض. فكرة الأمة متسلطة عليه بصورة معينة. وكلنا نعرف أن المقولات رايات. مقولة الأمة مقولة عظيمة وكذلك مقولة الأمة العربية ومقولة الشعب وقس على ذلك. ولكن هذه المقولات أياً كانت ومهما كان عددها يجب أن تُفحص ويجب أن تُنقد ويجب أن يقام عليها الحد، وبصفتها حدوداً لا أستطيع أن أشمل الواقع وأقول جوهر الواقع هو الأمة. هذا كلام ليس لـه معنى. وكذلك لا أستطيع أن أقول: جوهر الواقع هو الطبقة. فهذا أيضاً ليس لـه معنى. ليس هذا جوهر الواقع. المقولات هي أدوات المعرفة للوصول إلى صورة الواقع، ولكي أنشئ صورة الواقع، لكي أنشئ لوحة الواقع. هنا الديالكتيك.

هذه المقاربة النقدية لعبد الناصر، هذا النقد لعبد الناصر هو نقد راهن يصيب كل واحد منا، ويصيبنا جميعاً، وهو نقد ذاتي لكل واحد منا، ونقد ذاتي للأمة. ولي أنا بصفتي طرفاً جوانياً موجوداً هنا وليس برانياً، وذلك لكي نفهم جميعاً ماذا ينتظرنا في المستقبل ولكي نتخلص من الأشباح وأحمد الله أنني أعيش هنا في اللاذقية وليس في أوروبا أو بين الخمير الحمر ولن أدخل في تفاصيل ذلك.

 

 

 

 

الفصل الخامس

 

 

إعادة إنتاج مقولات عصر النهضة

 وتعميقها

ـ أستاذ الياس لك جزيل الشكر. وإذا أردت أن تستدرك شيئاً لم تقله أمس أو شيئاً حول ما قلته أمس حول نقد عبد الناصر وحول الناصرية فتفضل.

# أريد أن أقول أولاً: إن علينا أن نستأنف المقولات التي طواها زمن عبد الناصر والقومية العربية والماركسية اللينينية وأن نعمقها. أقصد المقولات التي ظهرت في عصر النهضة أو في العصر الليبرالي: مقولة الحرية ومقولة الاستبداد. مقولة الشعب ومقولة الأمة ومقولة الوطن ومقولة المجتمع ومقولة الثقافة ومقولة الفكر (ومقولة الحقوق المدنية، والحريات السياسية والحياة الدستورية ومقولة العلمانية ومقولة الديمقراطية..إلخ) فإذا أخذنا مثلاً مقولة الاستبداد، وطبائع الاستبداد نرى أن العصر التالي تجاوزها عبثاً، فبدلاً من أن نعمق الكواكبي ونثبته وأن ننقده ونوسعه ونعرف ما لم يكن يعرفه وأكثر مما كان يعرفه الكواكبي، قلنا لأنفسنا: تلك مرحلة انتهت منذ ثلاثين أو أربعين سنة، ودخلنا في وهم مفاده أن الوحدة العربية قاب قوسين أو أدنى وأن انتصار الاشتراكية قاب قوسين أو أدنى وأن مسألتنا هي الرأسمالية أم الاشتراكية، الطريق الرأسمالي أم الطريق الاشتراكي أم الطريق اللارأسمالي أم طريق الديمقراطية الوطنية أم طريق أقصى اليسار... كل الإشكالية المحددة على هذا النحو باطلة ووهمية. اليوم يجب أن ندرك بطلان موقفنا ذاك. وإنه من غير الصحيح أن البشرية قاب قوسين أو أدنى من الاشتراكية. فالبشرية انقسمت إلى حد كبير بين رأسمالية تتهذب وتتمدن وتتثقف وتتأنسن وإشتراكية بربرية همجية وسفاحة وسفاكة ومخربة للاقتصاد وللضمائر والنفوس ولكل شيء. هنا أذكر برواية المرحوم ياسين الحافظ عن المدة التي قضاها في السجن، ياسين أمضى سنة في السجن، وأنا لم أسجن ولا دقيقة. تلك السنة التي قضاها ياسين في السجن مهمة جداً، فقد كان يقول لي ولكم ماذا فكر في السجن، وقص علينا قصة الشرطي الذي سرح من عمله وسجن. ذلك الشرطي كان يقف أمام باب دار المحافظة في دمشق حارساً. ولديه تعليمات بأن الدخول ممنوع، وجاءه محافظ حلب يريد الدخول، وهو لا يعرفه، فمنعه الشرطي من الدخول لكن المحافظ أصر على الدخول وأغلظ في القول للشرطي فما كان من هذا إلا أن ضربه، فرد لـه المحافظ الضربة وكشف لـه عن هويته، وكانت النتيجة تسريح هذا الشرطي الذي التزم الأوامر والتعليمات وزجه في السجن. وكان تعليق ياسين هل نحن مع الاشتراكية ضد خالد العظم، في عهد خالد العظم لم يكن يحدث مثل هذا. هناك يا أخي مسألة مدنية وبربرية، مسألة مدنية وهمجية. كان ياسين يقول هذا الكلام في أوائل السبعينات مراراً وروى لي هذه الحادثة.

1 ـ الحرية هي وعي الضرورة... والاختيار:

إذن عصر عبد الناصر كان عصر القومية العربية الثورية الجامحة الآتية من انتصار الاستقلال الوطني وزوال الاستعمار في المغرب والمشرق والعالم، والآتية من الاعتقاد بأن الاشتراكية قد عمت ثلث الكرة الأرضية: الاتحاد السوفييتي والصين وفييتنام الشمالية وأوروبا الشرقية.. وأن المعركة هي بين الرأسمالية والاشتراكية وبين التقدمية والرجعية في العالم وعندنا، وكأنه لم يبق علينا إلا أن نختار إما الاشتراكية وإما الرأسمالية، وأن القضايا التي كانت مطروحة قبل عهد عبد الناصر قد طويت في عهده، فالحرية أصبحت للطبقات الكادحة وللتحرر القومي من الاستعمار وهذا ليس إلا جانباً من الحرية، أعني التحرر السياسي، وتحرر الجماهير الكادحة وتحرر الشعوب وتحرر الأمة من الاستعمار. هذا، في تاريخ أوروبا الغربية ملحق بمسألة الحرية وليس أصل مسألة الحرية. وهنا إذا سمحت لي يا أخ أبو حيان أريد أن أعرج على مسألة الانتلجنسيا الروسية، لأنني أرى الكثير من القواسم المشتركة بيننا وبين الروس.

ذكرت لك بالأمس أن الروس أخذوا هيغل وفويرباخ من دون كانط. الآن أريد أن أذكر شيئاً آخر: الروس أخذوا مقولة الإرادة والعزم والتصميم واستوعبوا مقولة الحرية في مقولة الإرادة. فهم يفهمون موقفنا إذا قلنا لهم إننا في أيام شبابنا تربينا على مثل قول الشاعر:

لا تلــم كفي إذا السـيف نبا             صح مني العزم والدهر أبى

هكـذا الميـكاد قـد علمـنا                نـرى الأوطان أمـاً وأبا

هذا شيء جميل جداً. واليوم لا يجوز أن تكون لدينا تربية غير وطنية وغير اجتماعية وغير إنسانية ونحن نتعلم ونعلم هذا الشعر الجميل (إرادة القيامة) وإنني أؤيده اليوم كما أيدته بالأمس ولكن ذلك يحتاج إلى حذر. اليوم نحتاج إلى الحذر. الولد يكبر ومن الممكن أن نعلمه في طفولته هذا الشيء، ولكن يجب أن نعلمه شيئاً آخر. أجل،

إذا الشعب يوماً أراد الحياة                 فلا بد أن يسـتجيب القدر

ولا بـد للـيل أن ينجـلي                ولا بد للقيد أن ينكســر

أجل، إذا الشعب أراد الحياة، وكسر القيد: أي الحرية. أحب الناس شعر أبي القاسم الشابي وغناء سعاد محمد وكانوا في مقاصف دمشق أو اللاذقية يطيرون من النشوة عندما يسمعون غناء سعاد محمد وهم يشربون العرق، كنا كلنا وجوهرنا مع السياسة ومع حرية الأمة، ومع الشعب ومع كاس العرق ومع الأريحية والشهامة. إن فهم هذا شيء مهم. مؤخراً سمعت قصيدة لأبي القاسم الشابي لم أكن أعرفها من قبل، قصيدة بروموثيئية سمعتها من شابة تونسية جاءت إلى جامعة تشرين في اللاذقية لحضور ندوة. قصيدة فيها أنفة ضد الشعب، فالشاعر الفرد، الشاعر البطل الفرد مثل طائر يحلق غير آبه بالشعب وهنا أيضاً سأمتدح الشابي لأنه، ربما، شعر أن الحركة الوطنية القومية الشعبية الضخمة لا تكفي، يريد أن يضيف ويعوض حرية الفرد الشاعر البطل الذي يحلق غير آبه بأحد.. ونستطيع أن نعرج على أدونيس الذي يرى أن هذه العقيدة الشعبية الثورية الحرة، هذه الجماهيرية لا بد من إكمالها بأن تضع شيئاً فردياً ترى الموقف السديمي الجمهوري والشعبي منه. والموقف الفردي والفرداني فيه الفرد بطل. هذان ليسا متضادين بل هما متكاملان. فكرة الاجتماعية وفكرة الشخصية معاً وإلا فإنهما تشحبان ولا تعودان موجودتين ولا يعود هناك ديالكتيك فرد/ مجتمع. يعني من دون أن أتفلسف إذا كانت الحرية هي كسر القيود وجميع القيود فيجب من باب العتب أن أقول للفرنسيين أو لبلدية ماسيه قرب باريس: لماذا تمنعون الناس وكيف تمنعونهم من نشر غسيلهم على شرفات منازلهم، فهم أحرار والبيوت بيوتهم وملكهم، ولكن هناك شعب وبلدية، هناك شعب هو الذي يقرر.. الحرية السياسية والاجتماعية ليست كسر القيود بالمطلق. هذا تعريف سلبي للحرية. أعود لروسيا وتغليب فكرة الإرادة على مقولة الحرية واستيعاب الحرية في الإرادة خُدم من طرفين اثنين أولهما الفلسفة الألمانية: شيلنغ وهيغل وإنجلز ولينين يقولون: الحرية هي الضرورة المفهومة جيداً. الحرية هي وعي الضرورة. في مقالة لينين العظيمة عن كارل ماركس التي كتبها في الموسوعة الروسية سنة 1914وصدرت في العهد القيصري لم يذكر لينين الحرية إلا مرة واحدة وفي سطر واحد يقول إن إنجلز قال ضد دوهرنغ إن الحرية هي الضرورة المفهومة جيداً أو وعي الضرورة. وهذا موقف ألماني يمكن أن أقول عنه هيغلي، شيلنغي، فيختي، أي ألماني ليس كانطياً، ليس من أمانويل كانط، بل من خلفائه. الموقف الفرنسي مختلف، يقول التعريف الألماني صحيح لكن هناك جانباً آخر للمسألة فهل أستطيع الحديث عن الحرية من دون الاختيار وفكرة الاختيار، ومن دون فكرة الاحتمال والاحتمالات. وعندما ألغي فكرة الاختيار وفكرة الاحتمال من واقع الكون وواقع المجتمع ومن السلوك الإنساني ومن التطور السياسي والإنساني للبلد أكون قد ألغيت الأساس الفلسفي للحرية وأكون قد ألغيت المسؤولية الإنسانية وأكون قد ألغيت الذاتية وأكون قد ألغيت الوعي والوجدان والضمير. هذا مهم جداً. ففي دائرة الموضوعية الحرية هي وعي الضرورة حقاً. أي الواقع مع الوعي. وفي دائرة الذاتية، الحرية هي الاختيار والمسؤولية، أي الذات مع الإرادة الواعية الحرة. الأولى من دون الثانية تؤول إلى ضرب من جبرية تلغي دور الإنسان وفاعليته. والثانية من دون الأولى تؤول إلى ذاتوية لا تعترف بالواقع والذاتوية أسوأ أشكال المثالية. الأولى من دون الثانية موضوعية خالصة، الثانية من دون الأولى مثالية خالصة أو ذاتية خالصة، هذا الفصل يبطل الديالكتيك ويزيف الوعي ويضل الممارسة. الديالكتيك هو وحدة الذات والموضوع وتعارضهما مع عدم إمكانية حذف أحد الحدين الجدليين.

لا أتذكر الآن، في خلاصة لينين لمنطق هيغل ربما ورد هذا الترادف أو التراصف: الوعي، الحرية، الذاتية، وربما المسؤولية أيضاً. وبفقرة بارزة بسطر أو بسطرين بارزين ذكر أيضاً: التطلع، التوجه. أيضاً تطلع، توجه، هل ذكر لينين الاختيار لا أدري. على كل حال سأعود إلى خلاصة لينين لمنطق هيغل. إذن لا يجوز لأطروحة الحرية بوصفها فكرة الضرورة أن تنسينا فكرة الاختيار وكل ما يتشارك معها في المنطق الفلسفي الماركسي الصحيح.

والطرف الثاني لموقف الإنتلجنسيا الروسية، أي لامتصاص الحرية في الإرادة هو اللغة الروسية. ففي الفرنسية والانكليزية والعربية نجد لفظ الحرية ولفظ الإرادة متباعدين وليس لهما جذر مشترك، وليس بينهما علاقة (لغوية) وبعيدين أحدهما عن الآخر لفظاً وكلاماً. بالألمانية (فرايهايت) هذه (الفرر) تذكرنا بأصلها الصوتي. فإذا كان لدينا طفل صغير ونريد تعليمه اسم العصفور نقول له فِرْرْ. ربما هناك جذر قديم ومشترك للمصطلح وقد يكون بدأ من عندنا. وقد قلت أمس إن المقولات الفلسفية الكبرى مثل الهازار (المصادفة) أو آتوم (الذرة) أو العدم والوجود أو الشكل والمادة والمذر، المادة كلها التي قلنا إنها حطب في الفرنسية (ماتيير) وقماش عند الألمان ـ كل المقولات الفلسفية الكبرى أصلها مقولات شعبية، كلمات شعبية كثيرة التواتر، اتخذتها الفلسفات مصطلحات فلسفية صعبة مدروسة، وتدرس جيلاً بعد جيل ويختلف فيها الفلاسفة ويتعارضون وكذلك المذاهب، هكذا تقدّم البشرية، المقولات تفحص، الديالكتيك هو فن فحص المقولات. ولكن في اللغة الروسية، بخلاف اللغة العربية والفرنسية والانكليزية، الأمر مختلف. وقد عرفت هذا الاختلاف أو لمحته من دون أن أعرف الروسية، عندما كنت أقرأ وأدرس منذ أربعين سنة، الكتاب الذي أشرف عليه ستالين "تاريخ الحزب الشيوعي البلشفي في الاتحاد السوفييتي" في الفصل الأول الفقرة الأولى أو الثانية حين يتكلم عن الشعبيين، أو صدقاء الشعب، ويذكر المنظمات الشعبوية الإرهابية ومنها منظمة نارودنايا فوليا (الإرادة الشعبية)، قيل بالفرنسية (فولونتيه دوبييه؟) هكذا الترجمة الموسكوية إرادة الشعب، بعدها يذكر منظمة زيميليا فوليا. وإذا سألت دكتوراً أو مهندساً من خريجي موسكو، وليكن من أبناء السويداء وزوجته روسية مثلاً أو من أبناء دمشق أو اللاذقية درس في موسكو، لكنه لم يدرس في حياته الإنتلجنسيا أو تاريخ روسيا أو تاريخ الحزب البلشفي، إذا سألته ماذا تعني كلمة زيميليا فوليا يقول لك تعني الأرض والإرادة. وإذا ناقشته أكثر سيقول لك أنت لا تعرف الروسية. أنا أقول لـه نعم أنا لا أعرف الروسية ولكنك لا تعرف عن هذا الموضوع شيئاً فأنت لا تعرف الروسية. فإذا فتحت الكتاب الستاليني مترجماً في موسكو وكتاباً بالانكليزية في أمريكا عن تاريخ الحزب الشيوعي السوفييتي أو كتاباً فرنسياً مطبوعاً في باريس تجد هناك إجماعاً، فكلهم يترجمون زيميليا فوليا: الأرض والحرية. هنا كلمة فوليا ترجمت الحرية علناً وعلى المكشوف. وأنا عندي كتاب ليونار شابيرو مترجماً إلى الفرنسية وشابيرو هو أكبر خبير في تاريخ الحزب الشيوعي السوفييتي، وقد صدر الكتاب منذ ثلاثين سنة، ونستطيع القول إن كل ما كتبه ثبتت صحته. في هذا الكتاب بترجمته الفرنسية عندما يصلون إلى ترجمة زيميليا فوليا في بداية الكتاب يقولون: الأرض والحرية ولكن بعد صفحة حين تتكرر الكلمة يكتب المترجم هامشاً تحت الصفحة يقول فيه: كان من الممكن أن نترجم زيميليا فوليا بـ الأرض والإرادة. فما أقوله عن هذا الموضوع صحيح. وقد يقول قائل ممن يعرفون الروسية إن هناك كلمة ثانية للحرية في اللغة الروسية، أقول له هذا صحيح ولكن الكلمة الثانية ليست فوليا، فقد انحصر استخدام هذه الكلمة في التحرر السياسي، في حركة تحرر وطني، في حركة شعب، في حركة تحرر أكثر من الحرية. وطبعاً يا أخ أبو حيان إذا سألت نفسك أي كلمة أصعب، أي كلمة أكثر بساطة، أي كلمة أكثر تجريداً، أي كلمة أقرب إلىالفهم؟ تجد مشكلة كبيرة وترى أن الكلمة الأكثر بساطة والأكثر تجريداً والأصعب على الفهم هي كلمة الحرية. كلمة التحرر أسهل علىالفهم، وتعني أنا مقيد وأريد أن أتحرر، من الذي يقيدني يجب أن أرفع قيده عني، هناك قيد اجتماعي أريد التحرر منه وهناك قيد سياسي وحكم مستبد أو استعمار جاثم على صدري أريد أن أتحرر منه. هذا أسهل على الفهم من مقولة الحرية، وكلمة الحرية أبسط. كلمة تحرر أطول وهي كلمة مركبة عندنا وعند الفرنسيين والألمان. هذه القضية ساعدت الروس على طي الحرية الإنسانية المدنية الاجتماعية لمصلحة تحرر الفلاح وتحرر العمال وتحرر الشعب، الحرية المدنية الاجتماعية، العلاقة بين الإنسان والإنسان، بين المرأة والرجل وكذلك الحرية الدينية، حرية المعتقد لكل فرد على الإطلاق من دون أي إكراه ومن دون أي تمييز، أي التطبيق المطلق لمبدأ: لا إكراه في الدين، الحرية للشيع والهرطقات والمنبوذين والفرق الصغيرة التي يقف الجمهور ضدها وفي أحسن الأحوال لا يبالي بها.. هذا كله يصبح ثانوياً وتافهاً.

من يقرأ كتاباتي منذ عشرين عاماً يجدني متعاطفاً مع لينين. فقد ذكر لينين منذ عام 1898 الهرطقات الدينية أو الشيع الدينية وتحدث عن حرية هؤلاء. كان في روسيا كنيسة أرثوذكسية عريقة، الحكم السوفييتي أبادها وأخطأ في ذلك خطأ شنيعاً. ولكن في الزمن القيصري كان هناك عشرات الشيع المسيحية البروتستانتية وشيع من كل الأنواع تعاني من تمييز واضطهاد وملاحقة بدرجات متفاوتة بحسب الحكومات وحكمة الحكومات. طبعاً العصر الستاليني أبادها كلها. ضرب الكنيسة الأرثوذكسية والهرطقات والإسلام والبوذية واليهودية، وأهان الأديان جميعها. وعندما أعود إلى واقعنا أرى أن هناك شبهاً غريباً بيننا وبين الروس في هذه القضية، بين تفكيرنا وتفكير الإنتلجنسيا الروسية (في قضية الحرية). وأعتقد بأن الناس سيفاجؤون بهذا الشبه بين مصائر تفكير المثقف الروسي ومصائر تفكير المثقف العربي الذي هو أكثر جهلاً وأقل معرفة منه بشؤون الفكر. كذلك ما يمكن أن نسميه اليقينية الدوغمائية هي نوع من الهيغلية الفيورباخية المادية، أي الديالكتيك بلا المادية (هيغل) والمادية بلا الديالكتيك (فيورباخ.ج). عند الإنتلجنسيا الروسية هناك عبادة الطبيعة، والشعب الروسي عاش مئات السنين متديناً يعبد الله والمسيح. وجاء وقت في القرن التاسع عشر انقلب المثقفون الروس على هذا الوضع. وضعوا داروين مكان الله من دون الفلسفة. فإلى أي مدى فهموا داروين؟ هذا سؤال آخر. وأعتقد أن الأمر نفسه جرى عندنا وأستطيع أن أفصل في ذلك. لقد جرى عندنا وفي جيلنا (فرح أنطون) وكثير من شبابنا اليوم يرفعون راية علم الطبيعة والعلوم عموماً ونبراسها علم الطبيعة، وعلم الطبيعة مع نظرية التطور. هذا يحمل يقينية ويحمل مطلقاً، وحامل مطلقات وهذا غلط وشيء مرعب وغير مقبول. اليقين هو اليقين، دينياً كان أم علمياً. فلم نحمل على اليقين الديني باسم اليقين العلمي؟ اليقينية ضد الفكرية ونقيضها، الفكرية مع الإمكان والاحتمال والاختيار ووعي الضرورة في الوقت ذاته. اليقينية مع الدوغما ومع وعي الضرورة، مع الموضوعية العلمية الصائرة فلسفة ومذهباً "العلم" مع الفكرية هو الديالكتيك حيث ثمة ذات وموضوع وعلاقة وتعارض وصيرورة. الديالكتيك وحده ينصف الوضعية الإيجابية ويدمجها في نشاط البشر وفي تاريخ الإنسان.

أريد أن أذكر شيئاً عن السيد رفعت السعيد وكتابه "تاريخ الاشتراكية في مصر". يصل هذا الكتاب إلى رجل لبناني مصري مهم، وكما تعلم هناك لبنانيون فطاحل ومظلومون في مصر لم نعطهم حقهم بعد. يصل الكتاب إلى أحد هؤلاء. وفي حديثه عن فرح أنطون الذي ترجم بوخنر يقول عنه إنه آمن بالمادة وبالحركة أي بالتطور الدارويني، إذن فهو مادي جدلي. مأخذي على رفعت السعيد أنه ليس فقط خبيراً عظيماً بتاريخ الصحافة اليسارية في مصر وينقل على هواه، بل لأنه تكشف عن فيلسوف كبير. يا أخي رفعت أنت تتكلم عن فرح أنطون، وتمجده وأنت لا تعرف أن فرح أنطون ترجم بوخنر وهذا أي بوخنر رمز المادية المبتذلة في نظر ماركس وإنجلز ولينين، ومن المستحيل أن تجد جملة إيجابية عنه في كتاباتهم، بل لا تجد عندهم إلا السخر به. وأنت يا أخ رفعت السعيد لا تعرف، ربما، أن بوخنر هذا قد ترجم داروين أو عفواً حمل بضاعة داروين على كتفيه مع الإلحاد وبات بائعاً متجولاً للإلحاد كما يقول إنجلز متهكماً في كتابه ضد فويرباخ (دوهرينغ؟).

ثم إلى أي مدى فهم فرح أنطون داروين؟ عندنا مدرس بيولوجيا فهيم جداً يقول لي إن فرح أنطون لم يفهم شيئاً من داروين، ويبدو أن له نظرية عن المرأة تعدها حيواناً أو في منزلة وسط بين الإنسان والحيوان. فرح أنطون تحدث عن تطور الأنواع، ولكن إذا ألغينا مقولة الأفرادية وفكرة الاختلاف بين الأفراد داخل النوع نفسه أو داخل فصيلة ولو صغيرة منه، نكون قد ألغينا إمكانية التحول والتطور ونشوء أنواع جديدة وعروق جديدة. فكل عملية الاصطفاء الطبيعي وعملية التكيف مع البيئة المتغيرة قائمة على اختلاف الأفراد، من دون الاختلاف ليس هناك تغير. وهذا واضح في بداية كتاب داروين. وإذا اطلعت على ماندل أو على وايزمن أو على أي دراسة مقتضبة أو شاملة لتاريخ البيولوجيا وعلم الوراثة تجد هذه النقطة علناً. أي إن العلم لا يبدأ مع لامارك. لامارك قال بالتطور وكثيرون غيره قالوا بالتطور وبتحول الأنواع، والمهم هو من الذي يقوم بفك السر ويفسر هذه الإمكانية ويكشف الآلية، آلية التحول؟ هذا الموضوع لا يتضح من دون باسكال وليبنتز ومن دون نيوتن وبيرنوويين وكيتوليين وغاوس ولابلاس أي من دون علم الإحصاء، علم الحالة الستاتيك ومن دون حساب الاحتمالات.

وأريد أ أعرج أيضاً على عبد الله العروي. أنا أرى أن عبد الله العروي مفكر كبير جداً جداً وأتمنى أن يستمر في الكتابة والتأليف والنشر وأن يكون عنده تعميق وتجديد على الدوام. وأعتقد أن الساحة العربية في حاجة إلى أمثاله. وأعلن اغتباطي أنه في المرحلة الأخيرة أكد الترابط بين الوضعانية والليبرالية، وبين طريقة تفكير القرن التاسع عشر في فرنسا وبريطانيا وألمانيا، هذه الطريقة الغربية التي صارت فيما بعد طريقة تفكير عالمية في الصين ومصر، عند مصطفى كمال أو في الاتحاد والترقي. وقال العروي أن العرب لم يدركوا ـ لسوء الحظ ـ أن الحرية مفهوم فلسفي، أي إن هنالك قضية فلسفية في مفهوم الحرية، ولم يتناولوا القضية من هذا الجانب. وإني أؤيده بأن العصر التالي لعصر النهضة شطب هذه القضية بدل أن يدخل فيها. وفي الحقيقة لم يكن هناك من يشجع على الدخول وعدم الشطب، فالروس والشيوعية لم يشجعونا إلا على الشطب، والغرب معروف أننا نرفضه بصفته استعماراً ونتعامل معه بحذر وارتياب.

اليوم يجب أن نعود إلى قضية الحرية بصفتها قضية فلسفية وعلى نحو أعم. ولعل من أكبر المهام أمام الفكر العربي اليوم هو إنشاء ما أسميه القاموس الدلالي التاريخي للمفردات العربية الكبرى. قاموس تاريخي دلالي، غير اشتقاقي (أنتي اشتقاقي) ضد الاشتقاق. فللبحث عن كلمة حرية لا يجب أن أفتح على كلمة حر من أجل حرية، بل مباشرة على كلمة حرية. ولا أفتح على جمهور من أجل جمهورية وأقرأ الجمهورية من الجمهور ثم أتكلم عن الجمهورية. وهذا لا يعني أن نرمي الاشتقاق فالدولة من دال يدول ثم أتكلم عن مفهوم الدولة وتطور دلالته تاريخياً. أنا لا أعرف إلى الآن إذا كان العرب المسلمون منذ ألف سنة قد استعملوا كلمة الدولة، لا تؤاخذني، والله إلى الآن لا أستطيع أن أجيب عن هذا السؤال ولا من هو أول من استعمل كلمة الحرية أقصد الاسم الموصوف، الحرية وليس كلمة حر وأحرار، بل كلمة الحرية ومن أول من استعمل كلمة الثقافة. قال لي أحدهم، لا يهمنا ذلك اليوم فالثقافة موجودة عند العرب منذ ألفي سنة أو خمسة آلاف سنة. والثقافة من ثقف الرمح وكذا وكذا. فقلت له هل تحسبني جاهلاً؟ الثقافة ومن ثم كلمة المثقف بمعنى رجل الفكر ورجل الثقافة بمعنى (الأنتلكتويل..) والثقافة بمعنى (كليتر بالفرنسية وكالتشر بالانكليزية..) لم تظهر عندنا إلا في القرن التاسع عشر. وكان ظهورها يعني أن أشخاصاً عندنا أدركوا أن هناك شيئاً جديداً في الدنيا وهناك مقولة جديدة في الوجود. وهناك ظاهرات جديدة يجب أن تجمع تحت اسم أو مصطلح جديد وغير متداول. ويبدو أن العرب والأتراك اصطلحوا في استنبول على كلمة مركبة هي رووش نصفها فارسي ونصفها عربي بمعنى الثقافة (كلتير). وبعد ذلك بقليل نحت العرب من كلمة ثقف كلمة الثقافة بمعنى التهذيب والتربية والفكر والأدب والفن..إلخ. فنحن نحتاج إلى قاموس تاريخي دلالي. إن رفضنا كأمة وإلى اليوم كأكاديميين، كنخبة، إن رفضنا إنشاء هذا القاموس معناه أننا نرفض التطور والنمو ونرفض مقولة الجديد، أو كأننا نؤمن بأنه لا يوجد شيء جديد وأن الثقافة موجودة منذ خمسة آلاف سنة لأن كلمة ثقف الرمح موجودة وأن الدولة موجودة وبديهية وأصلية ما دام فعل دال موجود وكذلك الجمهورية والحرية التي تصبح فررر... الطائر الحر والصافي النقي..إلخ. وليكن معلوماً لنا جميعاً أن اللغة هي تقطيع للواقع. وكل لغة تقطع الواقع بطريقتها، تجمع الظواهر وتضع لها اسماً. واليوم ظهرت عندنا كلمات جديدة كالحرية والجمهورية والشعب والأمة والثقافة والثورة الديمقراطية.. وهكذا يجب أن نعترف بأن هذه الكلمات حديثة وجديدة مئة بالمئة عندنا نحن العرب، بغض النظر عن لفظها وأصلها سواء كانت عربية أصيلة أم مستوردة من اليونان أو أوروبا. الديمقراطية واضح جيداً أنها غير عربية الأصل لفظاً واشتقاقاً إنها يونانية.. فرنسية. ومع ذلك ألف برهان غليون كتابه "بيان من أجل الديمقراطية" من دون أن يتساءل ماذا تعني كلمة ديموس وماذا تعني كلمة شعب، فهو يعتبر أن الشعب موجود كما هي الطاولة موجودة وكما هو الجبل موجود. الشعب موجود. وبعد قليل يتبين أن الشعب هو الأغلبية وأن الأغلبية هي المسلمون السنة وربما الرجال الذكور الفحول من السنة. والسؤال هل كان الرجال من المسلمين السنة هم الحاكمين بوصفهم الأكثرية؟ إذا كان الأمر كذلك فهنيئاً مريئاً. أما أنا فلا أوافقه على ذلك. والشيء الأول الذي لا أوافقه عليه هو تعامله مع كلمة شعب وكلمة جماهير وما شابه كأنها كلمات موجودة في الأصل وبديهية ومشرقة نورانية ولا يوجد حولها التباس. وهنا أدعوه إلى قراءة مذكرات البديري الحلاق، دمشق في القرن الثامن عشر وأن يحاول تطبيق كلمة شعب أو كلمة مجتمع على نص البديري الحلاق، فإذا نجح في ذلك فأنا أصدقه وليسمح لي بالقول إنه لم يكن هناك مجتمع بل مجتمعات هي في الواقع جمعات، هي كتل هامدة ومتقاتلة وافتراسية ومغبونة جميعها وغابنة، وظالمة. ولم يكن هناك جيش بل خمسة جيوش في كل مدينة، ولم يكن هناك دولة بل سبع دول في كل مدينة، وطبعاً لم يكن هناك طبقات، بل سديم بشري، خليط كله سلطات ديزوتورينية وإذا أردتها سَلَطات يا سيدي.

2 ـ قاموس دلالي ـ تاريخي :

من أجل قاموس دلالي ـ تاريخي أريد الاستعانة بأساتذة اللغة العربية والأدب العربي، سأبدأ بثلاثين كلمة هي مفاتيح العقل العربي أو الذهن العربي، بل مفاتيحه لرؤية العالم في الخمسين سنة الأخيرة. وإنني بدأت بكلمة ثورة، جماهير، إمبريالية، استعمار، ديمقراطية، جمهورية، أمة شعب وطن، حزب، طبقة، شكل، صورة، دين، دنيا وهكذا. أقف عند الشكل والصورة. ويبدو لي أن الرائج منذ ألف سنة هو كلمة صورة وتستخدم كلمة شكل كأنها مرادفة لها. وفي الخمسين سنة الأخيرة، قبل مجيء الماركسية وبعد مجيئها استعمل الأدباء والمتفلسفون كلمة صورة، وربما تعلم بعضهم ذلك من السوفييت من استاخوب مثلاً: "الفن يعمل بالصور والعلم يعمل بالمفاهيم". هنا أصبحت كلمة صورة ترجمة لكلمة إماج (Image) وليس لكلمة فورم Form. ووقع الصديق المرحوم حسين مروة في هذا المطب عندما نقل عن الفلاسفة العرب المسلمين مقولة المادة والصورة عند أرسطو. واضح أنه يقصد (ماتيرافورم) الشكل. أنا لست ضد أي نوع من الترجمة، الإنسان حر ولكن نريد أن نصل إلى اتفاق. ويتحدث حسين مروة في إحدى صفحات كتابه عن "الطابع النوعي الخصوصي للفن" أي أن الفن يتكلم بلغة الصور، في حين يتكلم العلم (Lesince) بلغة المفاهيم (Conseptes). وهنا أتذكر مقالاً قرأته قبل خمسة وثلاثين عاماً ربما لكاتب سوفييتي كان له أثر في ثقافتي وفي تكويني وإني أؤيده إلى اليوم، كتب آستاخروا في مجلة شيوعية فرنسية أعتقد أنها مجلة الطريق، موضوعاً بعنوان الطابع النوعي للفن يقول فيه هذه الفكرة: الفن يتكلم بالصور والعلم يتكلم بالمفاهيم، وربما ظلت هذه الفكرة في ذهن حسين مروة منذ ذلك الحين، لكنه وهو الذي استعمل كلمة صورة في كتابه مرادفة لكلمة شكل كأنه يقول الفن يتكلم بلغة الشكل.. فإذا كان الطابع النوعي للفن هو الصورة والصورة هي الشكل سقط الفرق بين الفن والعلم. لأننا حين نقول عن العلم أنه يتكلم بلغة المفاهيم فيجب أن ندرك الصلة الحميمة والأخوة والشراكة بين الشكل والمفهوم. وحين ترجم لينين كتاب ميتافيزيقيا أرسطو عن الترجمة الألمانية لـ شنيكلر الذي وحد تماماً أو خلط بين الشكل والمفهوم. أرسطو يقول مادة وشكل فجاءت في الألمانية المادة والمفهوم. وعندما قام المترجم الفرنسي بوتيجلي بنقل النص إلى الفرنسية عن اللغة اليونانية أشار في أحد هوامشه أن وضع Mater eue Concepte (المادة والمفهوم) محل Mater eue Form (المادة والشكل) غلط، لكن هذا الغلط ثمين وجيد لأنه يثبت لنا العلاقة الحميمة أو الأخوة والشراكة بين الشكل والمفهوم. وأستطيع أن أقول أرسطياً: الفكر أشكال العالم. كما أستطيع أن أقول مع هيراقليطس الأسماء قوانين الطبيعة، وأستطيع أن ألخص موقف أرسطو بأن الفكر، الفهم، ومن ثم وظيفة الذهن، معرفة العالم ومعرفة الواقع، هو إدراك الأشكال. هذا الخط الأرسطي يوصل إلى كارل ماركس وإلى فرديناند دي سوسور وعلم اللغة. وفي نظرة سليمة إلى تراثنا يجب أن نرى موقع الفراهيدي وسيبويه في هذه القضية العظيمة. لأنني أستطيع القول إن علم النحو هو علم الأشكال قطعاً. ولا بد من كسر صنمية تعليم النحو عندنا ولا سيما في بداية تعليمه. فقبل أن تقول مثلاً يقسم الكلام إلى اسم وفعل وحرف يجب أن يفهم المتعلم أولاً أن الكلمات هي كلمات، كليات ومفاهيم، وأسماء، خارج التصنيف التقليدي على أهميته وعلى أهمية التصنيف. النحو علم الأشكال. نقول مثلاً جاء الرجل ونعرب جاء فعل ماض والرجل فاعل. وإذا أردنا إعراب عبارة "جاء فعل ماض" يجب أن نقول جاء مبتدأ وفعل خبر وماض صفة (لأن جاء هنا هو المسند إليه، لم يعد فعلاً، غدا كلمة خارج التصنيف التقليدي المعروف وهو تصنيف ضروري)، ولكن يجب إقامة الحد على هذا التصنيف وتعليم الناشئة بأن الكلام هو كلمات وتعليم فكرة الكلمة قبل تعليم فكرة الاسم والفعل والحرف. فإذا سألت أحدهم ما الكلمة أجابك اسم وفعل وحرف فتقول له أسألك عن معنى الكلمة وليس عن أقسامها أو أصنافها فلا يحير جواباً. يجب تعليم الناشئة أن الكلمة تعبير عن فكرة، عن مفهوم أولاً، ثانياً أن الكلمة ليست شيئاً، والاسم ليس شيئاً، الاسم في أفضل الحالات اسم لشيء، يسمي شيئاً ويسمي علاقة، ويسمي صيرورة ويسمي عملية، وأن هذا الاسم المفرد (طاولة مثلاً) يحيل على طاولة معينة مفردة ولكن كلمة طاولة تنتمي إلى العام، وهنا أكون قد دخلت الفكر قبل أن أدخل الميدان الخاص الذي هو علم النحو والصرف. وهذا العلم، علم النحو والصرف جزء ، مجرد جزء، من بناء كبير هو العلم، وله أساس وهذا الأساس واحد، وله محور هو الفكر، والواقع قائم إزاء الفكر، موجود خارج الرأس. وحين أنظر إلى اللغة على أنها موضوع أو على أنها الموضوع والواقع فلكي أستقرئها وهنا تكمن عظمة الفراهيدي حتى استخرج من أشعار العرب الأوزان الأساسية التي أسماها بحور الشعر وقام على عمله علم العروض. وإلى يومنا لا يعلمون الطلاب مبدأ الفراهيدي وأن البحر البسيط مثلاً هو (256 حالة) وهذه الحالات متساوية في الحقوق، ولا يعلمونهم رياضيات العروض. فصيغة مستفعلن مثلاً جوازها متفعلن وصيغة فاعلن جوازها فعلن إذن 2×2=4 ولنكمل بقية البحر فإذا نحن إزاء ثماني كلمات كل منها اثنتان، يعني 82 (2 أس 8) =256. هذا ما يجب تعليمه للناس كي نحررهم من فكرة الإيقاع ومن فكرة التصنيم للوزن. فنحن لدينا ستة عشر بحراً هذا صحيح ولكن لكل منها مئات الحالات، إذن هناك حرية ومعقولية من نوع أكبر من المعقولية التي تتصورها. أعتقد أن أحداً لم يتساءل إذا كان هناك كلمات عربية فصيحة ممنوعة من العروض ولا يمكن أن تجد أياً منها في أي قصيدة عربية ولوكان عدد أبيات هذه القصائد عشرين مليون بيت. فقد قمت بهذه التجربة مع كثيرين ففوجئوا بالسؤال، وأنا فوجئت بذلك أيضاً ولتعلم أن جميع الكلمات التي على وزن فارٌ وبارٌ وباشٌ.. أي جميع أسماء الفاعل من الفعل الذي على وزن فعَّ (أي الفعل الذي عينه ولامه حرف واحد مكرر أو مضعّف برَّ = برر وفرَّ= فرر) مفردة ومثناه ومجموعه ممنوعة من العروض وهذه الكلمات عددها بالآلاف. وإن عملية الفراهيدي متسقة مع واقع لغة العرب التي لا تبدأ بساكن ولا يتوالى فيها ساكنان. إذن يمكن الدخول في موضوعات جديدة في علم العروض إذا توافر المنطق والتفكير الرياضي، وليس من المعقول أن نبقى إلى الأبد على سبعة عشر بحراً. وإذا أردنا أن نتقدم ونتحسن يجب أن ننظر إلى الشعر، هذا الميدان الخاص، على أنه جزء من ميدان الفكر العام ليس بأن نكون كلنا شعراء بل بأن نكون كلنا مفكرين، وأن نرفض كل تبعية، وأن يكون أحدنا تابعاً لضميره ولرب فوقه وفوق الجميع.

يجب ألا نقبل التبعية، وأن نعلم كل إنسان أن يقف على رجليه. هناك ضمير وهناك وعي وكل شيء يجب أن يحاكم سواء أخطأ أم أصاب (يجب أن يحاكم كل شيء، وكل شخص في محكمة الوعي والضمير). الوطن وطننا وقضية عبد الناصر أو قضية السوفييت أو قضية الوحدة العربية وكل قضية من القضايا حد وهذا الحد يجب أن يأخذ حقه كاملاً. نحن في عالم حدود، ويجب أن نعطي الحدود حقها بدون زيادة أو نقصان. ويجب أن نعطي المقولات حقها. العدمية القومية مثلاً، في الوقت الذي أرفض فيه العدمية القومية فإنني أحب وحدة البشرية، وأنا أكثر من يحب وحدة البشرية (وأكثر من يرفض العدمية القومية) ولكن هناك مراحل في الدنيا. يجب أن نعلم شبابنا خاصة وشاباتنا بالطبع أن يقول كل واحد لنفسه أنا أريد أن أفكر، أنا أحترم الحقيقة وأنا أسعى إلى الحقيقة والحقيقة فوق كل شيء. وعندما أرى أي شيء مغلوط في تفكيري أزيله وأبحث عن الصواب وأثبته، هذا هو الواجب، هذا واجبنا كلنا. إنها ليست قضية الياس مرقص فقط، بل هي قضية كل إنسان، إنها قضية مئتي مليون عربي يجب أن يفكروا هكذا وإلا فكل تعليمنا غلط.

لماذا نتكلم ضد الرجعية وضد الاستبداد، هذا الكلام ليس له معنى إذا لم يكن جذرنا الروحي هكذا. وهذا الكلام لو قيل لعبد الناصر لقاله عبد الناصر حرفياً. وأعتقد أن الشعب فهم عبد الناصر إلى حد كبير على هذا النحو حين قال عبد الناصر: إرفع رأسك يا أخي فقد ولى عهد الاستبداد (لأن جذر عبد الناصر الروحي كان هكذا.ج).

3 ـ المرحلة ومفاعيل الزمن :

وأريد أن أعود إلى الديمقراطية مرة أخرى وإلىمفهوم الدولة. لقد كنا محقين تماماً حين أردنا منذ ثلاثين سنة طريقاً عربياً. كنا مؤمنين بمرحلية، أردناها مرحلية عربية لا تكون نسخة من المرحلية السوفييتية اللينينية الستالينية، ولا نسخة من المرحلية الماوتسي تونغية السوفييتية ولا المرحلية الستالينية المادية البكداشية. وبدأنا نتخلص منذ 1958 من قصة الثورة الديمقراطية البورجوازية أولاً ثم الثورة البروليتارية الاشتراكية، أو الثورة الوطنية الديمقراطية ثم الثورة البروليتارية الاشتراكية، لا، لا. منذ 1958 قمت بنقض هذا الرأي الشائع وبعد ذلك تخبطت، أي قلت كلاماً صحيحاً وكلاماً غير صحيح، وهذا شيء طبيعي ولا أخجل منه ولا أخاف منه. ولو كانت النصوص أمامي الآن لعدت إليها وقلت عن الخطأ مباشرة. صحيح إنني ملت إلىمقولة الثورة الدائمة لتروتسكي جزئياً ثم رددت على هذا الاتجاه وعلى الفوضوية أيضاً. فالمرحلية التي أردناها في عام 1958 و1960 ـ 1962 هي مرحلية عربية وليست تكراراً لغيرها. وهذا حقنا وواجبنا، وهذا احتمال صحيح وسيناريو صحيح. فالثورة الوطنية الديمقراطية التي طرحناها والثورة الديمقراطية البورجوازية كما طرحها المرحوم ياسين الحافظ وإن ليس حرفياً والثورة القومية الديمقراطية التي طرحها ياسين في السبعينات هي طرح متقدم. ومع ذلك فكل هذه الطروحات ناقصة إلى هذا الحد أو ذاك واليوم يجب أن نعيد النظر ونعمق. هذه الطروحات ناقصة لأنه يجب أن نأخذ بمقولة التأخر على نحو أغنى مما طرحه ياسين، نريد أن نعطي فكرنا النظري كل ماتستحقه الجذور الروحية، الجذور الثقافية العامة، التربية التي تكلمت عنها أمس والتي تحيط بشجرة الفكر العلمي، وبالأشجار الأخرى إلى جانب شجرة الفكر العلمي. على سبيل المثال يجب أن نستوعب علم الأخلاق (الأتيقا) وعلم الجمال (الأستطيقا) وندخلهما في ثقافتنا وتربيتنا وتعليمنا ويجب أن نعقد علاقات حميمة مع عدد من الفنانين والأدباء ونسلح أنفسنا معهم فكرياً ونظرياً وثقافياً. وما أكثر ما أشعر بالأسى عندما أرى موهوبين مشهورين جداً ومشهورين بما فيه الكفاية ولكن تنقصهم الثقافة وتنقصهم الفلسفة وتنقصهم المعرفة لتاريخ البشر. يجب أن نتشارك مع الفنانين والأدباء لنؤكد علم الأخلاق وعلم الجمال والمنطق والتاريخ وسائر العلوم القيمية المعيارية ضد الوضعانية العربية الدارجة. ربما كان ثالوث الأخلاق والجمال والمنطق ضعيفاً في حضارتنا. نريد الجمال وليس الزخرفة والتسلية. الجمال في البساطة وليس في الزخرفة. ويجب ربط الجمال والجمالية بالأخلاق، يجب أن نصر على الأخلاق. الجمال والأخلاق مقولتان ومثلان أعليان يجب أن يجتمعا معاً. وكذلك المنطق، وقد تكلمنا عنه. لكنني أضيف أن كل علم هو منطق تطبيقي كما يقول هيغل ولينين هذا جميل جداً. وقد صغت هذه المقولة بالعربية كما يلي: العلم هو المنطق والمنطق يقيم مناطق (مناطق هي جمع منطقة وجمع منطق). المنطق يقيم مناطق هي ميادين وانضباطات، علوم واختصاصات، ولكن الأساس هو المنطق، أما عقيدة الاختصاصات الأمريكية العربية هذه فقد أصبحت باطلة، نحن قبضنا على الاختصاصات من ذيلها وليس من أساسها، كما نفعل عادة بكل ما نأخذه من الغرب المتقدم، نقبض على الذنب، على الفرعيات ونتصور أن خلاصنا في هذه الفرعيات وأن تقدمنا مرهون بها. يمكن أن يواجهك شخص يقول الأمة العربية متأخرة ولكنها تستطيع استيعاب الكمبيوتر. لكن القائل لا يعرف ماذا سبق الكمبيوتر من فكر ومنطق ورياضيات. يمكن أن ينتشر الكمبيوتر غداً ويصبح البشر أدوات للكمبيوتر ومخترعين للكمبيوتر أيضاً ولكن هذا لا يحل المشكلة. يجب أن نبطل الاستهلاكية وليس الاستهلاك، نريد أن نسمو بها ونطورها ونجعلها صعبة. نريد أن نخترع ونصنع لا أن نستهلك فحسب. الكمبيوتر يمكن أن يساعدنا ويمكن أن يضرنا إذا جعلنا منه إلهاً جديداً ووثناً جديداً أو اعتقدنا أنه هو الذي سينقذنا، نكون قد رجعنا من جديد إلى الوثنية. الوثنية هي أن نتصور أن الذهب أو الماس هو الذي سيطعمنا خبزاً أو المدفع والجرار والكمبيوتر.. كل ذلك أسميه الوثنية، أي عبادة المادة.

هناك شيء جميل وحميم عند الأسقف بيركلي، ومؤخراً قرأت مقالاً يصفه بأنه من كبار حملة المثل الأعلى، ولم يعد الأسقف الرجيم الذي كان يضطهد الشعب الإيرلندي، المعروف أن بيركلي كان من رواد دحض المذهب الميركنتلي أو المذهب التجاري: عبادة المعدن الثمين، كان من رواد هذا الاتجاه قبل آدم سميث وقبل الفيزيوقراطية الفرنسية.

رجوعاً إلى مرحلتنا 1960 ـ 1965 كيف فكرت يومها وكيف أفكر اليوم؟ القضية لا تحل بمقولات العمال والفلاحين والطبقات الأربع التي قال بها عبد الناصر: العمال والفلاحون والمثقفون والبورجوازية الوطنية أو البورجوازية الصغيرة. ونقاشات نايف حواتمة ولطفي الخولي حول هذه المسائل كانت في سياق الغلط. اليوم، يجب أن نطرح الأمور في المستوى السياسي، في مستوى الدولة وفي مستوى الحكم، انطلاقاً من تاريخنا الطويل، ومن تجربة الاتحاد السوفييتي من غلط الماركسية والنظرية الماركسية. ما كان مطلوباً في زمن عبد الناصر هو تثبيت دولة الحق والقانون وتنميتها وتطويرها، دولة الحق والقانون ومن ثم المؤسسات مع استقلال القضاء وفكرة سمو القانون وليس الديمقراطية السياسية الانتخابية والاقتراعية العامة، هذه ليست المرحلة الأولى. لنعد إلى زمن الوحدة والاعتقالات التعسفية. كان أحد أصدقائي يقول لي يومها: ليعتقلنا عبد الناصر ولكن بموجب قانون وبموجب محاكمات علنية في محكمة دستورية مع حق المعتقل في الدفاع عن نفسه. لو كان هناك قانون يقضي بسجن من يشتم رئيس الجمهورية عشر سنوات لقلنا لابأس ولكن هناك قانون ومحكمة ومحاكمة ودفاع. في بلد متخلف من المفهوم أن يسجن من يشتم رئيس الجمهورية عشر سنوات مثلاً أما في بلد كفرنسا فلا يسجن ولا يحاكم. لابأس أن يسجن من يشتم رئيس الجمهورية ولكن بموجب قانون ومحاكمة وبدون تعذيب وعلى أن تكون له جميع حقوق الإنسان في السجن.

مسألة حقوق الإنسان بناء متدرج وعمل طويل ولكن الأساس هو المجتمع المدني ودولة القانون. نحن باسم الثورية نميل إلى الحديث عن الواجبات عندما تطرح قضية الحقوق. وثيقة القذافي عن حقوق الإنسان مثلاً تقول: العمل حق وواجب على كل إنسان. هذا غلط. الحق والحقوق أولاً، أعطونا الحقوق أولاً. نحن هنا في ميدان الحقوق والحقوقية وليس في ميدان الأخلاق. الدستور والقانون يعطيان الإنسان الحق أن يعمل أو لا يعمل. حق الإنسان أن يعمل ولكن من لا يريد العمل ويريد أن يعيش عالة على أخيه أو ابن عمه لا يخالف القانون. هذا هو ميدان الحقوق الحصري. يقول بعضهم: كل حق يلازمه واجب، أجل ولكن ليس كما يتصور هذا البعض. كل حق يلازمه واجب يعني أن حقي في كذا هو واجبك، واجب الآخر، في احترام حقي، مثلما واجبي أن أحترم حقك. (هكذا يتلازم الحق والواجب في دائرة الحقوق الصرفة، وليس في دائرة الأخلاق، واجبك أن تحترم القانون الذي أعطاني هذا الحق وواجبي أن أحترم القانون الذي أعطاك حقك) إذن حق الإنسان هو واجب الدولة والمجتمع حقي في العمل يعني واجب الدولة وواجب المجتمع وواجب البلدية أن يساعدوني في إيجاد العمل. التلازم بين الحق والواجب هو خلاف الشائع عندنا.

الإنسان يحتاج إلى حماية، أولاً من الدولة ذاتها، أي يحتاج إلى من يحميه من الدولة. لأن الدولة ضرورة مطلقة. وأنا لا أقبل مقولة اضمحلال وتلاشي الدولة، وأعدها جزءاً من غلط الماركسية في مسألة الدولة. وديكتاتورية البروليتاريا هي الجزء الآخر. المصيبة عندنا أن نظرية ماركس فيها صواب ولكنها حلت عندنا محل التراث الإنساني كله، كأنها بديل من أفلاطون وأرسطو ومن الفكر البورجوازي ومن المجتمع والدولة. ففي الوقت الذي قلنا فيه إن الدولة هي حكم طبقة على طبقة وحكم أقلية على أكثرية، وأن الدكتاتورية هي حكم الأكثرية على الأقلية كما قال لينين، في الوقت الذي قبلنا فيه بهذا الكلام نسينا أن الدولة هي فكرة الكلي وليست فكرة الجزئي. الدولة البورجوازية التي هي حكم البورجوازية، هي أيضاً دولة المجتمع. ولولا الخلاف ولولا مراعاة مصالح مختلفة، ليس فقط داخل البورجوازية نفسها، بل داخل مجموع الأمة، لما كان هناك دولة، ولما كانت الدولة دولة. الدولة هي ميدان الكلي، ميدان العام، مثلما المفهوم وفكرة المفهوم ميدان العام. والعام غير العامة. أخشى أن شخصاً مثل برهان غليون عنده العامة وليس العام. أولاً فكرة العام ليست فكرة الجمهور والكتلة الكبيرة عددياً. فكرة العام هي فكرة علاقة بين أشخاص مختلفين، لكل منهم خصوصيته، هذه العلاقة هي المشترك بينهم جميعاً. هذا المشترك بين الجميع هو العام. إذا لم نمسك بهذه المسألة لا يمكن أن نقيم دولة، بل سنبقى في مجال "الدولة" من دال يدول دولة، أي سنبقى في الزوال والعبور ونبقى عند فكرة السلطة والتسلط والاستبداد.

4 ـ سمو الدولة :

في العصر اليساري، في عصر عبد الناصر وبعد عبد الناصر، في الستينات والسبعينات انتشر في صفوف اليسار موقف معاد للدولة ولفكرة الدولة ولمفهوم الدولة. هذا الموقف كان سيئاً وخطيراً. وإذا لم نفند هذا الموقف وندحضه ونحذفه فهو خطير وخطير. هناك أناس يقولون إن الدولة أكلت المجتمع عندنا، وفي رأيي أن السلطة والتسلط والاستبداد هي التي أكلت المجتمع. ويجب أن نميز الدولة من المجتمع بفكرة أخرى مفادها أن الدولة الحقة والحقيقية والحقوقية هي التي لديها الاستعداد، بموجب كيانها كله، أن تدافع عن مواطن، عن فرد إزاء الجماعة، وإزاء المجتمع، وإلا فإن المجتمع ينحط إلى جمهور والشعب ينحط إلى جمهور، ومن هنا يجب أن نؤيد فكرة سمو الدولة.

عند مناقشة التاريخ العربي الإسلامي، في ندوة القومية العربية والإسلام، قال كثير من التقدميين والإسلاميين التقدميين المعتزين بعروبتهم وإسلامهم وعلمانيتهم وتقدميتهم: إن الخلافة بحسب الإسلام منصب دنيوي ويفاخرون بأنه منصب دنيوي وشعبي ليس له الصفة الدينية، وتجد من يقول على العكس: إن مصيبة تاريخنا العربي الإسلامي وما قبل الإسلامي، أن الدولة كانت ذات صفة دينية. كنت أقول: لكي أفهم ماذا تقصدون يجب أن أعرف ما تقصدون بالصفة الدينية، فعندما يقول صادق جلال العظم: "نقد الفكر الديني" فإنني أعترض على المقولة وأريد أن أعرف ماذا يقصد بالديني، وبأن الدولة ذات صفة دينية وأن الخلافة والسلطة ذات صفة دينية. أنا أقول: بمعنى ما توجد صفة دينية في الخلافة. فكل خليفة كان يعلن التزامه الإسلام ويعطي امتيازاً للمسلمين على غير المسلمين، ويلتزم، إذا استطاع، نشر الإسلام في العالم.. ولكن هذه ليست زاويتي، فزاويتي مختلفة ومخالفة. في نظري أن المصيبة الرئيسية في التاريخ العربي الإسلامي، بصدد الخلافة، هي أن الخلافة لم يكن لها عملياً وفعلياً أي نوع من القدسية، بدءاً من عثمان بن عفان ومقتله وصولاً إلى مصطفى كمال أتاتورك. الخليفة، خليفة رسول الله كان يقتل ويستبدل به خليفة آخر، ثم يقتل وربما يمثل به ولا يعدم الفاعلون أو المتآمرون أن يجدوا شيخاً يفتي لهم بجواز قتله. منصب الخليفة لم يكن له عملياً أي نوع من القدسية ولا أي سمو ولا أي حرمة. في تاريخ فرنسا لم يكن الأمر كذلك على الأقل منذ القرن الثاني عشر إلى اليوم. الدولة والرئاسة لها درجة من القدسية والسمو، من المؤكد أن رئيس الدولة فوق المواطنين وفوق المصالح الخاصة، الدولة فوقي وفوق الجميع وكذلك القانون، هناك ارتباط بين القانون والدولة. ميتران فوقي ما دام رئيساً للجمهورية ـ هكذا يقول الفرنسي ـ ولكنه لا يعود كذلك عندما يترك الرئاسة.

هكذا يمكن تمييز المقولات الدينية دنيوياً وتاريخياً، حتى على صعيد العلوم، وقد تحدثنا عن مقولة الكامل ومقولة المتعالي ومقولة المطلق والأزلي التي هي مقولات دينية وصارت مقولات علمية وفلسفية على جسر اللاهوت: الصفر المطلق، العدد المتعالي ب= 22/7.. وهكذا دواليك. ليس صحيحاً أن أوروبا طلقت المطلق لصالح النسبي أو أن أوروبا تركت المطلق لمن يشاء، بالعكس أوروبا استطاعت أن تثمر المطلق، أن توظفه في الدنيا، في العالم، ومن أجل ارتقائية العالم والوجود الإنساني. هناك نوع من سير أبدي متابع ومساند سير صعودي وارتقائي. سمو الله والكائن الأعلى صار سمو القانون، القدسية الدينية انتقلت إلى الدولة. الملوك كانوا ينالون تقديساً من الأسقف أو البابا أو من كاهن صغير يمسحهم بالماء المقدس أو بالزيت ويصلي فوق رؤوسهم.

سألني الأخ عمر الحامدي مرة رأيي في الأستاذ حافظ الجمالي، ما هو رأيي في أفكاره، فقلت له: حافظ الجمالي صديقي، وقد كان دائماً يؤمن بأن الجوهر العربي عظيم، ولكن الواقع العربي فاسد، ويبدو أنه اكتشف أخيراً أن الجوهر فاسد والواقع فاسد. فسألني عمر الحامدي، وأنت ما رأيك؟ فقلت لـه: في رأيي الإشكالية كلها مغلوطة، لا يوجد جوهر عربي عظيم ولا جوهر عربي فاسد. إذا أردت أن أتكلم عن معدن أو عن الطينة أقول: إن جميع شعوب الأرض وجميع بني آدم من معدن واحد ومن طينة واحدة. وإن الفرق في اختلاف الحالات هو الفرق في التركيبات. لا جوهرنا عظيم ولا واقعنا فاسد. لنأخذ الأمور بهدوء. فعندما تؤمن بأن الجوهر عظيم والواقع فاسد سيصبح عملك كله ونَفَسك وسيكولوجيتك وروحيتك مقاتلة ومتشنجة لكي تجعل الواقع مطابقاً للجوهر، وهذه مشكلة لأنك تريد أن تجوهر الواقع. وهذا شكل خاص من مسألة الوحدة والانفصال. الأمة العربية هي الجوهر، الأمة العربية الواحدة هي الجوهر ومعركتنا الوحدوية، وليس عملنا الوحدوي، هي تحويل واقع الانفصال الفاسد إلى جوهر، أي تحويل الانفصال إلى وحدة. لقد مال تفكيرنا إلى عسكرة السياسة وعسكرة الحياة السياسية. هذا الميل موجود، سواء أكان مصدره تاريخنا السياسي والحضاري، أو الماركسية الستالينية والحركة الشيوعية العالمية، التي هي أكبر حركة في تاريخ البشرية وأعظم حركة وفيها أعظم الدروس والعبر والأخطاء. فليس عندنا اليوم سياسة بقدر ما عندنا من المصطلحات العسكرية. حتى كلمة صراع حولناها إلى نضال إذ فيها بداية عسكرية.

كثيرون لا يعترفون مثلاً أن الانتفاضة الفلسطينية، انتفاضة الحجارة برهنت على خطأ الأيديولوجية (الفداوية) الفدائية الحربية العسكرية. هذا الشكل من النضال أقرب إلى النضال التقليدي لشعوب أوروبا. الناس يتظاهرون ويقاومون السلطة بالمظاهرات والإضرابات. لقد نسينا المظاهرات والإضرابات وبتنا لا نعرف إلا الرصاص حتى عندما يصفون الانتفاضة يقولون سلاحها الحجارة، كأنها شكل من أشكال الكفاح المسلح، فأقنوم الكفاح المسلح ما زال ثاوياً في الوعي، وبات النضال مرتبطاً بالعنف، هذا من نتائج عسكرة السياسة التي جاءتنا من الستالينية ومن تاريخنا السياسي القديم أيضاً. السياسة تظهر كأنها حرب داخلية، وحرب في القصر، انقلاب، انقلاب في القصر وحرب في المدينة.. هذا كله يجعلنا دون مستوى السياسة. هناك دوماً مرحلة حرب ومرحلة سياسية نحن ما زلنا في مرحلة الحرب لم نفتح الباب إلى عالم السياسة وقفنا على عتبة السياسة مدة طويلة نحو ألف سنة وربما لا نريد أن ندخل إلى السياسة ونردد عبارة كلاوزفينس "الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى"، من دون وعي أن الحرب جزء من السياسة، في هذه الحال وليس الكل، الحرب فرع السياسة، السياسة أساس، الحرب محدودة، السياسة دائمة. بهذا الوعي كأننا لا نزال في ما قبل الحضارة. آن الأوان لنغير، ففي الوقت الذي نطالب فيه بدولة الحق والقانون فإننا نطالب قبل كل شيء بأن نرد الاعتبار لمفهوم الدولة، وأن ننشئ هذا المفهوم ونقيمه لأول مرة في تاريخنا ربما. وربما عصر النهضة عندنا قصّر في هذا الموضوع. أما اليوم فيجب أن نعمق هذا الموضوع. يجب أن نكون مع الدولة أولاً ومع مفهوم الدولة ثانياً ومع دولة الحق والقانون ثالثاً. هناك دولة يعني هناك قانون ومؤسسات وحقوق.

القانون يوضع بلغة النواهي وليس بلغة الأوامر الإيجابية: القانون يقول لك: لا تقتل لا تزن ولا تشهد زوراً. أو يقول: ممنوع أن تفعل كذا وكذا وما ليس ممنوعاً فهو مباح. كل ما لا يمنعه القانون مباح. إنه يضع الحدود بلغة النهي ويحدد الممنوعات والمحرمات والمخالفات. وبالمقابل يحدد القانون واجبات الدولة بلغة الأمر الإيجابي، بلغة الإيجاب وليس بلغة السلب والممنوع. إنه يحدد مهمات الدولة بكذا وكذا وما ليس محدداً فليس للدولة شأن فيه وليس لها الحق أن تتدخل فيه. القانون يحدد للدولة عامة وللسلطة التنفيذية خاصة ما يحق لها أن تفعله، وكل ما لم يحدد لها لا يحق لها أن تفعله وهو ممنوع عليها. ولذلك يقال: القانون الإنساني والديمقراطي والحضاري والمدني يحمي المواطن من الدولة بصفتها سلطة، وإذا لم تكن للدولة سلطة فليست دولة. ليس كل سلطة دولة ولكن الدولة سلطة حتماً، أنا لي سلطة على أولادي ولكني لست دولة أما الدولة فهي سلطة. أهم ما في منطق البشر ربما الجملة الإسمية، كيان جملة المبتدأ والخبر في جميع اللغات (في الفرنسية والانكليزية والألمانية.. يضعون فعل الكينونة أو فعل الكون، نحن في لغتنا لا نحتاج إلى ذلك) فلنتكلم بلغتنا ومفرداتنا. قلت: لعل أهم قضية في المنطق هي فلسفة المنطق مع الإنسان والعمل الإنساني والتفكير الإنساني هي مسألة كيان الجملة الإسمية: الوردة حمراء، الطقس بارد، فيثاغورث فيلسوف، أنا عربي. يجب أن نلاحظ مباشرة أن الخبر ليس مستنفذاً في المبتدأ. المبتدأ والخبر لا يستنفذ أي منهما الآخر الذي هو آخره، ومن ثم، في علم المحاكمة الشكلية الحدية القطعية في علم الثلاثية الأرسطوطيلية: إذا قلت: الإنسان فان سقراط إنسان إذن سقراط فان، فإن الأطروحة الأولى استغرقت المبتدأ في الخبر، وكذلك الأطروحة الثانية، لكي أصل إلى هدفي وإلى النتيجة والخاتمة مع الإغلاق. هذه المحاكمة موجهة وهادفة وتوصلني إلى النتيجة. وهذا العلم يسمى علم المحاكمة الشكلية. ولكن للحقيقة وجهاً آخر أيضاً عندما نعود إلى مسألة الفكر مع الواقع والمضامين. فعندما أقول سقراط إنسان. (نقطة) أكون قد وضعت نقطة لأستأنف، وضمرت أن الإنسان ليس فانياً فقط ولكنه يترك أثراً خلفه أيضاً. وبحسب الدين فإن النفس غير فانية.. وهكذا دواليك. وهكذا الوردة حمراء، نعم لكن الحمراء لا تستنفذ فكرة الوردة، هذا القميص أحمر وغلاف لاروس أحمر.. المنطق بالمعنى الكبير هو علم علاقات الدنيا المفتوح، علم عقالة الكون، إذن عندما قلت إن الدولة سلطة، فإن السلطة لم تستنفذ الدولة. الدولة ليست سلطة فقط، بل هي قانون وحقوق ومؤسسات. والدولة هي أيضاً المجتمع مع الفرق مثلما نقول آ هي ب مع الفرق بين آ وب. آ هي ب وليست ب. هذا هو المنطق عندما يكون ديالكتيكياً سواء عند هيغل أم عند أرسطو وأفلاطون. إن هذا هو الأساس الميتافيزيقي للمنطق الذي يجب أن نستوعبه. يجب أن نعطي المنطق الشكلي حقه ونعرف أنه المنطق الشكلي.

لو أن بالإمكان أن يقوم عندنا اليوم شيء كالناصرية، ناصرية جديدة، ينبغي أن نؤكد أهمية إعادة الاعتبار للعصر السابق للناصرية لمتابعة مسائل النهضة ومقولاتها، وأن نؤكد مبدأ الحق والقانون والحرية وليس فقط مبدأ التحرر السياسي، وأن نمسك أكثر فأكثر بفكرة الديمقراطية. وأن نهتم بفكرة التربية وأن نهتم بالتعليم وبالجامعات أكثر فأكثر. عبد الناصر طور جامعة الأزهر ـ هذا شيء مهم ـ لم أدرس هذا الملف المهم ولكني أعرف أنهم أنشؤوا كليات جديدة في الهندسة. من المهم والضروري أن يدرس في الأزهر تاريخ الأديان وأنثروبولوجيا الدين الذي يمكن أن نقول عنه إنه علم فويرباخ. الآن علم فويرباخ علم عظيم يمكن أن يقال عن فويرباخ إنه ملحد، ولكني على ثقة أن فويرباخ يدرس في كليات اللاهوت المسيحي. فويرباخ ربما أكبر عَلَم في الأنثروبولوجيا الدينية مثل أول وأكبر عَلَم في السوسيولوجيا الدينية أو علم الاجتماع الديني، أعني ابن خلدون. علم الاجتماع الديني يعني الدين مع المجتمع وفي المجتمع. الدين عند ابن خلدون منزل من الله، على الأقل الإسلام عنده منزل من الله، ولكن في الدنيا، منزل على البشر. والإسلام وغيره يكون دولة ويكون علاقات الناس ويصبح بين أيدي الناس يستفيدون منه وينتفعون به بالطريقة التي يرونها بحسب حاجاتهم، وبحسب الضرورات بخطئهم وصوابهم، بعجزهم وبجرهم. هذه مسألة مهمة في سوسيولوجيا الدين، علم الاجتماع الذي ينظر إلى الدين بصفته عاملاً في الدنيا، وعاملاً في المجتمع، مثل الجغرافيا مثل البيئة الجغرافية مثل المناخ ومثل تحصيل العيش أو النحلة والمعاش، مثل أدوات الإنتاج. في الأنثروبولوجيا الدينية لم يعد الدين مع المجتمع، بل أصبح الدين مع الإنسان. إن الإنسان بحاجاته وبخوفه من الموت واختراع فكرة الإلوهة، ثم فكرة إله واحد بالارتباط مع الإنسان. موقف فويرباخ هذا لا ينحل في الإلحاد أو الإيمان فحين يفسر فويرباخ كيف وصل الإنسان إلى فكرة الإله، فإن هذا لا يحسم مسألة وجود الله أوعدم وجوده، بل إنه يؤكد مركزية الإنسان واتخاذه منطلقاً لفهم النتاجات الإنسانية.

في ضوء ذلك اقترح أن يدخل علم اللاهوت إلى جامعاتنا ولا سيما إلى الأزهر، وكليات الشريعة، يجب إنشاء علم لاهوت إسلامي. فالمسلمون كانوا سباقين إلى إنشاء هذا العلم، ثم اختنق علم الإلهيات الإسلامي ولكنه ازدهر في الغرب. لا بد من علم لاهوت عقلي، تيولوجيا، والمفروض أن تكون هذه الوظيفة من أولى وظائف الأزهر. الفقه غير علم اللاهوت وغير علم الكلام، لعل أقرب شيء إلى علم اللاهوت في التاريخ العربي الإسلامي هو علم الكلام، وخاصة عند المعتزلة. إعادة إنتاج علم الكلام قد تكون بداية موفقة وجيدة لعلم اللاهوت الإسلامي. وهذا يفترض علم كلام بمعنى نقد الكلمات، غير علم النحو والصرف، ويفترض تحصيلاً فلسفياً حقيقياً. إذا قام الأزهر بهذه المهمة في المستقبل يكون قد وضع فعلاً حجر الأساس لبناء مهم جداً، وحاسم في مصير الأمة كلها. فلا يجوز أن يعيش العالم الإسلامي بدون علم لاهوت.

5 ـ الاستلاب الناجز هو نزع ملكية ناجز :

ـ نقد عبد الناصر والناصرية، هذا النقد الذي وصفته بأنه راهن، وهو كذلك بالفعل، قادنا بالضرورة المنطقية، على ما أرى، إلى مسألة الديمقراطية. وهذه أي الديمقراطية لا تستنفذ في الحريات السياسية وفي كون الدولة معبرة عن الكلية الاجتماعية، فتراتبية المجتمع المدني وتعارضاته الملازمة ترتسم في السلطة التشريعية، مما يعني أن تعارض الدولة والمجتمع لا يزال قائماً، بل تحول إلى تعارض داخل الدولة نفسها، ومن ثم، فإن مشكلة الحرية لا تزال مطروحة ولم تحل. وأعتقد أن مشكلة الحرية تكمن في صلب المسألة الديمقراطية. فإذا كان لكفاح البشرية في تاريخها الطويل من معنى، فإن هذا المعنى هو النزوع إلى الحرية بمفهومها العام، ويمكنني القول إن الديمقراطية هي الصيغة التي تتخذها الحرية وعياً وممارسة في المجتمع والدولة، وأن لهذه الحرية سندين أحدهما أنطولوجي ينطلق من الفرد بصفته الإنسانية أولاً وبصفته الإنسان معيناً ثانياً، ومن ثم بصفاته الاجتماعية والسياسية والثقافية ثالثاً، وذلك تحت مقولة الفرق والاختلاف والمغايرة، وتحت مقولة الهوية في الوقت ذاته. والسند الثاني اجتماعي وأعني بالسند الاجتماعي مسألة الملكية وفكرة التملك، فالحرية في أحد أهم مضامينها ربما هي التملك بالمعنى العام للكلمة وبالمعنى الخاص أيضاً أي بمعنى الملكية، أي تملك العالم وامتلاك الشيء في الوقت ذاته. وقد غطيت في مداخلاتك الجانب الوجودي، ولكن ماذا عن الجانب الآخر، وفي اعتقادي أن الاستبداد في أحد وجوهه هو نزع الملكية والحيلولة دون تملك الإنسان ذاته وعالمه، فمسألة الحرية هي مسألة تاريخية وهي مسألة تاريخ البشر.

# هذا الذي تطرحه مهم جداً ومصيب جداً، وهذا في رأيي فتح، ولو أنه عند هيغل والماركسية غير الذي عند ماركس. أجل الإنسان بلا أي نوع من ملكية هو عبد أو دون العبد، وغير قادر على أي شيء فهو مملوك. الإنسان إما أن يكون مالكاً أو مملوكاً. وهذا الملف الذي تفتحه سيشمل فوراً الاتحاد السوفييتي والعالم الاشتراكي والعرب والعالم.

ـ لذلك أقول إن الحرية مشروع تاريخي ومفهوم تاريخي، وفتح هذا الملف يذهب إلى نفي التصور اليوتوبي أو الطوباوي عن الحرية وإلى عدم اختزالها شعاراً سياسياً.

# لنقل هنا نفي التصور اليوتوبي والفوضوي والفوري وبالتالي الفوراني والثوراني والشعاراتي. وأعتقد أنني في مقالتي عن مفهوم التقدم، المنشور في مجلة الوحدة قبل خمس سنوات تكلمت عن هذا الموضوع، يقول هيغل: التاريخ هو مسيرة نحو الحرية. وأنا أضيف التاريخ إذن هو تاريخ العبودية والشرط العبدي وتقليص العبودية ونمو الحرية، الحرية مآل، وهنا نؤكد التدرج ضد الثورانية. ونقول لا عقل بدون تدرج. نؤكد أن العقل لا يستنفد في مقولة التدرج، ولكنك إذا ألغيت مقولة التدرج وفكرة التدرج تكون قد ألغيت فكرة العقل أو حذفتها. لقد قلت لبعض المنتدين في تونس إن بعض الناس يتصورون الثورة اشتعال عود ثقاب. بحسب العلم، اشتعال عود الثقاب مسار وسيرورة وعملية ومنطق طويل. يمكن أن تشعل عود الثقاب وتؤخذ بالنار والنور، أما فهم هذه الظاهرة وتفسيرها ومعرفة آلية حدوثها فيحيل على فكرة المنطق فكرة العملي/ السيروري.

إن مسألة العبودية والحرية، مسألة المملوكية والحرية قائمة على إحداثيتين: هناك علاقة الإنسان بالإنسان بما فيها الطبقات واستغلال الإنسان للإنسان وحكم سلطة وسلطان وفقيه..إلخ. وهناك علاقة الإنسان بالطبيعة، إذا صح التعبير، ومسألة الإنتاج. إذا كنتم تظنون أن الإنسان الأول البدائي، المشاعي، كان حراً فاسمحوا لي أن أقول: الإنسان الأول كان دون العبد، أي أنه لم يكن ملكاً، بل مملوكاً، كان مملوكاً للفقر وموضوعاً للافتراس وتابعاً تبعية مطلقة لشروط البيئة الطبيعية المباشرة. كان يجني ثمار الطبيعة وعندما تنفد هذه الثمار يترك منطقته وينتقل إلى غيرها. الرفيق ستالين علمنا أن المشاعية البدائية انقرضت منذ خمسة آلاف سنة، هذا غير صحيح لأنك تجد المشاعية في ألمانيا في أوائل القرن التاسع عشر. ودراسة كارل ماركس الشاب عن سرقة الحطب تتكلم عن البقية المشاعية، إذ يحق لأي شخص أن يأخذ من أخشاب الغابة وأن يجني العسل منها. وإن التطور الرأسمالي ونمو الملكية الخاصة الحارمة منع الإنسان من ذلك، أصبحت الغابة مملوكة. بل إن بقايا ما من المشاعية موجودة في بلادنا وليس من الضروري أن نزيل هذه البقايا. كما علمنا ستالين أن المشاعية نظام ملكية جماعية. الصحيح إنه نظام لا ملكية، الفرد غير مالك والجماعة أيضاً غير مالكة. الفرد والجماعة مملوكين للطبيعة والطبيعة معادية لم تتأنسن بعد رمزها النمر والقط البري والإنسان الآخر عدو والجماعة الأخرى عدوة. ستالين اعترف بأنه كان على القبيلة أن تقاتل جيرانها بصفتهم أعداءها.

ولا بد أن نضيف إلى هذا الملف أن من العيوب الكبيرة لنظرية ستالين وللشيوعية العالمية الستالينية أنها ارتكزت على شيء قديم قد زُيِّف، على أرسطو مزيف. معروف قول أرسطو أن الإنسان كائن اجتماعي. بعض الناس يتصورون أن الاجتماعية أصل عند الإنسان. أنا أقول: لا، الافتراسية هي الأصل والاجتماعية اكتساب. وقد كتبت في مقدمة كتاب "العبودية" لموريس لانجليه، وهي مقدمة طويلة، أن هناك فرقاً بين مجتمع الإنسان ومجتمع الحيوان. يمكن أن نقول إن بعض الحيوانات اجتماعية أو تعيش جماعات. الفرق بين مجتمع الإنسان ومجتمع الحيوان أن مجتمع الإنسان ابن التاريخ بخلاف مجتمع الحيوان الذي هو ابن الطبيعة. مجتمع الإنسان ابن التاريخ وليس ابن الطبيعة وينبغي ألا نتصور أن الاجتماعية أصلية وبديهية عند الإنسان. وينبغي ألا نحل هذا الموضوع لفظياً بالتمييز اللفظي بين مجتمع وجماعة.

في حديث مع ياسين الحافظ، قال ياسين لقد أعدت الاعتبار في وعيي للرأسمالية. فقلت لـه أنت متأخر في هذا الموضوع. أنا أعدت الاعتبار للإقطاعية، وظهر موقفي هذا في ندوة القومية والإسلام، فقد رأيت في الاقطاع الأوروبي ثورة صعدت بها أوروبا من البربرية إلى الاقطاعية، ومن العجمة والخواء إلى شكل وإعراب من أرض وضباب ومستنقعات وبرد وغابات وحيوانات مفترسة وقبائل سائبة ومتشاحنة إلى بلاد رعي وزرع وقرى ومدن، إن هذه أكبر ثورة، ثورة عالم، ثورة نشوء عالم متأخر أي جاء إلى الحضارة متأخراً وهذه ميزته، في حين نتباهى بالقدم والعراقة والأصل (لا تقل أصلي وفصلي أبداً..) هذا الأقدم جعلنا الأكثر تأخراً وخراباً. نعم نحن أقدم، نحن المتقدمون، لسوء الحظ، وهؤلاء هم المتأخرون، وهؤلاء هم أوروبا آخر قارة جاءت إلى الوجود قارةً بشرية اجتماعية، ولعل الوجود الأوروبي، في نظر الأوروبي، ليس بديهياً كما هو وجودنا في نظرنا: سوريا موجودة منذ ستة آلاف سنة ومصر كذلك، نحن نتصور أن الوجود والعيش والاقتصاد والحضارة هذا كله محرز تحت اسم العراقة. الفرنسي أو الألماني أو السويدي كان يمكن أن يقول لك في القرن الثاني عشر أو في القرن العاشر: أنظر هذه القرية لم تكن موجودة منذ مئة سنة أو هذه المدينة كانت أرضها مستنقعاً.

من الضروري أن نربط ما تهتم به وما تقوله عن الحرية بفكرة الإرادة ونرد لها الاعتبار. ونرجع إلى مقولة الخلق. التاريخ هو تاريخ الانوجاد، أي مجيء الأشياء إلى الوجود، تاريخ النتوج: نتوج فرنسا، نتوج ألمانيا نتوج الدنمرك والسويد.. كل هذه وغيرها نتجت وهي نتاج لعمل سابق طويل وطويل ولعمل في الحاضر لذلك هم أحياء. أنا موجود يعني أنني جئت إلى الوجود، وأجيء إلى الوجود كل يوم لأنني أستهلك الخبز واللحم وأتلقى أنواعاً من العناية وأستهلك منتوجات متنوعة. وهنا نقطة ضعف نظرية سمير أمين عن الرأسمالية الطرفية ونمط الإنتاج الخراجي. أي إن أوروبا هي في موقع الطرف أو الهامش في نمط الإنتاج الخراجي والاقتصاد الخراجي، فقد نسي مقولة النتوج ومسألة الإنتاج. الأوروبي منذ ألف سنة ينتج عيشه ككل إنسان على الكرة الأرضية ولكنه بإنتاجه عيشه قد أنتج من دون إرادته عالماً ووطناً وأمة ومدناً وقرى. أجدادنا أنتجوا ذلك منذ ستة آلاف سنة، ولهذا ربما نميل إلى عدم فهم فكرة الخلق المستمر. النتوج عملية مستمرة. والإنتاج لا يعني فقط أن المجتمع ينتج سلعاً، ولكنه أيضاً ينتج نفسه. من دون الاقتصاد لا يوجد مجتمع.

تحدثت عن إحداثيتين للحرية، لذلك لا يجب أن نكتفي بإحداثية الحرية والعدالة ونربطهما معاً أو ندمجهما معاً. ونقول إن التاريخ كله صراع بين الإنسان والإنسان أو كما يقول ستالين: علاقات الإنتاج وصراع الطبقات، فهذا غلط، وبهذا نقيم الثوروية والكدحانية والجماهيرية. في تاريخ الإنتاج هناك علاقة الإنسان بالإنسان وعلاقة الإنسان بالطبيعة والبيئة، والحرية واقفة على العلاقتين. ولعلي هنا أثمن أطروحة عبد الناصر بأن الاشتراكية هي مجتمع الكفاية والعدل وفي ضوئها يمكن الحكم على التجربة السوفييتية التي لم تحقق شعار لكل إنسان بحسب طاقاته. طاقات كل إنسان، طاقات الأفراد وملايين الأفراد ثلاثة أرباعها معطلة، وإلا فليس هناك ما يمنعهم من بلوغ مستوى بلجيكا أو الولايات المتحدة، لم يحققوا شعار لكل بحسب عمله، فهناك مقابل كل عشرة عمال منتجين، أو يعملون بنشاط في عمل منتج عشرة آخرون لا يعملون أو لا يعملون في عمل منتج هؤلاء وهؤلاء يتقاضون الأجر نفسه. وعندما يتساوى الكسول والنشيط فلا بد أن تخسر الشركة أو المؤسسة. أما عندما تعطى الحوافز والمكافآت التشجيعية للنشطاء والمنتجين ويحاسب الكسالى والمهملون والمقصرون فإن الشركة تكسب والفقراء يكسبون والمجتمع كله يكسب. إن إلغاء التفاوت على هذا النحو حماقة وحماقة مطلقة. يمكن في مستقبل بعيد إلغاء التفاوت الاجتماعي ولكن لهذا الإلغاء شروطه وحدوده. لم أكن رافضاً من العتبة قول عبد الناصر عن إزالة الفوارق الطبقية أو تذويبها فإذا كان المقصود تخفيف هذه الفوارق وتقليصها فهذه فكرة صحيحة وهي جزء من المرحلية. المجتمع البشري سيكون فيه مساواة ويكون فيه تفاوت. أما اشتراكية الدولة أو شيوعية الدولة فهي كما وصفها ماركس مساواة الناس في العبودية. المساواة السوادية هي الاستبداد وأساس العاهل المستبد وأساس الاستبداد الشرقي.

هناك عبارتان لأكسي دوتوكفيل وهو أعظم من تحدث عن مسألة الحرية في عصر الديمقراطية وعصر الجماهير. العصر الليبرالي يعقبه العصر الديمقراطي ثم العصر الجماهيري عصر العوام والعمال والفلاحين. دوتوكفيل الذي عاش قبل ماركس وعاصره جزئياً هو ليبرالي وسليل نبلاء تحول إلى ديمقراطي وأعلن أن الديمقراطية قادمة لا محالة، وقال أيضاً: الديمقراطية ستحمل معها سلبيات، أي إن الجمهور والجماهير تحمل سوادية واستبدادية. العصر الجديد ليس بالضرورة العصر الأرقى. دوتوكفيل درس الحالة الأمريكية "الديمقراطية في أمريكا" ولاحظ أهمية دور الجمعيات والبلديات وتعدد الأديان والجماعات ورأى فيها جميعاً حواجز ضد السوادية والاستبداد والجماهيرية. وهناك جملة جميلة لتوكفيل جعلها ليوناردو شابيرو مدخلاً لكتابه تاريخ الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي من لينين إلى ستالين، يقول توكفيل: من يبحث في الحرية عن شيء آخر غير الحرية ذاتها فمصيره إلى العبودية، وكأن الله كتب عليه العبودية. فإذا قلت نريد الحرية من أجل خبز الفقير ومن أجل العدالة أقول لك: أنت تريد خبز الفقير وربما العدالة ولكنك لا تريد الحرية ومصيرك محتوم إلى العبودية. ويقول دي توكفيل أيضاً ما معناه: من يريد الحرية فوراً إنما يبني العبودية. من يريد الحرية فوراً فإنه سيقتل الجميع في سبيل الحرية التي يريد. من يريد الحرية فوراً إنما يبني الاستبداد.

ربما كانت فكرة العدالة أقرب إلى أذهاننا من فكرة الحرية، هذا في تاريخنا وفي حاضرنا. والفكرة يمكن أن تصبح مثلاً أعلى وهمياً بدل أن تكون هدفاً فعلياً. يجب أن ندرك أن العدالة هي تركيب الحرية والمساواة. وضمانتها الديمقراطية، وأعتقد أننا بدأنا ندرك أهمية الديمقراطية، هذا الإدراك ضروري ومهم بشرط ألا نحذف الليبرالية، فإذا حذفنا الليبرالية فإننا سنعيد إنتاج الاستبداد ونحن ننادي بالديمقراطية. والليبرالية لا تستنفد في النظام الراسمالي الذي يجب أن نصر على نقده ونحافظ على نَفَسنا الاشتراكي مع نقد وعينا ونقد نَفَسنا ذاته، بل إن الليبرالية هي التي بنت وتبني حقوق الإنسان.

 

 

 

ملحق

 

أفكار ومسائل للفكر العربي*

في افتتاحية عددنا الأول، عيّنا مبدأ وتوجّهاً:

وعي الذات من أجل وعي الواقع. بتعبير آخر: استقلال الوجدان وجهاد المعرفة وطرح المسائل والسعي إلى الإجابة عنها.

دعونا إلى إقامة الحد على الكلمات الكبرى والأكثر تواتراً في سوق الفكر والعمل. أدنّا فكرة "العمل" البراغماتية، فكرة "التسييس" المباشر؛ اعترضنا على فكرة "المعرفة" كشيئية ومحسوسية تحل فيها الكلمات محل الأشياء ويتحول فيها الواقع إلى أشباح. رفعنا لواء الفكر، لواء المعرفة. رفعنا رايات الديمقراطية والإنسانية والعقلانية والعلمانية والعروبة والتقدم، مع تأكيدنا أنها رايات ومفاهيم، ومعضلات: معضلات واقعنا وراهننا.

وخلال أربعة أعداد، تناولنا عدداً من المسائل في حاضر وتاريخ العرب والعالم. وبطبيعة الحال، لم نحقق كل ما أردنا تحقيقه، لكننا سرنا على هدي مبدأ الانطلاق.

إن طموحنا كبير. بل لنقل إنه متجاوز الحدّ. لكننا بالضبط اخترنا الجذرية. وذلك لأننا مؤمنون بأنه هكذا يجب أن تكون الأمور، وبأنه ليس من "حلّ" آخر. لا فائدة من الذهاب إلى فروع وحقول بدون الأصول والأساسات. آخرون كثيرون بين العاملين في ميدان الوعي العربي يشاركوننا هذا الرأي، يدركون أنه لا سبيل لتحقيق الاتصال والاندماج بين الفكر العربي والشعب، بدون التجرد والاستقلال. وإن هذه القضية التاريخية كلها تتخطانا كثيراً، بالتأكيد، بل إن الفكر كله لا يصنع التاريخ، لكن ليس من تاريخ ممكن بدونه، خصوصاً الآن. لن يكون للعرب نهوض مما هم فيه، إذا لم يقم الفكر بمهمته كفكر. على هذا الأساس بدأنا. ونتابع!.

***

إن هذه المجلة تسعى، في ظروف غير سهلة، إلى توسيع دائرة اهتماماتها وإلى ضبط محاور عملها.

* في مجال المجتمعات العربية المعاصرة، نعمل على الإحاطة بجميع البلدان، مع الاستمرار على خط الفكر النظري. القصد أو المآل هو إعطاء صورة الوطن العربي كأمة حية، وكعالم راهن، وصورة عن كل بلد عربي كمجتمع واقع.

بتعبير آخر، في الحالتين، نهدف إلى بلوغ الموضوع كجملة أو كل، بعيداً عن تبخيره في مجردات أثيرية تسمي نفسها "قانونا"، ولم تعد سوى كلمات محببة كـ "الأمة" أو "الطبقة" و"علاقات الإنتاج" أو "الحضارة" و"التراث" أو "الأصالة" أو "الحداثة". كل المجردات ما هي، في موقفنا ومسعانا، إلا أدوات العقل، المرتكز على مبدأ التجرد، في طريقه إلى بلوغ الموضوع الحقيقي كذات وحياة. هذه هي قيمة الكليات، وهذه هي جدواها وضرورتها المطلقة، بدءاً من أكبر الكليات.

* نتابع مسائل القومية العربية ونقد الفكر العربي بوجه عام وبمختلف مدارسه الأيديولوجية.

إن الوحدة العربية ضرورة تاريخية راهنة، ضرورة وضرورات يجب أن توعى في عصر نمو التجزئة. الوحدة والتجزئة مستويات. لا حقيقة لتصنيم الموضوع في مانوية وحدة وانفصال أزلية.

القضية يجب أن تخرج من أسرها في الجانب السياسي: فكرة الدولة أي "الولاية على" البشر. يجب أن ننفذ إلى دائرة الكائن التاريخي ككل، إلى مستوى الكينونة الاجتماعية للبشر. فهو الحاكم على مستوى الدولة أو الولاية على البشر، حاكم عليه حكم الكل على الجزء، مهما تكن أهمية هذا المستوى وفاعلية هذا الجزء. يجب ترك التصور الروحي والنظري الذي يذوِّب فكرة التجزئة ونقيضها في الجانب السياسي، ثم يذوِّب أيضاً هذا المستوى نفسه في الحدود السياسية للدول، في الرمزية والخريطة.

بدون ذلك، إن النقاش عن قدم وعدم قدم التجزئة يفقد كل معنى صحيح. لنقل فوراً: كلاهما قديم، وهذا ما يجب الخروج منه. إن مسألة الوحدة العربية هي مسألة الأمة في التاريخ وفي الراهن.

ليس صحيحاً أن التجزئة "حديثة" و"مصطنعة". التاريخ يقول العكس.. لكن الصحيح أن العصر الاستعماري والإمبريالي حوّلها وعمّقها. لم تعد التجزئة هي تمحور الأقطار على ذواتها، بل أصبحت تمحوراً على ذواتها وعلى الخارج، وعدم تمحور على ذواتها، أصبحت تناثراً للذات والذوات. هذه حالة جديدة فعلاً، ومصطنعة، بالمقارنة مع التجزئة السابقة، التاريخية، الطبيعية أو شبه الطبيعية.

كيف جرت وتجري الأمور؟ ماذا بعد رحيل الاستعمار، متجسداً بجيوشه واحتلاله واستيطانه وبأنظمة الولاية الأجنبية من "استعمار" و"حماية" و"انتداب"؟ ماذا عن عصر النفط والثورات؟...

* في مجال التاريخ العربي والتراث العربي الإسلامي، سنواصل مجابهة المسائل على المستوى النظري الحيّ الذي التزمنا به.

حقب هذا التاريخ عديدة. مناطقه متنوعة. ثمة تواصلات وانقطاعات...

المسائل معقدة. إنها تذهب من مسألة المنهج أو الطريقة وصولاً إلى تاريخ حقبة محددة لبلد أو منطقة.

وبالأحرى، لنقل، بادئ ذي بدء، إن المؤرخ، أياً كان، يعتمد نظرية معرفة، ضمنية أو صريحة، ضمنياً أو صريحاً، عن الإنسان وتاريخه ومصائره اليوم.

هذه النقطة المبدئية يجب أن تخرج إلى الضوء. فهي في الغالب ضمنية أو مظلمة، وأحياناً ظلامية وظالمة. والظلم هنا، لا يصيب أحداً سوى هذه الأمة العربية. لا يمكن الذهاب إلى تاريخ شعبنا، كمعرفة علمية في بناء روح الشعب، مع الاعتقاد، مثلاً، بأن هذه الأمة صخرة صلبة وعاتية منذ أقدم العصور وألعوبة في أيدي الشياطين منذ أقدم العصور أيضاً. كلاهما باطلان في باطل. العرب بشر كسائر البشر، لهم مجتمعهم ومجتمعاتهم وتاريخهم وتواريخهم، شأنهم في ذلك شأن كل الأمم: الجميع في الدنيا. في مسار التاريخ، إن أحداً لم يخطئ الفردوس. تاريخ البشرية ليس ضلالاً. إنه خط وخطوط في واقع ـ و ـ ممكن. لا تقديس ولا لعن، بل اعتراف ومعرفة ونقد وتغيير.

* في مضمار التاريخ العالمي، غرباً وشرقاً، إن متابعة الخط تفرض توسيع الدائرة، هنا أيضاً، في الزمان والمكان.

العالم ليس شرقاً يكون هو العرب أو حتى العالم الإسلامي وغرباً هو أوروبا. الصين، الهند، وما حولهما وبينهما من أمم وشعوب، عوالم كثيرة، عريقة وراهنة. هندوكية وبوذية، كونفوشية وطاوية، لغة صينية وعادات يابانية، زراعات وحرف وكثافات بشرية، إلخ، هذا بعيد غريب وعجيب، ويستحق أن يُعرّف. على الأقل (!)، من أجل نسبية الدنيا ومن أجل حقائق البشرية الكادحة في الدنيا والتاريخ. هذا "الشرق الأقصى" نصف البشرية، ونصف العالم الإسلامي جزء منه (باكستان، الهند، بنغلاديش، أندونيسيا، إلخ، إلخ). هذه العوالم وغيرها (أفريقيا السوداء، أميركا) يجب أن تُعرَف.

في التاريخ، العرب (شرق) إزاء أوروبا حصراً. إنهم غرب العالم الإسلامي، غرب آسيا، وفي منظور الأوروبيين، إنهم "الشرق الأدنى" و"أفريقيا الصغرى" و"المشرق": هذه مصطلحات مقاربة تعبر عن حقيقة ما، تتخطى الجغرافيا المجردة. من الشرق الأدنى القديم واليونان وصولاً إلى الإمبريالية أو الاقتصاد العالمي والنفط، العلاقات لا حصر لها. حسب المنطق، حسب هيغل وحسب كلاوسيفيتس، "الحرب" أيضاً "علاقة".

العصر الاستعماري الأحدث هو الذي يضم العرب إلى عموم "الشرق"، على أساس سياسي واقتصادي عالمي، إزاء وضد الاستعمار والإمبريالية. سياسياً، هذا يصل إلى مؤتمر باندونغ لشعوب ودول آسيا وأفريقيا (1955)، إلى مؤتمرات القاهرة ودلهي وأكرا والجزائر، وإلى مؤتمرات القارات الثلاث في هافانا. هذه الحركة التاريخية والسياسية، التي عبرت عن يقظة واستقلال وطموح إلى مستقبل، تراجعت فيما بعد. المواجهة "الاقتصادية" بين "الجنوب" و"الشمال" ليست في مستواها. أما "ثقْفَنة" الصراع، المنتشرة حالياً، فهي في شطرها الأكبر تعويض رجعي وتبديد لحقائق الدنيا وحاجات الشعوب.

لا اقتصادوية المجتمع ـ الطبقات ولا الماهيات الثقافية والحضارية بل الإنسان "جملة العلاقات الاجتماعية"! كثيرون هم الذين انتقلوا من الاقتصادية التاريخية والسياسية إلى ثقفنة التاريخ والصراع الراهن. كلاهما باطل. وبالنسبة للبعض، فإن انتقالهم المذكور لا يكاد يكون انتكاساً.

* بين محبي "الأصالة" ومحبي "الحداثة"، بين أنصار "أوروبا" وأعداء "أوروبا" ضاعت المعرفة. معرفتنا بأوروبا، بالآخرين، بذاتنا. من يعتقد بأنه يعرف تاريخنا بدون أن يعرف تاريخ أوروبا، وتواريخ أمم وعوالم العالم، بدون أن يكون عنده تصور عن أمة آدم في التاريخ، واهم.

تاريخ أوروبا غير معروف، بدلاً من معرفته لدينا أيديولوجيات، تتعامل مع قطع صغيرة ومشوهة، شوهتها الأيديولوجية وشوهها الجهل وحسب.

أوروبا ليست، كما تصورها معظم رجال "النهضة" أو "العصر الليبرالي" العربي، أوروبا الثورة الصناعية والعلمية التي أنهت العصور الدينية المظلمة، أو أوروبا العصر الصناعي الباهر والفاتن مع الصليبية الكالحة التي عادت في شكل الاستعمار الحديث.. تاريخها تاريخ تشكل طويل وتطور حاسم، ويجب أن يعرف في مختلف حقبه ومناطقه: اليونان وروما، الانهيار في الغرب والعصر البربري، الصعود الشاق والطويل من البربرية إلى النظام الإقطاعي ونهضة القرن الثالث عشر، عصر النهضة والأزمنة الحديثة الكلاسيكية، الثورات البرجوازية، "الثورة الصناعية" وحركة العمال، الديمقراطية والاشتراكية ومسألتهما..

هذا التاريخ لا ينحل في ثنائيات من نوع "قديم" و"حديث"، و"سطوي" و"حديث"، "ديني" و"علماني"، ولا في حكاية مجردة جداً وبالغة المحسوسية عن أربعة أنماط إنتاج اقتصادي أو أربع تشكيلات اجتماعية ـ اقتصادية، تعاقبت في "أوروبا" في "فرنسا"، "ألمانيا"، "إنكلترا" إلخ. "فرنسا" لم تكن موجودة في "عصر الشيوعية" ولا في "عصر الرق". ولم تكن موجودة في عصر البربرية الحقيقي، لكن هذا العصر البربري كان موجوداً في ما هو اليوم فرنسا، وفي ما هو اليوم الغرب. أمم الغرب نتاج تشكّل.

"الغرب" نفسه نتاج تشكل بدأ بالانهيار البربري الكبير، الذي أنهى المجتمع العبودي الحضاري حيثما كان موجوداً (أي في إيطاليا بالدرجة الأولى)، وانتهى بعد عدة قرون مظلمة وغنية إلى طفو الغرب كدائرة جغرافية جديدة للتاريخ وكعالم أرض وزرع وإقطاع هو قاعدة التطور التالي من تقدم وثورات.. هذا الغرب مفهوم واقعي وحقيقي وليس محض اصطلاح لفظي، ولا هو الشبح (السلبي الإيجابي) الذي يسكن الكثيرين عندنا.

هذا التاريخ، كجملة، مغاير لتاريخنا، ومغاير لتاريخ "الآخرين"، أو لتاريخ كل من هؤلاء "الآخرين"... كـ "عناصر"، الأمر بالعكس تماماً. سواء كانت العناصر "مضامين" الكينونة، أو "قطع" الحركة والصيرورة.

* لا تكرار لتاريخ أوروبا ولا محاكاة لحاضر أوروبا. كلاهما حماقة. آخرون يحاكون، بما فيهم كأعداء" و"كارهون" لـ "أوروبا". لكن، بصرف النظر عن كل اعتبار من هذا النوع، لا تكرار ولا محاكاة، بل:

أولاً، معرفة إن التاريخ دراما ومأساة ـ هكذا كان دائماً إلى الآن ـ مع انهيارات كبيرة جداً في بعض الأحيان. لكن التاريخ أيضاً تقدُّم.

إذاً، بهذا الوعي وهذا الاعتراف، أن نفهم ونعقل تاريخنا كتقدم وكتشكل، وكدراما ومأساة وانهيارات، إلخ، حتى لا تسيطر أشباح الماضي على عقولنا...

ثانياً، وعي الفكرة التاريخية، أخذها كعنصر أساس في روحنا وفكرنا. قصدنا بشكل خاص فكرة التقدم Progression، ضد القفزة الشاقولية إلى فوق، ضد ثورة الثوران وطيرانية التقدم. إن أعظم ثورة في التاريخ ليست إلا درجة على سلّم التاريخ. الثورة قاعدتها وخلفيتها تقدم وتدرج وهي قاعدة لتقدم وتدرج: هذا من زاوية التاريخ كمسار. لا شيء يفلت من الحدود سوى العدم الفارغ.

ثالثاً، وعي أن التاريخ منطق كينونة. الجانب التاريخي ـ التقدمي، التعاقبي ـ الزمني، محكوم بمنطق هو منطق لكائن: شروط وعلاقات، واقع وإمكان، تغير للأشكال، معقولية واقع.. بل ولنقل، مع مونتسكيو وهيغل وآخرين لا حصر لهم: طبيعة أشياء، ومنطق أشياء، ضد ذاتوية الطيران التقدمي واللفظي. إن مفهوم التاريخ لا يلغي مفهوم الكائن أو مفهوم الطبيعة، والثلاثة مفاهيم فلسفية...

كل تاريخ بشري هو تاريخ الإنسان الصانع والعاقل، بخيره وشره، كإنسان وكتاريخ.

إما المنطق والتاريخ وإما الجواهر والماهيات. ليس من خيار ثالث!.. ثم من الطبيعي أن يستخدم أصحاب الموقفين كل أنواع الكلمات بما فيها الكلمات الأربع الآنفة. كل الكلمات صحيحة ومبررة في سياقاتها الواعية أي المحددة والضاربة. بالمقابل وبالتلازم، ليس للإنسان عاصم عن الضلال، في كلمات: يكفي، لكي يضلّ، أن ينسى السياق، التقابلات (التعارضات)، إذن القصد والمعنى والاتجاه لكلماته. "المادة" و"المادية" وتابعاتها من اقتصاد وطبقات وهلمجرا يمكن أن تكون أدوات الذاتوية، ولا سيما ذاتوية الرجل الثوري "الذاهب" نحو هدفه ومثاله، والذي يعالج الواقع والبشرية كمادة بين يديه، كعجين أو صلصال.

الذاتوية هي المثالية، المثالية هي الذاتوية، هنا، نقصد بالمثالية: الضلال، المثالية المدانة والمدانة وحدها.

رابعاً، "المجتمع المدني" ليس ماهية أوروبية. بداياته قديمة. بل يمكن القول إنه يبدأ في هذا الوطن، في "المشرق" ويبرز مراراً في تاريخنا.

"المجتمع المدني" يتبلور ويطفو ويكتمل في شكل المجتمع البرجوازي الحديث، في أوروبا.

هذه مسألة كبيرة ومتعددة الوجوه، فلسفية وتاريخية. ما هذا المفهوم؟ ما "التباسات" المفهوم والمصطلح بين "مدني" و"برجوازي"، في اللغة (الألمانية ـ الفرنسية، الإنكليزية إلخ)، في الفكر، وفي ... الواقع كمنطق وتاريخ، أي كجدل لكائن؟.

إن إنشاء لوحة تاريخنا وتاريخ أوروبا وتاريخ الشرق الآخر وغيره وسيلة كبيرة في هذا القصد. هذا معناه عرض التاريخ ومفهمته، أي مَثْلَنَته أو فَكْرَنته: نظر نظري حيّ.

مقارنة تتخطى فكرة "المقارنة" العادية، مقارنة تعني أن تاريخ الغير هو أيضاً تاريخنا نحن، تاريخنا الفعلي والممكن، خيراً وشراً. وكذلك العكس. من فكرة العمل والتعامل والحق والمساواة والقيمة إلى فكرة الحرب والفروسية والأرستقراطية والشعر وكنز المال، من "حروب الدين" إلى "التسامح" إلى "العلمانية": هذا موجود في تواريخ كثيرة. تلك جميعاً مفاهيم، مقولات، إذن كليات وكونيات، بالغة الجدية والحقيقة. إنها، مع سواها، دنيا التاريخ المتناقض.

إذاً، المجتمع المدني! ومحور القضية: العمل، التعامل، القيمة، المساواة، الحق، الديمقراطية، كينونة المجتمع ذاتها.. قضية شعب، وليس حكاية مثقفين عن "علمانية" و"دينية"! هذا الثنائي الأخير، جدياً لا حكاية، تابع للجملة، جانبٌ في كلٍ.

إذاً، المجتمع المدني اليوم، لنا، لشعبنا ومجتمعاتنا، وفي راهن عربي عالمي يجب أن يوعى بتمامه! قضية المجتمع المدني هي أيضاً قضية الوحدة القومية، الوحدة العربية.

إذاً، المجتمع المدني! ليس لأنه هو مجتمع الخير والسعادة و"المثل الأعلى" وغاية التاريخ ونهايته.

بل: 1) لأنه الأرقى؛ 2) لأن التاريخ كله ـ بعد ظهور الإنسان العاقل كنوع ـ "يحمل" ـهُ؛ 3) لأنه هدف كبير ومحدد؛ 4) لأنه ضرورة قطعية لنا ويجب أن توعى.

خامساً، المجتمع المدني ليس غاية التاريخ. الراهن الكوني والعالمي يطرح، وبقوة متزايدة، قضية تجاوزه، أي تجاوزه إلى مجتمع أفضل، أقلّ شراً وأنانية ..إلخ، أكثر قابلية لعيش الناس، أو، حسب عنوان كتاب لمفكر معاصر: إلى "مجتمع يعاش معاً"، وحسب ماركس: إلى "المجتمع المؤنسن" أو "الإنسانية الاجتماعية"..إلخ.

هذا التجاوز، الجذري والمناقض، للمجتمع المدني، يرتكز حتماً على محرزه الإيجابي القطعي. لا رجوع إلى الشيوعية البدائية، البربرية، ولا رجوع إلى ما قبله وما دونه كجملة، بل مضي وتقدم. الرجوعات هذه ـ في عصر التقنيات البالغة "ذروة التقدم" ـ كارثة. والخيار قائم  ! تجاوز = حذف وابقى وتخطى. "التجاوز" بالمعنى الآخر = كاريكاتور قبيحة ومرعبة، وسقوط. هذا راهن فعلي.

المسألة مطروحة عالمياً، في هذا القرن وعلى مشارف انتهائه. الثورات الاشتراكية المعلومة، أو على الأقل المشهودة، بداية وبدايات، في دنيا الآلام والمعقولية. تلك جميعاً، على اختلافها وتضاربها، بخيرها وشرها، بمنجزاتها وأخطائها، بمآثرها ومآسيها.. تجربة كبيرة، ذات قيمة كونية دوماً. كل هذا ممكن، أفضل منه ممكن بالتأكيد، ومنشود. لكن أسوأ منه ممكن أيضاً وبالتأكيد.

لماذا؟ بسبب حالة التخلف؟ لأن الثورات الاشتراكية قامت في الشرق، بدون القاعدة الصناعية والحضارية والثقافية، وـ لنقل ـ بدون "المجتمع المدني" أو "المجتمع البرجوازي" كقاعدة مسبقة.. إلخ؟ أجل، أجل، بالتأكيد.

لكن إذاً، وأولاً، من وجهة نظر الوعي، يحصل هذا على قاعدة مسألة الواقع والهدف، ذاتها. الهدف ليس الواقع. ثمة هوة بينهما، دوماً. وهذه الهوة، المفهومية، لا تنحل في مسافة زمانية للشيء ـ الاقتصاد مع بعض توابعه. هذا واضح وجلي في الحالة الاجتماعية ـ السياسية للغرب: "الشروط الموضوعية" للثورة الناضجة كما يبدو منذ نصف قرن أو أكثر، الثورة الاجتماعية مشروع عتيد. ومن وجهة نظر القبح والبربرية، إن الحربين العالميتين والهتلرية وأشياء أخرى كبيرة في هذا القرن العشرين، ليست كائنة خارج دائرة هذا الغرب الفائق التقدم والمدنية والثقافة، بل هي كائنة، جوهرياً، داخل هذه الدائرة..

المسائل متنوعة، وما يجب أن يدان، قبل أية إدانة، هو: اللاتجرد، إذاً اللا "كل" الجزئية، التمذهب. وبتعبير آخر: ميكانيكا العلموية في خدمة الذاتوية. هذا الموقف الوثني يتخذ أشكالاً مختلفة بل ومتعادية. وهو في الغالب، ما يدعى: التزام. لم لا؟ لكن، بالضبط، هناك التزام نقيض! منه انطلقنا، وكان مبدؤنا مركزاً لدائرة... هذه المجلة مفتوحة بحكم دائرتها.

* لقد ركزنا وسوف نركز على الفكر والثقافة، على الفكر العربي، على تطور الفكر الغربي، إلخ، لأن هذا الجانب من التاريخ، بدون أن يكون هو "السبب" و"الأصل" وما شابه، هو الأهم بمعنى ما، هو الأكثر دواماً وراهنية، وـ حين يؤخذ مأخذ الجد ـ فهو الأكثر فائدة للعمل.

لننظر إلى ماضينا وحاضرنا، في الحيثية الآنفة:

من الممكن القول إن "نمط الإنتاج الآسيوي" مثلاً قد اختفى. أو لنقل إن نمط الإنتاج الاقتصادي العباسي والفاطمي ..إلخ قد مضى في "شطره" الأكبر. فالانهيار المغولي، الدمارات التالية، ثم بشكل خاص العصر الاستعماري الغربي وأيضاً العثماني الأخير وصولاً إلى الاستقلال ودوله والعصر الإمبريالي المتقدم، ..إلخ، هذا كله قد غيّر نمط الإنتاج، النظام الاقتصادي، الطبقات، نظام الملكية، ككل وبالأساس والجوهر. الثقافة والفكر، الروح..إلخ، هذا أكثر ثباتاً ودواماً. لنقل إنه اليوم جمع من العباسي والعثماني والراشدي والأموي وما قبل الإسلامي..إلخ. إن القديم الفكري الثقافي والأيديولوجي أثبت وأوقع من القديم الاقتصادي. لماذا؟.

السبب هو التأخر؟ لنقل: "الفكر" متأخر عن "الاقتصاد". لكن لنضف: إنه، في مثالنا، متأخر جداً عن المذكور، وـ أحياناً ـ متقدم جداً عليه، وعلى كل شيء، طائر إلى الأمام! إذاً لا بد من القول باستقلالية ما، ومهمة، للفكر عن "الاقتصاد". وبالأصح، لنقل إن ارتباط الفكر كجملة ليس بالنظام الاقتصادي والطبقات، بل بالشروط المادية للكينونة الاجتماعية ككل، ليس بعلاقات الإنتاج، بل بالإنتاج ككل، وبالتالي بنمط الإنتاج ـ مع ـ الطبيعة خارج الإنسان وكإنسان: الإنتاج هو إنتاج وسائل العيش وإنتاج البشر، بقاء واستمرار النوع.

مقولة الفكر، الروح، الوجدان..إلخ، مرتبطة بمقولة العمل، الشغل..إلخ، وهنا ليس فقط فكرة الانعكاس Rerlet (الفكر انعكاس عن الواقع) بل أيضاً فكرة الاستباق Anticipation، إذاً الطابع المفهومي والمثالي أو المثلي، للفكر، الروح، الوعي. الفكر كمفهوم وكحقيقة يتضمن، مع الحاضر، الماضي والمستقبل. هنا قوته. ولا مستوى فكري بحصر المعنى إلا مرتكزاً على مستوى روحي، نفسي.. هذا كله معلن، ومشدد عليه، عند ماركس ولينين، وفي وعي كل مفكر عبر التاريخ، سواء كان نصيراً لنظام الرق أو الإقطاع أو البرجوازية أو لشيوعية القرن الثاني والعشرين، ولا يمتنع عنه ـ عدا عن حفظة الواقع ورجعيي التراث ـ سوى حمقى "المادية" و"الجدلية والتاريخية" من أنصار المعرفة العلمية والنظام الاشتراكي غداً أو بعد غد. هؤلاء يعرفون التشكيلة والشغيلة لكنهم لا يعرفون الشكل و"الشغل"..

وبالتالي إن اهتمام هذه المجلة بالفكر ليس معناه وقصده إهمالاً للاقتصاد، بل أخذٌ للتاريخ كجملة واهتمام بالراهن الفعلي: الفكر مصوب إلى الواقع، التحليل في خدمة "الكل".

إن فكرة المجتمع لا تنحل في ثنائية اقتصاد وفكر. هذه الكلمات الثلاث يجب أن تكون موضع السؤال! كذلك كلمات ثقافة وحضارة..

* في اهتمامنا بالفكر الغربي والعالمي، ننظر بشكل خاص في الماركسية، مسألتها ومسائلها.. إلخ، نظرياً في أعلى مستوى أي في المستوى الأكثر أساسية وابتدائية، وبالارتباط مع مسألة الثورة الاشتراكية في القرن العشرين، مع قضية مصائر الإنسان اليوم، بما فيهما التجربة العربية والعمل العربي.

هنا أيضاً المسائل متنوعة، نظرية وعملية.

هل الماركسية السائدة، الموجودة والفاعلة، الحاكمة والقائدة. إلخ، هل هي ماركسية ماركس ولينين وإنجلز؟ إذاً: بالضبط، ماذا قال هؤلاء؟ سؤال أول لا غنى عنه. باشرناه في عددنا الرابع. هذا بدأناه وهكذا كان يجب أن نبدأ.. يجب أن نتابع.

مادية ومادية فلسفية؟ ما المادية وما المثالية؟ كذلك: جدلية، تاريخية، علم اقتصاد ماركسي، اشتراكية علمية. كل هذه العناوين يجب أن تكون موضوعاً لمراجعة دقيقة. كلها، وبالضرورة، حاملة التباسات.. هذا سؤال تابع للسؤال الأول. لكنه أيضاً يتخطاه في الزمان.

هل الجدل ابتكار حديث نبت في رأس هيغل أو ماركس أو بعض ماركسيي باريس في أيامنا؟ هل هو نتاج لتطور سابق؟ وأي تطور؟ هل هو صفة ملازمة للإنسان، بما هو "الإنسان العاقل"؟ ما معنى عقل؟ منطق؟ ماذا يقول ماركس وإنجلز ولينين؟ وآخرون أياً كانوا؟. فالماركسية ليست مملكة أو نوعاً أو جوهراً قائماً بذاته. الذين فهمومها على هذا الشكل جعلوها لافتة وسحراً وديناً علمياً أو علماً دينياً، وضوحاً، "الوحدة الصخرية"، حتى في المستوى الأيديولوجي والنظري، قد ولّت.

ما شأن الماركسية كتصور وكمنهج ما تاريخنا الأخير، مع تجربة العمل العربي في القرن العشرين؟ .. ما هي مصائر الماركسية في العالم العربي؟ وآثارها على الفكر العربي؟ من الواضح أن هذه الآثار تتخطى كثيراً دائرة مجموع الذين يرفعون رايتها أو لافتتها.

هل الماركسية لا تصلح للعالم الثالث؟ للعرب؟ هل هي تصلح لكندا، فرنسا، بولونيا، الاتحاد السوفييتي، الصين، فيتنام..إلخ؟ أية ماركسية؟ هل "نجحت" هنا و"فشلت" هناك؟ ما معنى "فشل" و"نجاح"؟ ما هي المذاهب غير "الماركسية" التي نجحت؟. ماذا يريد وينشد السائلون عن نجاح الماركسية وفشلها؟ ما تصورهم للإنسان، الوطن، المصير والمستقبل؟ هل لديهم تصور؟ هل نحن أو سوانا من الشعوب في غنى عن تصور؟.

حين أقول "تصور"، فإنني أقصد شيئاً أكثر من بضعة أفكار ومن مجموعة أفكار. إن صاحب أصغر حرفة يتسلّح، في شغله المحدد، بما هو "أكثر من" بضعة أفكار أو مجموعة أفكار. إنه يتسلح بفكرة أو صورة أو تصور، إلخ، أي بشيء هو وحدة! التغيير المطلوب يختلف جوهرياً عن حرفة تتعامل مع المادة، لكنه عمل.

الأسئلة عديدة. الماركسية في السؤال. الجميع في المغطس. بمعنى ما، السؤال واحد. مسائل الماركسية هي مسائل العالم. لكن هذا معناه قبل أي شيء. وبالنسبة للوعي الماركسي أولاً: يجب على هذا الوعي أن يدرك أن المبتدأ هو العالم.

هذا يفرض دراسة الماركسية من وجهة نظر مفهومي الأيديولوجيا والمعرفة، أو بالأصح من وجهة نظر العمل والمعرفة والأيديولوجيا.

هذا يفرض دراسة مسألة الفكر، أمام الكائن، على جسر العمل وفي اتجاهه.

هذا يفرض دراسة مسألة المنطق "الجدل" والثورة "التاريخ" والديمقراطية "الشعب كذات".

في اعتقادي، ثمة افتراق في الأساس بين مذهبين في الفكر: المذهب الجدلي والمذهب الوضعي. وثمة افتراق في الأساس بين الديمقراطية والليبرالية. وليس هناك قضية أخطر من هذه القضية المزدوجة بالنسبة للفكر العربي، لا سيما التقدمي، وبالنسبة للمفكر الماركسي العالمي، في الوقت الحاضر. كلاهما، بوجه عام، بعيدان عن الجدل وعن الديمقراطية.

هذه مسائل يجب أن نواجهها. إنها بآن معاً صلب النظرية والتاريخ. وليس الراهن العربي خارجهما.

هل من داع لأن أقول إن مسألة "المذهب الوضعي أو الإيجابي" مطروحة في عدد من الإسهامات الثمينة التي حظيت بها هذه المجلة خلال عامها الأول؟ بفضل هذه الإسهامات الضاربة، بات القارئ يعرف أن المسألة ليست بعيدة عن تاريخنا وحاضرنا، بل بالعكس تماماً! وعلينا الآن أن نستأنفها من بداياتها وأسسها النظرية، أن ندرسها في جميع جوانبها، أن ننظر إلى تاريخنا الأخير من وجهة نظر العمل الذي صار تجربة للعبرة والاعتبار... وباختصار أن ندرسها دراسة مبدئية منهجية ومصممة. أعتقد أننا لن نكون الوحيدين، إن آخرين سيدخلون الموضوع. الخيار بين الوضعوية كأوروبوية والتراثوية كهوية مزعومة خيار باطل. في رأيي، التراثوية شكل للوضعوية ويستخدم الشكل الآخر..

لتكن المرحلة المقبلة مرحلة مراجعة عامة في جميع المستويات. على هذا يجب أن نحرص! والمبدأ للمراجعة هو المبدأ الذي انطلقنا منه: وعي الذات، تجرد الوجدان، شرطاً لوعي العالم. وبمفردات العمل الإنساني: الالتزام كله، كل الالتزام ضد تناثر "الالتزامات".

لنقل إن هذه القضية تتخطى كثيراً ما يسمى "الماركسية". وفي رأيي: بدون هذه القضية، إن الماركسية تفقد ذاتها كماركسية. لكن بدونها أيضاً، لن يكون هناك، أولاً وأخيراً، وعي عربي لشعب عربي.

هذا ما أردنا أن نقوله في "معالم مشروع نقد وتجديد"...

ــــــــــ

* مجلة الواقع. عدد خاص ـ بيروت 1982.

 

 

n

مقدمة المحرر ........................................................ …….5

الفصل الأول: نقد الكلمات وتحرير المفاهيم والمقولات ............... 15

ـ الثنائيات الفلسفية ................................................... …….17

1 ـ مفهوم المادة .................................................... …….19

2 ـ المادية والفلسفة المادية .......................................... …….27

3 ـ مفهوم الشكل ومبدأ التشكل ....................................... …….38

4 ـ الروح من المفهوم الشعبي إلى المفهوم الفلسفي .…….42

5 ـ الإيمان والإيمان الديني أو الإيمان الحسي والإيمان العقل 50

6 ـ فكرة الله تؤسس سمو القانون .................................... …….52

7 ـ مثلنة الإنسان ................................................... …….57

8 ـ التكفير يهدم التفكير ............................................. …….58

9 ـ المطلق الأخلاقي أساس كل مطلق ............................... …….64

الفصل الثاني: المادية والمثالية ...................................... …….69

1 ـ مآثر المثالية أو دفاعاً عن العقل ................................. …….73

2 ـ الصفة الأفرادية للواقع .......................................... …….78

3 ـ نقد الحلولية ..................................................... …….82

4 ـ دفاعاً عن الشر، دفاعاً عن الحد والمعقولية ....................... …….85

5 ـ العلم والأخلاق .................................................. …….97

الفصل الثالث: "بذرة الديالكتيك: الاستلاب والاغتراب ……99

الفصل الرابع: الانحطاط ـ النهضة ـ عبد الناصر والناصرية 115

1 ـ مفهوم الانحطاط وتجلياته ....................................... …….118

2 ـ وجود العدم وعدم الوجود ........................................ …….120

3 ـ فكرة النهضة ................................................... …….125

4 ـ رهان الحداثة ................................................... …….127

5 ـ تسييس الشعب .................................................. …….133

6 ـ نقد وتأسيس ..................................................... …….136

الفصل الخامس: إعادة إنتاج مقولات عصر النهضة وتعميقها  149

1 ـ الحرية هي وعي الضرورة ... والاختيار ....................... …….152

2 ـ قاموس دلالي ـ تاريخي ........................................ …….163

3 ـ المرحلة ومفاعيل الزمن ......................................... …….168

4 ـ سمو الدولة ...................................................... …….173

5 ـ الاستلاب الناجز هو نزع ملكية ناجز ........................... …….180

ملحق أفكار ومسائل للفكر العربي ................................... …….189

 

من إصدارات الدار

 

موليير/ مسرح                                           ترجمة: يوسف الجهماني

الشعر النبطي في حوران                                  علي المصري

كاليجولا/ مسرحية                                        ترجمة: يوسف الجهماني

نرسيس وغولدموند/ رواية                                هرمان هسه

روسهالده/ رواية                                         هرمان هسه

ذئب السهوب/ رواية                                      هرمان هسه

غرترود/ رواية                                          هرمان هسه

تحت الدولاب/ رواية                                     هرمان هسه

بيتر كامينتزيند/ رواية                                    هرمان هسه

تعاويذ/ رواية                                            عقبة زيدان

الخيبة/ رواية                                             بولينا داشكوفا

أيام الثلج الأحمر/ رواية                                  د. فواز الأزكي

الحب الكبير/ رواية                                       عيسى الصيداوي

ثغر حلم/ قصص                                         يوسف الجهماني

عشتار والمولودة/ قصص                                فاديا سعد

كيف الحال/ شعر                                         ربيعة الجلطي

عطر اللوز/ شعر                                         يوسف الصياصنة

بكاء النوافير/ شعر                                       منصور الزعبي

أزهار الغضب/ خواطر                                   منصور الزعبي

موسوعة الحرب الالكترونية                              أ.أ. بالي

على دروب الثقافة الديمقراطية                            بوعلي ياسين

قراصنة وأباطرة                                         نوعام تشومسكي

المعري والشيرازي                                       علي خلوف

حوران عبر التاريخ                                      د. خليل المقداد

حرية الآخر                                              جاد الكريم الجباعي

القرآن بين التفسير والتأويل                               أنور خلوف

ما وراء الحجاب                                          فاطمة المرنيسي

مفهوم الإرهاب في القانون الدولي                         المحامي: ثامر الجهماني

خلفاء بلا خلافة                                          أ. أ. إغناتنكو

حزب الرفاه ـ أرباكان                                   يوسف ابراهيم الجهماني

حوارات في قضايا

المرأة، الحرية، التراث                                    نبيل فياض

الصراع السياسي في تركيا                               ف. ي. دانيلوف

خبايا الانهيار                                             ف. إ. شيرونين

أخلاقيات السعادة                                         كيريل نيشيف

أخلاقيات المعاشرة                                     غ.ب. بوتيليكو

اللؤلؤة/ رواية                                         جون شتاينبك

تركيا وسوريا                                         يوسف الجهماني

وسالار أوسي 

تركيا وإسرائيل                                        يوسف الجهماني

الدليلة الفلكية                                           تحقيق: يوسف فطوم

وترحل الجراح/ شعر                                  منصور الزعبي

رسائل الرقص / شعر                                 مالك الناطور

 

 

 

 

 

سيصدر عن الدار

 

ثرثرة فوق المياه                                         يوسف الجهماني

تركيا والأكراد/ عبد الله أوج آلان                         يوسف الجهماني

تركيا وأمريكا                                            سالار أوسي

الكرسي/ قصص                                         عزيز نيسن

نحو منظور إسلامي عقلي                                أنور خلوف



(1) دأب المفكر الراحل الياس مرقص، على تأكيد أنه لا يمثل في قوله إلا نفسه، لا لكي ينفي عن نفسه "شبهة" الانتماء إلى تيار بعينه، أو اتجاه بعينه، بل ليؤكد أن الماركسية بدون مزدوجين ليست كنيسة، وليس لها قول واحد ونهائي في أي شيء وفي كل شيء، وإنها ليست حقيقة ناجزة وليست الحقيقة، بل هي، هنا، منهج، نظرية معرفة، وليست المعرفة. وليؤكد أيضاً أن علم الإنسان ـ الفرد ناقص دوماً. ولعل الأهم من ذلك ميله إلى توكيد الـ أنا والـ "أنا أفكر" فمن دون أنا ليس هناك نحن. الأنا (الفرد) واقع عياني والـ نحن علاقة وعلاقات واجتماع وليس جمعاً. وإن التفكير دوماً فردي طابعه العام اجتماعي وإنساني، أو له بعدان اجتماعي وآخر إنساني ملازمان لوظيفته. وهو ما يظهر جلياً في العمل وفي الإنتاج الاجتماعي. ولا بد من الإشارة إلى أن الـ نحن الكلي هو أساس الـ أنا الفردي وحدُّه في الوقت ذاته، فليس للأنا أن يعدو أساسه أو يتجاوز حده. إن كل من يتحدث باسم الشعب أو الأمة أو الطبقة... إلخ بلا تفويض إنما يتجاوز حده. وإن الـ نحن من دون أنا عدم وخواء. لذلك كان يقول دوماً: عندما تصبح الأمة العربية مليوني أنا وأنا أفكر تكون قضية الوحدة العربية قد خطت خطوتها الأولى. في ضوء هذه الحيثية تبدو قضية الوحدة العربية قضية ديمقراطية.

(2) اللحظتان المعنيتان هما: 1 ـ لحظة الإنسان محدداً بذاته، يستمد قيمته من ذاته بصفته كائناً نوعياً، وهو الذي يعطي الأشياء قيمتها. 2 ـ لحظة الإنسان محدداً بعلاقاته الضرورية بعالمه الطبيعي والاجتماعي يستمد قيمته من هذه العلاقات ذاتها. تناقض اللحظتين تناقض جدلي إذ لا تكون إحداهما من دون الأخرى وكل منهما تنقلب إلى نقيضها. ويمكن مقاربتهما بمقولتي الوجود الخالص والوجود المعيَّن، أو بالوجود والكينونة. هكذا يتأسس الديالكتيك على مفهوم الإنسان، ويغدو مفهوماً القول إن العالم الفعلي هو عالم الإنسان، وأن التاريخ هو تاريخه. ويتبين لنا الخيط الذي يصل ماركس ببروتاغوراس وسقراط وأرسطو وكذلك بكانط وفيخته وهيغل.

(3) نصل بالفكر، بالتجريد، إلى اللامتعيِّن القابل للتعُّين والتشكُّل. هذا اللامتعيِّن، المادة، هو أساس المتعيِّن وحدُّه. هذا اللامتعيِّن هو المطلق واللامتناهي أساس النسبي والمتناهي. تجاهل هذا الأساس والحد أو جهلهما أو حذفهما هو حذف للروحية والفكرية والمفهومية وسقوط في الشيئية الوثنية سمة الوضعانية المعاصرة وأس الاستبداد. المادة والروح كلاهما  يقعان، بالتقابل، في دائرة المطلقÜ Üواللامتناهي ويحدان النسبي والمتناهي، هكذا يتأسس مفهوم الكينونة ومفهوم الإنسان. الإنسان هو وحدة المتناهي (الفرد) واللامتناهي (النوع).

* كنت قد أشرت هنا إلى أن التجريد هو حذف أو نفي الصفات أو التعيينات إلى النهاية والنفي لا يقع إلا على متعيِّن، فإذا نفينا عن الشيء جميع كيفاته وتعييناته إلى النهاية نصل إلى المادة، إلى الإيجاب الخالص أو الوجود الخالص (بحسب هيغل) (وكذلك إذا نفينا عن الفرد البشري جميع تعييناته نصل إلى الإنسان، إلى الروح الإنساني). والوجود الخالص القايل للتعين يحمل سلبه في ذاته، وهو الحد النهائي لعملية النفي. وعند هيغل الوجود الخالص هو العدم الخالص. في نهاية النفي هناك الإثبات. وتنتهي عملية النفي عندما لا يظل هناك ما يمكن نفيه فنصل إلى نفي النفي. ونفي النفي إثبات أو إيجاب. ويمكن أن نقول إزاء فكرة سبينوزا "كل تعيين هو نفي" إن كل نفي هو إثبات، وإلا انتهينا إلى العدمية والإلحاد. الإيجاب يضع السلب فلا يقوم إلا به.

(4) ثمة صفان من المقولات/ المفاهيم، المادة والوجود والواقع والطبيعة، والكائن والفيزيقي من جهة والروح والوعـي والفكر وما فوق الطبيعـة ونظرية الكـائن والميتافيزيقي من Ü Ü جهة أخرى، وهما مصفوفتان على التقابل والتعارض أو التناقض: المادة/ الروح والوجود/ الوعي والواقع/ الفكر..إلخ. افتراض الترادف خلط وتلبيس. المادة تتحول إلى روح والروح يتحول إلى مادة، الوجود إلى وعي والوعي يتحول إلى وجود، الفكر يتحول إلى واقع والواقع يتحول إلى فكر، وذلك بتوسط الشغل والعمل والإنتاج. وثمة علاقة بين المادة والروح، بين الوعي والوجود، بين الفكر والواقع، علاقة في الاتجاهين، والعلاقة هي العقالة والعقل.

(5) حين نقول عن هذا الشيء أو ذاك أنه مادة نكون قد أذبنا أو بخرنا جميع تعييناته وصفاته وخصائصه وهدمنا جميع الفروق/ الحدود التي تفرقه عن غيره من الأشياء، ونكون بذلك قد هدمنا المعرفة ذاتها التي تبدأ بتعيين الفروق ووضع الحدود: هذا الشيء غير ذلك، جميع الأشياء مختلفة ومتفارقة ومتماثلة في الماهية وليس في الهوية.

(6) المادة في شكلها الأولي هي المادة المتعينة: الخشب والحديد والصلصال والألوان والأصوات.. إذ لا مادة بلا شكل ولا شكل بلا مادة، مثلما لا مادة بلا حركة ولا حركة بلا مادة. الشكل والحركة هما المكان والزمان ومن هنا كان التاريخ تنويعة على الأشكال، التاريخÜ Ü هو الحركة وتغير الأشكال إلى ما لا نهاية. والعمل البشري صانع التاريخ هو قوة العمل ومادته وأداته وغايته معاً.

وحدة العالم تتقوَّم بماديته (إنجلز). والعالم هنا هو عالم الإنسان يصنعه الإنسان بالعمل. المادة قابلة للتشكُّل، والعمل هو الذي يشكلها ويعيد تشكيلها. ليس بوسع الإنسان أن يضيف إلى العالم عنصراً أو يحذف منه عنصراً، ليس بوسعه سوى تغيير الأشكال. 

(7) قسمة الفلاسفة إلى ماديين ومثاليين لا تجوز إلا في المسألة الفلسفية الأولى، مسألة أيهما أولاً المادة أو الوعي، المادة أم الروح والفكر.. التعارض بين المادوي والمثالي في هذه المسألة فقط تعارض مطلق، كما يقول ماركس، أما في ما عدا ذلك فالتعارض نسبي والقسمة زائفة أو أيديولوجية ما أن تتجاوز هذه القسمة المسألة الفلسفية الأولى أو تتعداها. وما أن نتعدى هذه المسألة حتى نغدو أمام المسألة الفلسفية الكبرى المشتركة بين هؤلاء وأولئك أعني مسألة العلاقة بين الذات والموضوع، بين الفكر والواقع، بين الإنسان والعالم. في هذه المسألة تتعدد زوايا النظر وتختلف الرؤى والأفكار وكلها مشروعة ومسوغة عقلياً، وهذان التعدد والاختلاف هما مصدر الغنى والتنوع في الفكر البشري وفي العمل البشري.

(8) لعله يريد هنا أن الإرادوية المقترنة بالنظر إلى المجتمع على أنه "مادة" وموضوع للإرادة الثورية هي نقيض الواقعية. لا سيما أن الإرادوية تستند إلى مرجعية أيديولوجية تحمل غالباً تصوراً وهمياً وإيهامياً عن الواقع يسوغ سياسات السلطة وأفعال القادة وأعمالهم، وتحمل على الانطلاق من الهدف إلى الواقع، من دون مساءلة الذات ونقد الهدف. لا شك أن عملية تحويل العالم هدف مسوغ أخلاقياً، ولكن، في أي اتجاه؟ في اتجاه دكتاتورية الحزب وإقامة دولة الامتيازات والفساد، أم في اتجاه جعل العالم إنسانياً. كان ماركس يتحدث عن نهاية الفلسفة بجعل العالم فلسفياً أي بجعل قيم الخير والحق والجمال التي حملتها الفلسفة واقعاً محققاً. وكان يتحدث كذلك عن نهاية الدين بجعل القيم التي حملها الدين كالمحبة والرحمة والإخاء والعدل Ü    Üوالمساواة.. واقعاً فعلياً، أي بدحض أوهام الواقع وجعله لا   يحتاج إلى أوهام. فقط حين   يتحرر الإنسان ذاتياً وموضوعياً لا يعود في حاجة إلى أوهام، لا يعود في حاجة إلى خلاص وهمي.

(9) في العربية، وغيرها من اللغات، تتعدد الصفات للموصوف الواحد. فالوصف أو النعت تعيين، حد وفرق. وكل تعيين هو نفي. والشيء المعيَّن هو الذي اكتملت تعييناته (صفاته ونعوته) وحدوده التي تميزه من غيره وتربطه به وفق مبدأ المجموعات. فحين أصف طاولتي بأنها مستطيلة أنفي عنها التربيع والتدوير، وحين أصفها بأنها خشبية  أميزها من الطاولات المعدنية أو البلاستيكية، وحين أصفها بأنها مصنوعة من خشب السنديان أميزها من الطاولات المصنوعة من أنواع الخشب الأخرى، إلى آخر ما هنالك من الصفات والتعيينات. وفيÜ  Ü العربية، وغيرها، تتعدد الأحوال، ويتعدد خبر المبتدأ، ولذلك صلة وثيقة بالمنطق منطق الواقع مجموعة الطاولات الخشبية عامة، وإلى مجموعة الطاولات المصنوعة من خشب السنديان عامة..إلخ. إذ كل واحدة من صفاتها تربطها بجميع العناصر الأخرى المشابهة والمماثلة، فالاختلاف قائم في التشابه والتماثل لا ينفك عنهما ولا يقوم من دونهما. وقل مثل ذلك في كل شيء وفي كل فرد. وربما الأهم من ذلك كله أن الموصوف لا يستنفد في الصفة. هذه بداية المعرفة.

(10) بما أن هذه الأحاديث اعتمدت على الذاكرة فقط، فإن الأطروحة الأولى حول فيورباخ تقول: إن النقيصة الرئيسية في المادية السابقة بأسرها، بما فيها مادية فيورباخ، هي أن الشيء (Gegnestand)، الواقع، الحساسية لم تعرض فيها إلا بشكل موضوع (Objekt) أو بشكل تأمل (Anschavung) لا بشكل نشاط إنساني حسي، لا بشكل نشاط، لا من وجهة النظر الذاتية، ونجم عن ذلك أن الجانب العملي، بخلاف المادية، إنما طورته المثالية لكن فقطÜ Ü بشكل تجريدي، لأن المثالية لا تعرف، بطبيعة الحال، النشاط الواقعي الحسي كما هو. وفيورباخ يريد الموضوعات الحسية التي تتميز في الحقيقة عن الموضوعات الفكرية، ولكنه لا ينظر إلى النشاط الإنساني نفسه بوصفه نشاطاً واقعياً (Gegenstandliche). ولهذا لم يعتبر في كتابه "جوهر المسيحية" شيئاً إنسانياً حقاً إلا النشاط النظري، في حين أنه لم ينظر إلى النشاط العملي ولم يحدده إلا من حيث شكله التجاري الوسخ، ولهذا لا يدرك أهمية النشاط "الثوري" النقدي العملي. (إنجلز ـ لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكيةالألمانية ـ دار التقدم ـ موسكو ص66). ولا يخفى على القارئ أن الترجمة إلى العربية ملتبسة هنا أيضاً، لكن الشاهد في هذه الأطروحة أن النشاط الإنساني النشاط الفكري هو نشاط واقعي.

(11) تقول الأطروحة العاشرة حول فيورباخ: إن وجهة نظر المادية القديمة هي المجتمع "المدني"؛ ووجهة نظر المادية الجديدة هي المجتمع الإنساني، أو الإنسانية التي تتسم بطابع اجتماعي. (المصدر السابق نفسه ص69).

(12) أجل في الخطاب العربي السياسي والثقافي على السواء تسمع دائماً نحن العرب فعلنا كذا وكذا في الماضي أو نحن العرب نريد كذا وكذا اليوم. أولاً ليس هناك "نحن" من دون أناÜ Ü والأنا أبدأ لأنها تحيل على الواقع العياني واقع التعدد والاختلاف والتعارض. ثانياً عرب اليوم ليسوا عرب الأمس، عرب اليوم لم يفتحوا الهند والسند والأندلس.. لم يبنوا امبراطورية مترامية الأطراف. عرب اليوم عربان يتخبطون في ليل التأخر والهزيمة. وعرب اليوم ليسوا كذلك الذين أطلقوا محاولة النهضة الأولى، بل هم أولادهم وأحفادهم. قلما يتحدث الخطاب العربي عن عرب اليوم بل يتحدث عن أمة عربية ومجتمع عربي بالمفرد ولا يقبل المتحدث أن تكون الأمة والمجتمع على نحو مختلف عن الصورة التي في ذهنه عنهما.

(13) أفلاطون وماركس والنجار والحرفي والزارع والصانع أخوة في الفكر. لعل هذه الأخوة في الفكر، لعل هذا الاشتراك في الفكر يمت بصلة للديمقراطية، إن لم أقل إنه جذرها المعرفي. الإنسان خطّاء والفكر ليس منزهاً ولا معصوماً. البشر متماثلون في الفكر، وفيÜ   Üقابلية الخطأ والصواب، ذلكم هو الأساس المعرفي للديمقراطية باعتقادي.. الاعتراف بإمكانية خطأ الذات هو الضمانة الأساسية لقبول الآخر والاعتراف بحقه في الكلام وباحتمال أن يكون محقاً في رأيه. يبدو لي أن إعلاء شأن الفكر وإقامة الحد على "اليقين العلمي" وعلى "النظرية العلمية" (ما أكثر الذين يعرفون الماركسية بأنها نظرية علمية) وعلى معصومية العلم هو إعلاء لشأن الإنسان وحرية الفرد وتوكيد العلاقة بين الفكر والعمل، بين الفكر والواقع، بين الوعي والوجود. فالعمل البشري فكر متحقق بالفعل وفكره عمل موجود بالقوة لا يتحقق بالفعل إلا بتضافره مع قوة العمل ومادته وأدواته وغايته التي هي تلبية حاجة بشرية اجتماعية. واعتراف بعدم وجود حقيقة ناجزة ونهائية، ونزع لطابع العصمة والقداسة عن الأفكار والنظريات والأيديولوجيات والقادة والأحزاب..إلخ وإعلاء شأن الفكر إعلاء لشأن الإبداع واعتراف بأنه أي الإبداع قسمة مشتركة بين البشر. فكل عامل في حقل من الحقول أو ميدان من الميادين يتوفر على إمكانية الإبداع أو ملكة الإبداع والأسرة والمجتمع والدولة هي التي ترعى هذه الملكات وتتعهدها بالتربية بشرط أن تعترف الأسرة والمجتمع والدولة بحرية الفكر وقيمة الإبداع وذلك بأن تعترف اعترافاً مبدئياً ونهائياً بقيمة الفرد وحريته وبحقوق الأفراد المتساوية بغض النظر عن الفروق كائنة ما كانت. وأن تعترف بأن الأعراف والقونين والتشريعات والشرائع توجد من أجل الإنسان ولا يوجد الإنسان من أجلها. ثم إن أخوة ماركس وأفلاطون والنجار والحرفي.. تعني أن كلاً منهم يقوم بعمل ضروري للآخرين، بوظيفة اجتماعية ضرورية. إن ذلك التماثل يؤسس هذا الاختلاف.

(14) في تعليمنا الباكر، أذكر أنه كان عندنا كتاب في الصف الثاني الابتدائي اسمه "الأشياء". وكنا نلفظ اسمه "الإشيا" جمع شيء، كما يلفظها اللبنانيون اليوم باللهجة الدارجة. وكان يعتمد الوصف ويوحي بأن الأشياء معطيات ناجزة ونهائية.

(15) هذا الحديث عن الشكل وتمييزه من الصورة له أهمية حاسمة في تحديد مضمون الوعي وفي تحديد مضمون الأخلاق أيضاً، أي له أهمية حاسمة في الوجدان. مفهوم الشكل ملازم لمفهوم المادة. إذ لا مادة بلا شكل في الواقع. والصورة هي الشكل الأخير، الأعلى والأرقى،Ü Ü لا بأس ولكنه ليس الشكل النهائي، الصورة تتغير ومادتها تتشكل من جديد وإلى ما لا نهاية. التاريخ تنويعة على الأشكال. ليس هناك أشكال نهائية من شكل الملكية إلى شكل الحكم أو نظام الحكم، وهكذا جميع التشكيلات الاجتماعية كلها قابلة للتغيير. والبشر لا يستطيعون سوى تغيير الأشكال بدءاً من عناصر الطبيعة. الأخذ بمبدأ الشكل والتشكل يرشد العمل ويفتح إمكانات الإبداع. الفنون التشكيلية مثال مهم. المادة اللونية تتشكل أشكالاً لا حصر لها وكذلك المادة الصوتية في الموسيقى، وكذلك البنى والعلاقات الاجتماعية. مقولة المجموعات الرياضية شاهد مهم جداً أيضاً. الرياضيات تجريد للواقع وللعالم وكشف عن علاقاته الكمية وتناسباته وكشف عن طابعه الاحتمالي المفتوح على اللانهاية.

* الروح في العربية أصل. والرُّوح (بالضم) ما به حياة الأنفس، ويؤنث. والقرآن والوحي وجبريل وعيسى عليهما السلام والنفخ وأمر النبوة وحكم الله تعالى وأمره ومَلَك وجهه كوجه الإنسان وجسده كالملائكة. (القاموس المحيط) ومن الأصل نفسه بالفتح (الرَّوح) الراحة والرحمة ونسيم الريح.. ومنه الريحان المعروف. والراح (الخمر)، والراحة والارتياح.. ومنه راح يروح رواحاً.. (راجع القاموس المحيط).

** هذه إشارة مهمة جداً، فمن بين المفكرين العرب، وحده الياس مرقص ربط الفلسفة بالشعب وبالواقع، ربطاً وثيقاً. وفي حين لم يكن مأخوذاً بالشعبوية، فقد كان مؤمناً بأن الفكر هو فكر البشر على اختلاف كفاياتهم وتباينها، وبأن الحقيقة في متناول الجميع وفوقهم وأمامهم والقضية الأساسية عنده كانت قضية الفلسفة وقضية الواقع وقضية الشعب.

الأصل الشعبي لمقولات الفلسفة هو الضمانة الواقعية لمشروع اندراج الفلسفة في حياة الشعب، في الوعي الاجتماعي. الضمانة الموضوعية لتحقيق الفلسفة أو وقعنتها في العالم، أي جعلها واقعاً.

(16) في زمن ماركس وقبله كانت عبارة العلم تعني الفلسفة والحكمة بصورة أساسية وتشمل العلم الوضعي لا سيما أن الفلسفة كانت تسمى أم العلوم. ثم ارتبطت العلوم الوضعية بالدين أيضاً وكانت "عذراء منذورة للآلهة". وتحرير العلم من اللاهوت كان أول عملية فرز وخطوة عظيمة في تاريخ تطور العلوم الوضعية، واستقل العلم الوضعي كذلك عن الفلسفة وإن دأبت الفلسفة على إمداده بالمناهج والمقولات والفرضيات. هيغل قبل ماركس وضع العلم والعلوم الوضعية في دائرة الفهم، دائرة القوانين الجزئية ولحظة الفهم لحظة ضرورية للعلم أي للفلسفة ميدان الرؤية الشاملة والمبادئ الكلية. وكذلك الأمر عند ماركس العلم بالمعنى الواسع هو الفلسفة متضمنة العلوم الوضعية ولا سيما في المدخل الذي يشير إليه الياس مرقص. هنا تغدو معرفة القوانين الجزئية مدخلاً ضرورياً للتملك الروحي العملي الذي هو الغاية والهدف المنشود لتصالح الإنسان مع ذاته ومع عالمه، أو لاستعادة ذاته المغتربة عنه.

(17) أعلن أخناتون في السنة السادسة من حكمه 1374 ق.م مبادئ ديانة جديدة تدعو إلى عبادة إله واحد هو "آمون" (= القوة الخفية) وقد مثله بقرص الشمس المجنح. وهو إله أكثر قرباً من الناس جميعاً. وعالمي في الوقت نفسه وموجود في كل مكان. وأوصى أخناتون أن يضحى بكل شيء من أجل الحقيقة التي هي مصدر التوازن والعدالة والحياة. وهي عناصر صورة القداسة كما تعكسها مرآة الإيمان.

(18) بهذا الفهم للإيمان يكشف الياس مرقص عن تجليات أو ظاهرات وثنية في الإيمان الديني ولا سيما في الأيديولوجيات الدينية الحصرية. ويمكن طبعاً الكشف عن مثل هذه التجليات فيÜ Ü الشعائر أو الطقوس الدينية المتوارثة كابراً عن كابر. وهذا يدعونا إلى أن نضع الدين في الدنيا أولاً وفي التاريخ تاريخ البشر ثانياً. الإيمان الديني المرادف لليقين الحسي يسم مراحل التراجع والانحدار في التاريخ في حين يسم الإيمان العقلي مراحل النهوض والتقدم. اليقين الحسي لا يقبل الشك. الإيمان العقلي، الفكري الروحي مشفوع بالشك. والشك هنا غير الكفر والشرك. الشك هو إعمال الفكر وبسط سلطان العقل على جميع ميادين النشاط البشري ونشدان الحقيقة والسعي من أجل الوصول إليها. الإيمان العقلي هو الذي يرد قضية الدين إلى أصلها أو إلى اساسها بصفتها قضية روحية إنسانية متعلقة بضمير الفرد الاجتماعي، ومتعلقة بالضمير الاجتماعي فما الذي يمكن أن يكونه الدين إن لم يكن وازعاً أخلاقياً نابعاً من الوجدان والضمير، تلكم هي دعوة الدين بصفته أحد عوامل تأنسن الكائن البشري. ويمكن القول هنا إن ماديانية الياس مرقص أكثر روحانية من دينية الجماعات الدينية المتطرفة الثورية الارتداديةكما وصفها. والنزعة الحلولية تندرج أيضاً في الإيمان الحسي المادي.

(19) الله وحده هو المقدس لأنه الكلي، الكامل، المطلق، اللامتناهي، واللامحدود. وكل ما هو جزئي وناقص ونسبي ومتناه ومحدود هو غير مقدس. إن عمومية القانون بصفته المجردة هي مناط سموه. الكلي أو المطلق هو المبدأ المؤسس. القانون مبدأ مؤسس بوصفه تعبيراً عن الكلية الاجتماعية ثم عن الكلية الإنسانية على صعيد مفـهوم القانون الـدولي. المدونة القانـونية في هذه الـدولة أو تلـك هي تعيين للقانون العام، وهو تعيين لا ينجز دفعة واحدة بل ينشأ ويبنى متدرجاً وما ينفع الناس من القوانين الوضعية يمكث في الأرض وتدمجه مختلف الشعوب في مدوناتها القانونية ويأخذ به المجتهدون والقضاة والمحامون أي رجال القانون. يجب تمييز فكرة القانون بصفته العامة المجردة، أي بصفته تعبيراً عما هو مشترك بين الأفراد والجماعات والفئات الاجتماعية والأحزاب السياسية، من المدونة القانونية القابلة للنقض والتعديل والتطوير مثلما الله مبدأ كل وجود كذلك فإن القانون هو مبدأ كل نظام حقوقي وكل مدونة قانونية.

(20) عدم التساهل هنا، هو عدم تساهل على صعيد الفكر والسياسة والأخلاق فحسب. أي أن يتوفر العلمانيون ولا سيما الماركسيين منهم، على ضـرب من حـزم منــهجي ووضـوح في الرؤيـة. والحزم المنهجي لا ينفي ضرورة المرونة السياسية، انطلاقاً من الحق المتساوي للجميع في التعبير عن وجهات نظرهم. في حين يؤكد كما سبقت الإشارة أن الإيمان المادي ـ الحسي ـ الدوغمائي يولد العنف، وتفنيده لهذا النوع من الإيمان ومعارضته بالإيمان الفكري، الروحي، هو في الوقت ذاته تفنيد للعنف يذهب إلى الكشف عن جذوره في وعي البشر ومعتقداتهم، وفي الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية والسياسية الموسومة بالاستغلال والقهر وعدم المساواة.

(21) يبدو هنا أن السعي إلى الحقيقة قائم على حيثيتين: أولاهما حرية الفكر، من دون أي قيد. والثانية هي الحوار والتناصت والتثاقف. وكلاهما حرية الفكر والحوار المنفتح والمفتوح وغير المقيد بأي قيد أيديولوجي أو اجتماعي أو سياسي يولدان الفكر النقدي الذي قوامه الاعتراف بما في رأي الآخر من صواب أولاً والاعتراف بإمكانية خطأ الذات ثانياً.

(22) ليست هذه المسألة أوروبية، بل بالأحرى إنسانية وتاريخية. الإيمان مبدأ وبداية. والله مبدأ وبداية، عندما يكون الإيمان نهاية يعني أنه إغلاق على المعرفة ونفي إمكانية التقدم والتحسن. الله هو مبدأ كل وجود وبداية كل وجود. لأن ثمة في كل حين وجوداً جديداً. ليس الله وجوداً وليس موجوداً، بل مبدأ الوجود، مبدأ كل موجود. هكذا تنفتح إمكانات معرفة مؤسسة على الوجدان، معرفة روحية أو روحانية تنشد الخير والحق والجمال وتدمج الأخلاق في العمل والإنتاج. منذ عرف الإنسان الله صار له تاريخ هو في المحصلة تاريخ تقدمه وتحسنه. الدينÜ Ü انتشل الإنسان من الوحشية والحيوانية، ووضع أسس التعامل في الاجتماع البشري. كان الإيمان وينبغي أن يظل بداية مفتوحة على اللانهاية لأن الأزلي أساس العابر والمتغير والكائن والصائر. الله هو الأزلي المؤسس لكل حادث ولكل عابر. هذا الأساس هو نفسه أساس سمو الحياة وارتقاء الأنواع وسمو الإنسان خاصة.

عند اسبينوزا الله هو الجوهر، وللجوهر بعدان: بعد في الامتداد وبعد في الفكر. والامتداد امتداد في الزمان والمكان معاً، والكلمة العربية هنا في غاية الدقة: المدى هو الزمان والمكان بلا تفرقة وإذا شئت فهو الزمكان. فالله هو مبدأ العالم ومبدأ معرفته. في العالم وفي المعرفة على السواء كل تعيين هو نفي. وإذا كان التعيين غير ممكن إلا في المكان والزمان فإن النفي هو وظيفة الفكر.

عندنا غالباً ما يختم المرء حياته بالإيمان، حتى لو "جاءه" الإيمان في عز الشباب فيختم على عقله وقلبه ويعلن ذلك على الملأ بالحج إذا كان موسراً وبالعزوف عن الدنيا إذا كان معسراً، وتغدو لديه معارف السلف وحدها هي المعارف وعلوم الأولين وحدها هي العلوم. وتراه يختلس متع الحياة اختلاساً مشفوعاً بشعور عميق بالاثم والذنب. هذا النوع من الإيمان الحسي هو بالأحرى تقليص وتخفيض، تقليص لمساحة الحياة وآفاق المعرفة وتخفيض للإنسان. ونقض لمبدأ الاستخلاف، استخلاف الإنسان في الأرض.

أن يكون الله مبدأ وبداية يعني أن يكون الروح والضمير والوجدان مبدأ. هكذا يتأسس العمل ولا سيما في جانبه الاجتماعي السياسي على الأخلاق، وتتأسس الثقافة على استقلال الوجدان وجهاد المعرفة وحرية الضمير.

(23) أجل كان عندنا ذات يوم المسألة الدينية، ثم خنقت مع سقوط المعتزلة، مع توقف حركة الفكر والحوار. وقد أسهم المعتزلة أنفسهم في ذلك، للأسف حين قبلوا اقتران الرأي والسيف. إذن إن ما خنق المسألة الدينية ومسائل الإيمان العقلي/ الروحي هو أولاً اقتران الرأي والسيف، وثانياً أن كل جماعة من جماعات المسلمين راحت تنظر إلى إسلامها على أنه الإسلام وتكفر الآخرين وتستحل دماءهم وأموالهم، ولأن المسلمين عامة كفوا عن الاعتراف بأن الإسلام ليس الدين، بل أحد الأديان فحسب، وحين ينظر إلى الجزء على أنه الكل تتحول المسألة الدينية إلى مجرد مسألة مذهبية، ويتحول الفكر الديني إلى أيديولوجية مذهبية (بالجمع). فمنذ سقوط المعتزلة حتى عصر النهضة الحديثة لم يعرف المناخ الثقافي العربي سوى أيديولوجيات مذهبية لا ترقى أي منها إلى مستوى الأيديولوجية الدينية. إن تشظي المجال السياسي الإسلامي مهد له وواكبه وخلفه تشظي الحقل الثقافي العربي منذ أكثر من ألف عام حتى يومنا.

لا بد من الاعتراف اليوم أن كل دين هو دين بوجه عام ودين خاص في الوقت ذاته وأن إلغاء العام هو إلغاء الخاص بالضرورة فلا يعود هذا الخاص ديناً، بل مذهباً فحسب. المذهبية عقيدة تكفيرية والكفر والتكفير صنوان. ولا بد من الاعتراف بأن "المذاهب الإسلامية" كلها مذاهب المسلمين، وأن الإسلام ليس مجموع هذه المذاهب بل أكثر من ذلك بكثير، والأمر نفسه في المذاهب المسيحية. الاعتراف المبدئي والنهائي بأن ما يسمى المذاهب الإسلامية هي مذاهب المسلمين وأن الإسلام أكبر منها جميعاً وأن الدين أعم من الإسلام وأشمل، هذا الاعتراف يرسي أسساً جديدة للعلاقات الاجتماعية الإنسانية ويرقى بكل من مجتمعاتنا من حالة الملل والطوائف والجماعات المغلقة وأيديولوجياتها التكفيرية إلى حالة الأمة وحالة المجتمع المندمج قومياً واجتماعياً. {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم} و{لو شاء ربك لجعلكم ملة واحدة}.. ولا إكراه في الدين.

* كتب المفكر الراحل هذه المقالة افتتاحيةً للعدد الخامس من مجلة الواقع، وحال انفجار الحرب الأهلية اللبنانية دون صدور العدد في موعده، واضطر الياس مرقص إلى مغادرة بيروت. وظل يظن أن هذه المقالة قد ضاعت، وقد أشار إلى ذلك في حديثه ص 45. لذلك رأيت من المهم إثباتها ملحقاً بهذا الحوار.