حـوار العمـرأحاديث مع الياس مرقص

 

·        حوار العمر/ أحاديث مع الياس مرقص

·        أجراها وحررها: جاد الكريم الجباعي.

·        الطبعة الأولى 1999

·        جميع الحقوق محفوظة.

·        الناشر دار حوران للطباعة والنشر والتوزيع.

·        دمشق ـ أشرفية صحنايا ـ هاتف 6713076

·         ص.ب 32105

حوار العمر

 

أحاديث مع الياس مرقص

أجراها وحررها: جاد الكريم الجباعي
مقدمة المحرر

في الأسبوع الأخير من عام 1990 حملتُ عطشي وقلقي وقصدت الياس مرقص في اللاذقية. يومذاك كانت نذر العدوان الأمريكي على العراق تلوح في الأفق القريب، بل كان العدوان وشيكاً، والأمة تكاد لا تبدي حراكاً. وبات الخوف على المصير خوفاً على الوجود، وكان الله حاضراً في بؤرة خوفنا حضوراً سلبياً، نرجوه أن يدرأ الشر أو يخفف البلاء. ومع تعاظم الخوف كانت تتعاظم أوهام "مادية" عن الأسلحة غير التقليدية والجيوش الجرارة و"النهضة العلمية ـ التقنية" التي ستعيد للأمة أمجادها. كان الواقع في حاجة إلى الأوهام فانبرى بعض المثقفين ومعظم الإعلاميين إلى تخدير الشعب بإضافة أوهامهم إلى أوهامه. وأكثر من أي وقت مضى انجلى واقع أن أمتنا أمتان: أمة القصر وأمة القبر.

وفي ذلك الحين أيضاً كان الاتحاد السوفييتي يترنح، بل كان يعيش أيامه الأخيرة، بعد أن تتالت الانهيالات في شرقي أوروبا مقوضة ما كان يسمى منظومة الدول الاشتراكية، والمعسكر الاشتراكي وحلف وارسو، ومع كل انهيار كانت تتهاوى سمعة الاشتراكية والماركسية، وراحت هذه وتلك تنسحبان إلى هوامش الحياة الثقافية والسياسية بعد أن كانتا في مركزهما، وتخليان المجال لليبرالية الجديدة أيديولوجية النظام العالمي الجديد الذي بلغ تمامه مع انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة. ولعل الجديد حقاً في هذا النظام العالمي الذي طبعته الولايات المتحدة الأمريكية بطابعها، أنه "نظام" بلا عدالة وبلا حرية وبلا مساواة، أي إنه نكوص عن الأهداف التي رفعتها الثورة الفرنسية خاصة والثورة الديمقراطية البورجوازية بوجه عام، ونكوص الرأسمالية نفسها إلى أسوأ ما في تاريخها بعد أن أعادت الولايات المتحدة إنتاجها على صورتها ومثالها بعد الحرب العالمية الثانية، ولهذا السبب، ولأسباب أخرى أهمها هيمنة رأس المال المالي على الإنتاج وعلى مقدرات الدول والشعوب، بات معظم الباحثين والمحللين يسمونها الرأسمالية المتوحشة.

وفي ذلك الحين، كان اليسار العربي، ولا سيما الأحزاب الشيوعية التي ربطت نفسها بالاتحاد السوفييتي وصاغت برامجها بدلالة سياساته وتصوراته عن العالم، يعاني ارتباكاً وحرجاً شديدين، فقد انتقلت إليه عدوى إعادة البناء (البيريسترويكا) والعلانية والشفافية (الغلاسنوست) والمراجعة، وغدت الديمقراطية عنده بلسماً للجراح وحلاً سحرياً لجميع المعضلات والمشكلات. ولم يكن يدري، وهو يرفع شعار الديمقراطية وراية الديمقراطية، أن أيديولوجيته تتفسخ وتنهار، فنمت في أوساطه ميول توفيقية كان من شأنها طمس الفروق والاختلافات والحدود، فغلبت السديمية والاختلاط على "الفكر" والسياسة. وتكاثر نقاد الاشتراكية والماركسية وتجاسر عليهما المتجاسرون وافترى عليهما المفترون والشامتون. حتى بعض "القادة الصناديد" ممن اكتملت علومهم الاشتراكية ومعارفهم الماركسية تحولوا بلا خجل إلى وضعانيين يسحرهم التخصص، ميدان المعارف الجزئية واليقين الحسي، وإلى ليبراليين جدد يتخذون من الولايات المتحدة الأمريكية أنموذجاً للتقدم والديمقراطية وحقوق الإنسان. ومن الثورة العلمية التكنولوجية أداة أيديولوجية "لنقد" التخلف الاشتراكي. وغدت الماركسية عندهم أيديولوجية شمولية استبدادية وإرهابية ومسؤولة عن جميع القباحات التي ارتكبها أمثالهم في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي السابق.

كان (نقص المبدأ) يظهر جلياً في أوساط اليسار، إلى جانب نقص الثقافة ونقص الفكر، ولا غرو فقد تحول الفكر إلى أيديولوجيا والثقافة إلى إعلام، حتى ليكاد المرء يطلق على النصف الثاني من القرن العشرين في الوطن العربي، اسم "عصر الأيديولوجيا". حتى العلم الوضعي الإيجابي حولته "الحركة الثورية" إلى أدوات أيديولوجية تعزز اليقين الدوغمائي الحسي، والشلف التأويلي اللذين يسمان الأيديولوجية التقليدية. وقد اقتصرت وظيفة الإعلام، أو كادت تقتصر، على تعميم الأيديولوجية والدفاع عنها، وتأويل المعارف والوقائع والحقائق العلمية وتحويرها حتى تتوافق مع الأيديولوجية وتزودها بعناصر "عصرية" و"حديثة".

يومذاك حملتُ عطشي وقلقي وأسئلتي وقصدت الياس مرقص المفكر والمعلم والصديق، ولعله يحلو لي أن أصفه بالمعلم والصديق، فقد كان كذلك في نظري منذ تعرفت به عام 1970. وكان يعاني يومها مرضاً عضالاً، كنا قلة من أصدقائه نعرف أنه ذلك المرض (السرطان)، فاستقبلني بحفاوته المعتادة وأريحيته التي تجعلك تشعر أنك في بيتك، وسأل عن جميع الأصدقاء منوهاً بما يمتاز به كل منهم وذاكراً ما اختلف معه فيه على نحو يوحي بأنه يرغب في مواصلة الحوار. كانت الأسئلة تملأ رأسي، وقد عزمت على تسجيل كل كلمة يقولها، لكنني كنت في حرج شديد من طلب التسجيل خشية أن يوحي له طلبي بما أشفق منه، فترددت في ذلك طوال يومنا الأول، وحين أفصحت له عن رغبتي جعلتني استجابته الطيبة أندم على التأخير.

أما لماذا قصدته في ذلك الوقت العصيب، فلأنني كنت أعتقد ولا أزال، أنه واحد من الذين يتوفرون على صدق المبدأ وحرية الضمير واستقلال الوجدان، واحد من الذين يؤمنون بأن الحقيقة مبدأ وهدف ومسعى، وأنها أي الحقيقة فوقهم وأمامهم، وأنها في متناول كل من في وسعه أن يجاهد نفسه الجهاد الأكبر، جهاد المعرفة. وأنها ليست مقصورة على الحكماء بل تقف في الساحة عارية وتقول: هذه أنا. ولأنني، في الحقيقة، كنت محتاجاً إلى بوصلة ودليل، فقد كان في داخلي شيء أكثر من الشك أريد أن أضع له حداً يقف به عند حدود الشك. ولذلك، ربما، أردت أن تكون هذه الأحاديث لي أولاً، فالنفس أمارة بالسوء ومفطورة على حب الذات، فقد سمعتها مراراً وأعملت النظر فيها وأدعي أنني تعلمت منها، ولم تخطر لي فكرة نشرها إلا في وقت متأخر. ثم تداولها بعض الأصدقاء ولم تزل على أشرطة الكاسيت، فقلما اجتمعت لي كاملة لأقوم بتفريغها.

استغرقت هذه الأحاديث بضعة أيام، وملأ ما سجل منها عشرة أشرطة مدها خمة عشر ساعة. قام الصديق المهندس عبد الباسط حمودة بتفريغها مشكوراً، وتوخى في ذلك الدقة والأمانة، على عادته، ثم أعدت تحريرها وصوغها مراعياً دقة المفاهيم والمقولات في السياقات التي اندرجت فيها، مستنداً في ذلك على ثقة قد لا تكون حقيقية، أو قد لا تكون كافية، بأنني أفهم لغة الياس وأحسن تقدير ما يرمي إليه، فأنا مسؤول عن كل ما يمكن أن يبدو مخالفاً النص المسجل على أشرطة الكاسيت، ومسؤول كذلك عن حذف ما حذفته عمداً مما يتخلل الحديث المرسل من تكرار حيناً، وخطرات لا يخل حذفها، كما أظن، بسياق الحديث حيناً آخر. ولم أشأ أن أرتبها بحسب الأيام على نحو ما فعله أبو حيان التوحيدي في "الإمتاع والمؤانسة" لأنها ليست للإمتاع ولا للمؤانسة، حتى وإن كان الإمتاع إمتاعاً للعقل والمؤانسة مؤانسة للنفس، بل لإثارة القلق وشحذ الفكر. فقسمتها فصولاً، ووضعت لكل فصل عنواناً رئيساً وعناوين فرعية لا أدعي أنها استغرقت ما جاء تحتها، ولطالما كنت متردداً في ذلك أخشى أن يكون هذا التقسيم تقطيعاً لأوصال الحديث وإساءة للنص. أما الهوامش والحواشي فهي من وضعي ولا أدري إلى أي حد يراها القارئ ضرورية أو مفيدة.

أما لماذا تركزت أسئلتي على هذه المسائل دون غيرها، فلأنها كانت ولا تزال تشغلني وتقلقني. ولأن بعض الذين قرؤوا نصوص الياس مرقص أو استمعوا إلى أحاديثه، بعد أن تحول من النقد في سبيل التأسيس، إلى التأسيس، أي من النفي إلى نفي النفي، توهموا أن الياس تراجع عن الماركسية وبات يكثر من الحديث عن الروح، ومن إطراء الدين ومن التنويه بالليبرالية والديمقراطية، في حين كنت أرى أنه يعيد الإنسان إلى مركز العالم على نحو ما فعل كانط وفيخته وهيغل وفويرباخ وماركس وغيرهم في الغرب، وأنه أول مفكر عربي في عصرنا يضع الإنسان العربي في مركز العالم العربي، ويضع يده على الروح الإنساني في الثقافة بما فيها الدين، ويتألم لضمور هذا الروح الإنساني في العالم العربي الراهن وفي الثقافة العربية المعاصرة. كان الإنسان هو المعيار الذي قاس به الثورة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي وفي الصين وفيتنام، و"الثورات" أو الثورانات العربية من المغرب الأقصى إلى اليمن والعراق.

إلا أن مركزية الإنسان لم تكن تعني عنده "تقديس" الإنسان ومثلنته، بل كان يراه دوماً كائناً معوزاً ومحتاجاً، حاملاً للخير والشر بحسب التربية وقابلاً للتحسن باطراد، وقابلاً كذلك للتراجع والنكوص في زمان ومكان محددين، وأن التاريخ في جملته هو تاريخ تحسنه وتقدمه، ومع ذلك فهو أي الإنسان مقياس جميع القيم ومعيار التقدم. وإن الإنسان ابن التاريخ.. وأبوه، ناتج ينتج نفسه في التاريخ وفي العالم، وينتج عالمه ولا سيما المجتمع والدولة. وأن الإنسان يتعين في الأفراد الواقعيين وعالمهم هو المجتمعات الراهنة والدول القائمة التي يغلب أن تكون استلاباً لفاعليتهم ومظهر اغترابهم عن ناتج عملهم وعن ذواتهم. الإنسان عنده خطّاء ولأنه كذلك فهو قابل للتحسن. فقد أخذ مقولة النفس الأمارة بالسوء ومقابلها مقولة الجهاد الأكبر، وهما مقولتان دينيتان، إسلاميتان وجعلهما فلسفيتين، من دون أي حرج من قبيل الحرج الذي يمليه التمذهب. هاتان المقولتان عنده ضاربتان كما كان يصف المقولات الأساسية الخالدة. وكذلك أخذ مقولة الله أكبر ومقولة الله أعلم وجعلهما مقولتين فلسفيتين وسياسيتين وجعلهما أساساً لفكرة المساواة مع الاختلاف والتفاوت والتراتب. فالمساواة لا تلغي الاختلاف والتفاوت والتراتب، والواقع دوماً هو واقع عدم المساواة الذي يضع المساواة هدفاً وغاية تسعى البشرية إليهما. والمساواة في راهننا دوماً مساواة في كذا وعدم مساواة في غيره، مساواة في الحقوق وليس في الثروة ولا في السلطة ولا في القوة. مساواة أمام القانون وليس في الموقع الاجتماعي أو في المنبت الاجتماعي.. المساواة تنمو فتشمل ميادين جديدة وعدم المساواة يتقلص والعكس ممكن دوماً. هذا يخلصنا من سحر الكلمات. بين المساواة وعدم المساواة تعارض مقيم هو التعارض بين الوجود والعدم. عدم المساواة يضع المساوة، والتماثل يضع الاختلاف، اللاقانونية تضع القانون، عشوائية الصغائر تؤدي إلى انتظامية الكبائر. هناك قانون عام وهناك عشوائية بالتلازم، هناك ضرورة وهناك مصادفة واحتمال...

لقد حرص الياس على استعادة الجذر الروحي للماركسية شرطاً لاندماجها في الفكر العربي، وتقليصاً إن لم أقل نفياً لطابعها الأوروبي الغربي وبرانيتها. فأعاد الاعتبار لجدلية القهر أو جدلية الظلم الضرورية على صعيد الفكر والمعرفة، على صعيد الوجدان والضمير، وعلى صعيد العمل من أجل عالم يتقلص فيه القهر والظلم باطراد. لذلك لم يكن يحب كلمة الصراع ومقولة صراع الأضداد، بل كان يميل إلى استعمال التعارض والتقابل بدلاً منهما، وعنده التعارض ملازم للكينونة الاجتماعية وعامل تقدمها وارتقائها. امتعاضه من كلمة الصراع ومقولة صراع الأضداد تعبير عن كرهه للحرب والعنف، وتطلعه إلى نفي الحرب "خارج المدينة"، خارج المجتمع وخارج علاقة المجتمع بالدولة وخارج علاقة الشعب بالسلطة، وخارج علاقة المعارضة بالسلطة. نفي الحرب خارج المدينة واستبدال السياسة بها، نفي الحرب من الحياة السياسية العربية، هذا كان نَفَسُه. السياسة عنده شأن عام، شيء مشترك بين جميع الأفراد والفئات الاجتماعية والأحزاب السياسية والتيارات الأيديولوجية على اختلافها، والقانون تسوية وتوافق. لقد كان ضد الحرب على اختلاف أشكالها: الحرب التي يشترك فيها عدة أطراف (الحرب الأهلية خاصة) والحرب بين طرفين والحرب التي من طرف واحد (حرب الدولة على المجتمع والسلطة على الشعب) ضد الحرب ومع السياسة. وفي اعتقادي أن الحرب ليست استمراراً للسياسة بوسائل أخرى كما زعم كلاوزوفتس، بل هي نكوص إلى الوحشية، إلى حالة ما دون السياسة وما دون المدنيّة.

باستعادة الجذر الروحي الإنساني، للماركسية، ونفي طابعها البراني يمكن أن نصير ديمقراطيين يتمثلون الإنجاز الليبرالي البورجوازي العظيم، من دون ذلك يظل كل منا يريد الديمقراطية لنفسه دون سواه. ويظل الآخر هو الشر الذي لا بد من استئصاله، من دون ذلك نظل نعيد إنتاج عالم القصر مقابل عالم القبر باسم الديمقراطية ذاتها، وباسم الدفاع عن الديمقراطية، وتظل تسحرنا مقولة الجيش الذي يحمي الديمقراطية ويحمي الثورة من الشعب.

باستعادة الجذر الروحي الإنساني للماركسية نصير قادرين على الخروج من أسر الثنوية المانوية التعادمية، ثنوية الخير والشر والظلمة والنور والمادية والمثالية، ونتمكن من اكتشاف أخوَّة ماركس وهيغل وأفلاطون وديمقريط وابن رشد وابن عربي والحلاج، ونستطيع أن نتعلم أن التعارض لا يعني التخارج بل العكس، وأن لتاريخ الفكر إيقاعاً جدلياً، ديالكتيكياً هو التوكيد والنفي ونفي النفي، هذا معنى وحدة التاريخ العالمي ووحدة تاريخ الفكر وإلا فنحن إزاء عوالم وتواريخ وخصوصيات جوهرية وسرمدية. ماركس مثلاً وصف هيغل بالعدو ووصفه بالعبقري العظيم، وكان في شبابه قد رفض مذهب هيغل وتبنى منهجه شأن رصفائه من الهيغليين الشبان.

الدين والفلسفة حقلان أو مجالان أو ميدانان مختلفان وغير متخارجين، وكذلك الدين والسياسة. من يقول بتخارج الدين والسياسة يجعل السياسة ديناً والدين سياسة. هكذا عقيدة الجماعات الدينية المتطرفة. وهذا أقرب إلى الإلحاد الديني. تخارج الدين والسياسة يعني تخارج الدين والدنيا. فصل الدين عن السياسة وعن الدنيا، عند الياس مرقص، هو فصل من أجل وصل. الفصل والفرز ضروريان وإلا استحالت المعرفة، والوصل هو اندراج الدين في التاريخ وفي العالم، أي في سعي البشر من أجل وقعنة مبادئ الدين الروحية والأخلاقية، حضور الله في تاريخ البشر مبدأ دافعاً نحو التحسن والتقدم، إطلاق العنان للإنسان الذي استخلفه الله في الأرض واحترام عقله وإعلاء شأنه انطلاقاً من مبدأ الاستخلاف ذاته، إشكالية العلمانية لا تنحل في الإلحاد. هذه قضية روحية كبرى، و"من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر..".

أعتقد أن المسائل التي عرض لها المفكر الراحل الياس مرقص في هذه الأحاديث، وهي المسائل التي بسطها في كتبه ومقالاته ومداخلاته في الندوات والملتقيات الثقافية، هي مسائل واقعنا الراهن: مسائل الفكر والسياسة والأخلاق، مسائل الفرد والمجتمع والدولة... ولا تعدو كونها مسائل مفتوحة، ومن حق جميع المعنيين، ومن واجبهم أيضاً أن يدلوا فيها بدلائهم ولكل مجتهد نصيب.

لم يختم الياس مرقص شيئاً ولم ينهِ شيئاً، لكنه بدأ وفتح واقترح مبادئ وأسساً قابلة للبناء عليها، فهل نتابع البناء؟.

 

 

جاد الكريم الجباعي

دمشق 12 /4 / 1999.

 

الفصل الأول

 

 

 

نقد الكلمات

وتحرير المفاهيم والمقولات

الثنائيات الفلسفية

ـ تهيمن على الخطاب الفلسفي، ومن ثم، على الفكر السياسي، ثنائيات تناقضية من قبيل الفكر والواقع، الوعي والوجود، المثالي والواقعي، الذاتي والموضوعي، المجرد والمعين، المادة والروح، ومن بين هذا الثنائيات أو الأزواج التناقضية تستأثر ثنائية المادة والروح باهتمام خاص، إذ تنطلق منها السجالات والمعارضات بين العلمانيين واللاهوتيين، بين أنصار "الفكر العلمي" وأنصار "الفكر الديني"، بل بين الأيديولوجيات العلمانية والعلمانوية والأيديولوجيات الدينية والمذهبية. ويلفت النظر تحاشي العلمانيين عامة استعمال مفهوم الروح والتعبير عنه بأحد أقاربه أو أبناء عمه، في حين تؤكدون في أحاديثكم وكتاباتكم مركزية مفهوم الروح أو مقولة "الروح" إزاء مقولة "المادة". أود أن أسالكم عن المادة والروح وعن المادية، وهل الدين وحده هو ميدان الروح أم أن الروح تنبسط في جميع ميادين المعرفة والعمل وأن هذا "الروح" هو الروح الإنساني الذي تمثلته وانطلقت منه ماركسية ماركس وإنجلز ولم يتبعهما في ذلك سوى قلة من "الماركسيين" في العالم أنت واحد منهم؟.

# بداية، أريد أن أقول: إنني لا أمثل في جوابي إلا نفسي، وأعطي رأيي الشخصي(1). ثانياً، أعتقد أن الماركسية الستالينية التي هيمنت علينا بعيدة جداً عن ماركس، بل بعيدة جداً عن ماركس وإنجلز ولينين. النقطة الثالثة أن ماركس عزيز عليّ، لكن الحقيقة أعز، ومن ثم، أريد تأكيد مبدأ الحقيقة، أريد الحقيقة مبدأ ومسعىً وهدفاً، دائماً وأبداً، المرة تلو المرة. وبتعبير آخر، الحقيقة فوقي وفوق كل إنسان، فوق كل حزب وكل دولة، بل فوق الجنس البشري. البشرية هي في سعي إلى الحقيقة، البشرية الناظرة، النظرية، البشرية المفكرة، الروحية هي أبداً في سعي إلى الحقيقة. وهنا أريد أن أذكر لحظتين ضروريتين للإنسان: الأولى، لحظة بروتاغوراس، أو، ماركسياً، لحظة الحقيقة الذاتية، لحظة السفسطائية، المحامين، المرافعين،، شعارها: الإنسان مقياس جميع الأشياء. والثانية، اللحظة النقيضة، السقراطية: الإنسان بوصفه كائناً مفكراً هو مقياس جميع الأشياء(2). ونعرف أن لينين في مخطوطاته الفلسفية عام 1915 كان يصفق لرد سقراط، لرد السقراطيين. نحن يجب أن نصفق مرتين، لأن سقراط المناقض لبروتاغوراس ما كان ليوجد من دون بروتاغوراس. كذلك عند الانتقال إلى العصر الحديث نصفق لهيغل، ولكن نصفق أيضاً، وأولاً لكانط فهيغل.

الانتلجنتسيا الروسية الثورية بنت شعب كان بعيداً عن الفلسفة، مثل العرب أو أكثر من العرب (اليوم). روسيا ليس لها علاقة بالفلسفة، بيزنطة نفسها لا علاقة لها بالفلسفة. الفلسفة شأن أوروبي غربي، وشأن يوناني قبل ذلك، وجزئياً شأن عربي في وقت من الأوقات. ما حصل في القرن التاسع عشر أن الروس كانوا يريدون ثورة، يريدون تغييراً، فأمسكوا بالفلسفة، لكنهم، في الواقع، أمسكوا بالجزء، بهيغل. بدؤوا بهيغل بلا كانط. هيغل، من دون كانط، يمكن تأويله استبدادياً، إرهابياً، إطلاقياً. من هنا أعود إلى القول: إن الحقيقة فوقنا وهي أمامنا وهي طريقنا، هي ما نسعى إليه، ثم أنتقل إلى سؤالك.

1 ـ مفهوم المادة :

يجب أن نتفق، قبل كل شيء، على أن المقولات التي ذكرتها في سؤالك، وخاصة مقولة المادة ومقولة الروح، هي مقولات فلسفية، ولا يجب أن تعامل إلا بصفتها كذلك. الستالينية السائدة تهرب من هذا وتهرب مما سأقوله الآن: ثمة ثلاث نقاط، ثلاث مقولات أنقل اثنتين منها عن لينين والثالثة عن إنجلز. عند لينين منذ سنة 1908 أي في كتابه "الفلسفة الأسوأ" المادة مقولة فلسفية، المادة مفهوم فلسفي، ويختم كتابه هذا بتسمية الواقع الخارجي المعطى لنا بالحواس. عندما نقل لنا ستالين هذه العبارة شطب عبارة: مفهوم فلسفي، فدفع القارئ إلى تصور أن المادة لا تحتاج إلى تعريف وليس لها مفهوم وأنها، أي المادة، هي الطاولة والكرسي والجبل والمغنطيس.... عدَّدها على هذا النحو، علماً بأن لتعريف لينين مزايا كثيرة أهمها أنه عرف المادة بعكسها فقال لنا: المادة مفهوم فلسفي يسمي الواقع الخارجي المعطى لنا بالحواس. فإذا أردنا أن نتبنى القسمة اللينينية، ولنتبن ذلك فعلاً، يتبين لنا أن عند لينين هناك المادة والكائن والطبيعة والفيزيقي وهناك الوعي والروح والفكر والإحساس (لينين يضم الإحساس) في الجهة المقابلة. المقولة الأولى المادة عُرِّفت بالمقولة الثانية. إذا أردنا الأخذ بهاتين المقولتين تكون المادة هي المعطى الأول، والفكر والروح والإحساس..إلخ هي المعطى الثاني، (ولنأخذ بذلك) يجب أن نلاحظ مباشرة أن المعطى الأول معرف بالمعطى الثاني. وأستطيع القول إن موقف لينين يستحضر موقف أرسطو عندما عرف المادة مقابل الشكل بأن «المادة تتمتع بقابلية أن تحس، أي يمكن أن تحس». لسوء الحظ، لم تقف الماركسية مطلقاً عند أرسطو وعند ثنائية المادة والشكل، وكان تجاهلها أو جهلها خسارة كبيرة للفلسفة الماركسية. إنجلز عرف المادة بقوله: «المادة كمادة لا وجود لها في الواقع، المادة، كمادة، محض خلق من الفكر وتجريد محض». ماذا يعني بالمادة كمادة؟ يعني بذلك أنه إذا أخذنا أي شيء من الأشياء وجردناه من جميع كيفياته الخاصة ومن جميع خصائصه وصفاته (أو تعييناته.ج) إلى النهاية، نصل إلى المادة العامة، نصل إلى المادة كمادة(3). المادة تجريد محض، اختراع من الفكر. ورد هذا في "ديالكتيك الطبيعة" لإنجلز، الذي طبع في موسكو وباريس منذ 35 سنة كما أعتقد. نستطيع أن نبرهن الآن أن جميع كتب الشّراح السوفييت وغير السوفييت كانت تتجاهل كلام إنجلز. ومما يلفت نظري أن أول مرة قرأت فيها قول إنجلز كانت في كتاب سوفييتي هو "المادية والديالكتيك عند أينشتاين" للكاتب غريبانوف. هذا الكتاب طبعته دار الفارابي، غلاف أبيض وأصفر، وترجمه توفيق سلوم. يذكر غريبانوف قول إنجلز في السياق التالي، في معرض حديثه عن بيركلي وأينشتاين قال ما معناه: يجب ألا ننسى أننا نجد عند إنجلز قولاً شبيهاً بقول بيركلي. وأنا أريد أن أضيف نقطة عن لينين: يتصور القراء أن ما قاله لينين ضد بيركلي هو حكمه الأخير على بيركلي، أي بيركلي الرجيم، المثالي، الرجعي..إلخ. ولو قرأنا مقال لينين حول الديالكتيك المكتوب عام 1916، وهو جزء من "الدفاتر الفلسفية" فإننا سنجد في نهاية هذا المقال حديثاً عن تاريخ الفلسفة مقسماً في دوائر، عدة دوائر، دائرة في العصر القديم، دائرة في العصر الحديث... وكل دائرة مؤلفة من ثلاثة، كأن الثلاثة تأكيد ونفي ونفي النفي، كأن يقول مثلاً: الدائرة القديمة أفلاطون أو ديمقريط فأفلاطون فهيرقليط. وإحدى هذه الدوائر تقول ما يلي: من هولباخ (أي المادية) إلى هيغل (أي الديالكتيك) عبر بيركلي وهيوم وكانط. بيركلي ليس منبوذاً. بيركلي وهيوم وكانط أخذوا أماكنهم في صلب الإشكالية، في صلب الدورة الصاعدة. طبعاً هذا يتضمن أيضاً أن لينين لم يكن يرى أن ديمقريط وأفلاطون عدوان وعلينا أن نختار أحدهما، ولا إلى الفلسفة على أنها أيديولوجية طبقية أو ما شابه، بات ينظر إلى الفلسفة ومذاهبها بصفتها زوايا نظر إلى الواقع وكلها مسوَّغة، فحين يقول لينين: أفلاطون ـ وديمقريط ـ هيرقليط فغير وارد أن يتبنى ديمقريط وينبذ أفلاطون أو يتبنى أفلاطون وينبذ ديمقريط، وغير وارد أن يتبنى هولباخ وينبذ بيركلي وهيوم وكانط.

نرجع الآن إلى الأطروحة الثالثة لهيغل ولينين في "خلاصة منطق هيغل": المادة هي المجرد على وجه الامتياز. ما معنى مجرد على وجه الامتياز؟ إذا أردت مقولة مجردة مجردة مجردة فما عليك إلا بما قلته أنت* : مجردة بمعنى لاغية، تلغي، نافية إلى النهاية. الآن كل فلسفة المادية الجدلية الشهيرة لو عرضها ستالين والشراح، وعرضوا هذه العبارة: المادة هي المجرد على وجه الامتياز، المادة، كمادة، هي محض خلق من الفكر، لو أنهم بدؤوا بهذه العبارة كنا تجنبنا الخراب الذي ترتب على أنركابنا بمقولة المادة. لو قمنا باستفتاء أو سبر عند الماركسيين لوجدنا معظمهم يعتقدون أن المادة والكائن والطبيعة والوجود والفيزيقي مترادفات. ألم يضع لينين هذه كلها في جهة ووضع مقابلها الفكر والوعي والروح؟. هؤلاء الماركسيون يظنون مقولات الصف الأول مترادفات وكذلك مقولات الصف الثاني، وهذا غير صحيح. عند لينين هذه وهاتيك متقابلات(4). خارج هذا التقابل، بصورة مستقلة عن هذه المعارضة بين الطرفين كل مقولة تستعمل في سياقات معينة مختلفة متنوعة غير السياقات التي تستعمل فيها زميلاتها. لنقل مقولات الصف المادي ومقولات الصف الروحي والفكري، لكل واحدة منها استعمالها، فالمادة غير الكائن وغير الوجود والطبيعة غير المادة، يا سيدي، الفيزيقي غير المادة، فمن غير المعقول استعمال كلمة المادة محل كلمة الطبيعة أو بدلاً منها أو محل كلمة الكائن وبدلاً منها. فإذا سئلت عن الكائن أو الشيء الذي أمامي وأجبت أنه مادة لا أفيد شيئاً ولا أستفيد. وإذا قلت عن هذه الأشياء التي أمامي أو التي أراها وألمسها إن كلاً منها مادة أكون قد أعدمتها وأعدمت العالم، ها هنا خطورة المادة(5).

لنتساءل الآن: أليس للمادة امتياز أو امتيازات مقارنةً بالطبيعة وبالكائن؟ بلى لها امتياز كبير، وهذا الامتياز ضيعته "الماركسية" الشهيرة. أنا أسميه امتيازاً أرسطياً، أفلاطونياً: المادة متشاركة مع مقولة الشغل في شكلها الأولي(6)، شغل النجار والحذاء والحرفي.. وشغل بيتهوفن ورامبرانت أيضاً. ماذا يعمل هؤلاء، ماذا يعمل بيتهوفن؟ مع أي شيء يتعاملون؟ إنهم يتعاملون مع مادة ويشكلونها، النجار يتعامل مع الخشب والحذاء مع الجلد، وبيتهوفن مع الصوت، ورامبرانت مع اللون، هذا الفنان وذاك الحرفي يتعاملان مع المادة لكل شغل مادته يشكلها كما يريد. هنا لا يمكن لمقولة الطبيعة أو الوجود أو الكائن أن تنوب عن مقولة المادة (مادة العمل.ج). والآن لنقلب القضية على وجهها الآخر، والله إذا الزراع (زراع الحنطة أو البطاطا) أو الرفيق ستالين بصفته قائداً للزراعة السوفييتية وفيلسوفاً للاقتصاد والزراعة أو بصفته المزارع الأول، إذا أراد أن يتعامل مع الطبيعة على أنها مادة فإنه يخرب كل شيء. وإذا كانوا في الممارسة السياسية يتعاملون مع الواقع ومع البشر (المجتمع)، مع الواقع الكبير الذي له منطق وله بنية وسببية والغني جداً، إذا كانوا سيتعاملون مع المجتمع على أنه مادة، كما يتعامل النجار مع الخشب وبيتهوفن مع الأصوات.. فهذه مصيبة المصائب. الواقع ليس مادة إنه أكثر من المادة.

ثمة نقطة أخرى. أعتقد أنه عند أرسطو وأفلاطون وكذلك عند ماركس وإنجلز وهيغل، وعند أرسطو وماركس خاصة، المادة مقولة كمية رياضية. فعندما نسمي الأشياء المختلفة مادة يجب أن نميزها بكمية المادة التي هي قوامها، بمقدار ما تحمله من مادة. وعندما نعلم الفيزياء لأطفالنا نشرح لهم مفهوم الكتلة وحجومها المتفاوتة، وعندما يريد أستاذ الفيزياء أن يفهم طلابه أن الكتلة غير الوزن يعلمهم أن الوزن = الكتلة + الجاذبية. وإذا ركبنا سفينة فضائية فإن الوزن ينعدم (خارج مجال الجاذبية الأرضية) أما الكتلة فلا تتغير، لأن الكتلة أبسط من الوزن، الكتلة هي كمية المادة في الشيء‎، والمادة مفهوم عام. لذلك فإن مقولة المادة مقولة حسية خارجية، مجردة، رياضية، كمية، عددية، حجمية.

في نهاية البند الأول من مقالتي "الإنسان، العقل والتاريخ" التي قدمتها في ندوة "الغزو الثقافي الاستعماري والصهيوني" قلت: على العرب أن ينتقلوا من المادة والجوهر والكم والحجم إلى العلاقة والعقل والروح. كان هذا عام 1980، في عام 1987 أعطانا الاتحاد السوفييتي كشوفات مهمة جداً، ولو أنه لم يعبر عنها فلسفياً، مثلاً، قال وزير الصحة الجديد: لدينا أكبر عدد من أسرة المستشفيات في العالم، ولكن حيز السرير مع الفراغ الذي حوله هو 4م مربع، في حين أن المقياس العالمي هو 7,2 متر مربع. لنقل هنا أن الستالينية مع المادة ضد الفراغ، وفي رأيي الفراغ أخو الحرية. وقال وزير الصحة أيضاً: بنينا مستشفيات وأنفقنا 80% من الميزانية على الخرسانة و20% على الأجهزة. هذا جنون المادية. أو مثلاً، حين يطلب كولخوز في تركستان أو في روسيا أربعة تركسات صغيرة الحجم يرسلون له أربعة كبيرة الحجم قائلين هذا أحسن، وهو في الواقع ليس أحسن، لذلك أقول يجب الانتقال من المادة والجوهر والماهية والحجم والكم إلى العقل والعلاقة والروح والعقالة. المادية الديالكتيكية الستالينية والتطبيق الاشتراكي البريجينيفي وقبله الستاليني، كل ذلك الواقع النظري والعملي كان محكوماً بفكرة الـ Maximum (الأقصى أو الأكثر). وبغياب فكرة الـ Optimum (الأمثل) كلما كان أكبر وأكثر كان أحسن. هناك قياس، علاقات قياس، هناك نسب وتناسبات لا بد من حساب النسب والتناسبات، ثمة دائماً حد أمثل بعده تصبح الخسائر أكثر من الفوائد، هناك فكرة الحد الأمثل (بين حدين أدنى وأقصى.ج)، هناك علاقة بين الكم والكيف، الكم وحده (صفر)، خطأ كبير. طبعاً في الاتحاد السوفييتي أكبر عدد من المهندسين في العالم وأكبر عدد من الأطباء وأكبر عدد من طلاب دور المعلمين وأكبر إنتاج للفحم، ووجدنا أن لديه أكبر جيش في العالم عدداً وأكبر جهاز مخابرات في العالم يفوق عدد أفراده ما في الدول الأوروبية مجتمعة. هذه جوانب مختلفة وسريعة أختصرها بالقول: 1 ـ مقولة المادة مهمة جداً ويجب أن تفهم.

 2ـ لا يجوز أن تستعمل مقولة الطبيعة أو مقولة الوجود بدلاً منها، أو  بمعناها.

لعل خطر "المادية" الستالينية يكمن في النظر إلى الطبيعة وإلى المجتمع، على أنهما مادة للإرادة الثورية، تحكمهما معاً قوانين متماثلة، لعله أراد أن يخضع المجتمع لانضباط صارم كانضباط الطبيعة، وستالين هو سيد القانون والقانونية. هذا الاتجاه ينفي مقولة التقدم التي ليست مقولة التطور ولا مقولة التغير. مقولة التقدم مقولة إنسانية، ترتبط بالإنسان، الكائن القابل للتحسن بخلاف غيره من الكائنات.ستالين شطب مقولة التقدم، ومن ثم مقولة الإنسان، الإنسان والطبيعة عنده متماثلان يخضعان معاً لقوانين "المادية الجدلية" لقد أكرمنا ستالين بقوانين الواقع الموضوعي، ولكنه ضن علينا بالقوانين التي ينشدها البشر من أجل حياهم ومن أجل الحرية، ضن علينا بمبادئ عملية صنع القانون جيلاً بعد جيل وقرناً بعد قرن، عملية بناء عمارة القانون. جان فالجان (بطل رواية البؤساء لفكتور هوغو) حكم بالسجن والأشغال الشاقة عشر سنوات لأنه سرق رغيف خبز، اليوم لا يسجن في فرنسا من يسرق رغيف خبز لأنه جائع وليس لديه ثمن خبزه. في لندن حكمت قاضية على رجل سرق بنطلوناً أن يرده أو يدفع ثمنه، وعلى آخر سرق زجاجة عطر بالسجن ثلاثة شهور لأن لديه مالاً ورصيداً في البنك (وربما لأنه سرق شيئاً كمالياً لا تمس الحاجة إليه.ج). ولأننا لم نبن عمارة القانون جيلاً بعد جيل فنحن ننحدر، وعودتنا إلى عمر بن الخطاب هي من قبيل شد الأمور إلى الخلف فنحن لم نتخذ من موقف أو مواقف لعمر بن الخطاب شيئاً نبني عليه.

ـ الأعراف والقوانين يضعها البشر في زمان ومكان محددين للحفاظ على وحدة الجماعة وتنظيم علاقاتها الداخلية، في ضوء نسبة القوى الاجتماعية السياسية المحددة بشكل الملكية السائد أو بنمط الإنتاج، كما يقولون، ومع ذلك فالقانون هو مبدأ وحدة الجماعة، مبدأ وحدة المجتمع، ومبدأ وحدة الدولة. بيد أن النظرة الكلية تقضي أن القانون يوجد من أجل الإنسان ولا يوجد الإنسان من أجل القانون.

# سنعود إلى ذلك، ولكن، أريد أن أسأل: هل القانون عمارة تبنى أم إنه معطى قبْلي ناجز؟ وإذا كان القانون معطى قبلياً ناجزاً فما هي وظيفة الفقهاء والمشرعين؟ إذا كنا نعتقد أن القانون معطى قبلياً فنحن لا نؤمن بتقدم الإنسان. ولكي لا نشعب الموضوع دعنا نعد إلى الفلسفة المادية.

2 ـ المادية والفلسفة المادية :

ما هي الفلسفة المادية؟ لقد اصطلح الفلاسفة، أو بعض الفلاسفة، واصطلح الأساتذة المدرسون والكتب أو كثير من الكتب على تقسيم الفلاسفة إلى ماديين ومثاليين(7)، ولسوء حظنا أن الرفيق لينين أولاً ـ ولم يعد النظر صراحة في ذلك ـ والرفيق ستالين ثانياً، والشراح بعد ذلك أعلنوا تبعيتهم لهذا التقسيم الذي عُدَّ أساساً للفلسفة، فإذا أردت أن تدرس فلسفة الصين أو فلسفة الهند، وتترك أوروبا، يجب أن تقسمها إلى مادية ومثالية. أنا أقول هذه حماقة. وكذلك إذا أردت أن تدرس فلسفة اليونان فإن أهم شيء أن تقول ماديين ومثاليين، في رأيي هذه حماقة. قطعاً هذه الحماقة تخف كثيراً في وقت معين من التاريخ. لينين وستالين اعتمدا على إنجلز وشوها إنجلز. فعندما يقول إنجلز المعسكران الرئيسان فإنه يعني أن في تاريخ الفلسفة، لمرحلة معينة طويلة نسبياً، كان هذان المعسكران رئيسين، هذه هي المسألة الفلسفية الكبرى أو العليا. أريد هنا أن أعيد النظر في هذه المسألة وأتساءل: إلى أي مدى هذا الكلام منقول عن الكتب البورجوازية؟ يا أخي إذا كانت الفلسفة البورجوازية (لا نملك تسمية أفضل) والجامعية الغربية اعتمدت هذه التسمية فليس من الضروري أن نعتمدها لنزايد عليهم. لماذا؟ لأننا في مشروع تحويل العالم انركبنا بالمادية.

هنا أقول: لا. يجب أن نحول العالم لفكرة، لهدف. أوهمتنا الستالينية أن "المادية" تعني الواقعية الأكيدة وتبين اليوم (بعد البيريسترويكا) أن هذه أكذوبة. اكتشفنا أن أبعد الناس عن الواقعية هم الذين أطلقوا على أنفسهم هذه التسمية (المادية)(8). لو تساءلنا: هل جبال الهمالايا في الهند أهم وأخطر أم أوهام الناس وأفكارهم؟ إجابتي المتواضعة أنني لا أعرف، يجب أن أدرس الموضوع. الماركسية لا تلزمني بجواب معين. قد يقول أحدهم جبال الهمالايا واقع وأوهام الناس وأفكارهم ليست واقعاً ويكون "مادياً". على من نضحك؟! يمكن اليوم إزالة جبال الهمالايا بقنبلة ذرية، ولكن الأصعب هو إزالة أوهام الناس وأفكارهم. ما هي أوهام الناس؟ أوهام الناس هي أفكار الناس أيضاً، يجب أن أفهم ماذا وراء أفكار الناس. ثم لماذا أعتقد بأن أفكار الناس أوهام وأفكاري ليست أوهاماً؟ هذه قضية واسعة وشائكة. لينين هو الذي اخترع مصطلح "المادية الديالكتيكية" وليس ماركس أو إنجلز. وفي رأيي أن لينين أخطأ وتحايل على الموضوع. هنا أيضاً ثمة مسألة ترجمة، في مقال للينين عنوانه "عشرة أسئلة للمحاضر" يرد بها لينين على محاضر "محرِّف" قال: لماذا لا تقول أن ماركس وإنجلز وصفا Calfia مذهبهما بالمادية الديالكتيكية؟ قال وصفا Calfia ولم يقل سمّيا. الوصف غير التسمية. ثمة فرق بين أن تصف الشيء وأن تسميه. أن تسمي الشيء يعني أن تعطيه اسماً، عنواناً بصورة نهائية. إذا سألتني ما هي صفات مذهب ماركس؟ فإنني أقول: مادي، مادياني، واقعي، ديالكتيكي، ثوري، عقلاني(9)... وتستطيع أن تضيف أوصافاً كثيرة وهو، أي ماركس، يوافقك على كل هذه الأوصاف. وإذا أضفت أوصافاً أكثر قد يطمئن ماركس أن الناس لن ينركبوا بوصف واحد. وإذا بستالين يقول: المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية. وجئنا نحن العرب وترجمنا Materialism  بالمادية ولم نقل الماديانية فأصبح لدينا المذهب مادياً. تصور كيف نقول عن مذهب فكري، نظري أنه مذهب مادي، ونقول عن الطاولة وغيرها من الأشياء أنها مادية. في الفرنسية مثلاً الأمر مختلف تقول عن المذهب Materialist وعن الطاولة والكرسي Material. وأكثر من ذلك يبدو أن ماركس لم يصف مذهبه قط بالمادية التاريخية إنما قال عنه التصور المادي للتاريخ، التصور أو المفهمة الماديانية للتاريخ. وضع كلمة التصور أو المفهمة ليذكرنا بأن هذا فكر، وليذكرنا أنه، أي ماركس، وأفلاطون أخوة في الفكر. أما ستالين فهو خارج الفكر، والماركسي العادي يقول لك: نحن ماديون أي نحن موجودون مثل الطاولة والكرسي. ما أحلى هذا الوجود، الطاولة التي تنتهي وتحترق نمنحها الخلود. قيمة الطاولة ليست في ذاتها، بل في الشغل البشري والطابع الاجتماعي، إنها تقوم بدلالة الإنسان والمجتمع. (الإنسان مقياس القيم.ج). يبدو أن مثلنا الأعلى في الوجود بات وجود الأشياء وعناصر الطبيعة. ما هذا الكلام؟!.

أوري أرغون له كتاب جميل عن الماركسية وكتاب جميل آخر عن البوذية، (الهيْلَميون) العرب لا يتصورون شيئاً كهذا، لا تركب في ذهنهم قضية كهذه، وألف قضية من هذا النوع. أوري أرغون يقول ـ إن لم تخني الذاكرة ـ: كارل ماركس تردد بين الماديانية الجدلية والواقعية الجدلية. وريمون أرون يقول: إن مذهب ماركس ومذهب هيغل كلاهما مذهب منطق الواقع. هذا إعلان أن الواقع غير هدفي، غير رغبتي، ثمة واقع له منطق، هذا المنطق معطى وأكثر بكثير من معطى. كون الواقع معطى مباشراً يعني أنه كرسي وطاولة وجبل وواد.. لكن الأكسجين ليس معطى مباشراً تطلبت معرفته عملاً علمياً وتعباً. الإحساس مباشر، الإدراك ليس كذلك ولكن عند تحليل الإدراك تجد فيه عنصر الإحساس الذي هو استجابة عصبية. الواقع ليس ما نحسه، الواقع لـه منطق، ومنطقه غير منطقي أو منطقك أو منطق ستالين أو منطق حزب كذا ودولة كذا. كلمة ماديانية تعني هذا الأمر ويجب أن تعني هذا الأمر وهذا شيء عظيم.

قرأت مؤخراً أن كارل ماركس سخر من المادية، سخر من الكلمة والوصف ورأى أن المادية مذهب موليشوت وبوخنر وفوكت، أي المادية المبتذلة. في رسالة من ماركس إلى إنجلز يطلب فيها منه أن يكتب مقالة بتوقيعه دعاية لكتاب رأس المال، وينشرها في مجلة فوكت أو موليشوت، يقول فيها أن كتاب رأس المال مادياني لكي تفرح تلك الجماعة. وهكذا يتضح أن موقف ماركس كان سلبياً من مصطلح الماديانية. وتؤكد ذلك الأطروحات حول فيورباخ حيث يصف مذهبه بالماديانية قائلاً: إن الماديانية السابقة كلها بما فيها ماديانية فيورباخ لم تعرف الواقع أو الموضوع إلا على أنه موضوع وموضوع للرؤية والتأمل، ولم تنظر إليه من وجهة نظر عمل الإنسان ولم تنظر إليه (بصفته) ذاتياً (نشاطاً إنسانياً)(10) وأن هذا الجانب الأخير، الذاتية، والعمل البشري، قد بسطته وأنمته المثالية وهذه مأثرتها. وفي أطروحة أخرى عن فيورباخ يقول ماركس: إن وجهة نظر المادية السابقة هي المجتمع المدني، أما وجهة نظر الماديانية الجديدة (أي ماديانية ماركس وإنجلز) هي المجتمع الإنساني أو الإنسانية الاجتماعية. وكأنه هنا يسمي مذهبه الماديانية الجديدة في معارضة الماديانية القديمة(11). ويجب ألا ننسى عداء ماركس للعناوين فقد أكد أكثر من مرة أنه "ليس ماركسياً”. وإذا سألت ماركس عن رأي الماركسية في الفن الهندي سيقول: مدهش هذا السؤال. سلني عن رأيي، وإن قلت له ما رأيك، قد يقول: لا أعرف، أو يقول لك رأيي كذا وكذا. الغريب عندنا أن كل واحد يقول لك الماركسية تقول كذا وكذا والماركسية تقول كذا.. يجب أن نغير هذه الطريقة في الكلام، أو تجد من يقول لك نحن العرب كذا وكذا. اليوم تطرح المسألة كذلك في الندوات، لقد قلت لهم ليتكلم كل واحد باسمه، ما لكم تتكلمون باسم أمة من خولكم حق تمثيلها؟(12).

ـ ما زال هناك كهنوت ماركسي:

# كهنوت ماركسي. هذا غير معقول. يا أخي! الكنيسة الكاثوليكية التي هي أعظم مؤسسة دينية في التاريخ تجد البابا فيها يذكر يوحنا وبطرس ومئة شاهد على مدى مئتي عام ويذكر التوراة إذا أراد أن يتكلم عن شيء. نحن ألغينا الدنيا واكتفينا بترديد قال لينين وقال ماركس، وننسى أن هناك شيئاً آخر في التاريخ. أقول ما الثمن الذي دفعناه نتيجة هذه "المادية"؟ في رأيي أن تعليم هذه "المادية" التي هي الماركسية كان تخفيضاً للفكر. نرى ذلك بوضوح في مبادئ ستالين، فإنه عندما يصل إلى المبدأ السادس من مبادئه السبعة تراه يقول: المادة، الطبيعة، الوجود، هي الأول والفكر والوعي هو الثاني، الفكر انعكاس المادة، الفكر هو انعكاس الواقع في دماغ الإنسان، الفكر نتاج الدماغ، نتاج المادة المنظمة.. عند ضم هذا الكلام بعضه إلى بعض نجده، عملياً، تخفيضاً للفكر وتعظيماً للمادة = الطبيعة، وخاصة المادة، المادة.. أما الفكر فهو مخفض. هنا لي ملاحظتان: أولاهما أننا لو عدنا إلى بداية كتاب ستالين، على امتداد طرحه للديالكتيك وحديثه عنه لم يتعامل إلا مع الطبيعة حتى ليتصور القارئ أن المادة ليست سوى الموضوعات الطبيعية وظاهرات الطبيعة وأغراض الطبيعة، في حين أن ما حولنا ليس سوى العمل البشري، المدن والأرياف والحقول والمزارع والغابات والسدود والمصانع.. كلها نتاجات عمل بشري خلاق ومتواصل. الفلسفة الستالينية قامت في البداية على إلغاء العمل الإنساني، ومن ثم، إلغاء الفكر الإنساني، خفض ستالين الشغل البشري، العمل الإنساني والفكر، خفضهما بالتلازم وراح يمتدح "الفكر الثوري" و"الفكر الطليعي" و"النظرية الطليعية"، باتت النظرية الثورية الطليعية قادرة على خلق مجتمع اشتراكي، وضن علينا أن يكون فكر النجار يصنع الطاولة وفكر الحذاء يصنع الحذاء، وأن عمل البشر المسلح بفكر الإنسان قد صنع المدن والقرى. الماديانية الستالينية المستندة إلى لينين وأحياناً من غير لينين حقّرت الفكر وخفضته.

المبدأ السابع عند ستالين يقول: المادية، بعكس المثالية، تؤمن بأن المعرفة ممكنة، وبأن معرفتنا لقوانين الطبيعة صحيحة ويقينية، وتؤمن بأن كانط وبقية المثاليين مخطئون وضالون. طبعاً هذا الكلام الذي أسنده ستالين إلى إنجلز مخالف لإنجلز نصاً وروحاً، وكله غلط. إنجلز لم يقل إن كانط مثالي ولم يقل إن المثاليين ينكرون إمكانية المعرفة، بل، على العكس، أكد أن المثاليين والماديين يؤكدون إمكانية المعرفة، والذين يطعنون في هذه الإمكانية قلائل وأعظمهم هو كانط. المعرفة التي تسقط في اليقينية المطلقة هذه حماقة. ومن المهم أن نلاحظ هنا على صعيد المصطلح، على صعيد المعجم أو قاموس المصطلحات، المفاتيح العائدة للماركسيين والتي سيستعملها الناس، أن ستالين رفع من شأن المعرفة والعلم والمعرفة العلمية وخفض من الفكر وحط من شأنه، واسمحوا لي أن أقول: هذا الموقف يكرره ألتوسير ويكرره ربما محمد عابد الجابري، تكرره ندوات العرب: المعرفة، معرفة، علم، عقل.. أنا أريد الفكر. الفكر هو المقولة العميقة الواسعة، فكر أفلاطون وفكر النجار، أفلاطون والنجار أخوة ماركس ولينين معهم(13)، الفكر شغل المزارع والفلاح والعالم الكبير، شغل كل إنسان، شغل العالم الكبير وعالم الرياضيات وغرامشي معهم.. هذا قاموس واضح جداً، صادق جلال العظم ليس معهم أي إنه وأمثاله مغرمون بالمعرفة والعلم والعقل، أما الفكر والذهن والذكاء هذا القاموس الذي في رأس الإنسان ما هو؟ هذا الذي قبل أن توجد الفلسفة والعلوم. الإنسان اخترع بيتاً وقرية ودجن الحيوان واستنبت الحنطة.. واخترع الدولاب.. ونستطيع القول إن العالم المدني الذي نحن فيه هو من إنتاج الفكر الإنساني. إن ثمة تناغماً بين الستالينية والمنظومة الثقافية والأيديولوجية العربية الإسلامية الشرقية كل منهما يعزز الآخر. إن تسعة أعشار الناس عندنا، ومنهم مثقفون يعادلون أو يماثلون بين مقولة العالم ومقولة الطبيعة. مرة قال لي صديق عزيز جداً: العالم يعني الطبيعة، فقلت له: والله الطبيعة مفهوم واسع وضيق، العالم اثنان. فيورباخ البعيد عن الديالكتيك وعن التاريخية التقط هذه النقطة وأمسك بها ولينين سجلها عنه، إن العالم اثنان: العالم الطبيعي والعالم المدني، والعالم المدني كله من صنع الإنسان: الزراعة وتربية الحيوان والمدن والجامعات ودور العبادة وثقب طبقة الأوزون ومرض السيدا والحرب والسلم.. هذا هو العالم المدني، هذا صنع بني آدم، ليس من صنعهم الواعي أي أنهم قبل 500 سنة لم يكونوا يعرفون إلى أين سيصل التطور، فلولا الوعي الإنساني لم يوجد الشغل ولم يوجد شيء. ولعله يحق لي أن أعتز أنني في مناقشتي مع ساطع الحصري ذكرت مقولة الشغل عند ماركس وتفريقه بين شغل الإنسان وشغل النحلة. تستطيع النحلة أن تصنع خلية لا يستطيع أن يصنع مثلها أفضل مهندس معماري، لكن أسوأ مهندس معماري يمتاز على النحلة بأنه يصنع الخلية في رأسه أولاً. ولنكمل الكلام: المنتوج مسبق الوجود مثالياً في مخيلة الشغّيل. ويمكن أن نقول، مؤقتاً، إن الفكر، ولا سيما إذا عنينا فعاليات الفهم والاستقراء والاستنتاج والتحليل والتركيب، والتجريب بمعنى العزل العادي، الفكر مشترك بين الإنسان والقرد، والمصطلح الذي لا يصح على الحيوان، ويصح على الإنسان فقط هو مصطلح الوعي أوبالأصح الوجدان والضمير والوعي. بمَ يمتاز الوعي؟ بأنه يحمل فكرة المستقبل. يوجد مستقبل أي يوجد ماض وحاضر. الوعي خاص بالإنسان، خاصية الإنسان. بتعبير آخر الفكر الإنساني فكر اختراعي. فإلى أي مدى نحن العرب مؤمنون بفكرة الإبداع. خصصت مجلة الوحدة أحد أعدادها للإبداع، فكانت المسألة الأساسية المطروحة أن الله وحده هو خالق الأمتين (العالمين الطبيعي والمدني). لنتناقش بصراحة، يا جماعة إذا كنتم تؤمنون بهذا حقاً فلا بأس، ولكن ما معنى أن الإنسان خليفة الله، كيف هو خليفته؟ هنا ينفتح النقاش. أما نحن فنؤمن بالإبداع أي إننا نؤمن بأن هناك شيئاً جديداً على الدوام. إذا لم يكن الأمر كذلك فما معنى الحديث الذي لا ينقطع عن الحداثة والتحديث؟ نحن على ما يبدو نحب الحديث ولا نحب الجديد أو فكرة الجديد. لقد باتت فكرة الحداثة والحديث توحي لي بالحدث، بالحادثة، بالمصادفة، مع أن كلمة جديد في العربية أخت كلمة Oregenal. إن تاريخ 5000 سنة وراءنا هو تاريخ الانوجاد، انوجاد العالم المدني، تاريخ نتوج هذه الأشياء والعالم المدني من شغل البشر ومن فعالية البشر. الماركسية الستالينية لعنت هذا كله. هذا تجده عند ماركس وكانط وفيخته وهيغل وعند ديكارت، وستراه عند بيركلي أيضاً، لكنك تراه في الذروة عند كانط وفيخته وهيغل زمن الثورة الفرنسية.

أعود فأقول: من ضرب ضرب ومن هرب هرب، نقول بعد وقوع الواقعة: لنكن واقعيين. الجريمة المتأتية عن الماديانية هي إلغاء الفكر أو تخفيضه لمصلحة المادة، والحزب والنظرية، ولمصلحة الطبيعة والعلم والعلمي، وعلم السوربون ولمصلحة الفقه.. كأن الماركسية اللينينية كفت عن كونها فكراً، فكراً قابلاً للخطأ والصواب. هذا لا يقبله نجارعاقل أو طبّاخة ماهرة. الطباخة حين تحضر الطعام تضيف إليه شيئاً من إبداعها.

أنتقل الآن من مقولة الفكر إلى مقولة الوعي التي رفعت لواءها ـ كما تعرفون ـ منذ عشرين سنة. ولا شك أن ما كنت أقوله قبل عشرين سنة أقل بكثير مما يمكن أن أقوله اليوم، ولو أنني أعتقد أنه لا توجد قطيعة في هذا المسار. في الفرنسية توجد كلمة واحدة هي (Conscince) وفي الإنكليزية توجد كلمتان (Conciousness و Conscience) Conscience هي الضمير الأخلاقي، وكذلك Conciousness هي الوعي النظري. في العربية عندنا ثلاث كلمات: الضمير والوجدان والوعي. أنا اقترحت أن يكون الوجدان مقابل الوجود كلمةً شاملة، ولها جانبان: الوعي النظري والضمير الأخلاقي. ولنرفع لواء الضمير الأخلاقي والوعي النظري عالياً. أكاد أقول هذه مهمتنا الدائمة التي لا يجوز أن يكون هناك مهمة أعلى منها استراتيجياً وتكتيكياً أيضاً. هذا هو مدخلنا إلى الناس (ومفتاح نفوسهم وعقولهم). (Conscience) الفرنسية تتضمن (Science)، علم، وعلم بالمعنى الواسع الرحب والمقصود بالعلم هنا ألا أنتظر السوربون أو الأزهر، العلم هو الوعي، منذ بدأت البشرية ترقى من الحيوانية قبل آلاف السنين أخذ يتكون وعي غير حيواني. هذه مسيرة طويلة جداً، وبالمفهوم الهيغلي كذلك. يجب أن نأخذ حذرنا. اتفقنا أنا وأبو هيثم (ياسين الحافظ) مع العروي (عبد الله العروي) واختلفنا معه. العروي قال جملة شهيرة: أصول الماركسية عند الماركسيين، منابع الماركسية عند الماركسيين. كلنا نؤيد هذا، ولكن إيانا أن نفهم أن الفلاسفة أعداء بعضهم لبعض، الواقع ليس كذلك. يجب أن نمسك بالقواسم المشتركة بين جميع الفلاسفة. إن لهم موّالهم فوق إدراك عامة الناس. وعندما تقول إن المتصوفة والباطنيين لهم موالهم الأعلى من إدراك عامة الناس أقول مرحى لهم، أنا معهم، وهذا ليس احتقاراً لعامة الناس وليس سراً باطنياً. يعجبني من الباطنيين واحد في أوروبا قال: الحقيقة لا تخفي نفسها، الحقيقة تقف في الساحة وتقول للجمهور هذه أنا. الحقيقة ليست قلعة شامخة ومحصنة كي نرتفع إلى مستواها، ولكن علينا أن لا نخفّضها. كل الباطنية التي تعني التقية كذب ونفاق.

3 ـ مفهوم الشكل ومبدأ التشكل :

مطابقة الفكر للواقع مطلب بعيد المدى، مطلب أبدي. نحن مؤمنون بأن الفكر والوعي لا يتطابقان مع الواقع لكننا ننشد التحسن الدائم، نحن في سعي إلى التحسن، هذا شيء مهم، في الفكر، في الوعي عنصر مستقبلي. الوعي فكر مبدع وضمير أخلاقي أيضاً. هذا سينقلنا إلى مقولة الروح. ولكن لنلاحظ قبل ذلك أننا نقول بالعربية فكر وفكرة، بالفرنسية يقولون (La pense’e) ويقولون Ide’e. في العربة اللفظ مشترك تقريباً. أما Idialism  من Idia أي المثالية فتعني مذهب أو عقيدة الفكرة. ياسين الحافظ أمسك بذلك في حديثنا مرة وكان واضحاً جداً. بدلاً من المثالية نستطيع أن نقول الفكرانية ربما تعزيزاً للفكر والفكرة. الكلمة في اليونانية هي الأيدوس Idos وهي الأصل الفلسفي. والأيدوس الأفلاطوني يترجم بالفكرة والشكل Forme. والشكل عند أرسطو ابن أفلاطون. عندما يقول أفلاطون الأشياء مادة وشكل فإنه يعني قابلية المادة لأن تحس (الإحساس) وقابلية الشكل لأن يّذهن لأن يفهم أو يُفكَر. الشكل هو الذي يأتي بفكرة المفهوم. إذن الشكل أخ للفكر والمعرفة. هنا أفتح قوساً لأقول: إن مقولة الشكل Forme هي أضعف مقولة في تعليمنا العربي، وفي ذهننا وتفكيرنا وفي كتاباتنا، في حين هي أقوى مقولة في الفكر الفرنسي وفي الفكر الغربي عامة. من كلمة Frome اشتق الأوروبيون الكلمات التالية Formation  أي تشكيل، بمعنى التكوّن، و Transformation يعني تغير الشكل بمعنى التحول. وInformation بمعنى الإعلاء، الشيء غير المشغول، فهم معجم، عجمة، وInformation بمعنى المعلوماتي، العلم المعاصر. يقول كيدروا: كل العلم في القرن العشرين هو عملية Formalisation متزايدة، عملية شكلنة متزايدة. هذه الكلمة دخلت في تعليمنا الرياضيات من دون دراسة. إذا ذهبت إلى مكتبة تبيع الكتب الفرنسية ستجد فيها سلسلة الليدي بورت للأطفال، هناك كتاب الماء وكتاب سكك الحديد، وكتاب السيارة، وستجد كتاباً عنوانه Les Formes الأشكال للأولاد حتى عمر خمس سنوات. يبدؤون بتكوين هذه المقولة عند الأولاد من عمر خمس سنوات(14)، ولطالما فكرت بضرورة نقل هذا الكتاب إلى العربية، إنه كتاب مصور، ليس فيه جمل كثيرة، في كل صفحة جملة واحدة، الصفحة الأولى تبدأ بجملة: كل شيء لـه شكل (توافورم) في الصفحات 2،3،4،5،6، تجد الدائرة والكرة والبالون، وفي الصفحتان 7و8 تجد المربع والمثلث وبعد ذلك المستطيل، في الصفحة 14 يرسمون دائرة في الوسط ودائرة أخرى ومستطيلين ومثلث ومربع، فيخرجون صورة لطفل يركب دراجة، لم يقولوا للطفل ذلك، بل يجدها أمامه بالأشكال. أرسطو يميز الشكل من الصورة. وعنده كل شيء يتألف من مادة وشكل نحن ترجمناها مادة وصورة، هذا خطأ، الشكل غير الصورة. الشكل شقيق الفلسفة العقلانية المثالية مع أفلاطون وأرسطو وديكارت وماركس. والصورة Emag غنية ومعقدة بنت ديمقريط وأبيقور بنت الفلسفة الماديانية الذرية. أرسطو حل الإشكال بقول قصير جداً: الصورة هي الشكل الأخير. بتعبير آخر الشكل هو صورة فارغة، صورة بسيطة مجردة، أما الصورة فهي شكل غني ومليء. إنك حين تشكل شيئاً من الأشياء تكمل شكله، تبرز صورته. الصورة هي الشكل الأخير أو الشكل الأعلى، هكذا تاريخ الوجود وهكذا المعايير، نبدأ بالبسيط لنصل إلى المركب وإلى العياني المكتمل، هذا هو خط الديالكتيك في المعايير. عند ماركس الأمر واضح تماماً(15).

كثيراً ما يقال عندنا المعرفة تبدأ من الواقع، نحلل الواقع أولاً. ما شاء الله!! هل يمكن البدء من الواقع من دون مفاهيمه وكلماته ومفرداته؟. نبدأ من الواقع، ها نحن استعملنا كلمة واقع، مفهوم الواقع هذا أولاً. ثانياً إذا كنت تعرف الواقع سلفاً، فلماذا تقوم بعمل سبيرة؟ ثالثاً زعمك البدء من الواقع سيقودك في نهاية التحليل إلى مجردات أثيرية محببة تسميها القانون وتسميها المفاهيم، تحلل الواقع في سورية أو في إنكلترا مثلاً وتنتهي إلى قانون عظيم هو صراع الطبقات. الواقع تبدد، طار، لم يعد هناك شيء. أو تحلل حالتنا ونضالنا على أنه نضال ضد الإمبريالية.. هذا كلام، مجرد كلام. الطريق الديالكتيكي عكس الطريق الشامل. أو لنقل الطريق الشامل صحيح ولكن بشرط أن تكون مسلحاً بالمجردات البسيطة، مسلحاً بالمفاهيم وبالقوانين وشيئاً فشيئاً تنتهي إلى إعطاء لوحة الواقع. صورة العالم، أو صورة البلد، صورته وليس شكله، جميع المفاهيم أدوات من أجل هذه الصورة. ستالين لم يفهم ذلك إطلاقاً. إذا قارنت بين ما يقوله ستالين في "المبدأ السابع" وما يقوله إنجلز تجد الفرق، فستالين يقول: من الممكن أن تعرف قوانين الطبيعة. إنجلز يقول: هل يستطيع الفكر أن ينشئ صورة الواقع؟. ستالين تكلم عن المعرفة وعن القوانين، إنجلز طرح السؤال بلغة الفكر وإنشاء صورة الواقع، الهدف الأعلى هو إنشاء هذه الصورة، الصورة المليئة المترابطة الحية التفصيلية. في الماضي كما نعتقد غير ذلك، سأقول لك لماذا: التعليم العلمي (تعليم العلوم) في الابتدائي والثانوي يبدأ بالملاحظة ثم التجربة وينتهي إلى استخلاص القانون. قانون تمدد المعادن في الفيزياء مثلاً هو خلاصة هذه العملية: الملاحظة والتجريب، وصوغ القانون أو وضع القانون وصولاً إلى تطبيقاته في الصناعة أو في بناء سكك الحديد أو الاتصالات.. فالمسلسل يكون كذلك ملاحظة واقع وتجربة فقانون وتطبيق للقانون. الرفيق ستالين قال لنا: هذه هي القوانين خذوها وطبقوها. وهنا أريد أن أحذر من كلمة تطبيق البشعة، التي حلت محل كلمة براكسيس ترجمة سيئة لها، البراكسيس تعني النشاط العملي، أو فاعلية الإنسان، عمل البشر. إن كلمة تطبيق تخربنا، تعليمنا يقوم على فكرة التطبيق، نقول للطالب: هذه هي القاعدة، طبق هذه القاعدة وهذا القانون وبعد أشهر نمتحنه في تطبيق القوانين أو القواعد الكثيرة التي تعلمها أو حفظها وما أكثر ما يضيع فيها وبينها، ذلك بدل أن نعلمه كيف يفكر، بدل أن نعلمه الفكر والعقل.

4 ـ الروح من المفهوم الشعبي إلى المفهوم الفلسفي :

أنتقل الآن من مقولة الشكل إلى مقولة الروح. أريد أن نتفق على المقولات أي المقولات الكبرى التي ذكرتها. المقولات أصناف. أخذنا سلسلة، مجموعات ومجموعات من الظواهر أو الظاهرات صنفناها في المقولة المادية وسلسلة أخرى صنفناها في المقولة الفكرية، الروحية. هنا أتساءل: هل أئمة الماركسية استعملوا كلمة الروح ترجمة لكلمة Sperit الفرنسية أو كلمة Geist الألمانية. الجواب فوراً: نعم. من يقرأ هيغل، أو من يقرأ ماركس وإنجلز ولينين سيجد هذه المقولة مكررة عشرات المرات بل مئات المرات. سؤال آخر: هل استعمل ستالين مقولة الروح؟ الجواب إن ستالين حين نقل نصوص إنجلز ولينين نقل كلمة الروح حيثما وردت، أما في كتابه وبلسانه الخاص استغنى عن مقولة الروح واستعمل محلها مقولة الفكر والوعي والنفس، ولكن بلا روح. أما المترجمون العرب فألغوا كلمة روح من شواهد لينين وإنجلز عند ستالين، ووضعوا العقل محل الروح. هذا غير مقبول، وضار، هذا تزييف. الترجمة العربية لكتاب ستالين استعملت كلمة عقل ترجمة لثلاثة أو أربعة مصطلحات مختلفة: Montage ترجموها عقلي وL’esprit ترجموها عقل وReasom عقل. نعود إلى ستالين بعد أن ألغى في كلامه الشخصي مقولة الروح نجده يستخدم عبارة (حياة المجتمع الروحية) بدلاً من (الحياة الروحية للمجتمع) ويكررها مراراً، وكذلك غدانوف و"عصر غدانوف" العصر السوفييتي الستاليني كرر عبارة "حياة المجتمع الروحية" مراراً مع التصفيق. والروحية (       ) Sperit ¬ .Sperital ألتوسير الذي جاء بعد ستالين ألغى كذلك مقولة الروح، وكثيرون من التقدميين العرب يقولون: يا الياس دعك من كلمة الروح هذه لأن الروح عندنا، نحن الشرقيين، لا تعني ما تعنيه عند هيغل وماركس. طبعاً هذا كلام غير مقبول، إذا كانت لا تعني عندنا ما تعنيه عند هيغل وماركس فهذا ليس سبباً للاستغناء عنها ولأن نقول: العقل بدلاً منها. ثم إذا كانت اليوم لا تعني فإنها غداً سوف تعني، ستصبح ذات معنى إذا أحسنا استعمالها، أي إن مضامين الكلمة وإيحاءاتها تتغير إلى هذا الحد أو ذاك، وتتغير كما نريد وكما نعمل.

هناك عندنا من يقول الروح كالهواء، وفلان (طلعت روحه) يعني أنه مات، فهل تعتقد أنها تعني عند الأوروبيين غير ذلك؟ كلمة روح في العربية من راح* ، وهناك أغنية لفيروز تقول: «إن راحت روحك يا روحي روحي بتروح». والنفس من النفس (التنفس)، فهل تعتقد أو تتصور أن اليونانية والفرنسية والإنكليزية ليست كذلك؟ المشروبات الكحولية هي المشروبات الروحية عندهم Speriter، وطبيعي أن يستعملها البشر هكذا. عند أرسطو (بنرما) تعني النفس من النَفَس والتنفس فأصل الكلمة هكذا. جميع الكلمات الفلسفية ذات أصل شعبي، جميع المقولات الفلسفية ذات أصل شعبي وعامي وهي مقولات كبرى وشعبية جداً ويكررها الناس يومياً، لكن الفلاسفة حولوها** . المادة بالفرنسية القديمة كانت تعني الحطب وعند الألمان المادة (شتوف Staff) تعني القماش، لكنها لم تعد تعني ذلك مع أن كلمة شتوف (Stoff) بقيت تعني القماش. وعلى الأرجح كلمة Matere التي تعني مادة أصلها من جذر قديم قد يكون هو المَذَر. المذر عند العرب يعني الطيب وإنه لشيء جميل أن تكون قد أعطت عند اللاتين والانجليز الـ Mater. خذ مثلاً كلمة (هازار) التي هي أكبر مقولة علمية فلسفية بمعنى المصادفة والاحتمال وحساب الاحتمالات التي تقوم عليها التقنية اليابانية والهندسة الوراثية أصلها من الزهر، النرد في لعبة الطاولة. العرب لا يزالون يلعبون بطاولة الزهر في نهاية القرن العشرين في حين كان الغربيون قد اخترعوا علم الزهر، علم الاحتمالات وقوننته المصادفة... إن كل فيزياء هايزنبورغ تقوم على أن عشوائية الصغائر هي أساس قانونية الكبائر، فذرات هذه الطاولة تتحرك عشوائياً لذلك هي ثابتة في مكانها، ولولا ذلك لتحركت في أي اتجاه، يمكن أن تصعد إلى السقف. إن ذهننا حتى اليوم ضد هذه المقولة، عندما تذكر المصادفة أو القانون نقول سبحان الله، إن أهم شيء هو قانونية المصادفة، كل ما حولنا وكل ما يقع من الحوادث والأحداث هو من باب العرضي. دائماً هناك ما هو عرضي وطارئ ومصادفة. إذا لم يكن في ذهننا سوى الحتمية من جهة، والمصادفة من جهة أخرى، فإننا نعود إلى مستوى هيرقليط. عند هيرقليط فكرة الإيمارميني تعني الضرورة الحتمية وتعني الحظ في الوقت ذاته. البشرية بدأت هكذا لا تفرق بين الضرورة والحظ والقدرة الإلهية مع رفض التفسير. البشرية تقدمت وأخذت تفرز، جاء وقت في القرن الثامن عشر قال فيه بعضهم بعدم وجود المصادفة، ورد عليهم فريق آخر بأن هناك ضرورة ومصادفة، هذه المقولة تفرض تلك المقولة، تطور الأنواع ضروري وحتمي، ولكن لماذا هذا الفرد أطول من ذاك هذا عرضي. الأفراد مختلفون ضمن الفصيلة الواحدة والعرق الواحد وسيختلفون دوماً. هذه مقولة مفتاحية وقد باتت موضوعاً لعلم عمره في أوروبا 350 سنة أو 400 سنة، منذ عصر باسكال بل قبل غاليليه وباسكال، وبرز في نهاية القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وبرز أكثر فأكثر في القرن العشرين مروراً بداروين ودورفيز. ما أريد قوله أن التراث الماركسي لم يهتم بحساب الاحتمالات بل اهتم بتحليل اللامتناهيات أي حساب التفاضل والتكامل. لقد كتبت قبل عشرين عاماً موجهاً كلامي إلى العرب، وقلت: العقل عقلاني كما ترون، هناك عقل بدون حساب الاحتمالات وبدون تحليل اللامتناهيات، العقل الذي نريده في صلبه علم الاحتمالات وعلم تحليل اللامتناهيات.

أعود فأقول: إن كل ما يخطر في بالك من مقولات فلسفية لها أصل شعبي ثم أصبحت فلسفية، من ذلك الحرية والمصادفة والمادة والروح والذرة. الذرة مقولة شعبية ومقولة دينية "وردت في القرآن": {من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره}، وفي التوراة والإنجيل. الخطاب الإلهي أو الوحي خطاب شعبي، خطاب لجميع الناس، للبشر العاديين، وليس خطاباً فلسفياً أو علمياً، فكرة الذرة قديمة ويقصد بها شعبياً حبة صغيرة جداً جداً، في هذا الإحساس إرهاص قديم بالوعي البشري إلى أن أتى أحدهم من صور الفينيقية (أصحاب سعيد عقل) قام بعمل شيء مهم وسعيد عقل يعطي جائزة لمن يكتب عن هذا الرجل الصوري (لا أذكر اسمه) أعلن هذا الرجل خلافاً لليونان أن الذرة تتجزأ إلى ما لا نهاية. طبعاً سعيد عقل لم يدرك أن هؤلاء اللصوص اليونان سرقوا الفكرة من فينيقيا عندما أعلنوا الحل، أسسوا بالذرة لعلم الفيزياء. الذرة الفينيقية قبل اليونان بقليل، الذرة تتجزأ إلى ما لا نهاية. ثم جاء لوسيبو ديمقريط من تلاميذ هيرقليط وأعلن أن الذرة تتجزأ ثم لا تتجزأ، فظهرت فكرة العنصر، غير العناصر الأربعة أو الجواهر الأربعة النار والماء والتراب والهواء، عنصر من نوع آخر. هذه الفكرة الجديدة انتصرت أخيراً مع لافوازييه، لم يعد هناك نار بل ظاهرة احتراق، وصار الماء الذي نشربه مؤلفاً من جسمين عنصرين، الأوكسجين والهيدروجين H2O. هذا انقلاب في العلم، إذا بالذرة قد أصبحت عند ديمقريط Atom أي جزء لا يتجزأ. قال سعيد عقل في التلفزيون Atom لا يتجزأ، إنه يصفق للفينيقي، لكنه أيضاً يصفق لليوناني الذي أخذ الفكرة الفينيقية البابلية الهندية الشرقية وأضاف إليها فكرة هيرقليطية غربية: هناك وجود وهناك عدم، هناك ذرة وفراغ. منطلق ديمقريط وأفلاطون وجميع الفلاسفة هو تجاوز الرأي العام (تجاوز التقليد السائد والمعرفة السائدة أو"العقل السليم"ج).

أعود إلى القول إن جميع المقولات الفلسفية ذات أصل شعبي فلِمَ نستغني عن مقولة الروح، هل بسبب إيحاءاتها العربية؟ معروف أن إيحاءات هذه الكلمة في اليونانية واللاتينية والفرنسية والإنكليزية.. مثل إيحاءاتها العربية مع اختلاف في التعبير بين شعب وآخر، لكن هذا الاختلاف لا ينفي وجود جوهر مشترك أو قاسم مشترك بين الشعوب، نحن لا نراه، بل نتجاهله ونسقط في مذهب خصوصية مبالغ فيها، للأسف ستصبح خصوصيتنا أن الأمم تتقدم ونحن نتراجع.

إن كلمة روح مؤكدة ومستعملة عند ماركس وإنجلز ولينين وهي نفسها الروح. إذا كان ستالين وألتوسير والمنتدون العرب من علمويين وماركسيين من محمد عابد الجابري وسمير أمين إلى حسن حنفي لا يريدونها، هم أحرار، أنا أريدها. كارل ماركس استعمل هذه الكلمة، وأهم نص وردت فيه هو الصفحة الثانية من الفصل الثالث من مخطوط مدخل سنة 1857 الذي ترجمته ونشرته في مجلة الواقع، العدد الرابع، إنه نص كثيف جداً وهائل جداً عن الديالكتيك وطريقة علم الاقتصاد السياسي يصل فيه ماركس إلى أن هذا العلم يعني العلم الفلسفي النظري، الفلسفة والعلم، المعرفة العاملة بالمفاهيم، هي شكل للتملك يختلف عن الأشكال الأخرى، ألا وهي الفن والدين، التملك الروحي العملي (البراكسيس) (Praxis) وقبلها بقليل أو بعدها بقليل استعمل الغايس Gaist (الروح). عند ماركس مقولة التملك التي تعني أن أتملك العالم وأجعله خاصتي، عالمي. الإنسان يتملك العالم، لأن العالم في النهاية هو عالم الإنسان. العالم الآن مستلب من الإنسان، الإنسان ينشئ العالم، وإذا بالعالم يقف ضده. فكرة التملك هذه هي فكرة الاستيلاء، فكرة التغلغل، فهناك مسألة تملك بشتى المعاني. مقولة الغايس، الروح جاءت شقيقة لمقولة التملك. ومقولة التملك هي مقولة المعرفة تحت لواء مقولة العمل. وقد حدد ماركس للتملك أربعة أشكال هي: العلم أي الفلسفة بالمعنى الواسع أو العلم بالمعنى الواسع(16) (العلم النظري، الفكر النظري) والفن والدين والتملك الروحي العملي. هناك من يتساءل ما هو التملك الروحي العملي، أنا أقول إنه شيء أقرب إلى عمل النجار والحذاء والمزارع أيضاً. مثلنا الأعلى هنا شغل الحرفي الذي يملك حانوته وأدواته ويؤدي عمله من كل قلبه، أي إنه يضع كل قلبه وكل نفسه في عمله ويعرف أن عمله لن يخذله أو يخيبه وأنه سوف يربح منه أو سيرى نتيجته. هذا الحرفي يصنع مُنتجاً، لا يصنع ثورة ولا مجتمعاً جديداً، هذه صعبة جداً. مقولة الروح لا يمكن الاستغناء عنها. مقولة العقل أو الفكر النظري مقولة جافة. هنا أعود إلى سؤالك: قطعاً مقولة الروح واسعة جداً، أستطيع أن أشملها جميع النواحي الروحية والنظرية والأخلاقية والفكرية والمعنوية عند الإنسان، وهي مقولة شاملة للدين وللفن على السواء. مقولة الروح إذاً كمقولة الثقافة ومقولة الأخلاق، كل هذا مجتمعاً. ما هي الأخلاق (إن لم تكن ميداناً من ميادين الروح)؟ الأخلاق هي ضمير الإنسان وعمله، هي ميدان العمل والتعامل بين الناس على أساس الضمير. ليس هناك عمل من دون أخلاق. تسمى هذه الناحية المعنوية في الفرنسية Moral التي تعني الأخلاق وتعني المعنوي، معنويات الجيش مثلاً قوة كبيرة، القوة المعنوية.

وإنك إذا فتحت قاموس La Rouse على كلمة Moral في الصفحة الأخيرة من قسم التاريخ فإنك ستجد أنه يذكر جميع معاهد فرنسا، أي جميع الأكاديميات الفرنسية. يضعون أولاً الأكاديمية الفرنسية وبعدها أكاديمية المنقوشات والكتابات والآداب الجميلة، وبعدها أكاديمية العلوم وتشمل الهندسة والميكانيك والفلك والجغرافية والملاحة والكيمياء والفيزياء..إلخ. وبعدها أكاديمية الفنون الجميلة وتشمل الرسم والنحت والعمارة والحفر والموسيقا وبعدها أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية أو أكاديمية العلوم المعنوية والسياسية أو الأخلاقية المعنوية والسياسية وتضم الفلسفة والأخلاق وعلم الاجتماع (لنلاحظ الأخلاق قبل علم الاجتماع) ثم التشريع والحق العام والقضاء ثم فرع الاقتصاد السياسي والإحصاء والمالية. لاحظ الاقتصاد السياسي من علوم الأخلاق. ثم التاريخ. لو أن السوفييت سمعوا هذا الكلام قبل عشر سنوات لمنعوه أي رفضوه، لكنهم اليوم يقبلونه ويؤيدونه. كانوا يعلموننا أن لا أخلاق من دون اقتصاد، فقد كانت الأخلاق تابعة للاقتصاد. أما اليوم فيقولون علناً لا اقتصاد من دون أخلاق. ولكن يجب أن نتفاهم ما هي الأخلاق؟ الأخلاق هي الضمير، هي العمل والتعامل بين الناس. أما الإيحاء الذي يحصر الأخلاق في الأعضاء التناسلية وفي علاقة الرجل بالمرأة فهو جزء من الموضوع. لم لا؟ فأول تعامل بين الناس هو التعامل بين الرجل والمرأة. يجب أن نرفع لواء الأخلاق بقوة، ما زالت هذه القضية في قلوبنا منذ 25 سنة، قبل أن يدخل ياسين السجن. كنا نرى أن الأخلاق تنهار، يجب أن نثبتها في كتاباتنا وليس فقط في قلوبنا أو أحاديثنا الشخصية، هذه معركة، معركة من أجل الأخلاق. منذ 25ـ 30 سنة ينمو عندنا الكذب والعنف.. ونمو العنف يساوي انحدار الأخلاق، نمو العنف يساوي القتل والسجن والضرب والذبح والاغتيال والمجازر، نمو الكذب ونمو الخطاب المزدوج.. هذا كله يعادل أو يساوي انحدار الأخلاق وتقلصها وتراجعها. الأخلاق تتراجع، يجب أن نرد وندرس الرد ونرد.

هنا نأتي إلى مقولة الروح التي هي الشقيقة لما قلت. أعود إلى مناقشات بعض أصدقائنا قبل وفاة ياسين، حول الدين والموقف من الدين. إنني بعد دراسة طويلة ومنذ عشرين سنة أفكر في هذه المسألة: الإلحاد في رأيي موقف مغلوط نظرياً وعملياً، وفي أحسن الأحوال لا معنى لـه. وفي أسوئها هو موقف عدمي يسوغ العنف. وهذا يشرح الموقف العظيم لدوستويفسكي حين قال: إذا كان الله غير موجود فكل شيء مباح. قال دوستويفسكي ذلك في معرض التحذير من الإرهابيين السود.

5 ـ الإيمان والإيمان الديني أو الإيمان الحسي, والإيمان العقلي:

سألتني سيدة مسنة مرة، ما رأيك بالإيمان؟ فسألتها هل تقصدين الإيمان الديني؟ سألتها ذلك لأنني أستعمل كلمة الإيمان بمعنى الإيمان الديني وغير الديني. ولا يستطيع أحد أن يمنعني من استعمالها. فكل بني آدم استعملوها وهي كلمة كبيرة، أنا مثلاً أؤمن بمستقبل للبشرية، وبمستقبل لأبنائي، أؤمن بالمستقبل بوجه عام، بشيء غير موجود الآن، لكنني بإيماني هذا أعلن عن وجوده، عن احتمال وجوده في المستقبل.

الإيمان عند جميع الناس نوعان مختلفان، متضادان أو متعاكسان، ويمكن أن يتداخلا، لكنهما مختلفان. هناك الإيمان الديني الذي نموذجه الأصلي والأعلى هو الإيمان بوجود الطاولة والكرسي والجبل والشمس والله. الجبل موجود والشمس موجودة والله موجود، نموذجه الأعلى هو اليقين المادي الحسي (إيمان يقيني) دوغمائية اليقين المادي الحسي. الكرسي موجود ولكنه عرضة للتلف وقد يغدو طعاماً للنار. والجبل موجود لكن قنبلة ذرية قد تزيله، والشمس موجودة لكننا بتنا نعلم، بفضل تقدم العلوم، أنها تحول متبادل ودائم بين الهيدروجين والهيليوم، بين الهيدروجين ونظائر الهيدروجين، إنها قنبلة هيدروجينية ضخمة (انشطار نووي لا يساوي اندماج نووي). الفصل الأخير من ديانة مصر القديمة أو إصلاح أخناتون العظيم قد كتب: من غير الممكن لإنسان عاقل يريد أن يتكلم عن الله أن يربطه بالشمس، ولو رمزياً، يجب أن يعلن أن الله فوق الشمس، وراء الشمس، أعلى من الشمس وأقدم من الشمس. علم الفلك أو الفيزياء الفلكية آستر فيزياء تقول لنا اليوم إن شمسنا هذه لها بداية وسوف يكون لها نهاية(17) .

النوع الثاني من الإيمان (وهو أقرب إلى الإيمان الديني الصحيح الذي اضطرت جميع المؤسسات الدينية أن تعترف به) عكس الأول، هو الاعتراض على اليقين الحسي من البداية، خرق لليقين المادي، إعلان وجود شيء آخر غير الوجود المادي (الحسي)(18) .

إذا قسمنا الظاهرات إلى مادية وفكرية، إلى مادة وفكر، بعد أن قلنا أن الله ليس جبلاً أو شمساً وبعد أن اخترنا الله مع الضمير.. إذا عدنا إلى مقولة المادة ومقولة الفكر وتساءلنا أين يأتي الله في تاريخ الفكر، في هذا الطرف أم في ذاك؟ جوابي أن الله يأتي في جهة الفكر، فهو ليس شقيق المادة، هذا الله الروح، الذي نقول عنه الروح هو مع الروح ومع الفكر ومع الوجدان ومع الوعي ومع الضمير، وليس مع الجبل والكرسي والطاولة. قد يعترض أزهري أو إسلامي "ثوري" على وضع الله في جهة الفكر وفي تاريخ الفكر وتاريخ الفلسفة والفلاسفة، فأقول إذا كان هذا الأخ المعترض لا يعرف تاريخ الفكر وتاريخ الفلسفة والفلاسفة فهو جاهل، وإذا كان يرفضه فهو أحمق، الذي يرفض شيئاً لا يعرفه هو أحمق.

6 ـ فكرة الله تؤسس سمو القانون:

حين نراجع تاريخ الفلسفة والفلاسفة من أفلاطون وأرسطو إلى كانط وهيغل مروراً بالقديس أوغسطين وتوما الإكويني والفلسفة العربية الإسلامية وديكارت وباسكال وسبينوزا.. نجد أن الله هو الموضوع المركزي عند الجميع والنقاش حوله دائم. وعندما أقول إن الله مع الفكر أي إلى جانب الفكر معنى ذلك أن الله عند جميع البشر حافز فكري عظيم. الله مبدأ، وهذا المبدأ محرك للكشف والإبداع عند الإنسان. في الوقت الراهن وفي فكرنا الحالي وأيديولوجيتنا جُعل الله خاتمة لكلِّ شيء وليس مبدءاً وحافزاً ومحركاً. ماذا أعطى ذلك؟ لا شيء. وكما قلت في مقالي: "أطروحات من أجل إصلاح الفلسفة"، إذا كان هناك شعب من الشعوب يقول طوال الوقت الله الله الله من دون أن يكون الله في فكر هذا الشعب مؤسساً لسمو القانون، فإن هذه قضية كبيرة جداً. عند الأوروبي أسس مفهوم الله لسمو القانون، فمن الصعب أن تجد من يخالف أنظمة السير، ومن الأصعب أن يخالف رئيس جمهورية بنداً من الدستور، حتى مجلس النواب لا يستطيع أن يسن قانوناً يتعارض مع إحدى مواد الدستور. فالقانون محترم وله سمو، كل قانون بدءاً من الدستور وانتهاء بقانون السير في الشارع. القانون له حرمته وسموه. الله المتعالي ليس مجرداً ومتعالياً فحسب، بل له دور في تاريخ الإنسان بأن يوجٍد شيئاً فوق الوجود. هذه معركة مهمة جداً.(19)

إذا عدنا إلى المنطلق، أذكر بما قرأته ولفت نظري في كتاب كوفيلييه وهو من أشهر كتب الفلسفة في فرنسا، يقول في أحد هوامشه أن الفاتيكان الذي كان يرفض بجدية حرية الضمير ويلعن الملحد ويؤكد عصمة البابا وكان يرى أن الكنيسة مسؤولة عن الحقيقة وعن نجاة النفوس لم يكن يسمح بأن يقتل أحد بسبب معتقداته قبل أن تتاح له فرصة التوبة والتراجع عن "الباطل". وأن محاكم التفتيش كانت تتيح للإنسان إمكانية التراجع عن رأيه وإمكانية الغفران. عند السوفييت وعند ستالين لا يوجد غفران، لا توجد توبة. الله فتح مجال التوبة وتراجع الإنسان عن الباطل. لا نقول عن الله إنه موجود. إن الله فوق الوجود. إنه مبدأ الوجود، مبدأ كل وجود.

وأتساءل ما السبب الذي جعل التقدميين والعلميين وما شابه، ولنقل ما الذي جعلنا جميعاً نقف منذ عشرين سنة ضد الدين، إن كان في فرنسا أو في إيران أو في سوريا، ما أسباب ذلك الموقف وما دوافعه؟ بالطبع لا أتحدث عن هذه المرحلة التي يسمونها مرحلة صعود المد الإسلامي، مع أنه من الضروري أن يفهم صعود الثورة الإسلامية التي تحمل، في رأيي، فاشية جديدة مرعبة، الثورة الإسلامية شيء غير معقول، ولكن نريد أن نتعامل معها بلا تساهل(20) بشرط أن تكون أسسنا سليمة. نحن، كما قلت في محاضرة أمام الشباب في بيروت لو أن الثورة الإسلامية انحسرت ولو تراجع الإخوان المسلمون ولو أن كل هذا الذي نراه ينحسر وينتهي فجأة بقدرة قادر، فإن ذلك لا يغير من موقفي، لأن مسألتي ليست الرد على هذا المد الديني، بل إيجاد حل، وطريق لحل مشكلات شعبي. ولو أن كل هذا لم يوجد سيبقى واجبي ومسألتي أنني أريد طريقاً لشعبي، إذا أردنا أن نقوم بنهضة كما فعل عبد الناصر، ولكي تنجح هذه المرة وأن نتقدم بصورة حاسمة فهناك مشكلة معقدة ومسألة مهمة عندنا وعند البشرية لا بد من حلها، لا يجوز أن يكون منطلقنا كيف نرد على هؤلاء أو أولئك، هؤلاء وأولئك جزء من الموضوع، منطلقنا يجب أن يكون نحن والحقيقة، أين الحقيقة، ما هو غلطنا، أين أخطأنا نظرياً. هذا كله في نظري جزء من الموضوع. ما سبب عداء الماركسي أو التقدمي أو الليبرالي عندنا أو عند غيرنا للدين؟ لنذكر الأسباب الإيجابية: إن الدين والأديان والكنائس والمؤسسات الدينية ارتكبت الكثير من الجرائم في التاريخ، تحالفت مع القوى الرجعية ضد التقدم وتحالفت مع الملوك ضد الليبرالية ومع البرجوازية ضد العمال ومع اليمين ضد اليسار..إلخ. أريد أن أدقق النظر، وإذا أعطيت مدة شهر سأقوم بعمل لائحة بهذه الجرائم.. الموضوع مفتوح وأستطيع أن أنقل كتاب الأب كونفار "الكنيسة الكاثوليكية وفرنسا المعاصرة" فقد حوى سجلاً بأخطاء الكنيسة الكاثوليكية وعيوبها وجرائمها وهو أب وليس يسارياً أو كذا، ولكنني أقول ليس خطأ الكنيسة الأكبر هو تأييدها للمحافظة، بل هو إنكارها حرية الضمير وحقوق الإنسان. إعلان جهة كهذه أنها مسؤولة عن خلاص النفوس هو من حقها، ولكن ليس بالعصا أو بالسكين أو بالتعذيب، هذا شيء بشع. أما كونها قوة محافظة فهذا أمر بديهي وجار في كل جماعة إنسانية وفي كل مجتمع متمدن، ثمة دائماً جماعة محافظة وأخرى تقدمية. وبديهي أن أي مؤسسة دينية يجب أن تكون محافظة بمعنى ما، لكن السؤال المحافظة على ماذا؟ منذ قليل تحدثنا عن ماريا (بطلة قصة "نقود لماريا" للكاتب السوفييتي راسبوتين) إذا كانت المحافظة على قيم صحيحة وجميلة فهذا ضروري.  لا نريد أن نصور المحافظة على أنها شر وخطأ محض. منذ ثلاث سنوات قرأت موضوعاً لكاتب سوفييتي قال فيه: إن الكنيسة لم تكن مخطئة إزاء غاليليه؟ كانت مخطئة بإهانته وتعذيبه وسجنه فقط. الكنيسة لم تكن حمقاء وجاهلة، كانت تحذر من النهضة ومن الانطلاق الصناعي والعلمي وما سيقود إليه، وها نحن في أواخر القرن العشرين نحصد خراب البيئة. يجب ألا نتصورهم جهلة فهم رأوا أن كوبرنيكوس كان على حق وسكتوا عنه لأنه أهدى كتابه للبابا، وبعد موت كوبرنيكوس بسبعين عاماً جاء غاليليه إلى روما وفتح المعركة مع الكنيسة. نصحه رجال الكنيسة أن يبتعد ولكنه أبى وثبت على موقفه. ونحن اليوم نصفق له فقد أضحى رمزاً لحرية التفكير ودليلاً على حماقة أولئك. في صدد المقال السوفييتي الذي أشرت إليه يجب أن نتساءل رد الاعتبار  لمن؟ ذكرت هذه القصة لأقول إن أموراً كهذه لها دوماً وجهان، نحن نرى خصمنا مخطئاً من دون أن نبحث عما هو صواب في رأيه وموقفه، لعل هناك صواباً فيجب علينا أن نفهمه، وإلا لن تتوافر قاعدة للحوار. يجب أن نتخلى عن عنجهيتنا بأننا قبضنا على ناصية الحقيقة. يا أخي، نحن على حق وليس على حق، نريد أن نتقدم، نريد أن نكسب الحقيقة وهي كما ذكرت هدف نسعى إليه. الحقيقة مبدأ ومسعى وهدف نمضي نحوه، هذا مبدأ مطلق.(21)

7 ـ مثلنة الإنسان :

أعتقد أنه في الوسط التقدمي كله جرى تضخيم لأخطاء المؤسسات الدينية، وهو تضخيم ناجم عن مثلنة الإنسان وتجميله وعن مثلنة الشعب والجماهير. هناك من يعتقد بأن الإنسان كائن عظيم وملاك وجبار وفاتح ليس فيه أي شر. وهناك من يعتقد أن الشعب والجماهير الكادحة والطبقة العاملة كذلك، ولكن الأمر ليس كذلك لسوء الحظ. إن كون الإنسان عاملاً أو فلاحاً أو فقيراً أو مستغلاً لا يعني أبداً أنه خير وطاهر وملاك، لماذا نضخم حسنات الإنسان من دون أن نلتفت إلى ذلك المبدأ الديني القائل: إن النفس أمارة بالسوء؟! في الإسلام ثمة الجهاد الأكبر، جهاد الذات ضد الذات، الجماعة ضد نفسها، الجهاد ضمن الجماعة من دون وصاية فلان على فلان، النقد الذاتي أو نقد الذات، كلنا يجب أن نفعل ذلك. الأمة يجب أن تنقد نفسها، كفانا نقد فرنسا أو إنكلترا أو ألمانيا ونقد الإمبريالية لنلتفت إلى ذاتنا قليلاً، وننقد أنفسنا، لنبدأ بالنقد.

هل يصبح الخير ممثلاً في الكادحين والشر في غيرهم، هذا ليس صحيحاً، وأعداء الكادحين وأعداء الديمقراطية ليسوا البورجوازيين والرأسماليين والإمبرياليين فقط بل الأنانية ومحاولة الركب على ظهور الآخرين. يجب أن نعترف أن الجميع هم أبناء آدم فيهم الخير وفيهم الشر، لا يجوز تعظيم أحد فرداً كان أم حزباً أم طبقة أم شعباً فوق الحقيقة. ففي الوقت الذي نعظم فيه الإنسان فوق الحد لا نرى في الدين والأديان إلا الجانب السلبي، في حين إذا نظرنا إلى الإنسان نظرة متأنية وتاريخية سنجد أنه كان مفترساً، يقول باتاي: هناك شيئان رفعا الإنسان وانتشلاه من الحيوانية الدين مع المحرمات الدينية والشغل والكدح، هذان هما اللذان جعلا الإنسان إنساناً، جعلاه إنساناً للإنسان، ابن آدم، وهذه العملية لم تنته، صحيح إن الأوروبيين المتمدنين لا يأكلون لحوم البشر، لكن حربين عالميتين قتلتا عشرات الملايين من البشر، وفي الصعيد أو عندنا يقتلون المرأة إذا زنت، هم لا يأكلون لحمها، ولكنهم يقتلونها غسلاً للعار بحسب اعتقادهم.

نريد يا أخي أن ننظر إلى الأمور من عدة زوايا. إنني أعتقد أن الأديان يجب أن تقوم بدورها في الانتشال والسمو والارتفاع، دورها لم ينته قط ولن ينتهي.

8 ـ التكفير يهدم التفكير :

ـ ما قولك إذن في موضوع سلمان رشدي وكتابه وموقف المؤسسة الدينية والمتدينين منه؟.

# أولاً لو أعطيتني كتاب سلمان رشدي مجاناً فليس عندي استعداد لقراءته، بعدما سمعت وقرأت عنه، لأن موضوعه زوجات الرسول والآيات الشيطانية. مسألة الآيات الشيطانية لطيفة، يمكن استثمارها جيداً في مصلحة الدين وليس ضد الدين، بعكس موضوع النساء. لكن الذي لفت نظري أن الذهن العربي العام والمؤسسات الدينية وكذلك الشعب العربي لم يميز، لم يفصل بين موضوع الكتاب وقضية القتل (الفتوى التي أصدرها الخميني بهدر دم سلمان رشدي والجائزة التي رصدت لقتله.ج) لم يميز الصواب من الخطأ في مضمون الكتاب وكذلك في موضوع الأمر بالقتل. هذان موضوعان: الكتاب ومضمونه والأمر بالقتل. لم ينتبهوا إلى أن ديناً ومؤسسة دينية طويلة عريضة تأمر بالقتل. أنا أفهم الأمور على خلاف هذا: لو أن كل البشرية وكل الدول والأحزاب تسوغ القتل وتؤيد مبدأ القتل، فإن مؤسسة واحدة يجب أن تكون ضد القتل هي المؤسسة الدينية. إذا لم يكن في الدنيا سوى مؤسسة واحدة ضد القتل فمن المفروض أن تكون هذه الؤسسة هي المؤسسة الدينية، وإلا فأين الوعي العربي والوعي الإسلامي؟ مزايدات من السعودية إلى إيران إلى بروكسل إلى لندن، ما هذا؟! افصلوا وميزوا وفرقوا بين الأمرين. من يريد أن يقرأ سلمان رشدي فليقرأه، ولن يكون كتاب سلمان رشدي آخر كتاب يظهر ضد الإسلام أو ضد محمد، ظهرت كتب كثيرة، مئات الكتب ضد المسيحية، منذ 500 سنة إلى اليوم تظهر كتب ضد المسيحية. لا يجوز أن يسوغ الدين القتل، وإلا فما هي وظيفة الدين؟ أليس الدين هو الذي انتشل الإنسان منذ عشرة آلاف سنة قبل اليهودية والمسيحية والإسلام عن طريق المحرمات؟ ممنوع أن تأتي زوجتك كيفما كان، ممنوع أن تنقاد لغريزتك، ممنوع أن تقتل..إلخ. هذا هو الدور التهذيبي للدين، أما أن نرجع الإنسان إلى الحيوانية (إلى شريعة القتل.ج) فهذا ما أسميه جريمة هؤلاء، وجريمة كل من يتساهل مع هذا الاتجاه. الله لا يحتاج إلى كل هذه الأديان فهي لا تزيده شيئاً ولا تنقصه شيئاً (الإنسان هو المحتاج إلى الدين.ج). يتصور بعضهم أن الإسلام سينهار بسبب سلمان رشدي. الإسلام لا يهزه سلمان رشدي ولا 500 سلمان رشدي. المسألة باعتقادي مسألة من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. لا يستطيع أحد أن يفرض على الناس شيئاً من قبيل الإيمان. لا إيمان بالإكراه و"لا إكراه في الدين". إذا كان الإيمان واجباً فإنه بالإكراه يكف عن كونه واجباً. لنعمم مقولة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الواجب فكرة أخلاقية ومعنوية، وأنا أقوم بواجبي عندما أفعل ما أعتقده صحيحاً وليس عندما أفعل ما تفرضه أنت أو غيرك علي مما تفترضونه صحيحاً.

إن كان هناك مستقبل لنا وللبشرية فلسوف ينشأ عندنا فكر إسلامي. الآن لا يوجد فكر إسلامي، هناك بذور متفرقة، يوجد أو موجود يعني، بلغة علماء الرياضيات، قابل للبناء عليه. الوجود هو قابلية البناء، الذي لا يبنى عليه شيء فإنه لا شيء. يجب أن يكون لدينا فكر إسلامي. إذا عدت إلى الماضي، وأريد أن أكون صريحاً، وأتساءل هل المسيحية كانت أكثر فاعلية في أوروبا أم الإسلام عند العرب؟ فإنني أجيب إن المسيحية كانت أكثر فاعلية. هذا موضوع طويل ولكني أختصره بعدة نقاط: أولاً الشروط التاريخية والجغرافية في أوروبا مختلفة عنها في العراق ومصر سوريا والسودان.. ثانياً الكنيسة والرهبنات والخوارنة كانوا طليعة بناء الأمم الأوروبية، أعتقد أن الرهبنات، في القرون الوسطى بنت 20% من القرى في فرنسا، وفي ألمانيا أكثر من ذلك. في حين دخل الإسلام إلى العراق وسوريا ومصر وكانت موجودة (معمورة وآهلة ومتحضرة.ج) وقديمة جداً وفيها حضارة وزراعة ومدن، أوروبا ليست كذلك، فألمانيا والسويد وبولونيا وهولندا وسكوتلندا تستطيع أن تقول إنها لم تكن موجودة قبل 1200 سنة، ثالثاً لننظر إلى تاريخ الفلسفة، نستطيع أن نستعرض، بنداً بنداً، أوغسطين قديس ولاهوتي وفيلسوف، وكثير من الناس منهم ماركسيون يقولون إن أوغسطين هو بداية الفلسفة الغربية. صحيح كان هناك قبله أفلاطون وهيرقليط وأرسطو.. لكن بعد ذلك لا شيء. ثم أتى أوغسطين وكان مبدؤه: إذا كنت خاطئاً فأنا موجود.. (هذا أصل مبدأ ديكارت. وكما يقولون إن أوغسطين أعطاه صيغة روحية أوسع: لئن كنت مخطئاً (أو خاطئاً.ج) فأنا موجود. وقوله: أؤمن لكي أفهم، الإيمان مبدأ يوجب علي أن أحاول أن أفهم، أن أسعى إلى الفهم. الإيمان ليس خاتمة، إنه مبدأ و(بداية) من أجل المتابعة(22). أنتقل من أوغسطين إلى توما الإكويني وخصومه من هنا وهناك من فلاسفة ومسيحيين غربيين، ثم إلى ديكارت والمقولتين: المادة والروح، وفكرة النفس الفانية، الله والنفس الخالدة أنا أفكر إذاً أنا موجود: أنا موجود بصفتي نفساً مفكرة، كائناً مفكراً، كائناً صفته التفكير. من الدين خرج الفكر. تفكير سبينوزا مثلاً، ما أثر الله واليهودية والمسيحية والإسلام في تفكير سبينوزا؟ إنه كبير. الرجل (سبينوزا) يقول لك: النفي (كل تعيين هو نفي.ج) ويحترم اليهودي والمسيحي والمسلم. ثم يأتي هيغل فيقول إن سبينوزا أنقص شيئاً، عنده التوكيد والنفي، نريد نفي النفي، نريد الروح القدس، انتهت المسيحية. كانط، هيغل، بيركلي.. ألوان مختلفة واتجاهات متضاربة كلها تستطيع أن تسميها ضمن الفلسفة المسيحية. هنا قد تقول لي: والفلسفة العربية الإسلامية. أقول لك: والله لا أراها إسلامية. ليس لها ارتباط حميم بالمسائل العقيدية والدينية الإسلامية. وأقول كان هناك بداية كيلا نظلم الفلسفة العربية الإسلامية لكن تاريخها ينتهي في القرن الثالث عشر، كلها صبت في أوروبا، ابن رشد وابن سينا وغيرهما ولو أن ابن رشد هو الذي أمسك بالفكر أكثر من سواه. وإذا نظرنا إلى الأدب فيمكنك أن تقرأ أدباً مسيحياً مسيحياً في القرن العشرين في فرنسا وفي روسيا وفي إنكلترا تقرأ مثلاً غراهام غرين. وكذلك الفن، الرسم ليس فقط الرسم البلجيكي والألماني والإيطالي في عصر النهضة نصف موضوعاته مسيحية، بل الرسم الروسي، ريبين وخلفاؤه الذين كان الروس يحدثوننا عنهم وينسون صفتهم المسيحية، أولئك الروس الواقعيون المناضلون أو الواقعيون الاجتماعيون منذ 1860 حتى 1910، ناضلوا ضد الاستبداد وضد المشيخة والخوارنة وضد كل العفن في روسيا. لم يقل لنا الرفاق السوفييت أن هؤلاء مسيحيون رسموا الموضوعات المسيحية، الصلب والعذاب والعذراء. أول مرة عرفت هذا الموضوع في صيف عام 1984 في باريس في معرض للفنون التشكيلية السوفييتية، إذ اشتريت ألبوم صور فيه مقالات لسوفييت رسميين وكذلك لفرنسيين. وقرأت هذه المعلومة في مقال فرنسي أن ريبين وخلفاءه تناولوا موضوعات مسيحية كالإيطاليين قبلهم بثلاثمئة سنة. لكن الروس بالطبع أعطوا هذه الموضوعات نفساً جديداً فالمنفيون إلى سيبيريا في عهد القيصر باتوا كالمسيح المصلوب. وإذا انتقلنا إلى الموسيقى، فمن لا يعرف أن كل هذه الموسيقى الكلاسيكية لها أصول في الغناء الكاثوليكي الغربي؟ لكن عندنا أين الإسلام ما علاقة ما كتب في الخمريات بالإسلام وبآلاف القصائد التي كتبت من الأندلس إلى إيران، مروراً بمصر وسوريا والعراق. إن أحسن شيء عندنا، في هذا الميدان، هو التصوف. ويتساءل المرء لماذا نال التصوف هذه الحظوة في الأزهر. هذه هي المصيبة. في تاريخ الغرب إثنان من أكبر المتصوفة الغربيين هما: ساجو ديلاكروا، يوحنا الصليبـي الإسباني مصلح رهبنة الكرمل، وتيريز دي فيلال الكبرى، وهما ممن أصلحوا اللغة الإسبانية ورهبنة الكرمل. وهما قديسان في الكنيسة ومتصوفان. الراهبة التي تتحدث عن الله والمسيح بلغة العشق والوجد، بلغة حسية جداً، بلا حرج منحتها الكنيسة لقب قديسة. هذا غير قليل.

ـ عندنا شككوا بإيمان المعري وصحة معتقده، رماه بعضهم بالكفر. وكذلك فعلوا بابن رشد ولا يزالون. نحن نكفر كل من لا يوافقنا الرأي ولا يشاطرنا العقيدة. وما أسهل التكفير. متى سنكتب تاريخينا معترفين بأن لنا تاريخاً داخلياً قوامه التعارض والصراع وأن الأمة ستصارع بعضها بعضاً في المستقبل ولكن بغير سكاكين. وأن الأطراف المتصارعة كلها من الأمة؟ لم لا، لم لا نقوم بالتمييز؟ قد أكون أنا ضد جميع مضامين السهروردي القتيل أو الشهيد ولكنني لا أقبل بأن يقتل ولا بأن يحاكم. لذلك لا أقبل من الجابري أو غير الجابري شيئاً عندما يحدثنا عن السهروردي قبل أن يعلن إدانة قتله