حذار من "الحرية والحياة الجيدة"

جاد الكريم الجباعي

حين قرأت كتاب زبغنيو بريجنسكي "أميركا بين عصرين" قبل سقوط الاتحاد السوفيتي انتابني القلق نفسه الذي ساورني حين قرأت رواية 1984 للروائي الإنكليزي جورج أورويل، قلق على مصير الإنسان في النظام الشمولي. وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي وزواله، عدت ثانية وثالثة إلى كتاب أميركا بين عصرين، لا إلى كتاب "الإخفاق الكبير" للكاتب نفسه، أبحث، فضلاً عن الموهبة والثقافة والعاطفة، عن المنهج الذي وصل به بريجنسكي إلى ما وصل إليه من نتائج، فوجدته في الماركسية المغبونة في جميع كتابات بريجنسكي، الماركسي المتنكر، بل الماركسي الناكر الذي ينطوي على غير قليل من "النقص في المبدأ"، بحسب تعبير ماركس. وبعد الحادي عشر من أيلول وما نجم عنه من غضب غريزي وخوف غريزي، وهما وجهان لعملة واحدة، انتابني القلق ذاته على مصير الإنسان في نظام "الحرية والحياة الجيدة"، أعني النظام العالمي الجديد ونمط الحياة الأمريكية الذي يراد لنا أن نعيشه قسراً. ولما كنت عاجزاً عن إخفاء كرهي للغطرسة الأمريكية، وحذراً في الوقت ذاته من تغليب حكم القيمة على حكم الواقع، بقدر ما يمكن لمحروم من الحرية أن يفعل ذلك، رحت أبحث عن شهادة أمريكي مزهو بأمريكيته ومشفق على دولته العظمى أن تفقد زمام السيطرة المنفردة على العالم، شهادة على النظام العالمي الجديد وعلى نمط الحياة الأمريكية يقبل بها الأمريكيون وأصدقاؤهم الأكثر أمريكية بوجه خاص، وأطمئن بعض الاطمئنان إلى منهجه العقلي، على الرغم من نقص المبدأ.

ولما كانت الحرية أعز ما نصبو إليه ونسعى في سبيله، والحياة الجيدة أهم ما نحلم به، كنت ولا أزال مشفقاً على نفسي، وعلى من أحب، أن تنطلي علينا خدعة الحرية والحياة الجيدة في إهابهما الليبرالي الجديد، بل في إهابهما الأمريكي. ولذلك سأترك الحديث عن الحرية والحياة الجيدة للسيد بريجنسكي مع الاحترام والتقدير.

يقول بريجنسكي في كتابه "الفوضى"، وعنوانه الفرعي: "الاضطراب العالمي عند مشارف القرن الحادي والعشرين": " ثمة قضيتان مهمتان .. ينبغي التعرف عليهما هنا: تعريف الحرية وتعريف الحياة الجيدة. التعريف الأول يتعلق بمعنى المواطنة، والثاني يرتبط بجوهر الإنسان. ففي مجتمع يشدد ثقافياً على الحد الأقصى للقناعات الفردية وعلى الحد الأدنى للقيود الأخلاقية تصبح الحرية المدنية ميالة إلى الارتقاء إلى مستوى المطلق المشرَّع ذاتياً، أو بمعنى آخر تنفصل الحرية المدنية عن مفهوم المسؤولية المدنية. لقد تم تعريف مفهوم الحرية عرفياً، منذ الثورتين الفرنسية والأمريكية، في إطار المواطنة؛ أي إن تعريف الحريات الفردية داخل حيز سياسي اجتماعي يشتمل على بعض المسؤوليات حيال ذلك الحيز نفسه. ومع هذا تتطلب هذه المسؤوليات بعضاً من المحرض الحقيقي من أجل النهوض بها إرادياً، وهو محرض سينادي بدوره بروح داخلية تحث على التضحية والخدمة وممارسة ضبط الذات. إن المواطنة الوطنية هي إطار العمل لتعريف الحرية المدنية داخل مجتمع ديمقراطي.

يتعرض هذا التعريف إلى خطر في عالم اليوم، والكلام لا يزال للسيد بريجنسكي، إذ يمكن تعريف الحرية على أنها تراكم الحقوق والتخويلات، وكذلك ممارسة أي شكل من أشكال التعبير والإمتاع الذاتيين، في حين يغدو بالياً مفهوم الخدمة المفروضة ذاتياً للمجتمع. وبهذا أصبحت الحرية الفردية العنصر الغائب من عملية التقييد، ما عدا الحالات التي تنطوي على تهديد يحدد على أنه قانوني ضد الوجود المادي أو الجسدي لشخص ما.

ويضيف السيد بريجنسكي الذي لم يتورع عن دعوة حكومة بلاده إلى الثأر والانتقام لأحداث الحادي عشر من أيلول على نحو ما فعل طيب الذكر هنري كيسنجر: "يساهم تعريف الحرية التدريجي البعيد عن مفهوم الحرية المدنية المسؤولة والقريب من مفهوم التحرر الشخصي الفاسق في اتجاهات وسائل الإعلام الحالية ويتعزز من خلالها أيضاً. فالقيم التي يتولى الإعلام تغطيتها تقدم على نحو متكرر ما يمكن تسميته بالفساد الأخلاقي والتفسخ الثقافي"[1]. ويذكر في مكان آخر من الكتاب نفسه أن 80% من البث العالمي ونقل المعلومات ينبع من أمريكا، وأن 50% من مناظر الأفلام العالمية تتضمن إنتاجات أمريكية الصنع[2]. ويؤكد أن التلفزة الأمريكية والسينما الأمريكية عززتا السوقية المهيمنة والفراغ الفكري الذي نقلته تلك الصور، والشكوك العالمية حيال مسألة أن لدى أمريكة رسالة أعمق يمكن أن تقدمها للعالم المعاصر. إذ ارتدت أغلب الأفلام الأمريكية المعاصرة رداء العنف الوحشي والبربرية الجسدية والجنسية. وليس من المبالغة القول هنا: إن منتجي هوليوود قد أصبحوا مخربين ثقافيين من الذين يدعون إلى أخلاق اجتماعية هدامة.[3]

هذه النقطة ترتبط مباشرة بتعريف جوهر الحياة الجيدة. يعرَّف التلفاز، باعتباره الممون الرئيسي للثقافة الجماهيرية، الحياةَ الجيدةَ بعملية الحصول على البضائع، والإمتاع الذاتي الفوري، على نحو أكثر عمومية. وهنا سيأخذ المستهلك النهم مكان الطوباوي المتعصب. وستكون عملية إحصاء كم من الاستهلاك الغربي غير ضروري أمراً مزعجاً من الناحيتين السياسية والأخلاقية في عصر بات فيه ممكناً إدراك الجور والحرمان الإنسانيين. والاستهلاك غبر الضروري هو الاستهلاك المتأتي من رغبات اصطناعية"[4].

نكتفي بهذا القدر من شهادة بريجنسكي لنؤكد من خلالها أن الليبرالية الجديدة التي تمجد الحرية الشخصية، والمبادرة الفردية، والمشروع الخاص، معزولة كلها عن إطار المجتمع والإنتاج الاجتماعي، والقادمة إلينا مع "دكتاتورية السوق" ومع صواريخ كروز وقاذفات  B52وعلى متون حاملات الطائرات وفي بطون الغواصات والبوارج الحربية لتعلمنا بالحديد والنار معنى الحرية وحقوق الإنسان؛ هذه الليبرالية تحمل في ثناياها الفساد الأخلاقي والتفسخ الثقافي، لا لأنها نتاج الشرط الأمريكي، أي شرط الراسمالية الخالصة أو الرأسمالية النقية، والمتوحشة لأنها كذلك فحسب، بل لأنها انتكاس عن الليبرالية المرتكزة على الإنسية والعقلانية والعلمانية، وعلى حرية الفرد وحقوق الإنسان تحت مقولة العقد الاجتماعي ومبدأ المواطنة، والمؤسسة للديمقراطية والعدالة الاجتماعية في صيغتها الاشتراكية من خلال تأكيدها أهمية المساواة وضرورة العدالة الاجتماعية للاستقرار الاجتماعي. وهي متعارضة على طول الخط مع القيم المجتمعية والإنسانية، ومتعارضة بوجه خاص مع الديمقراطية. وفي اعتقادي أن الذين وصفوا الرأسمالية الأمريكية الخالصة بأنها رأسمالية فردية مقارنة بالرأسمالية الاجتماعية في أوربة الغربية واليابان كانوا على صواب.

الحرية مفهومة فهماً صحيحاً هي وعي الضرورة وموضوعية الإرادة وإمكانية الاختيار، على صعيد الفرد والجماعة والشعب والأمة. الضرورة قيد ملازم للحرية، حتى ليمكن القول: إنه لا حرية بلا ضرورة؛ والاجتماع البشري على اختلاف أشكاله ضرورة ملازمة للكائن البشري؛ والضرورة تظل عمياء حتى توعى. ومن ثم فإن الوعي هو عنصر الحرية الأساسي، والوعي اجتماعي على الرغم من تجلياته الفردية؛ لذلك كانت الحرية، بصفتها وعياً للضرورة، مشروطة بالاجتماع البشري ومقيدة به. والحرية من جهة أخرى هي موضوعية الإرادة في معارضة الإرادة الذاتية، وشرط صيرورة الإرادة موضوعية هو الوعي بصفته معطى اجتماعياً. ووعي الضرورة هو اكتشاف منطق الواقع ومعقوليته وتعرف ممكناته واحتمالاته واتجاهات تطوره مقدمة لازمة للتأثير فيه، وهو ما يفترض إمكانية الاختيار.

حين تغدو الحرية الفردية مطلقاً مشرَّعاً ذاتياً، يغدو شرطها الضروري، أي القانون، قوة خارجية خالصة، ولا يبقى أمام الفرد سوى اختبار قوة القانون وجديته بجميع صور الاختبار الممكنة؛ ولذلك تتفشى الجريمة والانحرافات السلوكية والنفسية، ويغدو العنف مبدأ حاكماً في العلاقات الاجتماعية. لا حرية بلا قانون؛ ولكن القانون الذي هو شرط الحرية لا يكون كذلك إلا إذا كان كالحرية ذاتها قوة داخلية متوافقة مع القوة الخارجية لأنهما من ماهية واحدة. فالمواطن في دولة الحق والقانون حاكم ومحكوم في الوقت ذاته، وهو، حين يطيع القانون، إنما يطيع ذاته، وذلكم هو مبدأ السيادة.

ثمة ميل واقعي ينمو باطراد لجعل العالم الذي وحدته الرأسمالية توحيداً تناقضياَ على صورة الولايات المتحدة ومثالها، وهو ميل تعبر عنه مساعي الولايات المتحدة لمماهاة القوة الاقتصادية والعسكرية وقوة العلم والتقانة بالسلطة السياسية؛ فما دامت الولايات المتحدة هي الأقوى اقتصادياً وعسكرياً والأكثر تقدماً في ميادين العلم والتقانة، ينبغي أن تكون حكومة العالم الوحيدة التي لا تنازعها ولا تشاركها حكومة أخرى. والولايات المتحدة في نظر الأمريكيين هي الصورة المصغرة عما يمكن، بل عما يجب أن يكون عليه العالم، ومصير "الفسيفساء" القومية والإثنية واللغوية والثقافية في العالم مرتبط بمصير نظائرها في الولايات المتحدة، في ضوء الرسالة المتناقضة التي تحملها أمريكا للعالم: رسالة الحرية الفردية من جهة والانحطاط الأخلاقي والتفسخ الثقافي من جهة أخرى. هذه الرسالة سوف تنتج بالضرورة ردود فعل متناقضة في مناخ عالمي يتسم بالفوضى. وليس بوسع القوة الأمريكية العالمية ان تغدو السلطة العالمية إلا بمواءمة القيم الأمريكية التي تحملها وسائل الإعلام والثقافة الجماهيرية إلى جميع أنحاء العالم، لا القيم التي يتضمنها الدستور الأمريكي، أو إعلان الاستقلال الأمريكي، مع النظام العالمي الجديد. لأنها لو فعلت العكس سوف تتقوض أركان سيطرتها على العالم بفعل تلك المبادئ ذاتها.

وحين تغدو القوة الأمريكية العالمية هي ذاتها السلطة العالمية سوف تغدو قوة السلطة الضرورية في كل زمان ومكان سلطة القوة المنفلتة من كل عقل وعقال، ويكون النظام العالمي الجديد الذي دشنه جورج بوش بحربه على العراق هو نظام الفوضى والعنف والإرهاب، نظام عدم التوازن الفعال، كما وصفه جورج سوروس في كتابه "أزمة الرأسمالية"، أو نظام "عدم الاستقرار الهدام" كما وصفه بريجنسكي في كتابه المذكور آنفاً. وتغدو السلطة الوحيدة في هذا النظام سلطة القوة العارية. والحرية والحياة الجيدة تتحددان بالنظام العام، المحلي أو العالمي، الذي تنتميان إليه. ففي نظام سماته الأساسية هي الفوضى والعنف والإرهاب وخارجية القانون وعدم مشروعية السلطة وانحطاط الأخلاق وتفسخ الثقافة وتهميش أربعة أخماس البشر وإخراجهم من عالم الاقتصاد والسياسة .. تغدو الحرية هي إباحة كل شيء واستباحة كل شيء، وتغدو الحياة الجيدة استهلاكاً مرضياً للماديات والمعنويات، ويحل الفرد الطبيعي المجرد من أي صفة اجتماعية أو إنسانية، الفرد المسوق بسائق رغباته وأهوائه ونزواته وحاجاته الطبيعية الخالصة محل المواطن المتطلع إلى الحرية والمساواة والعدالة. فحذار أيها المتعطشون إلى الحرية والحياة الإنسانية اللائقة، حذار من "الحرية والحياة الجيدة". وحذار حذار من الليبرالية الجديدة التي يراد فرضها على العالم بالقوة، وإحلالها محل الديمقراطية.



[1] - بريجنسكي زبيغنيو، الفوضى، الأهلية للنشر والتوزيع، عمان 1998 ،ترجمة مالك فاضل، ص 66 - 67

[2] - المصدر نفسه ص 82

[3] - المصدر نفسه ص 69

[4] - المصدر نفسه ص 69