لبنان وسورية

بين هاجس الأمن وهاجس السيادة

جاد الكريم الجباعي

يتنازع اللبنانيين اليوم هاجسان: هاجس الأمن وهاجس السيادة، وتختلف وجهات نظرهم في مفهومي الأمن والسيادة اختلافاً حاداً، حتى أنك لتجد من هو مستعد للتضحية بالسيادة في سبيل الأمن، ومن هو مستعد للتضحية بالأمن في سبيل السيادة. نظرياً، ليس ثمة تعارض بين الأمن والسيادة، بل إن كلاً منهما يشرط الآخر ويحدده. أما في الواقع اللبناني فالأمر على خلاف ذلك، الأمن والسيادة ضدان. هذا التضاد في الواقع المباشر يثير مسألة نظرية على قدر كبير من الأهمية، فإما أن تكون مقولات الفكر النظري وتجارب الشعوب المتقدمة التي أنتجت هذه المقولات غير عقلانية، وإما أن يكون في الواقع اللبناني ما هو  غير عقلاني إلى حد تبدو معه السيادة والأمن ضدين متنافرين ومتنافيين. وإذ نفترض أن الطائفية هي هذا الشيء غير العقلاني الذي يقلب جميع المعايير والموازين المنطقية، فإن وجود القوات السورية في لبنان والسلطة التي يمارسها النظام السوري على اللبنانيين يرتبطان أوثق ارتباط بهذا الشيء غير العقلاني، وينتجان من ثم هذا التعارض غير العقلاني أيضاً[1]؛ إذ تبدو "سورية" (بحسب تعبير اللبنانيين) الضمانة الوحيدة للأمن من جهة، والقوة التي تنتقص من سيادة الدولة اللبنانية من جهة أخرى. وإن علاقة هذا مبدؤها لا يمكن أن تسفر عن غير ما أسفرت عنه، في الظروف المحلية والإقليمية والدولية التي نشأت فيها؛ الحرب الطائفية استدعت "التدخل السوري" وانتهت باتفاق الطائف الذي أريد له أن يحل محل ميثاق 1943. فاحتفظ الاتفاق المذكور بإشكالية الميثاق نفسها، ولكن مقلوبة هذه المرة، بحسب الوقائع التي تراكمت على الأرض. فبعدما كان المسلمون يشعرون بالغبن والهامشية، ويطالبون بـ "المشاركة الصحيحة" في الحكم، بموجب ميثاق 43، صار المسيحيون يشعرون بالغبن والهامشية والإحباط، ويطالبون بهذه المشاركة، بموجب اتفاق الطائف الذي فرضته نسبة القوى، ومنطق القوة، في ظروف معلومة.

 لنقل إذن إن القوة والسيادة صنوان، وإن القوة والغلبة والقهر لا تزال تحدد العلاقات الاجتماعية والسياسية، لا في بلادنا فحسب، بل في كثير من دول العالم أيضاً، ولا تزال تحدد العلاقات بين الدول على صعيد العالم. (والمعنى الوحيد المعترف به عندنا للقوة هو "قوة الشوكة والغلبة" أو قوة العصبية، بتعبير ابن خلدون، أي القوة العسكرية وما في حكمها، بلغة عصرنا) ومن البديهي إذن أن من يملك القوة يملك السيادة، بالمعنى المرادف لوصف اسبينوزا السياسات ما قبل المدنية بأن "لكل من الحق بقدر ما له من القوة"، ولا أظن أن هناك قاعدة أخرى تضارع هذه القاعدة في قوة نفوذها عندنا، وهي القاعدة التي كانت ولا تزال تجعل السياسة تمارس على أنها حرب. ويبدو لي أن الأقوى في لبنان اليوم هو النظام السوري وأتباعه ومحازبوه ومشايعوه أو "حلفاؤه" الذين يستقوون به في اللعبة "السياسية"، لعبة الديمقراطية الطوائفية التي ترقص على ألحان الديمقراطية الشعبية طيبة الذكر، في ظل أوضاع إقليمية ودولية لا تزال مواتية لذلك. وقد نشأ عن منطق القوة والاستتباع، ويقابله منطق الاستقواء والتبعية والولاء، شعور معظم اللبنانيين بوطأة التدخل السوري في جميع مجالات حياتهم. بحكم هذا المنطق أكل اللبنانيون كل اللبنانيين يوم أكل السوريون، فليس بوسع أحدهم أن ينصر الآخر أو ينتصر له أو يخفف من معاناته.

يقول بعض اللبنانيين: "السيادة الوطنية هي ألاّ يُنتخب (بضم الياء لتجهيل الفاعل) النواب وتُفبرك لوائحُهم (بضم الحاء لتجهيل فاعلٍ آخر...) في غير عاصمة السيادة، ولا حتى في "قاعة الرئاستين" لقمّة البلدين المرتبطين بمعاهدة أخوة وتعاون وتنسيق لا تنص على تعيين السلطة السيدة في كل بلدٍ مِن "فوقٍ" مجهول، بل تكون كل سلطة متآخية مع الأخرى انطلاقاً من القاعدة الشعبية الدستورية لكلٍِ من الدولتين، وفق نظام هذه وتلك"[2]. فلا يسعنا سوى أن نتساءل عن "القاعدة الشعبية الدستورية لكل من الدولتين". وعن الدولتين: اللبنانية التي نهضت "كطائر الفينيق" من رماد الحرب الطائفية القذرة وخرائبها، والسورية التي ضوت وضمرت حتى فقدت جميع مقومات الدولة الحديثة التي كانت أفق تطورها ذات يوم، ولم يتبق منها سوى سلطة القوة العارية. والفساد الفاقع والمكشوف الذي يتباهى به من يمارسونه في سورية ولبنان بلا خجل لخير دليل على ماهية هذه القوة، وعلى "واقعية" و "عقلانية"[3] المبدأ القائل: لكل من الحق بقدر ما له من القوة.

الدلالة الحديثة لمفهوم السيادة المقترنة بالأمن دلالة غير عربية، بل وافدة أو "مستوردة"، كما يحلو لبعضهم أن يقول، من الثقافة الغربية، ومرتبطة بمفهوم الدولة الحديثة، (الجماعة السياسية أو الجمهورية، أي الشيء العام المعبر عما هو مشترك بين جميع المواطنين،)؛ ومرتبطة، من ثم، بمفهوم المواطنة، وبمفهوم الشعب، مصدر جميع السلطات، لا بمفهوم الملة أو المذهب أو تعايش الطوائف والعشائر التي صارت أحزاباً أو الأحزاب التي صارت طوائف وعشائر. السيادة والجمهورية، بالمعنى الذي ذكرناه للتو، صنوان، ولذلك وصفها بودان من تولوز بفرنسة (1529-1596) بأنها "دائمة ومطلقة وغير قابلة للتجزئة" ومقترنة بالقانون بمعناه العام والمجرد، وكلها صفات تدل على عموميتها، وميزها من الحكم، أو ما نسميه اليوم الحكومة؛ وما دامت كذلك فليس من الممكن أن تكون فردية، أي شخصية، استبدادية وطغيانية، أو فئوية تقتصر على جزء من المجتمع، وإن تجسدت في (ملك أو أمير) أو في نخبة أرستقراطية. فهي دائمة "بدوام حياة الذي يملكها (الشعب)، ومطلقة لأنه ليس لها من شرط آخر غير "ما يحكم به قانون الله والطبيعة وما تعارفت عليه البشرية من مبادئ عامة" (بحسب بودان[4])[5]. ولا يزال الكثيرون عندنا لا يدققون في مغزى الدعوة إلى الحكم المطلق في أوربة أواخر القرن السادس عشر ومعظم القرن السابع عشر، ولا يتوقفون عند تمييز الحكم المطلق من الحكم الاستبدادي أو الطغياني، ولا يتوقفون من ثم عند فكرة سمو القانون في فكر النهضة والتنوير. بل إن فكرة الدولة الحديثة لم تحظ بالاهتمام الذي تستحق من المفكرين والسياسيين العرب حتى يومنا، ولطالما اختزلها بعضنا إلى "أداة قهر طبقية". ففي حين كنا ولا نزال في أمس الحاجة إلى بناء الدولة الحديثة، الليبرالية، ثم الديمقراطية، ذهب بعضنا إلى وجوب تدمير الدولة إما لأنها بورجوازية وإما لأنها علمانية ملحدة. فلم تحظ الدولة باحترامنا الذي تستحق، ولم يحظ القانون بالسمو الذي يستحق، ولم نقتنع بعد أن القانون هو مبدأ الدولة وأنه هو الذي يعصم من الجهل والهوى.

يعتقد الكاتب أن سيادة لبنان منقوصة بالطائفية[6]، وسيادة سورية منقوصة بالاستبداد والتسلط، أي تماهي الدولة والسلطة أو الحكومة التي تحتكر السياسة والثروة والقوة والحقيقة والوطنية، وأن المشكلة اللبنانية كما نراها تكمن في تضامن الطائفية والاستبداد وزواجهما الشرعي على المذهب الكاثوليكي. ومن ثم فإن ساسة الطوائف، وساسة الأحزاب / الطوائف كانوا ولا يزالون تبعاً للمستبد على النحو الذي كان عليه أمراء الإقطاعية الشرقية. هذا الزواج الشرعي الذي نجم عن اضطراب الأمن أدى إلى اضمحلال السيادة، فليس هناك مثال أشد سطوعاً على اقتران الأمن بالسيادة مما جرى ويجري في لبنان، على أن تفهم السيادة على أنها سيادة الشعب، وهذا لا يعني أن سيادة العاهل التي مبدؤها العدل أو سيادة النخبة الأرستقراطية التي مبدؤها الفضيلة غير مقترنة إطلاقاً بالأمن، أي بالاستقرار السياسي والرخاء الاجتماعي المستندين إلى "عقد اجتماعي" يحفظ الحقوق والحريات العامة، وإلى توافق على المصلحة الوطنية التي ليس بوسع أي جزء من المجتمع أن يقررها وحده من دون عسف وإكراه.

الطائفية تقتل الدولة، كما أكدت تجربة الحرب الأهلية اللبنانية، وجميع الحروب الأهلية الأخرى؛ والاستبداد يقتل الشعب، كما أكدت تجربة "الديمقراطية الشعبية" في سورية والعراق والجزائر وغيرها، وسائر تجارب "الاشتراكية المحققة" في الاتحاد السوفييتي السابق ودول أوربة الشرقية وغيرها، وقتل الشعب وقتل الدولة كلاهما يبددان السيادة والأمن ويضعان الشعوب المبتلاة بهما على حافة الانفجار، وتنتجان ما أميل إلى تسميته "أزمة البديل"، ما لم ينهض مثقفون وطنيون هنا وهناك بمسؤولياتهم الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، وما لم تنهض قوى اجتماعية ومجتمعية لها مصلحة فعلية في إعادة الاعتبار للسيادة والأمن، أي لعمومية الدولة، دولة الحق والقانون التي تبسط الأمن في جميع أرجاء البلاد (من دون أن تنشر قوى الأمن وتقيم المعتقلات والسجون) وتمثل السيادة. وفي هذا السياق تندرج محاولات المثقفين السوريين الذين بادروا إلى التقاط بارقة الأمل التي لاحت في ليل الاستبداد الطويل والمرير، أعني "خطاب القسم" الذي ألقاه السيد رئيس الجمهورية العربية السورية أمام ما يسمى "مجلس الشعب"، فأذاعوا بيان الـ 99 ووثيقة الألف ووثيقة التوافقات الوطنية، وواكبتها الوثيقة البرنامجية التي أعلنها التجمع الوطني الديمقراطي المعارض ومشروع ميثاق الشرف للعمل السياسي في سورية الذي أعلنه الأخوان المسلمون في الخارج، والذي صار "ميثاق العمل الوطني" بعد أن أقره مؤتمر لندن منذ وقت قريب، وأطلقوا حالة من الحوار في المنتديات والندوات والملتقيات لم تشهد لها سورية مثيلاً منذ أكثر من ربع قرن، وقد كانوا ولا يزالون يراهنون على ألا تكون تلك البارقة وهماً وسراباً خادعاً كما يشيع رموز القمع والفساد.

صحيح أن قضية الوجود السوري في لبنان وسياسة الاحتواء والإقصاء التي يمارسها النظام السوري فيه لم تندرج نصاً في منظورات المثقفين الديمقراطيين السوريين، كما لم تندرج نصاً قضية الصراع العربي الإسرائيلي، على أهميتها الاستثنائية، وهو ما وجد فيه رموز القمع والفساد مدخلاً لنقد المثقفين، ثم التشهير بهم وتكفيرهم وتخوينهم؛ إلا أن موقف المثقفين الديمقراطيين، لم يكن ناجماً عن تجاهل هذه القضية أو تلك، بل كان ناجماً، كما أدعي، عن اقتناع المثقفين الديمقراطيين بأن العلاقات الداخلية في أي دولة هي التي تحدد علاقاتها الخارجية ومواقفها من سائر القضايا الإقليمية والدولية. ولدى المثقفين السوريين ما يقولونه في الآثار السلبية لسياسات النظام السوري في لبنان، لا كرمى لعيون اللبنانيين عامة والمثقفين منهم خاصة، بل كرمى لعيني ما يعتقدونه المصلحة الوطنية / القومية فحسب. فليس بين المثقفين الديمقراطيين السوريين من يعتقد بأن من حق سورية أن تقرر ما هو مناسب أو غير مناسب للبنانيين أو لشعب فلسطين أو لشعب العراق، وإلا كف عن كونه ديمقراطياً، بل ليس فيهم من يقبل أن يزيد عليه أحد في الوحدة الوطنية والوحدة القومية وتحرير فلسطين. بل أذهب إلى القول إن محور عمل المثقفين الديمقراطيين هو القطع المعرفي والثقافي والسياسي والأخلاقي مع التسلط والاستبداد، وغيرها من مظاهر التأخر التاريخي وعوامله، وتهيئة الحاضنة الثقافية والأخلاقية لمشروع إصلاح وطني يذهب في اتجاه إعادة السياسة إلى المجتمع وإعادة إنتاج عمومية الدولة ومؤسساتها وآليات عملها؛ ومن ثم فإن العلاقات السورية اللبنانية أو غيرها إنما تتحدد بصورة نهائية وقطعية ببنية النظامين السياسيين في البلدين، أو ببنية النظم السياسية في البلدان المعنية، وقد كان الأمر كذلك دوماً.

الأطروحة المركزية في هذا المحور هي أطروحة المجتمع المدني الذي ينتج الدولة الحديثة (الدولة الوطنية / القومية) شكلاً لوجوده السياسي، وتحديداً ذاتياً للشعب؛ وقوام هذه الأطروحة نسق من المقولات والمفاهيم التي يستدعي بعضها بعضاً بالضرورة المنطقية والتاريخية، كحرية الفرد وحقوق الإنسان ومفهوم المواطن بوصفه حاكماً ومحكوماً في الوقت ذاته، ومفهوم المواطنة بما هي جملة من الحقوق المدنية والحريات الأساسية والالتزامات القانونية، ومفهوم سيادة القانون وسموه ومساواة جميع المواطنين أمامه، ومفهوم المشاركة السياسية التي تحقق عضوية الفرد / المواطن الفعلية في الدولة أو في الجسم السياسي، وتفضي من ثم إلى التداول السلمي للسلطة، وغيرها من المفاهيم التي تنأى بأطروحة المجتمع المدني عن الاختزال إلى ما يسمى "الجمعيات غير الحكومية"، أو الاندراج الواعي أو غير الواعي في ما يسمى "العولمة الاجتماعية"، وتنأى بها أخيراُ عن أي تأويل يضعها في تضاد مع الدولة الوطنية أو يجعل منها آلية من آليات انتقاص سيادتها. بهذه التحديدات، وغيرها بالطبع، تختلف أطروحة المجتمع المدني عن مفهوم "الجمعيات غير الحكومية" في كل من لبنان والأردن ومصر والمغرب العربي وغيرها، لا بحكم اختلاف الأوضاع فحسب، بل بحكم اختلاف المبادئ والأهداف أساساً. وهو ما يفسر عدم وجود صلات وعلاقات متبادلة بين حركة المجتمع المدني في سورية و"مؤسسات المجتمع المدني" في لبنان أو في غيره من البلدان العربية أو غير العربية. وحين تتحرر النقابات من سيطرة السلطة التنفيذية ومن هيمنة الأجهزة الأمنية خاصة، ويصدر قانون ديمقراطي للأحزاب والجمعيات ينظم الحياة السياسية والمناشط الاجتماعية يغدو من البديهي أن تقوم علاقات متبادلة بين هذه المؤسسات المجتمعية ونظيراتها في لبنان أو في غيره من الأقطار العربية وغير العربية. وفي اعتقادنا أن بناء علاقات حرة ومتكافئة وندِّية بين مؤسسات المجتمع المدني، ولا سيما الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات الوظيفية في سورية ولبنان من شأنه أن يصحح مسار العلاقات السياسية والاقتصادية بين الدولتين والحكومتين، ويرأب الصدوع التي نشأت بين الشعبين، ولا يضير أن نقول: بين الشعبين، لكي لا نعيد إنتاج مقولة "شعب واحد في دولتين" التي تحيل على بلاغة لفظية خاوية من أي مضمون، فليس هناك في العالم شعب واحد في دولتين أو في عدة دول، لأن مفهوم الشعب مطابق لمفهوم الدولة؛ والحقوقيون وعلماء السياسة يعرفون الدولة بعناصرها الثلاثة: الأرض والشعب والسلطة السياسية؛ فحين نقول شعب واحد في دولتين كأننا نقول إن إحدى هاتين الدولتين يجب أن تزول حتى تستقيم الأمور[7]. فإن مما لم نلتفت إليه مفهومياً اختلاف مفهوم المجتمع عن مفهوم الشعب واختلاف هذا الأخير عن مفهوم الأمة، فمفهوم المجتمع مفهوم سوسيولوجي ومفهوم الشعب مفهوم سياسي، منذ عرف اليونانيون الديمقراطية بأنها حكم الشعب، أي حكم المواطنين الأحرار، ومفهوم الأمة مفهوم ثقافي، ما لم تتعين الأمة في دولة قومية. (تتعين الأمة اجتماعياً في المجتمع المدني وتتعين سياسياً في الدولة القومية أو الدولة / الأمة). يمكن أن يكون هناك أمة في دولتين أو أكثر، كالأمة العربية وغيرها كثير، ولكن لا يمكن أن يكون هناك شعب واحد في دولتين أو أكثر.

بعد أكثر من ربع قرن من الوجود السوري في لبنان لم تتحسن العلاقات المتبادلة بين الشعبين اللذين صيغت حياتهما السياسية بدلالة مبدأ التجزئة الإمبريالية الذي لا يزال حاكماً على جميع السياسات العربية، فقد كانت هذه العلاقات مشوبة دوما بتوجس متبادل، ولا سيما منذ تسلم حزب البعث العربي الاشتراكي السلطة في سورية، من دون أن ننسى ما أثارته تجربة الوحدة الاندماجية بين سورية ومصر (1958-1961) من خوف وتوجس لدى الجماعات غير العربية والجماعات غير الإسلامية، فقد كانت السلطات المتعاقبة في سورية تتوجس شراً من مناخ الحرية في لبنان الذي كان ولا يزال رئة المشرق العربي، على ما أصاب هذه الرئة من أدواء، وعلى الرغم من تحول الحرية إلى نوع من حرية مشرَّعة ذاتياً، أي طائفياً وحزبياً وميليشياوياً، في حين كانت السلطات اللبنانية وقوى الأمر الواقع تتوجس شراً من الميل العروبي ومن النزوع الوحدوي لدى السوريين، وهذه مفارقة لافتة للنظر، أعني تنافر أو عدم انسجام الميل العروبي التقليدي  والميل الديمقراطي العلماني؛ عروبة تقليدية أو تقليدية جديدة محافظة واستبدادية، بكل ما ينطوي عليه الاستبداد من شرور كان الكواكبي من حلب في سورية سباقاً إلى كشف النقاب عنها، وديمقراطية طوائفية بكل ما تنطوي عليه الطائفية من نفي العمومية وعدم اعتراف بالآخر ومضادَّة الدولة الحديثة. تلكم هي المسألة.

يبدو من الصعب أن تنشأ علاقات صحيحة بين الدول العربية ما لم تتسق العروبة والديمقراطية، أو ما لم تغد الديمقراطية مضمون المشروع القومي النهضوي وإطاره السياسي. ومن الصعب أن تنشأ علاقات صحيحة بين سورية ولبنان خاصة سوى على أنقاض الطائفية والاستبداد. ومن ثم فإن هيمنة النظام السوري على لبنان تضر بسورية كما تضر بلبنان، وتديم هذا التعارض غير المنطقي بين الأمن والسيادة في البلدين.

 



[1] - لا شك أن المذاهب والطوائف واقع تاريخي يستحق العناية والاهتمام، وأن جميع المذاهب والطوائف قامت ولا تزال مستمرة بحكم التاريخ، فهي من هذه الزاوية واقعية وعقلانية، ولكن، حين تكون الطائفية والمذهبية محوراً للعلاقات الاجتماعية والسياسية تغدو غير عقلانية تعوق نمو المجتمع وتقدمه وتكبح سيرورة اندماجه القومي والاجتماعي، وهو مما يحيل على علاقة الدين بالسياسة، ويضع العلمانية شرطاً ضرورياً لقيام مجتمع مدني حديث يجسد مفهوم الأمة الحديثة في الواقع.

[2] - راجع، غسان اويتي، جريدة النهار، 26 آب 2002

[3] - الذين يدافعون عن الأوضاع القائمة يتذرعون بهذا النوع من الواقعية والعقلانية الأداتية، الكلبية.

[4] - راجع جان جاك شوفالييه، تاريخ الفكر السياسي، ترجمة محمد عرب صاصيلا، ص 286

[5] - مبدأ السيادة المقترن بالأمن، بحكم اقترانه بالقانون الذي يسري على الجميع، هو الأساس الذي بني عليه مفهوم سيادة الأمة وسيادة الشعب ومفهوم المشاركة السياسية.

[6] - سيادة الدول العربية منقوصة بالتأخر التاريخي والهيمنة الأمريكية، وسيادة لبنان خاصة منقوصة بالهيمنة الأمريكية والهيمنة السورية، وغيرها؛ ولكننا لو حذفنا سائر الهيمنات الخارجية لبقيت سيادة جميع الدول العربية منقوصة بالتأخر التاريخي الذي يتجلى في مظاهر شتى أبرزها الطائفية في لبنان والاستبداد في سورية والعراق، على سبيل المثال، لا على سبيل الحصر.

[7] - نحن، بخلاف ذلك، نتطلع إلى شعب واحد في دولة ديمقراطية واحدة.